مورينيو يعيش محنة كبرى في مانشستر يونايتد

شراء سانشيز جديد أو بوغبا آخر لن يحل المشكلة الجوهرية المتعلقة بتكتيكاته داخل الملعب

(أ.ب) سانشيز مازال تائهاً في مانشستر - وسام بن يدر يقضي على آمال يونايتد ويحرز هدف أشبيلية الثاني (أ.ف.ب) - مورينيو وتساؤلات حول قدراته في تدريب الاندية الكبيرة
(أ.ب) سانشيز مازال تائهاً في مانشستر - وسام بن يدر يقضي على آمال يونايتد ويحرز هدف أشبيلية الثاني (أ.ف.ب) - مورينيو وتساؤلات حول قدراته في تدريب الاندية الكبيرة
TT

مورينيو يعيش محنة كبرى في مانشستر يونايتد

(أ.ب) سانشيز مازال تائهاً في مانشستر - وسام بن يدر يقضي على آمال يونايتد ويحرز هدف أشبيلية الثاني (أ.ف.ب) - مورينيو وتساؤلات حول قدراته في تدريب الاندية الكبيرة
(أ.ب) سانشيز مازال تائهاً في مانشستر - وسام بن يدر يقضي على آمال يونايتد ويحرز هدف أشبيلية الثاني (أ.ف.ب) - مورينيو وتساؤلات حول قدراته في تدريب الاندية الكبيرة

كانت هناك لحظة مخيفة بعض الشيء خلال الشوط الثاني من المباراة الأخيرة التي شهدها استاد أولد ترافورد، وذلك عندما ودع مانشستر يونايتد بطولة دوري أبطال أوروبا في دور الـ16؛ ثمة شعور بعوالم تنهار وأزمنة تتصادم مع بعضها البعض. جاءت تلك اللحظة في وقت كان مهاجم إشبيلية الفرنسي وسام بن يدر قد أسكن لتوه الكرة في شباك حارس مانشستر يونايتد الإسباني ديفيد دي خيا لتصبح نتيجة المباراة 1 - 0. وفي اللحظة التي انطلقت الاحتفالات في صفوف لاعبي إشبيلية داخل الملعب، وارتفعت صيحات المعلق في الراديو الإسباني «جول جول!»، ثمة جسد متشح بالسواد بدا يتحرك على امتداد خط التماس، قابضاً على ذراعيه.
وبدا من المغري إمعان النظر في هذا الشبح الذي ظهر في «أولد ترافورد»، وبدأت السلاسل المقيد بها في إحداث ضجة وقعقعة في الوقت الذي أطلق هو صيحاته الغاضبة باتجاه الأبواب المغلقة في وجهه، إلا أنه نجح للحظة وجيزة في شق طريقه نحو اختراق عالمنا. ومثلما الحال مع جميع الأشباح السينمائية التي جرى إبداعها ببراعة، بدا وكأن هذا الشبح يحاول أن يخبرنا رسالة ما: ربما أراد التعبير عن يأسه أو سخطه أو شعوره بالإثارة أو حاجة لاعبي مانشستر يونايتد لإعادة ترتيب صفوفهم. وفيما وراء هذا المشهد، بدا وأن ثمة شيئاً أكثر عمقاً يجري فقدانه فيما وراء ضمان المشاركة في دور الثمانية، وذلك على يد فريق إشبيلية الذي بدا متوازناً ومستحقاً للفوز.
اللافت أنه كانت ثمة أصداء مؤلمة لمثل هذا المشهد الشهير على خط التماس ذاته منذ 15 عاماً، عندما كان العالم الذي يزال في عنفوان شبابه وشعر مورينيو لا يزال كثيفاً وكستنائي اللون، وذلك عندما أعلن مدرب بورتو الشاب عن صعوده كقوة يحسب لها ألف حساب داخل دوري أبطال أوروبا. ربما يميل المرء لرفض فكرة أن هاتين اللحظتين تشكلان طرفي البداية والنهاية في قصة تفوق مورينيو. ومع هذا، يبقى من العسير المجادلة في الحقائق، وتشير الحقائق القائمة اليوم إلى أنه فيما يخص العمل مع الأندية الكبرى على الصعيد الأوروبي تعرض مورينيو لمحن عصيبة، بينما أفضل فترات تألقه - الإنتر وبورتو - بدأت تبهت بالفعل ويتقادم عليها الزمن، وتبدو على نحو متزايد، وكأنها تنتمي لعالم ولَّى، ولم يعد له وجود.
بحلول ليلة الثلاثاء، تكون قد مرت بالضبط أربع سنوات منذ نجاح مورينيو في قيادة فريق إلى الفوز في أدوار التصفيات ببطولة دوري أبطال أوروبا. وخلال مبارياته العشر الأخيرة مع مانشستر يونايتد وتشيلسي، فاز مورينيو في مباراتين وحقق خمسة تعادلات بعدد أهداف ضئيل. ولدى إمعان النظر حتى في مباراتي الفوز سالفتي الذكر، نجد أنهما لا تنبئان في حقيقة الأمر عن الكثير، فالأخيرة كانت الكمين الذي جرى صنعه لباريس سان جيرمان على أرض ملعب استاد ستامفورد بريدج، وبفضل كرة مرتفعة في وقت متأخر من المباراة تبدلت نتيجة مباراة كان تشيلسي في طريقه نحو خسارتها. أما المباراة الأخرى فكانت عندما عاد ديدييه دروغبا إلى تشيلسي مع فريق غلاطة سراي التركي، عندما بدا أن احتفالات العودة التي غلبت عليها العاطفة الجياشة أثارت ذعر الفريق الزائر، ونجح تشيلسي في التقدم بنتيجة 1 - 0 في غضون أربع دقائق فقط من انطلاق المباراة.
ولدى تفحص عامه الأخير مع ريال مدريد يبدو من غير المثير للدهشة أن نجد أن مورينيو كان حريصاً هذا الأسبوع على الإشارة إلى نجاحه في الفوز على مانشستر يونايتد على أرض أولد ترافورد، والدفع به خارج بطولة دوري أبطال أوروبا عام 2013. ويعتبر ذلك الفوز شبه المتطابق بنتيجة 2 - 1 منذ خمسة أعوام، المرة الأخيرة التي تولى خلالها مورينيو قيادة فريق نحو الفوز في دور التصفيات خلال مباراة خارج أرضه. وحتى خلال تلك المباراة كان ريال مدريد على وشك توديع البطولة قبل أن يتعرض ناني لاعب مانشستر يونايتد البرتغالي للطرد.
وتبدو الأموال التي أنفقها ريال مدريد خلال فترة مدربه الحالي زين الدين زيدان ضئيلة أيضاً مقارنة بما أنفقه نادي إنتر ميلان الإيطالي خلال حقبة مورينيو. وفاز مورينيو بآخر ألقابه في بطولة دوري أبطال أوروبا عندما كان مديراً فنياً لإنتر ميلان، عندما كبده 3.‏146 مليون يورو لشراء لاعبين جدد، علماً بأن معدل التضخم في سوق الانتقالات آنذاك كان أقل بكثير من المعدل السائد في الوقت الراهن.
