السفير الأميركي لدى اليمن: تجار الحرب يزدادون ثراء كل يوم

قال في حوار مع «الشرق الأوسط» إن «التحالف» بقيادة السعودية يشارك بلاده مكافحة الإرهاب

ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
TT

السفير الأميركي لدى اليمن: تجار الحرب يزدادون ثراء كل يوم

ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)
ماثيو تولر («الشرق الأوسط»)

«عندما أنظر للوضع بشكل عام في اليمن، فهناك طموح إيراني، تبحث خلاله طهران لنفسها عن موطئ قدم في اليمن، وأعتقد من المنطقي جداً أن ترى السعودية هذا إشكالاً أمام الطموحات الإيرانية». بهذه الإجابة يصف السفير الأميركي لدى اليمن ماثيو تولر المسألة الخارجية للصراع في اليمن، رغم أنه يعتقد في الوقت نفسه أن الحرب داخلية بامتياز، وأن أطراف الحرب ليسوا اثنين وحسب، بل مجموعة تتنافس السلطة المطلقة للهيمنة على اليمن، وهناك أمراء حرب تزداد ثرواتهم يومياً في اليمن.
وشدد تولر على أن الحوثيين مهما حاولوا أن يوجدوا دعماً لهيمنة إيران على المشهد (في اليمن) «فإنهم لن يجدوا متعاطفاً في هذه الوظيفة»، ويقصد المبعوث الأممي.
يوم الرابع من مارس (آذار) الحالي، حضر السفير في تمام التاسعة والنصف صباحاً إلى فندق ماريوت كورت يارد قرب الحي الدبلوماسي في الرياض. استحضر أربع سنوات من المتابعة تفاصيل اليمن والمنعطفات التي تزداد تعقيداً كلما اقتربت أي حلول، وأجرى مع «الشرق الأوسط» حديثاً عن مختلف القضايا المتعلقة بالملف اليمني.

جهود واشنطن للحل
«قلتم قبل أشهر إن الولايات المتحدة ستلعب دوراً أكبر في دفع الحل في اليمن؟ هل ما زالت الجهود نفسها، أم زادت، أم نقصت؟». يجيب السفير على ذلك بالقول: هذا العام سيمثل مزيداً من الفرص، لدينا تأثير على الحكومة الشرعية، وأعتقد إذا استطعنا استخدام هذا التأثير، وأيضاً الوسائل التقنية لمساعدة الشرعية والقيام بهذا الدور بنجاح؛ فإن هذا سيساعد الأطراف المختلفة على الانتقال إلى أرضية مشتركة، فالصراع دمر كثيراً من المؤسسات الاقتصادية، وإذا استطعنا مساعدة مؤسسات مهمة مثل البنك المركزي ووزارة المالية على أن يلعبا دوراً مستقلاً لا يتأثر بالسياسة فإننا سنكون ساعدنا البلاد. رأينا ماذا حصل لليمنيين الذين عانوا كثيراً نتيجة هذا الصراع. وإذا استمعت إلى الدعاية الحوثية في وسائل إعلامهم، فإنهم يزعمون أن كل ذلك حدث بسبب السعودية؛ لذلك، فأنا أعتقد أنه علينا تسليط الضوء على مجالين مهمين، الإنساني والاقتصادي، وهما مجالان لم يتلقيا بعد نصيبهما الكافي من الانتباه، وهما مرتبطان ببعضهما بعضاً، ونتيجة للصراع فقد وجد اقتصاد حرب، وبالتالي فهناك عناصر جديدة تستغل أجزاء مهمة جداً من اقتصاد البلاد، وهم يزدادون ثراءً كل يوم، ويحرمون الناس رواتبهم، أو أولئك الذين كان لديهم أنشطة اقتصادية أخرى، وهؤلاء حرمهم أمراء الحرب من هذه الفرص الاقتصادية.
يضيف تولر: المشكلة الفساد المالي الموجود في مناطق سيطرة الحوثيين شمالاً، وأيضاً المناطق التي تهيمن عليها الشرعية لم تسلم من الفساد المالي والإداري، وعلينا جميعاً، من يريد مساعدة الشرعية العمل على أن يكون أداء الحكومة الشرعية أفضل مما مضى.
المجال الآخر الذي تأثر في الاقتصاد بسبب الصراع، هو أن الاقتصاد اليمني كان يعتمد على تصدير الغاز والنفط، وكذلك التحويلات المالية التي يرسلها اليمنيون في الخارج وأساساً من السعودية، والتحويلات المباشرة من دول في الخارج مثل السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وفقدان هذه الموارد نتج منه بشكل أساسي انخفاض سعر الريال اليمني؛ مما زاد الأمر صعوبة للمستوردين الذين يستوردون السلع والوقود؛ لذلك أعتقد مرة أخرى إذا استطعنا العمل مع شركائنا لمساعدة الشرعية في تحسين أدائها ومواجهة التحديات، حتى وإن كان الصراع قائماً، فإن هذا يكون أمراً إيجابياً للبلاد، وأعتقد هذا الأمر سيمنح المواطنين اليمنيين الشعور بأن الحكومة فعلاً تعمل لصالحهم.

