حرب التجارة الوشيكة... تحفز أوروبي وتحذير دولي وإصرار أميركي

حرب التجارة الوشيكة... تحفز أوروبي وتحذير دولي وإصرار أميركي

لاغارد: «معارك الجمارك» تهدد اقتصاد العالم
الخميس - 21 جمادى الآخرة 1439 هـ - 08 مارس 2018 مـ رقم العدد [ 14345]
مؤتمر صحافي بالمفوضية الأوروبية في بروكسل أمس وسط توترات حول الرسوم الضريبية الأميركية (أ ف ب)
القاهرة: أحمد الغمراوي بروكسل: عبد الله مصطفى
في الوقت الذي يؤكد فيه أحد أكبر المسؤولين الأميركيين عن ملفات التجارة، وهو وزير التجارة ويلبر روس شخصياً، أن بلاده لا تسعى إلى حرب تجارية، وأن قرار فرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم «قد تمت دراسته بعناية»... تظهر استقالة غاري كوهين، المستشار الاقتصادي البارز للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن المسألة مشتعلة داخل الإدارة الأميركية بشكل كبير.
ولا يبدو أن ترمب في سبيله لتغيير موقفه المتصلب إزاء فرض رسوم على الواردات، وهي القضية التي شهدت انقساماً واسعاً في إدارته، بينما تؤكد دول كبرى حول العالم تحفزها للرد المناسب، فيما تحذر كثير من المؤسسات الدولية من مخاطر تحول المعركة إلى «حرب جمارك» من شأنها أن تضر بالنمو الاقتصادي العالمي.
وأكدت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أمس، أنه سيتم الكشف قريباً عن تفاصيل الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم، وقالت: «ما زلنا نعتزم الإعلان عن ذلك في نهاية هذا الأسبوع».
ووسط المعركة المشتعلة، قالت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي إن الحروب التجارية لا يربحها أحد، وإن عواقب فرض رسوم أميركية على الواردات ستكون خطيرة بالنسبة للاقتصاد الكلي إذا ردت الدول الأخرى بفرض رسوم من جانبها.
وأكدت في حديث لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية أمس أن «العواقب على الاقتصاد الكلي ستكون خطيرة، ليس إذا أخذت الولايات المتحدة إجراء فحسب، لكن خصوصاً إذا رَدَّت الدول الأخرى، لا سيما تلك التي ستكون الأشد تأثراً... مثل كندا وأوروبا وألمانيا على وجه الخصوص».
وجاءت تصريحات لاغارد عقب ساعات من إعادة ترمب التأكيد مساء الثلاثاء على عزمه فرض رسوم كبيرة على واردات الصلب والألمنيوم، محذراً الاتحاد الأوروبي من أنه سيواجه «ضريبة كبيرة» لعدم حسن معاملة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتجارة. وأكد استعداد بلاده لخوض حرب تجارية مع أي دولة والفوز فيها بكل سهولة... وهي التغريدة التي رد عليها رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بشكل مباشر، معتبراً أن الحروب التجارية «سيئة ومن السهل خسارتها».
وأعربت لاغارد في حديثها أمس عن أملها في أن يتراجع ترمب عن تنفيذ تهديداته الجمركية، قائلة: «إننا نوصي بالتوصل لاتفاق بين الأطراف المختلفة، والاستناد إلى الحوار».
وفي الداخل الأميركي، لا تبدو الأمور هادئة... ورغم الدور الرفيع لغاري كوهين في الاقتصاد الأميركي في إدارة ترمب، حيث كان العقل المخطط وراء التعديلات الضريبية التي اعتبرها ترمب نصراً كبيراً، التي ربما تحمل بحسب آراء اقتصاديين منافع جيدة للاقتصاد الأميركي... فإن ترمب والبيت الأبيض تجاوزا استقالته (الاحتجاجية) على توجهات ترمب بشأن الرسوم الجمركية». وقال ترمب في تغريدة على «تويتر» إنه سيقوم قريباً بتعيين بديل... مشيراً إلى أن «كثيرين يريدون الوظيفة... سأختار بحكمة».
وقال ترمب معلقاً على الاستقالة: «غاري كان كبير مستشاري الاقتصاديين، وقام بعمل رائع لتنفيذ برنامجنا»، مضيفاً: «إنه يتمتع بموهبة نادرة وأشكره على عمله المتفاني». لكنه تابع: «تعرضت بلادنا للاستغلال من قبل الجميع. ولا يمكننا السماح باستمرار هذا بعد الآن»، في إشارة إلى اعتزامه المضي قدماً في مساره، قائلاً للصحافيين إنه انتُخِب لحماية العمال والصناعات الأميركية التي تضررت إثر سنوات من سياسات تجارية غير عادلة.
