أسبوع الأزياء الرجالية بلندن.. الحلقة الأقوى في لعبة الموضة

في دورته الخامسة تزيد قوته ويسحب البساط من باقي العواصم العالمية

ألكسندر ماكوين  -  مارغريت هاول  -  نصير مزهر  -  هاكيت
ألكسندر ماكوين - مارغريت هاول - نصير مزهر - هاكيت
TT

أسبوع الأزياء الرجالية بلندن.. الحلقة الأقوى في لعبة الموضة

ألكسندر ماكوين  -  مارغريت هاول  -  نصير مزهر  -  هاكيت
ألكسندر ماكوين - مارغريت هاول - نصير مزهر - هاكيت

قبل يوم واحد من انطلاق الدورة الخامسة لأسبوع الموضة الرجالي بلندن، وزعت منظمة الموضة البريطانية تقريرا نشرته مؤسسة «مينتل» هذا العام، يفيد أن صناعة الأزياء الرجالية ببريطانيا تقدر حاليا بـ12.9 مليار جنيه إسترليني بعد أن شهدت نموا بنسبة 18 في المائة بين عامي 2008 و2013. وأشار التقرير أيضا إلى أن المبيعات ارتفعت بنسبة خمسة في المائة في العام الماضي وحده، الأمر الذي يثلج الصدر ويشير إلى أن المستقبل وردي بالنسبة لقطاع ظل مغمورا وثانويا لعقود طويلة، مقارنة بقطاع الأزياء النسائية، الذي كان الدجاجة التي تبيض ذهبا لصناع الموضة.
تيري بيت، مدير قسم الأزياء الرجالية في «سيلفردجز» أكد أن مبيعات هذا القسم تضاعفت في العام الماضي، مشيرا إلى أنها ليست نزوة عابرة وأن النمو سيستمر. كذلك الأمر بالنسبة لمحلات أخرى مثل «هارودز» فضلا عن شوارع الموضة المترامية التي تقدم تصاميم بأسعار أقل. كارولاين راش، الرئيسة التنفيذية لمنظمة الموضة، أكدت تنامي قوة القطاع الرجالي عموما، قائلة إن «صناعة الأزياء الرجالية في بريطانيا، أصبحت قوة لا يستهان بها، فهي تنمو بوتيرة متسارعة.. إنها صناعة جادة ولها تأثيرات جمة على الاقتصاد الوطني».
وهي بالفعل صناعة تقدر حاليا بـ26 مليار جنيه إسترليني، مقارنة بـ21 مليار جنيه إسترليني في عام 2009، مما يجعلها قطاعا اقتصاديا لا يمكن تجاهله وعدم الاهتمام به. فهو يضمن عدة وظائف، قدرها تقرير «أكسفورد إيكونوميكس» هذا العام بـ797.000 وظيفة، فضلا عن فتحه المجال أمام عدة جنسيات لدخول مجال الإبداع.
ما لا يختلف عليه اثنان، وما تشير إليه أجواء لندن منذ يوم الأحد الماضي أن هذا الانتعاش أعطى «الأسبوع» دفعة قوية ليدخل المنافسة مع باقي عواصم الموضة وأيضا مع قطاع المنتجات النسائية. وبالفعل قطع أشواطا كبيرة في فترة قياسية. فالأوساط المهتمة تقدر أن تصل أرباحه إلى 16.4 مليار جنيه إسترليني في ما بين عامي 2013 و2018، بنمو يقدر بـ27 في المائة. الفضل في هذا يعود إلى تغير عقلية الرجل عما كانت عليه سابقا، إضافة إلى تغير إمكاناته مما يجعله منفتحا على أي جديد يخدمه اجتماعيا أو وظيفيا أو نفسيا، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأناقة تزيد من الثقة بالنفس وتحسن المزاج مثل العطور تماما. وهكذا بعد أن كان الرجل يرضى في الماضي ببدل مفصلة بالأسلوب نفسه، وبضعة قمصان بألوان كلاسيكية وإكسسوارات محسوبة يجدد بها