«عرفان» لم يكتمل
يعترف الدبلوماسي الأميركي بأنه خلال سنته الأولى اليتيمة حتى الآن التي أدى فيها عمله من داخل اليمن قبل الحرب وقبل أن تتعلق عمليات السفارة في صنعاء، كان سيمنح الحوثيين «عرفاناً» (وهي الترجمة العربية الأقرب إلى الكلمة الإنجليزية «كريديت»)، وذلك إزاء ادعائهم عندما دخلوا صنعاء بأنهم «يريدون محاربة النخبة الفاسدة في اليمن». لكن العرفان لم يكتمل. يقول تولر: اتضح أنهم أصبحوا أسوأ من النخبة الفاسدة التي زعموا أنهم يريدون محاربتها».
ويؤمن بأن اليمن بلد لا يستحق أن يكون فقيراً، ويلقي باللوم على قيادات وميليشيات تتاجر بفقر اليمنيين ودمائهم ومستقبلهم.

التحالف ومكافحة الإرهاب
يؤكد تولر التعاون القائم بين الولايات المتحدة «مع دول التحالف وخصوصاً السعودية والإمارات» في مكافحة الإرهاب باليمن، ويقول: «عملنا معهم للتخلص من الإرهابيين في. وعملنا مع السعودية والإمارات على تدريب وتوفير المعدات والدعم للقوات اليمنية للتخلص من القاعدة»، لكنني أقول بطبيعة الحال إن السنوات الأربع الماضية كانت فترة مفيدة لتنظيم «القاعدة في جزيرة العرب»، مرجعاً ذلك إلى «ضعف السلطة المركزية للدولة، ونمو التيارات الطائفية والمذهبية، وبالتالي ازدياد تدفق الأسلحة للبلاد، وكل هذه عوامل تساعد القاعدة على النمو لليمن».
ولا يخفي السفير قلقه «العميق» من استغلال إيران لليمن. وذلك في إطار إجابته عن مدى الخشية من «تحول المشروع الإيراني الذي يمثله الحوثيون إلى نسخة أخرى من تنظيم القاعدة الإرهابي على غرار ما حدث في أفغانستان، فشعاراتهم هي الموت، وأفكار القتل باسم الدين تتطابق في هذه الحالة»؛ إذ قال: بالفعل لدي قلق عميق. فهذه منطقة تريد إيران أن تستغل عبرها المجتمع اليمني، وبالتالي بعض المناطق المتخلفة والمعزولة عن العالم أيضاً.

تنمية الاقتصاد والمساعدات
شهد الحديث إسهابا عن أن اليمن لا يستحق أن يكون أفقر بلد في منطقة الشرق الأوسط: «فقد أصاب البلاد الوهن داخل المؤسسات الحكومة والعسكرية، وكذلك الحال بالنسبة للفساد المالي والإداري رغم وجود الكثير من الثروات الطبيعية التي يمكن أن تحسّن معيشة البلاد، فلديها سكان جادون في العمل، وهناك حدود مع دول مثل السعودية وعمان؛ وهذا قد يوفر مناخاً مواتياً لأن يتم إيجاد فرص تجارية كبيرة، وهناك أيضاً البحر الأحمر والسواحل ومضيق باب المندب، وموانئ قد تكون من أفضل الموانئ في العالم؛ الأمر يتمثل في قادة ومتطرفين يريدون استغلال البلاد ضد الفقراء».
ويتذكر تولر أن القلق ساوره في البداية عند تشكيل التحالف العسكري بقيادة السعودية في عام 2015، حيث اعتقد أن هذه الخطوة «قد تنعكس سلباً وتطيل أمد الحرب في البلاد»، لكنه يستدرك بأنه وجد التحالف بقيادة السعودية «لديه وجه آخر من العملة»، في إشارة إلى أهمية اليمن بالنسبة للسعودية، التي قال: إنها لا تستطيع أن تتجاهل الملف اليمني. يضيف: إذا كان مهماً الجانب العسكري للسعودية، فإنه أيضاً بالقدر ذاته من الأهمية بالنسبة للمملكة وحلفائها أن يكون اليمن مستقراً ومزدهراً، وإلا ستجد السعودية نفسها مسحوبة إلى معارك ومواجهات داخل اليمن».
ويشير الدبلوماسي الأميركي إلى ترحيب بلاده بجهود السعودية «المتجددة المهتمة بالأوضاع الإنسانية والاقتصادية لليمن».

ما يجدر ترقبه من المبعوث الجديد؟
قبل التحدث عن ذلك، يقول السفير: أرجو أن أشير إلى أننا سنفتقد إسماعيل ولد الشيخ أحمد (المبعوث الأممي السابق)؛ إذ كان رجلاً متفانياً جداً في عمله الذي أداه، وهذا يشهد به كل من عمل مع الرجل رغم تعرضه لانتقادات حادة، لكن هذا الأمر واستمرارية الصراع ليس نتيجة لقلة الجهود التي بذلها. «وعندما يتم التوصل إلى حل فإن نواة هذا الحل ستكون نتيجة للجهود التي بذلها إسماعيل وفريقه وسابقيهم». ويزيد: نرحب بتعيين مبعوث أممي جديد؛ على أساس أن هذا سيوفر فرصة لنظرة تنعش الأمور، وبالتالي قد يشكل نواة نحو حل للقضايا العالقة. لكن، لا يوجد سحر أو عصا سحرية أو رصاصة فضية تحل القضايا العالقة. وجوهر المشكلة في اليمن هو الصراع على السلطة بين الأطراف اليمنية المختلفة.
والأطراف ليسوا مجرد اثنين، بل هم مجموعات متنوعة، وفي النهاية للتوصل إلى حل دائم يتطلب الأمر من جميع المجموعات التخلص من طموحها للهيمنة الكاملة على جميع اليمن.
ثم يعود ليقول: متفائل بأننا نرى تقدماً في العام الحالي 2018، وليس لأن هناك مبعوثاً أممياً جديداً، لكن آمل أن الأطراف المختلفة أدركت بأن استمرار صراع كهذا حقيقة هو يدمر البلاد ومستقبلهم في العيش داخلها.

جهود موازية
«...لكن هل تدعم الولايات المتحدة أي مبادرات أو مبادئ أو تمهيد موازية لجهود الأمم المتحدة، خصوصاً أن هناك حديثاً عن مبادرة أو أفكار قادمة من الشرق؟». يرى تولر هنا أن «هذه الجهود من الممكن أن تشجع وأن تكون مفيدة، ولا سيما إذا كانت من لاعبين دوليين لديهم اتصالات مع مختلف الأطراف اليمنية، في الشمال والجنوب، سواء في الحكومة الشرعية أو الحوثيين أو أتباع صالح»، ثم يضيف: «مع استثناءات بسيطة جداً، أعتقد أن هناك توافقاً دولياً تاماً حول الحل العام في اليمن منذ عام 2011، وفي عموميته فإن مجلس الأمن الدولي واللاعبين داخله لديهم توافق على الحل في اليمن. إذا نجح المبعوث الأممي الجديد في إقناع الأطراف إلى العودة للمفاوضات؛ فإن هذا سيكون من المفيد جداً له.

