إيران تحذر من عواقب إقليمية وخيمة إذا ألغي الاتفاق النووي

توعدت واشنطن بـ«فشل» سياسة احتواء دور طهران في الشرق الأوسط

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتوسط رئيسي القضاء والبرلمان الأخوين صادق وعلي لاريجاني على هامش اجتماع رؤساء السلطات الإيرانية الثلاثة في طهران أمس (موقع روحاني)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتوسط رئيسي القضاء والبرلمان الأخوين صادق وعلي لاريجاني على هامش اجتماع رؤساء السلطات الإيرانية الثلاثة في طهران أمس (موقع روحاني)
TT

إيران تحذر من عواقب إقليمية وخيمة إذا ألغي الاتفاق النووي

الرئيس الإيراني حسن روحاني يتوسط رئيسي القضاء والبرلمان الأخوين صادق وعلي لاريجاني على هامش اجتماع رؤساء السلطات الإيرانية الثلاثة في طهران أمس (موقع روحاني)
الرئيس الإيراني حسن روحاني يتوسط رئيسي القضاء والبرلمان الأخوين صادق وعلي لاريجاني على هامش اجتماع رؤساء السلطات الإيرانية الثلاثة في طهران أمس (موقع روحاني)

لم يمنع «تأكيد» الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، على اتفاق مع رئيس البرلمان علي لاريجاني ورئيس القضاء صادق لاريجاني على «حفظ الوحدة والانسجام الداخلي» وتحذيرات متزامنة أطلقها مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية عباس عراقجي حول عواقب وخيمة لأي خلل في الاتفاق النووي، من عودة التوتر إلى أسواق المال الإيرانية بتسجيل الدولار رقماً قياسياً جديداً في مؤشر على تأهب الإيرانيين لخطوة الإدارة الأميركية المحتملة بالانسحاب من الاتفاق وعودة العقوبات الأميركية على طهران.
وقال مساعد وزير الخارجية للشؤون السياسية عباس عراقجي، أمس، إن «أي خلل بالاتفاق النووي سيدفع المجتمع الدولي ثمنه»، مضيفاً أن محاولات أميركا وحلفائها لاحتواء دور إيران الإقليمي «آمال خائبة».
ووصف عراقجي أمس، الاتفاق الموقع في يوليو (تموز) 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 الدولية حول برنامجها النووي بـ«الأمني»، وقال إنه «يرتبط مباشرة بأمن المنطقة والعالم»، مضيفاً أن «أي خلل في الاتفاق النووي ستكون عواقبه وخيمة على كل المجتمع الدولي».
جاء ذلك في حين تصر إيران ودول مشاركة في الاتفاق النووي على إضافة ملفات مثل الملف الصاروخي إلى الاتفاق النووي ودور إيران الإقليمي، وتقول إن الاتفاق يقتصر على البرنامج النووي.
رسائل عراقجي نقلتها وكالة «إيسنا» الحكومية التي تحرص في تقارير على تعزيز موقف إدارة حسن روحاني ضد منتقدي الاتفاق النووي في الداخل الإيراني. وزعم أن بلاده «ذات تأثير» في مختلف المجالات، من بينها «مواجهة التدخل الأجنبي ومكافحة الإرهاب والتطرف ودعم السلام والاستقرار الإقليميين».
وقال عراقجي إن الإدارة الأميركية قد تتجه إلى احتواء دور بلاده الإقليمي عبر «زيادة العقوبات والعودة للعقوبات النفطية والنقل البحري وكل العقوبات السابقة»، إلا أنه في الوقت نفسه، أقر بأن «الاتفاق النووي يحول دون ذلك».
وكان الرئيس الأميركي وافق على تمديد العقوبات النووية في يناير (كانون الثاني) الماضي «للمرة الأخيرة»، بعدما رفض المصادقة عليها لأول مرة في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وطالب بتعديل ثغرات الاتفاق النووي. حينذاك أقرت الخزانة الأميركية عقوبات صارمة على «الحرس الثوري» المسؤول عن تطوير برنامج الصواريخ الباليستية.
في هذا الصدد، قال عراقجي إن جميع الخطط الأميركية لاحتواء دور إيران الإقليمي «فشلت»، مضيفاً أن إدارة ترمب «تحاول منذ عام إنهاء الاتفاق النووي أو إجراء بعض التعديلات، لكنها أخفقت في ذلك».
وجاءت تصريحات عراقجي غداة مطالب وجهت إلى الخارجية الإيرانية من المتحدث باسم لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان حسين نقوي حسيني، التي طالب فيها الخارجية الإيرانية باتخاذ مواقف «أكثر ثورية وتأثيراً»، محذراً الجهاز الدبلوماسي من تقديم التنازلات إلى الإدارة الأميركية، في إشارة إلى مشاورات أميركية - أوروبية هذه الأيام حول الموقف من الاتفاق النووي.