وعليه، وبعد تفحص كل ما سبق وبالنظر إلى الملايين التي أنفقت والأندية التي تولى تدريبها (الفرق الثلاثة الفائزة بالبطولة في السنوات الأخيرة، لم تكن تحت قيادة مورينيو)، يتضح أن مورينيو رديء على نحو استثنائي في أدائه بالأدوار الأخيرة من بطولة دوري أبطال أوروبا. وبالنظر إلى أنه حقق فوزين من إجمالي 10 مباريات في ظل توافر كل شيء أمامه بداية من الأموال حتى النفوذ والمكانة، فإنه يبدو أسوأ مدرب على مدار السنوات الـ10 الماضية على مستوى أدوار التصفيات بدوري أبطال أوروبا.
هل ثمة مبالغة ضده في هذا الحكم؟ ربما، لكن تبقى القضية الحقيقية ليس ترتيبه في قائمة الفشل في أدوار التصفيات، وإنما إصرار مورينيو المستميت على إتباع توجه لم يعد ناجعاً على هذا المستوى من المنافسات. وكان هذا تحديداً عنصراً آخر مثيراً للصدمة، فيما يخص المباراة التي جرت مساء الثلاثاء. ولو أعيدت هذه المباراة، ولو جرى مد زمنها إلى 5 ساعات لما بعد منتصف الليل، سيبقى الشكل العام لمانشستر يونايتد بعيداً عن إمكانية إحراز الفوز. والواضح أن العقبة هنا لم تكن التفاصيل أو الشكل العام للفريق، وإنما التوجه الدفاعي الثابت في مباراة لا خيار فيها سوى الفوز لمانشستر يونايتد على أرضه في مواجهة أفضل خامس فريق داخل إسبانيا.
ومع هذا، فإنه ليس المقصود من ذلك الادعاء بأن أساليب مورينيو تواجه الفشل داخل مانشستر يونايتد، ذلك أن كرة القدم الدفاعية لا تزال قادرة على تحقيق الفوز. والإنصاف يقتضي الإقرار بأن مانشستر يونايتد يبدو اليوم في حال أفضل مما كان عليه لحظة انضمام مورينيو إليه، ويبدو أنه سيصبح في صورة أفضل في غضون عام من الآن. المسألة برمتها تتعلق بما إذا كان مورينيو لا يزال يمتلك الإرادة والأساليب التي تمكنه من اجتياز أدوار التصفيات في مواجهة أعتى الفرق الأوروبية. في الوقت الراهن، يبدو أنه يعيد ما سبق، وأن فعله في بورتو والإنتر في مثل هذه المواقف، وهو التطلع نحو مهاجمة نقاط قوة الخصم بدلاً عن التركيز على نقاط ضعفه، والسعي نحو الفوز عبر محاولة إلغاء المساحات بدلاً عن استغلالها. وعلى ما يبدو، فإن مورينيو كان بارعاً للغاية في تدريب فرق متوسطة المستوى ودفع اللاعبين من الفئة الثانية نحو إظهار أفضل ما لديهم داخل الملعب، لكن عندما سنحت له فرصة تدريب الفرق الكبرى اتضح أن تكتيكاته لا توائم هذه الفرق، علاوة على أن اللاعبين من الفئة الممتازة أكثر براعة بكثير من أن يشرعوا في تنفيذ تعليماته دون طرح أسئلة حول جدواها.
من ناحية أخرى، كانت هناك بالتأكيد فرق هجومية رائعة تألقت تحت قيادة مورينيو فيما مضى. جدير بالذكر أن التشكيل الأساسي لريال مدريد الذي فاز به مورينيو أمام مانشستر يونايتد منذ خمسة أعوام تضمن مسعود أوزيل وأنخيل دي ماريا وكريستيانو رونالدو وغونزالو هيغواين. تكمن المشكلة في أنه في الوقت الذي استغرق مورينيو في استمتاعه باللعب الدفاعي والسيطرة والتماسك بخط الدفاع، تحرك العالم نحو الاتجاه المقابل. وتوحي الدلائل القائمة بأنه من المتعذر الفوز ببطولة دوري أبطال أوروبا بهذا الأسلوب الدفاعي، تماماً مثلما أن التعادل السلبي خارج الأرض لم يعد نتيجة إيجابية، وأصبحت المباريات التي تنتهي بتسجيل أعداد ضخمة من الأهداف أكثر شيوعاً.
والتساؤل الذي يفرض نفسه هنا ما إذا كان مورينيو قادراً على التكيف مع المستجدات وتعديل تكتيكاته بعض الشيء، وبناء الشكل الجديد لمانشستر يونايتد حول عدد من العناصر المحورية التي تربط بينها حالة من التناغم والانسجام - فريق قادر على ملء الفراغات بدلاً عن التراجع إلى الخلف للتحوط منها - ويجب أن نتذكر جميعاً أنه حتى في حالات الهزيمة، تبقى مشاهدة أداء متألق في أرض الملعب تشاهد فيه الكثير من المهارات المحلية أمراً رائعاً يخفف آلام الهزيمة. أما روميلو لوكاكو فرغم أنه كثيراً ما بدا معزولاً عن باقي فريقه على نحو مروع أمام إشبيلية، فإنه يبقى اللاعب الأفضل في صفوف مانشستر يونايتد خلال المباراة.
أما مورينيو، فسوف يتاح أمامه مزيد من الوقت والأموال لتعزيز فريقه وتلميع صورته - لكن ليس الكثير. وعليه الانتباه إلى أن مانشستر يونايتد في نهاية الأمر ليس سوى آلة صنعت من أجل الفوز ومشروع تجاري رياضي يجري تحديد مستوى نجاحه قياساً على مستوى التقدم الذي يحرزه على المستوى الأوروبي. وعليه، فإنه إذا ما مني مورينيو بإخفاق آخر، فإن شراء سانشيز جديد أو بوغبا آخر لن يفيده في حل المشكلة الجوهرية المتعلقة بأسلوب عمله وتكتيكاته داخل الملعب.



