متحف النسيج المصري... زمن الأجداد على أقمشة الكتان

معروضاته أقدمها إبداعات النساجين الفراعنة قبل أكثر من 6000 سنة

مجسم للنول القديم («الشرق الأوسط») - أدوات مستخدمة في صناعة النسيج («الشرق الأوسط»)
مجسم للنول القديم («الشرق الأوسط») - أدوات مستخدمة في صناعة النسيج («الشرق الأوسط»)
TT

متحف النسيج المصري... زمن الأجداد على أقمشة الكتان

مجسم للنول القديم («الشرق الأوسط») - أدوات مستخدمة في صناعة النسيج («الشرق الأوسط»)
مجسم للنول القديم («الشرق الأوسط») - أدوات مستخدمة في صناعة النسيج («الشرق الأوسط»)

لدى المرور في شارع المعز لدين الله الفاطمي تجتذبك لوحة إعلانية مثبتة على جدار مبنى «متحف النسيج المصري» الأثري المهيب، وقد ينتابك الفضول لتدخل وتتعرف ما بداخله من مقتنيات.
منذ أيام زرت المتحف بصحبة مديره الدكتور أشرف أبو اليزيد؛ وتجولت في أروقته وقاعاته التي تضمّ عدداً هائلاً من المقتنيات الأثرية من النسيج المصري عبر العصور الفرعونية والقبطية والطولونية والمملوكية والعثمانية فضلاً عن عصر محمد علي مؤسس مصر الحديثة.
عند مدخل المتحف استقبلني أحد أمنائه، وهو مسمى وظيفي لخبرائه ومرشديه الذين يصطحبون الضيوف والزّوار ويتابعونهم بالشرح التفصيلي لما يشاهدونه من تحف وقطع أثرية.
اقتادني الرجل إلى المصعد، ثم توقف قائلاً: «في الأعلى ستجد من يعاونوك على إنجاز مهمتك». تحرّك المصعد الذي كان أحد عناصر التطوير التي لحقت بالمكان بعد ترميمه في عام 2000، في عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ضمن مشروع تطوير شارع المعز والقاهرة التاريخية. وحين توقف، لم يكن هناك سوى طابق واحد فقط، به سبع قاعات، أمّا الطابق الأرضي فلا يضم سوى أربعة أخرى، إنّه وقت التعرف بالعزف المتواصل على عبقرية خيوط النساج المصري في مجال تفرد فيه منذ أربعة آلاف سنة قبل الميلاد.
المبنى الذي بناه والي مصر محمد علي باشا في شارع المعز لدين الله الفاطمي سبيلا ومدرسة صدقة على روح ولده إسماعيل عام 1828، تشير لوحته القديمة التي ما تزال على الجدار إلى ذلك، منسوبة إلى الشارع الذي كان قبل تسمية المعز يعرف باسم شارع النحاسين. المتحف بقاعاته العلوية يعرض منتجات نسيجية لفترات من حياة مصر في العصور الإسلامية المختلفة، ويطلّ على مسجد السلطان قلاوون، وقد تقرر استغلاله في ذلك بعد ترميمه وإعادة بناء بعض حوائط المدرسة التي تهدمت بسبب الإهمال.
في مكتب الدكتور أشرف أبو اليزيد جلست لنصف ساعة، استعرض الرجل خلالها حالات الكتان المصري بين أنامل النساجين الفراعنة وإبداعاتهم قبل أكثر من 4000 سنة قبل الميلاد، بدءا من الملابس وأغطية الرأس التي سبقت عصور الموضة الحديثة، وأوصى المصري القديم بوضعها في مقبرته إيمانا منه بالبعث والحياة بعد الموت، وحتى المفروشات التي تزينت بها الحوائط والأرضيات مروراً بالملاءات وليانات الأسرة والوسائد والمناشف والفوط وحتى حفاضات الأطفال التي تشير إلى أنّ المصريين لم يتركوا شيئا للعالم يخص حياة الإنسان ليكتشفه قبلهم، حتى المغاسل العمومية عرفوها، وهناك أحجار معروضة ضمن المقتنيات في الطابق الأول، تقوم بدور «إيصال» مبين عليه قائمة بعدد القطع التي سلّمها الشخص لصاحب المغسلة وشكلها، حتى إذا جاء يتسلمها بعد غسلها كان يستند بذلك لتلك الوثيقة.
أخبرني الدكتور أبو اليزيد أنّ الخزان الكبير الذي كان يمتلئ بالمياه لسقاية الناس مدفون تحت قاعات عرض المختارات من المنسوجات الخاصة في مصر الفرعونية، ولأنّه لم يعد له وجود على السطح تقوم الأنوال المعروضة وقطع النسيج والملابس الفرعونية وغيرها بدور إرواء أرواح الزائرين بدلا من أبدانهم، وهو الأهم حالياً في ظل ما يتعرض له الإنسان المصري من عوامل تؤثر على انتمائه لروحه وتاريخه وطبقاته الحضارية التي تشكل عماد وجوده وتميزه.