تقنيات خليفة ولد الشيخ
«تناهى إلى مسامعنا نبأ مفاده أن المبعوث الجديد سيبدأ بتقنيات مختلفة عن ما كان يفعله إسماعيل ولد الشيخ أحمد، حيث سيبدأ من الطرف الحوثي وينتهي بالشرعية. فكيف تقرأون ذلك؟ يقول تولر: أعتقد أن إسماعيل بذل كل الجهود الممكنة التي كان يستطع بذلها للاجتماع مع الحوثيين ونقاشهم، لكن في النهاية إذا كان الحوثيون يسعون إلى أن يجدوا دعماً من إسماعيل لدعم هيمنة إيران على المشهد فإنهم لن يجدوا متعاطفاً في هذه الوظيفة. ثم تساءل: هل تطور الحوثيون منذ العام 2014 وما تلاه من أحداث بعدها كمشاورات الكويت وما قبلها، وهل أصبحوا أكثر نضجاً للتعامل مع هذه القضية؟... وأجاب على تساؤله بالقول: إذا طرأ عليهم نضج سياسيي أكثر من ذي قبل، وإذا كانوا مستعدين لتقديم تنازلات فإن الفرصة ستكون جيدة للحل.


مقالات ذات صلة

اتصالات مصرية - خليجية مع «تنامي مؤشرات التصعيد» في المنطقة

شمال افريقيا وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره المصري بدر عبد العاطي خلال لقاء سابق في القاهرة (وزارة الخارجية المصرية)

اتصالات مصرية - خليجية مع «تنامي مؤشرات التصعيد» في المنطقة

بحثت مصر مع السعودية والإمارات جهود احتواء الأزمة الراهنة في المنطقة في ظل تنامي مؤشرات التصعيد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
خاص اللواء الركن خالد القملي قائد «خفر السواحل اليمنية» (سبأ)

خاص قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

أكد اللواء الركن خالد القملي، قائد مصلحة خفر السواحل اليمنية، أن الهجوم الحوثي لم يوقف مهامها، وأن العمل مستمر «بشكل طبيعي» وبمعنويات عالية...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي مساعٍ حكومية لفتح مسار لتقديم الإغاثة الإنسانية في تعز (إعلام محلي)

تحرك يمني - دولي لفتح منفذ إلى تعز المحاصرة خلال أيام

تعمل الجهات المعنية في الحكومة اليمنية، بالتنسيق مع المنظمات الإنسانية، على فتح طريق من أحد المنافذ الرئيسية لمدينة تعز، بهدف إدخال مساعدات إغاثية عاجلة.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي محافظ عدن خلال جولته في مطار عدن قبل استهدافه من قبل ميليشيا الحوثي (سبأ)

ما بين جولة الإعمار والصاروخ... محافظ عدن ينجو من هجوم المطار

السلطات المحلية تتخذ احتياطات أمنية خلال تحركاتها، ومن بين هذه الاحتياطات تجنب البقاء فترات طويلة في المواقع، وعدم الإعلان مسبقاً عن مواعيد الزيارات والتحركات.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي الحوثيون يلجأون إلى تفجير الطرق لفرض عقاب جماعي على سكان تعز ولحج (إكس)

الحوثيون ينتهكون أرياف تعز بتفجير الطرق ونهب المنازل

وسع الحوثيون انتهاكاتهم بريف تعز ولحج بتفجير الطرق والعبّارات، واختطاف سكان، ونهب منازل النازحين، والاعتداء على مياه الشرب؛ مما سبب مخاوف من اتساع موجات النزوح.

وضاح الجليل (عدن)

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
TT

ما خيارات مصر إزاء الاتفاقية البحرية التركية - الليبية؟

السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)
السيسي يستقبل إردوغان بمقر الرئاسة المصرية في القاهرة خلال فبراير الماضي (الرئاسة المصرية)

في ظل إصرار مصري وأوروبي على رفض الاعتراف بـ«مذكرة التفاهم» التركية - الليبية لتحديد مناطق الصلاحية البحرية الموقعة أواخر عام 2019، والتي صادق عليها مجلس النواب الليبي أخيراً، ومع تجدد عرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع مصر «يحقق المصالح المشتركة للبلدين»، يبدو أن «دبلوماسية الحوار» ستكون خيار القاهرة الأقرب لمعالجة التباينات بشأن الحدود مع أنقرة، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وصوّت مجلس النواب الليبي الأسبوع الماضي بالموافقة على اتفاقية «ترسيم الحدود البحرية» مع تركيا، وهو ما رفضته القاهرة في حينه، مؤكدة أن «الاتفاقية باطلة بطلاناً مطلقاً».