«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
TT

«مونديال 2026»: توقيف 141 شخصاً في باريس وضواحيها

إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)
إيقاف 141 شخصاً في باريس وضواحيها بعد خسارة نصف نهائي «مونديال 2026» أمام إسبانيا (إ.ب.أ)

أُوقِف 141 شخصاً، ليل الثلاثاء-الأربعاء، في باريس وضواحيها، على هامش الاحتفالات المرتبطة بمواجهة فرنسا وإسبانيا في الدور نصف النهائي من «مونديال 2026»، وفق حصيلة أولية صادرة عن مديرية شرطة باريس.

وأوضحت المديرية أن هذه التوقيفات مرتبطة، بشكل رئيس، «لاستخدام مقذوفات الألعاب النارية الموجهة ضد قوات الأمن وخدمات الطوارئ». ووفق المصدر نفسه، لم تُسجَّل إصابات خطرة.

وأُقصي المنتخب الفرنسي من المربع الذهبي للعرس الكُروي العالمي بخسارته أمام إسبانيا 0-2. وفي العام الماضي، وفي التاريخ نفسه، أُوقِف 175 شخصاً. وخلال ليلة 13- 14 يوليو (تموز) الحالي، «أُوقف 98 شخصاً، مقابل 176» العام الماضي.

ونُشر نحو 7000 عنصر من الشرطة والدرك في باريس وضواحيها يومي 13 و14 يوليو.


بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
TT

بصافرة مغربية وهوية أميركية... إسماعيل الفتح يكتب فصلاً جديداً في صراع «الأسود» و«التانغو»

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)
الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

حين تُسند إدارة قمة كروية ساخنة بحجم مواجهة إنجلترا والأرجنتين في نصف نهائي كأس العالم، فإن القرار لا يحمل في طياته مجرد صافرة تدير تسعين دقيقة من الركض، بل يفتح الباب واسعاً أمام قراءة في كتاب التاريخ وقصص الكفاح الإنساني.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ب)

هذا هو حال الحكم الأميركي ذي الأصول المغربية إسماعيل الفتح، الذي وجد نفسه تحت مجهر الصحافة البريطانية والأرجنتينية على حد سواء، ليس فقط كقاضٍ لواحدة من أكثر المواجهات إثارة وتاريخية في عالم كرة القدم، بل كفأل حسن دائم يرافق قائد «التانغو» ليونيل ميسي أينما حل وارتحل في الملاعب الأميركية والمونديالية.

