لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

ظاهرة تنتشر خصوصاً في الخليج

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
TT

لماذا يطبع الأدباء أعمالهم خارج بلدانهم؟

الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي
الروائي الكويتي طالب الرفاعي - الكاتب المغربي عبد المالك أشهبون - الكاتب المصري منير عتيبة - الروائية الكويتية منى الشافعي - الكاتبة الكويتية أمل الرندي

على الرغم من توفر دور النشر في كل بلد، فإن الكثير من الأدباء يفضلون طباعة أعمالهم في بلد آخر. وهذا الأمر يطرح أسئلة عن الأسباب التي تدفع الأدباء إلى تكبد عناء الطباعة في مكان آخر غير البلد الذي يعيشون فيه، خصوصاً أن الطباعة في مكان بعيد قد تعني خروج الكتاب عن سيطرة صاحبه وعدم تمكنه من متابعته فنياً وتسويقياً كما يجب، ومع ذلك، فكثيرون يفضلون الطباعة خارج بلدهم. فما أسباب ذلك؟ أهو البحث عن شهرة أوسع... حرية أرحب، أم مردود أكثر؟
توجهنا بهذا الموضوع إلى العديد من الأدباء من مختلف الأقطار العربية، ومعظمهم خاض هذه التجربة، فكانت هذه الحصيلة من الآراء:

الروائي الكويتي طالب الرفاعي يرى أن الأمر ربما يحصل لدى أدباء الخليج أكثر من غيرهم، فيقول: «من الصعب الإشارة إلى أن كثيراً من الأدباء يطبعون أعمالهم خارج بلدانهم، فأدباء مصر هم أقرب إلى الناشر المصري، وكذا العراقيون واللبنانيون والسودانيون والجزائريون والتونسيون والمغاربة والعُمانيون وغيرهم من الكتّاب العرب. لكن يأخذ الأمر وضعاً آخر بالنسبة إلى الكاتب الخليجي، وربما مرجع ذلك هو تأخر وجود الناشر المحلي الخليجي الذي يطبع داخل البلد، ويحمل مطبوعاته لينشرها خارجاً. هذا الوضع اختلف تماماً في العقد الأخير، وأنا هنا أتكلم تحديداً عن الكويت. فلقد نشط شباب مثقف يؤمن بأن الإبداع والأدب والثقافة زاد للحظة العابرة، وخزين طيب للقادم من الأيام. هؤلاء الشباب أسسوا دور نشر كويتية متعددة، استحوذت على مجموعة كبيرة من الإصدارات الكويتية، وتحديداً الشبابية، وراحوا يخرجون بها إلى معارض الكتب العربية. وبالتالي وفّروا على الكاتب الكويتي الشاب البحث عن ناشر عربي. مع الإشارة إلى أن مجموعة من كتّاب الكويت، ما زالت لهم علاقات عمل طيبة مع ناشرين خارج الكويت، وينشرون أعمالهم لديهم».
ولا يعتقد الرفاعي أن الأمر يتعلق بمال، فقلة قليلة جداً من الكتّاب العرب راضون عن تعاملهم مع الناشر العربي، وقلة أقل منهم من يعتاشون على إصداراتهم الإبداعية، لذا فإن النشر غير مرتبط بالمال والفائدة المرجوة منه. الكاتب قد يختار دور نشر عربية معروفة ومرموقة وهذا شيء مشروع ولا غبار عليه. وأخيراً -يقول الروائي طالب الرفاعي- فإن سقف الحريات، وتحديداً في زمن الإنترنت، ومحركات البحث، ومواقع التواصل الاجتماعي بات عالياً رغماً عن كل الوصايات والمحاذير، ولا أظن أن أحداً يستطيع اليوم منع كاتب من قول ما عنده. بل إن بعض المنع يأتي لصالح الكاتب والكتاب.