إطلالته، أصبح يطالع تطورات الموضة وتوجهاتها بالحماس والتعطش نفسيهما لدى المرأة، ولا يتحرج من الاعتراف بذلك بصفته حقا من حقوقه. بدأ أيضا يجرب تصاميم عصرية وأخرى جريئة بألوان زاهية وتصاميم مبتكرة ولافتة، رافعا شعار أنها يجب أن تلفت وتصرخ بالأناقة والتميز لتبرر أسعارها النارية. وإذا كانت الأرقام المنشورة صحيحة، فإنها تعبر عن تغير الأسواق والأهواء والأذواق، وبأن الخريطة الشرائية يتحكم فيها الشباب بالدرجة الأولى.
فالرجل الشاب بدأ، ولأول مرة منذ عدة عقود، يعانق القطع المفصلة ويلعب بألوانها وأقمشتها للحصول على أسلوب يناسبه شخصيا، الأمر الذي أنعش سوق البدلات ورابطات العنق، بعد مجافاة طويلة لها على أساس أنها إرث قديم أكل عليه الزمان وشرب. الإكسسوارات أيضا لعبت دورها في تقريبه من الموضة وفتح الأبواب أمامه للعب بها تدريجيا، حتى يتعود عليها ويدمنها، وهو ما حصل. كانت البداية في التسعينات مع ظاهرة الرجل «الميتروسيكشوال» الذي رأى أن معانقة الموضة والاهتمام بجمال البشرة والشعر وأناقة المظهر لا تتعارض مع مفهوم الرجولة، بل العكس؛ تعززها بإظهار الجانب المبدع من شخصيته، إلا أن الأمر تطور في السنوات الأخيرة، وأصبح يعبر عن هذا الجانب من خلال أزياء تتعدى «الميتروسيكشوال» إلى أزياء في غاية الجرأة أحيانا، تكاد تكسر التابوهات والتقاليد، وأدى إلى ولادة ظاهرة جديدة هي «سبورنوسيكشييل»، أي رجل يميل إلى أزياء تجمع الاسبور بالإغراء الحسي، وهذا ما ظهر بقوة في العديد من العروض التي شهدها أسبوع لندن. أسبوع فتل عضلاته وبدأ يستعرضها بثقة، ومع ذلك لا بأس من من العودة إلى نقطة البداية، إذ لكل قصة نجاح بداية. وهي هنا من كتابة ديلان جونز، المشرف على الأسبوع ورئيس تحرير مجلة «جي كيو» عندما انتبه إلى ظاهرة ازدياد اهتمام الرجل بمظهره والأزياء عموما، والإمكانات الواسعة لخلق منبر خاص يخاطب الرجل وفي الوقت ذاته يمنح المصممين فرصة لإظهار إمكاناتهم، بدل اعتمادهم على يوم يتيم يتعلق بذيل أسبوع الموضة النسائية تعلق الغريق بقشة. قبل عام 2012، كان هذا اليوم هو الفرصة الوحيدة أمام مصممي الأزياء الرجالية، الذين لا يشاركون في أسابيع ميلانو أو باريس أو نيويورك، لسبب أو لآخر، لعرض أزيائهم. على الرغم من أن وسائل الإعلام العالمية كانت تتجاهله ولا توليه أي اهتمام يذكر، باستثناء الصحافة المحلية، فإن ديلان جونز لاحظ أن هناك اهتماما أقرب إلى التحدي من قبل الشباب لكي يعرضوا إبداعاتهم، ولو أمام جمهور محدود، أيا كانت جنسيته واهتماماته، على أمل أن يطرق الحظ بابهم في يوم من الأيام.
طرح ديلان جونز فكرة إطلاق أسبوع موضة رجالي قائم بذاته في أحد اللقاءات مع كارولاين تشارلز ونوقشت من كل الزوايا، وبعد ستة أشهر تحقق الحلم.
كان ذلك منذ عامين ونصف تقريبا، ورغم أن الفكرة كانت بسيطة، فإنها كانت أيضا طموحة تحتاج إلى كثير من الجهد والدعم الخارجي. في صيف 2012، تقرر تنفيذ الفكرة، لتشهد لندن ولادة أسبوع مدته ثلاثة أيام في توقيت مختلف لا يتضارب مع أي من أسابيع الموضة الأخرى كما لا يرتبط بها.
منذ الموسم الأول ذاق النجاح، فقد تلقى دعما من الأمير تشارلز وكذلك من السلطات الحكومية إضافة إلى أن الظروف كانت جد مواتية له. فلندن أصبحت مركزا تجاريا عالميا للمنتجات المترفة، مما جعل العديد من صناع الموضة يتهافتون على افتتاح محلات فيها. كما أنها تتمتع بسمعة تاريخية في مجال التفصيل الرجالي، وليس أدل على هذا من «سافيل رو» الذي يضم أسماء كبيرة ومخضرمة تعرف كيف تتعامل مع الطبقات المخملية والأرستقراطية، كما تتقن التعامل مع كل أنواع الأقمشة المترفة والتفصيل الراقي. أما شبابها المتخرجون في معاهدها العديدة، فحدث ولا حرج، فهم يغلون بالرغبة في التميز ومصابون بمس الابتكار.
كل هذه العناصر كانت في صالح الأسبوع، لكن مما لا شك فيه أن الورقة الرابحة كانت إقناع دار «بيربيري»، التي تعودت على عرض خطها الرجالي في ميلانو منذ عشر سنوات، بأن تشارك في الأسبوع الجديد. مصممها الفني، كريستوفر بايلي، لم يتردد في الأمر، فقد شعر بأن الاستفادة ستعم. فبدلا من أن تكون الدار مجرد اسم آخر في برنامج أسبوع ميلانو، الذي يعج بالأسماء الكبيرة، يمكن أن تكون ملكة متوجة في بلدها الأم، وهو ما كان. كان اسم «بيربيري» كافيا لكي يزيد، ليس من مصداقية الأسبوع العالمية فحسب، بل أيضا من بريقه وقوة جذبه. فالدار، إلى جانب تصاميمها المبتكرة والمبدعة، قوة إعلانية لا يستهان بها، مما يعني حضور شخصيات ووسائل إعلام مهمة لتغطية الأسبوع لإرضائها أو التودد إليها. كما ساعد اسمها على جذب مصممين آخرين، مثل ألكسندر ماكوين، وتوم فورد، وبول سميث، والثنائي «دولتشي آند غابانا» وغيرهم.
يعترف ديلان جونز بأن الأسبوع يدين بالكثير لما باتت تعنيه العاصمة من إبداع وابتكار وثقافة وأيضا مكانتها مركزا تجاريا مهما: «نحن الآن نعيش طفرة اقتصادية مهمة بفضل نمو صناعة الأزياء الرجالية من جهة، وقطاع الساعات الفخمة وشتى أنواع الفنون من جهة أخرى». ويضيف: «كان مهما بالنسبة لنا أن نخلق منبرا لمصممينا الشباب، ولخياطي (سافيل رو) والأسماء الكبيرة مثل (بيربيري).. كان أيضا مهما لنا أن يجذب هذا المنبر مصممين عالميين آخرين مثل (دولتشي آند غابانا)، وتومي هيلفيغر، وتوم فورد، ممن كانت لهم رغبة في أن يجعلوا لندن بيتا لهم».
نقطة الجذب الأهم في لندن هي مصمموها الشباب، فهم الذين يعطونها سمعتها عاصمة للابتكار وولادة الأفكار الجديدة. هذه السنة هناك عدة أسماء لامعة، وأخرى تبشر بمستقبل واعد، نذكر منها كريستوفر شانون، الفائز بجائزة هذا العالم لأهم مصمم صاعد، ومقدارها 200.000 جنيه إسترليني ستساعده على التوسع عالميا، إلى جانب استريد آندرسون، التي تعاونت مع «توبمان» أخيرا من خلال تشكيلة «سبور» بإيحاءات من التسعينات تجلت في استعمال الألوان المعدنية، وجي دبليو آندرسون، وريتشارد نيكول.. وهلم جرا.