من أزقة الدار البيضاء إلى الهندسة الميكانيكية

لم تكن طريق إسماعيل الفتح البالغ من العمر أربعة وأربعين عاماً مفروشة بالورود، فالرجل الذي ولد في أزقة الدار البيضاء المغربية عام 1982، غادر وطنه في سن الثامنة عشرة محملاً بحلم غامض بعد فوزه بقرعة تأشيرة التنوع الهجرة العشوائية عام 2001.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وفي الولايات المتحدة، لم يكتفِ الفتح بالبحث عن لقمة عيش تقليدية، بل واصل تحصيله الأكاديمي بجدية وعصامية لافتة، ليتخرج عام 2006 في جامعة تكساس العريقة حاملاً درجة البكالوريوس في الهندسة الميكانيكية، إلا أن عشق الساحرة المستديرة ظل يراوده ليتخذ قراره الجريء بدخول عالم التحكيم رسمياً عام 2011، شاقاً طريقه خطوة بخطوة في الدوري الأميركي للمحترفين حتى حصل على الشارة الدولية من الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في عام 2016، وهو العام ذاته الذي دوّن فيه اسمه كأول حكم يقود مباراة رسمية تُطبق فيها تقنية الفيديو المساعد في الملاعب الأميركية.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

تميمة حظ ميسي وهواجس الصحافة البريطانية

وقد أحدث اختيار الفتح لموقعة نصف النهائي في أتلانتا ضجة كبرى في الأوساط الرياضية البريطانية، حيث أبدت الصحف اللندنية قلقاً بالغاً من تعيينه، واصفة إياه بالحكم المفضل لليونيل ميسي.

وتستند هذه الهواجس إلى إحصائية مثيرة للاهتمام، إذ إنه منذ انتقال البرغوث الأرجنتيني إلى صفوف إنتر ميامي الأميركي، أدار له الفتح خمس مباريات نجح ميسي في الفوز بها جميعاً.

وتوزعت هذه المواجهات بين بطولتين هما كأس الدوريات ضد فريقي شارلوت وناشفيل (والتي تُوج ميامي بلقبها)، والدوري الأميركي للمحترفين ضد ناشفيل، أورلاندو سيتي، ونيوانغلاند ريفولوشن، سجل خلالها ميسي ستة أهداف حاسمة.

ولا يتوقف هذا الرابط الروحي مع الكرة الأرجنتينية عند هذا الحد، بل يمتد إلى ليلة لوسيل التاريخية في مونديال قطر 2022، حين كان الفتح حكماً رابعاً في المباراة النهائية الأسطورية التي شهدت رفع ميسي لكأس العالم بعد التغلب على فرنسا بركلات الترجيح.

قمة التحليق القاري والعالمي وغضب إسباني

ويعتبر الفتح، اليوم، واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل تراكم خبراته في المواعيد الكبرى، حيث أدار نهائي كأس العالم للشباب تحت عشرين عاماً في 2019، وشارك في أولمبياد طوكيو 2021، بالإضافة لثقة الفيفا به لقيادة قمم قارية كبرى مؤخراً؛ كنهائي كأس القارات للأندية بين باريس سان جيرمان وفلامنغو البرازيلي، ونهائي دوري أبطال الكونكاكاف.

ورغم هذا الصعود السريع، لم يخلُ مشواره من الجدل، فقبل هذه الموقعة المنتظرة، أثار تحكيمه في مباراة إسبانيا وأوروغواي (1-0) بالمونديال الحالي غضباً عارماً في الصحافة الإسبانية التي اتهمته بـ«التساهل المفرط» مع خشونة لاعبي أوروغواي تحت قيادة مارسيلو بيلسا، رغم قيامه بطرد لاعبهم أغوستين كانوبيو في نهاية اللقاء.

سجل مونديالي حافل بالنجاح في نسختين

ويعتبر المغربي الأميركي اليوم واحداً من حكام الصف الأول في المنظومة الدولية بفضل حضور هادئ وحازم في الملاعب الكبرى، وتجربة مونديالية ثرية تمتد عبر نسختين متتاليتين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (إ.ب.أ)

ففي مونديال قطر 2022، قاد الفتح بنجاح ثلاث مباريات كحكم ساحة، استهلها بمواجهة البرتغال وغانا في دور المجموعات، ثم مباراة البرازيل والكاميرون، قبل أن يدير موقعة كرواتيا واليابان في ثمن النهائي، والتي حسمتها ركلات الترجيح.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (رويترز)

وفي النسخة الحالية لعام 2026، يواصل الحكم المغربي الأصل تألقه، حيث ستكون قمة إنجلترا والأرجنتين هي مباراته الرابعة في البطولة، بعد أن أدار بكفاءة عالية مباريات اليابان ضد هولندا (2-2)، وأوروغواي ضد إسبانيا (0-1) في المجموعات، ثم مواجهة البرازيل والنرويج (1-2) في دور الستة عشر.