وأشار الأمين العام لاتحاد الموانئ البحرية العربية اللواء عصام الدين بدوي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ترسيم الحدود البحرية عادة ما يتم عبر التفاوض القانوني والدبلوماسي»، مرجحاً «عقد اجتماعات خلال الفترة المقبلة تضم لجاناً قانونية تمثل كافة الأطراف بهدف الوصول إلى صيغة تحقق مصالح الجميع وتتوافق مع القانون الدولي».

لقاء سابق بين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

من جانبه، أكد اللواء محمد إبراهيم خليل، مدير الكلية البحرية الأسبق، رفض مصر «مذكرة التفاهم» بين تركيا وليبيا، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق التركي - الليبي ينتهك الحقوق الاقتصادية لمصر في المياه الإقليمية، ويشكل حاجزاً يقطع البحر المتوسط، ويمنع أي حقوق مستقبلية لمصر في المياه الاقتصادية وما يتعلق بحقوق استكشاف الغاز والموارد الطبيعية».

وقال إن «مواجهة مثل هذا الاتفاق تتم عبر الجهود الدبلوماسية والرجوع لاتفاقيات التقسيم البحري»، مشيراً إلى أن «الحل سيكون عبر عقد جولات من التفاوض القانوني من أجل الوصول إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويحفظ حقوق مصر السيادية».

وأكد مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو الشوبكي، أن «قضايا ترسيم الحدود البحرية تخضع لمشاورات مع الدول الجارة والصديقة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر أمام خيارين، من بينهما التفاوض مع تركيا في ضوء العلاقات الطيبة بين البلدين، وعرض أنقرة توقيع اتفاق لترسيم الحدود»، مشيراً إلى أن «الطرح التركي قد يفضي إلى اتفاق جديد يرضي البلدين، ويراعي شواغل اليونان وقبرص».

أما الخيار الثاني، بحسب الشوبكي، فيتعلق بـ«تعديل مذكرة التفاهم الحالية اعتماداً على علاقات القاهرة القوية مع حكومة شرق ليبيا، والتي سبق أن أكّدت تفهمها لمخاوف مصر».

وأثارت «مذكرة التفاهم» التركية - الليبية اعتراضات عدة، لا سيما من جانب اليونان وقبرص والاتحاد الأوروبي. وتعليقاً على الانتقادات قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، الاثنين الماضي، إن بلاده «لا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أي طرف في شرق المتوسط»، وإنها تدعو إلى الحوار مع جميع دول المنطقة، وستحافظ على علاقاتها مع جميع الأطراف الفاعلة في ليبيا.

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أكد خلال لقائه نظيره التركي هاكان فيدان، الجمعة الماضي في إسطنبول، على هامش اجتماعات «الآلية الرباعية»، على «رفض مصر القاطع للتصديق على مذكرة التفاهم الموقعة عام 2019»، مشدداً على «أهمية احترام مبادئ القانون الدولي للبحار وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، فيما يتعلق بتعيين المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، وفقاً لمبادئ العدل والإنصاف بين الدول»، بحسب إفادة «الخارجية» المصرية آنذاك.

ومن جانبه، أكد الوزير التركي «تفهمه للشواغل المصرية إزاء تطورات الأوضاع في ليبيا، وأهمية مواصلة التشاور والتنسيق والعمل المشترك للتعامل مع هذه الشواغل، ودعم جهود تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا»، بحسب الإفادة.


10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
TT

10 آلاف ضحية للتصعيد في اليمن ... واختناق تعز صحياً

الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)
الحوثيون يكررون استهداف سيارات الإسعاف في تعز (إ.ف.ب)

بينما بلغت أعداد ضحايا التصعيد العسكري في اليمن نحو 10 آلاف إنسان، دخل النظام الصحي منعطفاً كارثياً هو الأشد خطورة منذ سنوات، متحولاً من حالة «الهشاشة المزمنة» إلى ما تصنفه الوكالات الدولية اليوم بحالة طوارئ معقدة غير قابلة للاحتواء، في ظل حصار على ثالثة كبرى مدن البلاد.