وقد عزز خطاب المرشد الإيراني علي خامنئي، الأربعاء الماضي حول تفعيل «سياسة المقاومة» والاعتماد على المنتجات محلية الصنع، قناعات داخلية بقرب نهاية الاتفاق النووي، لا سيما في ظل ردود الأفعال الواسعة عقب التغييرات الأخيرة التي شهدتها الإدارة الأميركية بتعيين مايك بومبيو وزيراً للخارجية بدلاً من ريكس تيلرسون، وتسمية جون بولتن مستشاراً للأمن القومي.
ورغم أن الخارجية الإيرانية قللت سابقاً على لسان الناطق باسهما بهرام قاسمي من تأثير التغييرات في إدارة ترمب على الاتفاق النووي، فإن مواقف المسؤولين الإيرانيين في مجلس الأمن القومي والبرلمان وبعض المسؤولين في الحكومة، أظهرت نقيض ذلك. وانقسم الإيرانيون خلال الأيام الأخيرة حول تغييرات البيت الأبيض، ورأى فريق أنها مؤشر قوي على خروج إدارته من الاتفاق، فيما يرجح فريق آخر عودة خيار شبح الضربة العسكرية للمنشآت الإيرانية.
ويمني فريق في الحكومة يمثله وزير الخارجية محمد جواد ظريف، النفس بمظلة أوروبية تمسك بخيوطها مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني ضد تهديدات ترمب، وذلك في حين تعد الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا) 3 حزم عقوبات تشمل دور طهران الإقليمي المزعزع للاستقرار والصواريخ الباليستية وانتهاكات حقوق الإنسان.
وكان الملف الإيراني حاضراً في مشاورات بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان ووزير الخارجية الألماني هايكو ماس.
وأبلغ نتنياهو المسؤولين الأوروبيين أن ترمب سوف ينسحب من الاتفاق النووي في 12 مايو (أيار) المقبل، في حال لم يشهد تغييرات أساسية. ودعا لدى استقباله لو دريان إلى تشكيل جبهة موحدة في مواجهة إيران التي وصفها بأنها «الراعي الأساسي» للإرهاب في العالم. وتابع: «علينا وقف عدوانها واسع النطاق. علينا التحقق من أن إيران لن تتمكن من حيازة السلاح النووي».
ودان لو دريان بدوره «هيمنة» إيران والمخاطر المحتملة لبرنامجها الباليستي، وفق ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
قبل ذلك بساعات، حاول روحاني أمس أن يوجه رسالة اطمئنان إلى مواطنيه قبل انتهاء إجازة النوروز، وقال عقب انتهاء اجتماعه برؤساء السلطتين القضائية والتشريعية، إنه «بلا ريب، التغييرات في العالم لا يمكن أن تؤثر سلباً على مسار الثبات والأمن ووحدة البلد».
قبل ذلك، قال جون بولتن في أول حوار بعد ترشيحه لراديو «نيويورك إم 970» أول من أمس، إنه يوافق «تقييم ترمب حول الاتفاق النووي»، وقال: «إنني لا أتصور أنه يمكن تعديل الاتفاق عبر المفاوضات التي أجريناها مع الأوروبيين». وأضاف أن «بعض المرات يجب فيها قبول الواقع بأن هذا الاتفاق مثلما قال الرئيس كان سيئاً منذ البداية ولن يتحسن. من المحتمل أن يعلن في منتصف مايو قراره النهائي في هذا الصدد، وأنه أحد الموضوعات التي يعمل عليها بجدية عندما أدخل البيت الأبيض».
واستضاف روحاني أول اجتماع تنسيقي بين رؤساء السلطات الثلاثة، وذلك بعد أقل من أسبوع على إطلاق المرشد الإيراني علي خامنئي شعار العام الجديد، الذي طالب فيه المؤسسات الحكومية بدعم المنتجات المحلية.
وبدأ روحاني العام الإيراني الجديد في وقت تجري فيه لجنة برلمانية مشاورات مع ممثليه بعد 3 طلبات من نواب البرلمان لاستجوابه بسبب تراجع العملة الإيرانية والأوضاع المعيشية وإفلاس مؤسسات مالية وسياسات البنك المركزي الإيراني.
وبالتزامن مع لقاء رؤساء السلطات الثلاثة، أفادت وكالات أنباء إيرانية بأن سعر الدولار واصل كسر الأرقام القياسية في أسواق المال الإيرانية، وذلك بعد أسبوعين من عودة الهدوء إلى سوق العملة، إثر حملة اعتقالات استهدفت ناشطين اقتصاديين في طهران.
ومن بين السيناريوهات التي تزيد الضغوط الأميركية على إيران في حال الإبقاء على الاتفاق النووي، وهو ما يؤدي إلى فرض مزيد من القيود في الأسواق العالمية، ما يحد من تطلعات إدارة روحاني على تشجيع الاستثمار الأجنبي.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».