المال والرقابة

الروائية الكويتية منى الشافعي ترى أن التوجه إلى الطباعة خارج بلد المبدع تحتمل الحالات الثلاث أو إحداها، وهي: البحث عن الانتشار، والحرية، والعائد المالي أيضاً، خصوصاً بالنسبة إلى الأدباء الشباب. بعض المبدعين الكويتيين يسعى إلى الطباعة خارج الكويت كي يحظى ببعض الانتشار وزيادة عدد القراء، والآخر تقف المادة عقبة في طريقه فيلجأ إلى البحث عن أسعار تناسبه، وهناك من يستشعر أن ما يكتبه سوف يطاله مقص الرقيب داخل البلد، فيفضل الهروب بكتابه إلى الخارج.
وتستدرك الروائية منى الشافعي بقولها: «ومع هذا، ومن واقع بعض التجارب التي حصلت مع زملاء وزميلات، فإن بعض دور النشر الجشعة في الخارج تستغل المبدع الذي يدفع مبلغاً كبيراً في سبيل طباعة جيدة ونشر وتوزيع وتسويق، ويأمل أن يرى إصداره موجوداً في معارض الكتب في كل دولة، لكنه بعد فترة زمنية يفاجأ بعدم مصداقية هذه الدور، فلا انتشار ولا تسويق ولا توزيع».
وتعتقد منى الشافعي أن الحل يكمن في وجود مؤسسة ثقافية حكومية أهلية تحتضن المبدعين وترعاهم وتضمن لهم الاستقرار النفسي بمساعدتهم مادياً ومعنوياً وتوفر لهم معاناة الطباعة والنشر والتوزيع.

أساليب احترافية

الكاتبة الكويتية أمل الرندي خاضت هذه التجربة، وهي تحكي عن ذلك قائلة: «بالنسبة إليّ خضت تجربة الطباعة داخل الكويت وخارجها... ولكل إصدار ظروفه الخاصة... ومؤخرا أنشأتُ بنفسي (دار شمس الكويت). وعموماً، الطباعة خارج الكويت تكون أقل تكلفة قليلاً. لكن في كل الحالات تنوُّع التعاون يفيد الكاتب في انتشار إصداره في الوطن العربي. فالمؤلف يبحث عن دار نشر تقوم بالتوزيع على دول عدة، دار محترفة لديها أساليب مضمونة لإيصال الكتاب إلى أكبر عدد من القراء». وتضيف الرندي: «نحن نؤلّف لتصل كتبنا إلى القارئ العربي وتترك أثراً فيه. ولأنني أهتم بكتابة قصصي وكتبي أهتم بأن تكون في أفضل حلة وأفضل شكل، لذا أختار رسامين مهمين وأتابع مع المخرجين، ولا بد من اختيار الناشر المهم، إن كان داخل الكويت أو خارجها. وفي النهاية العمل الجيد يفرض نفسه».

كشف التناقضات

ومن خارج الكويت، يقول الأكاديمي المغربي الدكتور عبد المالك أشهبون: «مما لا شك فيه أن النشر عادةً ما يكون مرتبطاً بحرية التعبير. فمقياس درجة تحضر هذا البلد أو ذاك هو المحرار المتعلق بمدى توسع أو انغلاق أفق حرية التعبير. فمعروف أنه في مجموعة من التجارب الإبداعية كان النشر خارج الوطن الوسيلة الوحيدة لنشر رواية، من قبيل (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ، و(الخبز الحافي) لمحمد شكري في لبنان التي شكّلت طوال عقود من الزمن واحة ظليلة لنشر وإعادة نشر مجموعة من الأعمال الإبداعية التي أثارت الكثير من الجدل، وما ترافق ذلك الجدل من منع وتسفيه وتشويه لأصحابها، كما أن رواية (تلك الرائحة) لصنع الله إبراهيم لم يُسمح له بنشرها في القاهرة منذ البداية، ونُشرت طبعتها الأولى الكاملة في مراكش 1986».
ويضيف أشهبون: «الطريف في الأمر هو أن ما أثارته (تلك الرائحة) يومها من ردود فعل عميقة في وجدان الكاتب أهَّلها لتصبح بعد ذلك التيمة الرئيسة في بعض أعماله السردية اللاحقة. فهناك أكثر من وشيجة ما بين عوالم روايته (اللجنة)، التي تحاكَم فيها الشخصية الرئيسة بوصفها مؤَلِّفَة مخطوط لا يبتعد كثيراً في مواصفاته (تلك الرائحة)». ويعود الدكتور عبد المالك أشهبون إلى تجربته الشخصية فيقول: «إن اختيار النشر خارج الوطن بالنسبة إليّ، لا علاقة له بحرية التعبير ولا بالجانب المادي، بل بتوزيع الكتاب وتعميمه على نطاق واسع. ففي كتبي الثلاثة الأولى التي نُشرت في المغرب، بعد أن دعمتها وزارة الثقافة، لم يُكتب لها الرواج على نطاق واسع، حيث ظلت حبيسة جدران المدينة، وفي أحسن الأحوال يمكن العثور عليها في بعض نقاط البيع في هذه المدينة أو تلك».