وأطلقت وزارة الصحة اليمنية تحذيراً من تدهور وشيك في القطاع الصحي بمحافظة تعز، مؤكدةً أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية والأكسجين وصل إلى مستويات حرجة، بعد نحو 3 أشهر من التصعيد العسكري الحوثي والأعمال العدائية التي تطول المدنيين والبنية التحتية، مع تراجع حاد وغير مسبوق في التمويل الدولي.

وتتعرض مدينة تعز (جنوب غرب) لحصار تفرضه الجماعة الحوثية، مصحوباً بتصعيد عسكري في عدد من المناطق، يتركز أغلبها في المدينة ومناطق محيطة بها أو قريبة منها، وهو ما تسبب في رصد موجة نزوح جديدة شملت أكثر من رُبع مليون شخص في أرياف محافظتي لحج وتعز جراء استمرار القصف في مناطقهم.

وتُظهر أحدث البيانات الميدانية الموثقة من منظمة الصحة العالمية، حجم الكارثة الإنسانية؛ إذ خلّفت موجة التصعيد العسكري الأخيرة حصيلة ثقيلة من الضحايا بلغت 9072 ضحية جرى رصدهم عبر أنظمة الترصد الصحي المتبقية.

وتؤكد التقارير تسجيل 1677 حالة وفاة، كمنعكس مباشر للأعمال العدائية، بالإضافة إلى 7395 جريحاً غصّت بهم مراكز الصدمات والطوارئ، مما وضع ضغطاً هائلاً تفوق طاقته القدرات الجراحية للمنظومة الطبية المتهالكة أساساً.

وتتهم السلطات الصحية في تعز استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف في أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، خلال قصف مكثف استهدف القرى في المنطقة.

وللمرة الثانية خلال التصعيد العسكري الحالي تستهدف الجماعة سيارات الإسعاف بعد استهداف سابق الأسبوع الماضي أسفر عن مقتل سائق السيارة وفتاة مصابة كان يجري نقلها لتلقي العلاج بعد إصابتها بقصف سابق، وإصابة أحد الممرضين في طاقم الإسعاف بجروح.

كما اتهمت السلطات الصحافية في المحافظة الحوثيين بنهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات الريفية.

نداء استغاثة أخير

في مدينة تعز، بلغت الأزمة الإنسانية ذروتها الحادة؛ حيث تواجه 42 منشأة ومرفقاً صحياً في المحافظة شبح التوقف التام والنهائي عن العمل خلال أيام، نتيجة النفاد الوشيك لمخزونات الأدوية، والمستلزمات الطبية المنقذة للحياة، وأسطوانات الأكسجين الطبي، وفقاً لوزارة الصحة اليمنية.

ويهدد هذا التوقف بشكل مباشر خدمات حيوية لا يمكن استبدالها؛ كحضانات الأطفال حديثي الولادة، وغرف العناية المركزة، وجلسات غسيل الكلى المنتظمة لمئات المرضى.

وتتضاعف هذه المعاناة مع استمرار الاستهداف المباشر للمنشآت، والتي كان آخرها إطلاق مسلحي الجماعة الحوثية النار على مستشفى الثورة العام، مما أسفر عن سقوط جرحى بين المرضى والكوادر الطبية.

حضانات الأطفال حديثي الولادة والخدج في مستشفيات مدينة تعز أمام خطر التوقف التام (رويترز)

ويحذّر مسؤولو الصحة العامة من تفشٍّ خطير لوباء الكوليرا الذي بات خارج السيطرة، بعد تضاعف معدلات الإصابة 3 مرات خلال أسابيع قليلة فقط، مدفوعةً بالدمار الكامل الذي لحق بشبكات المياه والصرف الصحي وتدهور خدمات الإصحاح البيئي.

ويتلازم هذا التفشي مع أزمة سوء التغذية الحاد؛ حيث تفتقر أجساد آلاف الأطفال النازحين للمناعة الأساسية اللازمة لمقاومة البكتيريا المنقولة عبر المياه الملوثة، مما يرفع مؤشرات الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة إلى مستويات قياسية.