* إضاءات
* بحكم عمله الصحافي تدرج في عدة مناصب قبل أن يتولى رئاسة تحرير مجلة «جي.كيو» ثم أسبوع الموضة الرجالي، فإن ديلان جونز، كان يعرف منذ البداية أن الأزياء لن تكون عنصر الجذب الوحيد في الأسبوع، لهذا شجع على زيادة جرعات الإغراء، بتشجيعه بيوت الأزياء خصوصا وصناع الموضة عموما، مثل محلات «هارودز»، «سيلفريدجز»، «ماتشز» و«ليبرتي» وغيرها، بتنظيم حفلات أو فعاليات جانبية تمنحه قوة أكبر وإبهارا وتمكنه من منافسة باقي العواصم العالمية التي لها تاريخ أطول منه. وهذا ما لمسته لندن طوال الأيام الثلاثة الماضية، بدءا من المطاعم المزدحمة إلى الفنادق التي شهدت شرائح جديدة من الزبائن. يمكن القول إن لندن ظلت تغلي بالنشاط والأنشطة طوال هذه الأيام، ولم تهدأ من الصباح إلى منتصف الليل.
* في دورته الخامسة، حقق الأسبوع الحلم الذي بدأ منذ عامين ونصف العام فقط، إذ شهد أكثر من 100 عرض أزياء وحفلا وأفلاما مصورة. ارتفع أيضا عدد المشترين القادمين إلى العاصمة بنسبة 30 في المائة في السنوات الأخيرة، إضافة إلى عدد وسائل الإعلام من 33 بلدا. أسبوع نيويورك الرجالي في المقابل، لا يزال متعثرا ولم يتبلور بالشكل نفسه رغم الأحاديث الكثيرة حول توسيعه واستقلاله عن أسبوع الأزياء النسائية، لا سيما أن بعض البيوت المهمة فيه مثل «كالفن كلاين»، لا تعرض فيه وتفضل العرض في ميلانو، بينما توقف تومي هيلفيغر عن تقديم عروضه الرجالية فيها منذ موسمين تقريبا.
* كل موسم يشهد الأسبوع مشاركة اسم جديد تأكيدا على أهمية لندن عاصمة للموضة من جهة، ومركزا تجاريا عالميا من جهة ثانية. هذا الموسم، كانت هناك ماركات مهمة، بعضها يشارك لأول مرة، مثل جوزيف، ماهاريشي، إيد أند رافنسكورت، تيرنبل أند آسر، نيكولا كيركوود، «دي كي إن واي» DKNY، وأخيرا وليس آخرا موسكينو. جيريمي سكوت مصمم موسكينو سبق وقدم تشكيلة مثيرة للجدل في الموسم الماضي من أسبوع الأزياء النسائية، كانت تجسيدا لثقافة الشارع والـ«بوب آرت» شهدت نجاحا كبيرا في الكثير من الأوساط، رغم انتقاد البعض لها.
* قد تكون لندن الآن متألقة، وربما تكون قد سحبت السجاد من تحت بعض عواصم الموضة الأخرى كما يقول البعض، لكن الفضل في جذب اهتمام الرجل للموضة يعود إلى هادي سليمان، مصمم دار إيف سان لوران الحالي، الذي كان أول من جعل الأزياء الرجالية في قمة الأناقة عندما تولى تصميمها في دار ديور. فجأة أصبح الكل يريد أن يظهر ببدلات رشيقة مفصلة على الجسم، وبدأ الكثير منهم حميات لإنقاص الوزن حتى يتمكنوا من شرائها. فهادي سليمان لم يكن رحيما بهم، وكانت تصاميمه غير مناسبة للمقاسات العادية بقدر ما كانت تحتفل بالمقاسات الصبيانية. الفضل أيضا يعود إلى الأميركي توم براون، الذي بدأ موضة البدلات القصيرة، التي انتشرت مثل النار في الهشيم بعد ظهور أبطال السلسلة التلفزيونية «ماد مين» بها. ومنذ ذلك الحين لم تعد الموضة عملية أو كلاسيكية بقدر ما أصبح الهدف منها تغذية ذلك الإحساس بالتميز والاختلاف.
* ديلان جونز لم يكن الوحيد الذي انتبه إلى ظاهرة تنامي اهتمام الرجل بالموضة والمظهر، كما لم يكن الوحيد الذي استغله، فقد ظهرت عدة مجلات براقة تتوجه للجنس الخشن، إضافة إلى مواقع تسوق على الإنترنت مثل «مستربورتر» وغيرها تستهدف جيبه وفي الوقت ذاته مساعدته وتسهيل عملية التسوق له.
* في يناير (كانون الثاني) من عام 2013 أفادت دراسة قامت بها مؤسسة صينية (CLSA) بأن الرجل الصيني يصرف على مظهره أكثر من المرأة، بنسبة 55 في المائة مقارنة بـ45 في المائة، على الأقل فيما يتعلق بالمنتجات المترفة مثل الساعات الفخمة وغيرها. هؤلاء لا يشترون فقط ما يحتاجونه مثل أجدادهم، بل ما تهفو له أنفسهم وما يدخل المتعة إليها.



كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.