تحدي أتلانتا وسلاح البطاقات الملونة

ويدخل إسماعيل الفتح تحدي أتلانتا على أرضية ملعب «مرسيدس بنز» محاطاً بطاقم أميركي خالص، وفي جعبته صرامة تكتيكية وأرقام تحكيمية واضحة تثير حذر المعسكرين.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وقد وجه الإعلام البريطاني رسائل تحذيرية للاعبي منتخب «الأسود الثلاثة» ومدربهم الألماني توماس توخيل من الاندفاع البدني الزائد، كون الفتح لا يتردد في إشهار البطاقات الملونة لضبط اللعب، وهو ما أظهره بوضوح خلال مبارياته السابقة في هذه النسخة.

الحكم المغربي الأميركي إسماعيل الفتح (أ.ف.ب)

وبين مهندس ميكانيكي صاغ نجاحه بدقة متناهية، وتطلعات ميسي لنهائي جديد، ورغبة إنجلترا في كسر العقدة، تتجه الأنظار صوب صافرة ابن الدار البيضاء الحامل لراية التحكيم الأميركي في واحدة من أعظم قمم الساحرة المستديرة.


هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
TT

هل يعيد التاريخ نفسه؟ كيف تحولت حرب الفوكلاند إلى ديربي الأرض بين الأرجنتين وإنجلترا؟

صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة تجمع بين مهاجم الأرجنتين ليونيل ميسي ومهاجم إنجلترا هاري كين (أ.ف.ب)

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد لعبة بحدود مستطيلة لتسعين دقيقة، بل هي مرآة للشعوب، ومسرحاً تُصفى عليه الحسابات التي عجزت عنها أروقة الدبلوماسية. وفي مساء الأربعاء، الخامس عشر من يوليو (تموز) 2026، تتجه أنظار العالم صوب ملعب «مرسيدس بنز» في أتلانتا بالولايات المتحدة الأميركية، حيث يلتقي عملاقا الكرة الأرضية، الأرجنتين وإنجلترا، في نصف نهائي مونديال 2026، في مواجهة تتجاوز التكتيك الكروي لتنبش في دفاتر التاريخ الساخنة.

هذه الموقعة ليست مجرد بطاقة عبور للنهائي الكبير، إنها استدعاء مباشر لروح عام 1982، وتلك البقعة الصخرية الباردة في جنوب المحيط الأطلسي المعروفة بـ«جزر الفوكلاند» (أو المالوين كما يسميها الأرجنتينيون).

صورة ترصد الفرقاطة البريطانية «إتش إم إس برودسورد» وهي تبحر بجانب حاملة الطائرات «إتش إم إس هيرميس» في مياه جنوب المحيط الأطلسي خلال مشاركتهما في عمليات حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

النزاع العسكري العنيف الذي دار بين البلدين، والذي خلَّف جراحاً غائرة في الوجدان النرجسي لـ«التانغو» وسيادة «التاج البريطاني»، يعود ليفرض ظلاله السياسية والوجدانية على عقول اللاعبين والجماهير على حد سواء.

صورة توثق أكواماً من الأسلحة والمعدات العسكرية التي خلَّفها الجنود الأرجنتينيون وراءهم في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلامهم للقوات البريطانية وانتهاء حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

صراع الجزر والسيادة: الجرح الذي لم تندمل ندوبه

في ربيع عام 1982، اندلعت حرب مباغتة دامت 74 يوماً بين بريطانيا والأرجنتين حول السيطرة على جزر الفوكلاند. انتهت المعارك بانتصار عسكري إنجليزي حاسم واستعادة لندن للسيطرة على الجزر، مما خلّف مئات الضحايا الأرجنتينيين، ومعهم مرارة وطنية جارفة في بوينس آيرس.