دعم شحيح

ووسط تصاعد الاحتياجات على الأرض، تواجه العمليات الإغاثية الدولية والمحلية جداراً مسدوداً بسبب ما توصف بـ«أزمة جفاف التمويل الخانقة».

وحددت منظمة الصحة العالمية، أوائل الشهر الجاري، الاحتياجات المالية لإنقاذ العمليات الصحية الأساسية في البلاد بـ31 مليون دولار بشكل عاجل وفوري، إلا أنها لم تتلقَّ من المانحين سوى 2.1 مليون دولار فقط، أي بفجوة تمويلية مرعبة تصل إلى 93 في المائة.

القصف الحوثي يتواصل على المساكن والمدنيين في تعز المحاصرة (أ.ب)

وتُرجم هذا العجز التمويلي على الفور إلى كارثة ملموسة؛ حيث أُغلقت 15 منشأة صحية حيوية بشكل نهائي، وتم تسريح عشرات الفرق الطبية المتنقلة التي كانت تمثل شريان الحياة الوحيد للمجتمعات النائية ومخيمات النازحين في محافظات مواجهة ساخنة مثل مأرب.

وتُجمع الأوساط الإنسانية الدولية والمحلية على أن الوقت قد نفد بالفعل؛ وما لم يتدخل المجتمع الدولي فوراً للضغط نحو وقف الأعمال العدائية، وفتح ممرات إنسانية آمنة لفك الحصار الإمدادي عن تعز، وضخ سيولة مالية إسعافية عاجلة، فإن اليمن يتجه نحو أكبر انهيار طبي في تاريخه الحديث.


«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
TT

«محطات عائمة»... مصر مهتمة بامتلاك مفاعلات نووية روسية جديدة

أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)
أرشيفية لأول مُعدة نووية ثقيلة بمحطة «الضبعة» في مصر (هيئة المحطات النووية)

أبدت مصر اهتماماً بامتلاك محطات نووية جديدة تزامناً مع استمرار العمل في بناء محطة «الضبعة النووية» التي تنفذها بالتعاون مع روسيا، في ظل رغبتها بتنويع مصادر الطاقة بما يلبي احتياجاتها من الكهرباء.

وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال محادثاته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، مساء الأربعاء، إن مصر تتطلع لزيادة التنسيق بين البلدين في ما يتعلق بالوحدات الإضافية التي يمكن تركيبها في موقع «محطة الضبعة» للطاقة النووية بعد عام 2030، فضلاً عن إمكانيات التعاون في مجال «المفاعلات النووية العائمة» وتحلية مياه البحر والطباعة ثلاثية الأبعاد ودعم الصناعات المتخصصة.

وحظي التعاون بين مصر وروسيا في مجال الطاقة النووية بنقاشات واسعة على هامش زيارة الرئيس المصري إلى موسكو للمشاركة في القمة «الروسية - الأفريقية» الثالثة، والتقى، الخميس، المدير العام لـ«الوكالة الحكومية الروسية للطاقة النووية» (روساتوم) أليكسي ليخاتشوف، وشدد على أهمية مشروع «محطة الضبعة» للطاقة النووية، الذي يأتي في إطار حرص مصر على زيادة إنتاج الطاقة المتجددة لرفع مساهمتها في إجمالي مزيج الطاقة.

السيسي خلال لقائه المدير العام لشركة «روساتوم» (الرئاسة المصرية)

وتعد محطات الطاقة النووية العائمة، مفاعلات نووية مدمجة الحجم، تُثبَّت على سفن أو منصات بحرية مصممة خصيصاً لهذا الغرض، وتستخدم في توليد الكهرباء، وإنتاج المياه المحلاة، وتتمتع بمعدلات أخطار محدودة داخل المياه الإقليمية، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة في «الجامعة الأميركية» بالقاهرة، الدكتور جمال القليوبي، الذي أضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الاتجاه لمزيد من محطات الطاقة النووية «يرجع إلى توجه القيادة السياسية للدولة للبحث عن مزيد من مزيج الطاقة إلى جانب الوقود الأحفوري والطاقة المتجددة وطاقة الهيدروجين، ومشروعات محاكاة السدود عبر مشروع (جبل الطور) و(جبل عتاقة) في جنوب سيناء، لتوليد الطاقة الكهرومائية في مصر».