يأتي متحف النسيج المصري باعتباره ثاني مبنى تاريخي يُستغل في عرض المقتنيات بعد جاير أندرسون المعروف ببيت الكراتلية، لكنّه يتميز حسب الدكتور أبو اليزيد باعتباره ثالث متحف متخصص لعرض المنسوجات في العالم وأكثرها أهمية لما يضم من معروضات، فضلا عن كونها مقتنيات مصرية تنتسب إلى أول حضارة عرفت النسيج في العالم، وكان لها اختياراتها في نوع معين منه وهو الكتان دونما غيره. نعم عرف المصريون القطن، لكنّهم لم يفضلوه، كما أنّهم رفضوا ارتداء الصوف، ونزعوا عنه القداسة واعتبروه مدنسا. لقد عرف المصريون الملابس كاملة بما فيها مئزر توت عنخ أمون الموجود ضمن معروضات الطابق الأرضي ويشبه الملابس الداخلية، هناك أيضا زي كامل لرجل دين تعرضه القاعة الثانية المخصصة للنسيج الجنائزي إلى جانب لفافات كتان تحيط بهيكل أعد على شكل مومياء.
عاش المصريون هذا التطوّر في الوقت الذي كانت البشرية تتدثر بالجلد وفراء الحيوانات، كما أدركوا جيدا، والكلام لأبو اليزيد، أن المنسوجات تتكون من خيوط رأسية وأخرى أفقية، وأنّ السنتيمتر المربع لكي يكون النسيج منتظماً وقوياً لا بد أن يحتوي على 160 خطا رأسياً و120 أفقياً، وقد حدث هذا قبل الميلاد بـ4000 عام، كما أنّ تفضيلهم للكتان يعني وعيهم بكونه أفضل صحياً لجسم الإنسان من القطن والصوف. وقد وصلوا لتقنيات تعرف في صناعة النسيج بالبليسيه وتجعل القماش يحتوي على كشكشات منمنمة لا تزول أبدا حتى بعد غسله، وقد نفذ ذلك العامل المصري، فكان بعد ما ينتهي من قطعة النسيج يعرضها لبخار شديد ساخن، ويثني بعد ذلك جزئياتها ثم يغطيها بحجر، لتأخذ الشكل المراد، وهناك ضمن المعروضات في قاعة النسيج الجنائزي فستان مصمم بهذه التقنية، وهو لسيدة متوفاة أخذته معها ضمن متاعها الذي يضم 12 قطعة بالغة الجمال والذوق.
وتضم القاعة نفسها بعض وثائق تعود للأسرة الأولى 3200 قبل الميلاد، ضمن ما يسمى لوحات حلوان، كتب فيها أحد المتوفين أنّ متاعه الجنائزي يتضمن 10 قطع كتان فاخر ومثلها متوسط وأخرى من النوع الخشن، وهو ما يراه أبو اليزيد دليلا على أن المصريين صنعوا أقمشة الكتان بدرجات تتناسب والحالة المادية لكل شخص، كما أنّهم صنعوا قفازات طويلة تنتسب لعصر الأسرة القديمة «2686 - 2181 قبل الميلاد»، غاية في الروعة تضعها المرأة لتغطية ساعديها كنوع من الإكسسوارات النسائية ترتديها في المناسبات التي تُدعى إليها، وهي تشبه ما كان يرتديه الكاهن في الاحتفالات الدينية، وتتميز الأخرى بألوان زاهية ما زالت محتفظة ببريقها حتى الآن.
في الجولات المجدولة التي ينظمها المتحف على رأس كل ساعة، كان هناك كثير من الأطفال يشاهدون مقتنياته، راح يتابعهم هاني سعيد أحد المرشدين الذي كان يشاركني جولتي، ويختص بمنسوجات مصر عبر تاريخها الإسلامي. وراح يشرح لهم بعض مقتنيات العصر المملوكي ومعنى الإشارات والرتب التي كان عليها العاملون في قصور سلاطينه. وكان بعضها يشير إلى وظيفة الساقي والخيالة فضلا عن ملابس كاملة لأحد المقربين من أصحاب الوظائف العليا.
دور سعيد يتلخّص في متابعة الضيوف والرواد وتقديم المعلومات الكافية عن كل قطعة من المقتنيات النسجية التي نفذها المصريون في تلك الفترة من تاريخهم، وقد أشار إلى أنّ المصريين كانوا في مراحل انتقالهم من فترة لأخرى يصطحبون رموزهم القديمة ويدخلونها في أزياء ومفروشات المرحلة التالية، كما كانوا يسعون لتطويع رموز المرحلة الجديدة فيما ينفذون من إبداعات نسجية، وكانوا يدخلون كل مرحلة مسلحين بماضيهم، وهو ما يظهر في علامة «العنخ» التي رسمها النساج المصري على المفروشات وما ينفذ من منسوجات، كما يظهر ذلك واضحا في استعانتهم بالأشكال التجريدية والزهور والمثلثات عند صناعة السجاد للأرضيات والحوائط، وكان النسيج يكتب عليه باللغة القبطية والعربية جنبا إلى جنب، وظل ذلك حتى العصر الفاطمي. وهناك مفرش كامل كان يغطي باب التوبة في الكعبة المشرفة فضلا عن 4 قطع من كسوة الكعبة.
ولفت أبو اليزيد إلى أنّ هناك كثيرا من القطع النسجية المصنوعة بما يعرف حالياً بالجوبلان والتابستري، وهو نفسه قماش «القباطي» الذي عرفه المصريون في الدولة الحديثة، حيث كان المصري القديم يرسم زخارف نسجية فوق قطع القماش بعد أن يرفعها من النول، وتوجد ضمن مقتنيات المتحف قطعة من عصر الملك تحتمس الثالث تشير إلى ذلك.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».