صورة التُقطت في 19 مايو 1982 تُظهر طائرات «هاريير جي آر 3» التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني وطائرات «سي هاريير إف آر إس 1» التابعة للبحرية الملكية مصطفَّةً على ظهر حاملة الطائرات «إتش إس هيرميس» خلال توجهها لخوض معارك حرب الفوكلاند (ويكيبيديا)

بالنسبة للأرجنتينيين، لم تكن الهزيمة العسكرية نهاية المطاف، بل تحولت «المالوين» إلى عقيدة شعبية وقضية أرض مغتصبة تُرجمت لاحقاً في كل محفل يجمع اللونين الأزرق السماوي والأبيض، ضد اللون الأبيض الإنجليزي.

صورة توثق أسرى الحرب الأرجنتينيين في العاصمة «بورت ستانلي» عقب استسلام القوات الأرجنتينية للقوات البريطانية في نهاية حرب الفوكلاند عام 1982 (ويكيبيديا)

من خنادق المالوين إلى عشب «أزتيكا»: معجزة مارادونا 1986

بين جيلَي مارادونا وميسي... هل تستمر تبعات أزمة فوكلاند عند مواجهة إنجلترا (رويترز)

لم ينتظر الأرجنتينيون طويلاً لتصفية الحساب الرمزي. ففي عام 1986، وعلى أرض المكسيك، التقى المنتخبان في ربع النهائي. هناك، تقمص الأسطورة الراحل دييغو أرماندو مارادونا دور «المنتقم الشعبي»، لم يكتفِ بإقصاء الإنجليز، بل فعل ذلك بطريقة تداخلت فيها الخديعة بالعبقرية الساحرة.

هدف مارادونا الذي لا يزال يعدُّ أكثر لقطات المونديال جدلاً في التاريخ (د.ب.أ)

من «يد الله» التي هزت شباك بيتر شيلتون، إلى هدف القرن الذي راوغ فيه نصف إنجلترا، صرّح مارادونا لاحقاً بوضوح: «كنا نقول إن المباراة لا علاقة لها بالحرب، لكننا كنا نعلم أن شباننا ماتوا هناك.. لقد كانت حرباً بالنسبة لنا».

هذا الإرث هو ما يمنح مواجهة اليوم ثقلاً دراماتيكياً لا يتكرر في أي ديربي آخر حول العالم.

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

لغة الأرقام تبوح بأسرارها: تفوق إنجليزي تاريخي تبدده عُقدة «الإقصاء» الأرجنتينية

لا تتوقف الإثارة عند حدود الجغرافيا والسياسة، بل تمتد إلى دفاتر «فيفا» التي تكشف عن صراع أرقام محموم، إذ التقى العملاقان تاريخياً في 15 مواجهة بين مونديالية وودية، تميل فيها الكفة الإحصائية العامة لصالح «الأسود الثلاثة» بستة انتصارات مقابل أربعة لـ«التانغو»، بينما خيّم التعادل على خمس مواجهات أخرى.

ورغم هذا التفوق الرقمي الإنجليزي في الحصيلة العامة، فإن الموازين النفسية والتاريخية تتبدل تماماً بمجرد وضع هذا التاريخ تحت مجهر الأدوار الإقصائية الحاسمة في كأس العالم.

منتخب إنجلترا (رويترز)

فمنذ موقعة عام 1966 المثيرة للجدل التي حسمتها إنجلترا على أرضها، عجز الإنجليز تماماً عن إقصاء الأرجنتين في أي دور لخروج المغلوب، حيث كانت الأرجنتين دائماً صاحبة الكلمة الدرامية العليا والضربة القاضية، سواء تجلى ذلك في عبقرية مارادونا الفذة وتمرده التاريخي في المكسيك عام 1986، أو عبر ركلات الترجيح القاتلة في فرنسا عام 1998 التي شهدت طرد ديفيد بيكهام وانكسار جيل بريطاني ذهبي كامل.

صورة مركَّبة تجمع بين حارس الأرجنتين إميليانو مارتينيز وحارس إنجلترا جوردان بيكفورد (أ.ف.ب)

هذا التناقض الصارخ بين التفوق الإنجليزي الشرفي وعقدة «الحياة أو الموت» أمام الأرجنتين، يمنح موقعة أتلانتا بعداً نفسياً مرعباً، يضع كتيبة توخيل أمام تحدي كسر اللعنة التاريخية، بينما يمنح رفاق ميسي ثقة متوارثة بأن الأرجنتين في مواجهات كسر العظم تظل دائماً الرقم الصعب الذي لا يلين.

أتلانتا 2026: رقصة ميسي الأخيرة في مواجهة طموح بلاد الضباب

في هذا المنعطف التاريخي من مونديال 2026، تبدو الحسابات الفنية معقدة ومشحونة بالطموحات الكبرى:

كتيبة الأرجنتين والدفاع عن العرش

يدخل رجال المدرب ليونيل سكالوني المباراة بصفتهم حاملي اللقب، وفي أذهانهم هدف واحد يتمثل في منح الأسطورة ليونيل ميسي نهاية سينمائية لقصته المونديالية الاستثنائية.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

الأرجنتين التي عانت الأمرين للوصول إلى هذا الدور بعد تجاوزها عقبة سويسرا في ربع النهائي، ومصر في ثمن النهائي، بروح قتالية عالية، تعتمد على دهاء ميسي، وتحركات إيماليانو مارتينيز في حراسة المرمى، والشباب النابض في خط الوسط، لإحباط المخطط الإنجليزي.

ليونيل ميسي (أ.ف.ب)

طموح إنجلترا وإنهاء 60 عاماً من العقدة

على الجانب الآخر، يقف الألماني توماس توخيل، المدير الفني لمنتخب إنجلترا، الذي أعاد صياغة شخصية «الأسود الثلاثة» ببراعة وتطلّب صارم.

تسعى إنجلترا لإنهاء ستة عقود من العقدة التاريخية والغياب عن منصات التتويج العالمية منذ عام 1966.

الألماني توماس توخيل مدرب إنجلترا وقائده هاري كين (رويترز)

الفريق الذي يرتكز على صلابة النجم الشاب جود بيلينغهام، الذي قاد الفريق ببراعة أمام المكسيك والنرويج والهداف الخبير هاري كين، يرى في هذه الموقعة البوابة الشرعية لكتابة تاريخ جديد يتجاوز عقدة الماضي.

صراع العقول التكتيكية: سكالوني وتوخيل على رقعة الشطرنج

سكالوني في حديث مع القائد ميسي (رويترز)

المواجهة لن تكون داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل ستكون معركة تكتيكية معقدة بين عقلين مختلفين تماماً، إذ يراهن سكالوني على العاطفة الجياشة الممزوجة بالصبر التكتيكي، والتحولات السريعة التي تخدم عبقرية ميسي في الثلث الأخير.

توماس توخيل وجود بيلينغهام (رويترز)

في المقابل، يفرض توخيل أسلوباً براغماتياً صارماً، يركز على الهيمنة البدنية، والضغط العالي، واستغلال أنصاف الفرص عبر تحركات بيلينغهام القادم من الخلف.

صورة مركَّبة تجمع بين لاعب وسط إنجلترا جود بيلينغهام ومهاجم الأرجنتين لاوتارو مارتينيز (أ.ف.ب)

ستنطلق صافرة البداية في أتلانتا، ممتصةً كل صخب مدرجات «مرسيدس بنز»، لكنها لن تحجب أصوات الماضي الجاثم في الصدور. فالإنجليز يبحثون عن مجد كروي طال انتظاره، بينما يلعب الأرجنتينيون كعادتهم من أجل الكبرياء، ومن أجل ميسي، ومن أجل الأرواح التي غادرت يوماً في صقيع الفوكلاند.