ويضم «مفاعل الضبعة النووي» أربع وحدات نووية من طراز VVER - 1200، بقدرة 1.200 ميغاواط لكل وحدة، وبإجمالي قدرة مركبة تبلغ 4800 ميغاواط، بما يسهم في دعم مزيج الطاقة المصري وتعزيز أمن واستدامة إمدادات الكهرباء. وبحسب القليوبي، فإن مصر اتفقت مع روسيا على زيادة وحدة خامسة ليصل مقدار الطاقة الكهربائية المولدة إلى 6000 ميغاوات.

وأعلن رئيس «روساتوم» ليخاتشوف، أن مصر قدمت مقترحات بشأن عدة مواقع محتملة لإقامة محطات نووية عائمة على أراضيها، مشيراً في تصريحات لصحيفة «إزفيستيا» الروسية، إلى أن المباحثات «لم تصل بعد إلى مرحلة تقديم عروض تجارية نهائية»، لكنه أعرب عن أمله «في أن تسهم لقاءاته مع المسؤولين المصريين، في دفع هذه المشروعات قُدماً».

محادثات مصرية- روسية تستهدف توسيع التعاون في مجال الطاقة النووية (مجلس الوزراء المصري)

ويؤكد القليوبي أن «روسيا شريك قديم - حديث لمصر في مجالات الطاقة النووية، وأن أول مفاعل مصري في إنشاص، كان بخبرات روسية، كما أن موسكو على المستوى السياسي قدمت دعماً للقاهرة في كثير من الأزمات التي مرت بها، خاصة في ثورة 30 يونيو (حزيران)، إلى جانب التعاون الغذائي المتزايد، عبر صفقات القمح والغاز المسال والتكنولوجيا العسكرية لدعم الجيش المصري».

وقال الخبير في الشأن الروسي، نبيل رشوان، «إن التعاون بين مصر وروسيا في المجال النووي يمضي بشكل مستقر، ولا يوجد ما يعرقل العمل في محطة الضبعة النووية أو في مشروعات نووية جديدة رغم الأحاديث عن وجود معوقات نتيجة العقوبات على موسكو»، مشيراً إلى أن مصر «اختارت روسيا رغم وجود عروض من دول مثل كوريا الجنوبية وكندا وفرنسا، اعتماداً على سداد القروض التي تحصل عليها من روسيا لبناء المحطة النووية من خلال عوائد بيع الطاقة الكهربائية».

وكان الرئيس السيسي قد شدد خلال لقائه مع نظيره الروسي على ضرورة «انتظام التدفقات المالية المخصصة للمشروع دون تأخير»، مع التشديد على «عدم اعتماد أي تعديلات جديدة على الجدول الزمني، إلا بعد تقديم المبررات الفنية والتعاقدية المؤيدة لها والموافقة عليها».

وأوضح رشوان في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن العقوبات التي تعرضت لها روسيا «لم تؤثر حتى الآن على معدلات إنجاز المشروع، وأن توقعات تهدئة الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أو الذهاب باتجاه إنهاء الصراع، من الممكن أن تصب في صالح إنهاء المشروع في توقتيه، وهو ما تعول عليه القاهرة، خاصة بعد أن أبدت رغبتها في مزيد من التعاون في الطاقة النووية مع روسيا».

جانب من أعمال محطة «الضبعة النووية» في مصر (صفحة مجلس الوزراء على فيسبوك)

وتمضي مصر وروسيا نحو استكمال المشروع، حيث من المتوقع أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى في منتصف عام 2028، حسب ما أعلن عنه وزير الكهرباء المصري محمود عصمت في وقت سابق.

وبحث لقاء عقده وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع المدير العام لـ«روساتوم»، سبل «دعم وتعزيز الشراكة والتعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية والمفاعلات الصغيرة والمفاعلات العائمة لتوليد الكهرباء، وكذلك المفاعلات البحثية، وتعظيم العوائد من البنية التحتية في منطقة الضبعة، وإقامة مشروع متكامل لتحلية مياه البحر بالتعاون مع شركة البنية التحتية التابعة لمؤسسة (روساتوم)»، بحسب بيان صادر عن وزارة الكهرباء المصرية، الخميس.