مسألة معقدة

ومن مصر، يرى الروائي منير عتيبة أن النشر عملية معقدة للغاية، فالكاتب عندما ينتهي من عمله الإبداعي تكون لديه رغبة قوية في أن يقرأه كل العالم، حتى إنك لتجد الآن بعض المبدعين ينشرون على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مقتطفات من أعمالهم، وهو ما يعبّر عن تلك الرغبة في التواصل مع متلقٍّ ما في مكان ما. لكن النشر الورقي لا يزال له سحره الخاص في عالمنا العربي، خصوصاً أن معظم الجوائز الكبرى تشترط أن يكون العمل مطبوعاً. غير أن اختيار الناشر ليس أمراً سهلاً بالنسبة إلى جمهرة المبدعين، فبعض دور النشر تطلب مبالغ مالية أحياناً تكون فيها مبالغات غير معقولة، وبعض دور النشر لديها سمعة حسنة تضيف إلى الكاتب الذي يتعامل معها، وبعض دور النشر تعطي للكاتب حقوقه المادية، وهم من اعتبرهم الناشرين الحقيقيين، لكنهم لا ينشرون غالباً سوى لمن يمكن أن نطلق عليهم «كتّاب الدار» وعدد قليل من الكتاب بجوارهم. لذلك فالظرف الشخصي للكاتب له دور كبير في تحديد جهة النشر التي يقدم لها عمله، وحالته المادية، لكن الكثيرين من الكتاب يطمحون في نشر أعمالهم خارج بلادهم، فهذا يفتح لهم مجالاً لقارئ مختلف، كما أنه يزيد من حضورهم داخل بلادهم باعتبارهم تجاوزوا المحلية، قد تكون هذه الأفكار مضحكة بشكل أو بآخر، لكنها موجودة وفاعلة على أرض الواقع.

السلطة الحقيقية

من مصر أيضاً، يتحدث الشاعر المصري شريف الشافعي عن تجربته الشخصية قائلاً: «منذ عام 2008، وأغلبية أعمالي الشعرية تُنشر خارج مصر. ومن أسباب النشر بالخارج أن المعوّل على المؤسسات الرسمية في مصر يبقى رهن معطياتها الانتفاعية، وحساباتها الضيقة. أما بالنسبة إلى النشر في الدور الخاصة، فقد ذابت الحدود والفواصل الإقليمية بين الدول منذ عهد المعلوماتية والثورة الرقمية. ويختار الكاتب مكان النشر الأنسب إليه بقصد الحضور العربي أو الدولي، بغض النظر عن الدولة التي يُنشر فيها الكتاب. وينبني هذا الاختيار على معطيات كثيرة، منها مدى التزام الناشر، وتوقيت النشر، وجودة الطباعة، والتوزيع المقبول للكتاب في معارض الكتب، والترويج له بوعي، وغيرها من أمور، فضلاً عما يتطلبه الشعر من تعامل خاص وحساسية تراعي وزنه بميزان الذهب تحت الأضواء البراقة».
ويعتقد الشاعر شريف الشافعي أنه لا أحد يتربح من أعماله، فهذا لا يتأتى إلا في استثناءات نادرة، لكن تكفّل الناشر على الأقل بتكلفة طبعة أنيقة للديوان، وتوفير عدد مقبول من النسخ للمؤلف أو مكافأة رمزية، أمر يؤخذ في الاعتبار من دون شك، ولا يسلكه سوى القلة من الناشرين للأسف.

ترف الأدباء

أما الشاعر الفلسطيني المقيم في بولندا الدكتور يوسف شحادة فيقول: «يجب النظر إلى هذه المسألة من وجهات مختلفة، فقد يخضع أمر طباعة العمل لاعتبارات خارجة عن حسابات المؤلف، فربما يجد تمويلاً من مؤسسات خارج بلاده ترى في عمله ما يجذب القارئ ويهم مراكز الأبحاث أو المؤسسات الداعمة للإبداع، وهنا يكسب الكاتب الشهرة والمكافأة المادية المستحقة. وقد يُعدّ طلب الانتشار ترفاً لغالبية الكتاب، فلا يسعون إليه، نظراً إلى معرفتهم المسبقة بتضاؤل عدد القراء، أما الحريات فلها دور كبير عندما يكون الرقيب فاعلاً في بلد المؤلف، وحينما تكون الرقابة الذاتية هاجساً يجعل الكاتب غير راغب في المغامرة والرهان على حسن نية الرقيب فيلجأ إلى طبع عمله خارج وطنه».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.