وأعلن ترمب، صباح أمس، في تغريدة، أن العجز التجاري السنوي الأميركي وصل إلى 800 مليار دولار العام الماضي، وحمل المسؤولين الأميركيين السابقين مسؤولية هذا الأمر. فيما قفز العجز في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى أعلى مستوياته في 9 سنوات، وهو أمر ربما يستخدمه الفريق المدافع عن الحمائية في الإدارة الأميركية للاستمرار في توجههم.
وقالت وزارة التجارة الأميركية أمس إن العجز التجاري قفز خمسة في المائة، إلى 56.6 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، ويتجاوز توقعات الخبراء الاقتصاديين التي كانت تشير إلى زيادة عند 55.1 مليار دولار. ويرجع جزء من زيادة العجز التجاري في يناير إلى زيادات في أسعار السلع الأولية.
وقفز العجز التجاري مع الصين، وهي قضية ذات حساسية سياسية، 16.7 في المائة إلى 36 مليار دولار، مسجلاً أعلى مستوياته منذ سبتمبر (أيلول) 2015. وصعد العجز المسجل مع كندا 65 في المائة إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات عند 3.6 مليار دولار.
وعلى الجانب الآخر، تبلغ قيمة الصادرات الأوروبية من الصلب إلى الولايات المتحدة خمسة مليارات يورو سنوياً، ومن الألمنيوم مليار يورو. وتفيد حسابات المفوضية بأن الإجراءات الأميركية التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي «حمائية» ستسبب أضراراً بقيمة 2.8 مليار يورو.
وبالأمس، قالت المفوضية الأوروبية وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، إنها ناقشت خلال الاجتماع الأسبوعي خطة الرد الأوروبي على القيود الأميركية على واردات الصلب والألمنيوم.
وقالت المفوضية إنها تقف الآن مستعدة للرد وبشكل متناسب ويتماشى بشكل كامل مع قواعد منظمة التجارة العالمية، وذلك في حال أقرت واشنطن تنفيذ الإجراءات التي أعلنت عنها، وهي إجراءات ستؤثر على المصالح الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ولهذا فقد أيد الاجتماع الأسبوعي للمفوضية المقترح الذي تقدم به رئيسها جان كلود يونكر ونائبه جيركي كاتينن المكلف الملفَّ الاقتصادي، ومفوضة التجارة سيسليا مالمستروم، حول التحرك الأوروبي في هذا الأمر.
وعقب الاجتماع قالت مالمستروم: «ما زلنا نأمل من الولايات المتحدة - الشريك الأمني لنا - أن تستبعد الاتحاد الأوروبي من هذه الإجراءات. ونأمل أيضاً في إقناع الإدارة الأميركية بأن هذه الإجراءات ليست الخطوة الصحيحة، خصوصاً أنه لم يتخذ بعد أي قرار في هذا الصدد، ولم يتحرك الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي، ولذلك أوضح أعضاء المفوضية بأنه في حال اتخذت واشنطن أي خطوة في هذا الاتجاه، فإنه سيضر بالاتحاد، ويعرض آلاف الوظائف الأوروبية للخطر، ولهذا يجب التعامل مع هذا الأمر».
وكانت مالمستروم قالت لـ«بي بي سي» مساء الاثنين: «علينا أن نرى القرار النهائي لترمب أولاً... الذي يُفترض أن يعلن هذا الأسبوع»، لكنها أكدت «لكن بالتأكيد نستعد لذلك... لأن كل هذا يتردد منذ بعض الوقت».
ويتردد داخل أروقة المفوضية أن هناك دراساتٍ لاستهداف منتجات أميركية، وأن هناك «لائحة» تضم عدداً من الشركات الأكثر قرباً من ترمب... لكن مصدراً أوروبياً قال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «لا يمكننا اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه اللائحة ما دامت الولايات المتحدة لم تعلن أي قرار رسمي».
وإلى جانب «الإجراءات الانتقامية»، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتخذ خلال أسابيع إجراءات تسمى «إنقاذية» لحماية صناعته. ويقضي ذلك بخفض الواردات الأوروبية من الصلب والألمنيوم لحماية القطاعين من الصناعة الأجنبية، بحسب ما تسمح به قواعد منظمة التجارة العالمية.
وأخيراً يمكن للمفوضية الأوروبية التقدم، إذا احتاج الأمر ومع الدول المعنية الأخرى بما فيها الصين، بشكوى مشتركة إلى منظمة التجارة العالمية، وهو إجراء يستغرق سنتين بشكل عام.
Economy

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة