حرب التجارة الوشيكة... تحفز أوروبي وتحذير دولي وإصرار أميركي

لاغارد: «معارك الجمارك» تهدد اقتصاد العالم

مؤتمر صحافي بالمفوضية الأوروبية في بروكسل أمس وسط توترات حول الرسوم الضريبية الأميركية (أ ف ب)
مؤتمر صحافي بالمفوضية الأوروبية في بروكسل أمس وسط توترات حول الرسوم الضريبية الأميركية (أ ف ب)
TT

حرب التجارة الوشيكة... تحفز أوروبي وتحذير دولي وإصرار أميركي

مؤتمر صحافي بالمفوضية الأوروبية في بروكسل أمس وسط توترات حول الرسوم الضريبية الأميركية (أ ف ب)
مؤتمر صحافي بالمفوضية الأوروبية في بروكسل أمس وسط توترات حول الرسوم الضريبية الأميركية (أ ف ب)

في الوقت الذي يؤكد فيه أحد أكبر المسؤولين الأميركيين عن ملفات التجارة، وهو وزير التجارة ويلبر روس شخصياً، أن بلاده لا تسعى إلى حرب تجارية، وأن قرار فرض رسوم على واردات الصلب والألمنيوم «قد تمت دراسته بعناية»... تظهر استقالة غاري كوهين، المستشار الاقتصادي البارز للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أن المسألة مشتعلة داخل الإدارة الأميركية بشكل كبير.
ولا يبدو أن ترمب في سبيله لتغيير موقفه المتصلب إزاء فرض رسوم على الواردات، وهي القضية التي شهدت انقساماً واسعاً في إدارته، بينما تؤكد دول كبرى حول العالم تحفزها للرد المناسب، فيما تحذر كثير من المؤسسات الدولية من مخاطر تحول المعركة إلى «حرب جمارك» من شأنها أن تضر بالنمو الاقتصادي العالمي.
وأكدت سارة ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، أمس، أنه سيتم الكشف قريباً عن تفاصيل الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألمنيوم، وقالت: «ما زلنا نعتزم الإعلان عن ذلك في نهاية هذا الأسبوع».
ووسط المعركة المشتعلة، قالت كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي إن الحروب التجارية لا يربحها أحد، وإن عواقب فرض رسوم أميركية على الواردات ستكون خطيرة بالنسبة للاقتصاد الكلي إذا ردت الدول الأخرى بفرض رسوم من جانبها.
وأكدت في حديث لإذاعة «إر تي إل» الفرنسية أمس أن «العواقب على الاقتصاد الكلي ستكون خطيرة، ليس إذا أخذت الولايات المتحدة إجراء فحسب، لكن خصوصاً إذا رَدَّت الدول الأخرى، لا سيما تلك التي ستكون الأشد تأثراً... مثل كندا وأوروبا وألمانيا على وجه الخصوص».
وجاءت تصريحات لاغارد عقب ساعات من إعادة ترمب التأكيد مساء الثلاثاء على عزمه فرض رسوم كبيرة على واردات الصلب والألمنيوم، محذراً الاتحاد الأوروبي من أنه سيواجه «ضريبة كبيرة» لعدم حسن معاملة الولايات المتحدة فيما يتعلق بالتجارة. وأكد استعداد بلاده لخوض حرب تجارية مع أي دولة والفوز فيها بكل سهولة... وهي التغريدة التي رد عليها رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك بشكل مباشر، معتبراً أن الحروب التجارية «سيئة ومن السهل خسارتها».
وأعربت لاغارد في حديثها أمس عن أملها في أن يتراجع ترمب عن تنفيذ تهديداته الجمركية، قائلة: «إننا نوصي بالتوصل لاتفاق بين الأطراف المختلفة، والاستناد إلى الحوار».
وفي الداخل الأميركي، لا تبدو الأمور هادئة... ورغم الدور الرفيع لغاري كوهين في الاقتصاد الأميركي في إدارة ترمب، حيث كان العقل المخطط وراء التعديلات الضريبية التي اعتبرها ترمب نصراً كبيراً، التي ربما تحمل بحسب آراء اقتصاديين منافع جيدة للاقتصاد الأميركي... فإن ترمب والبيت الأبيض تجاوزا استقالته (الاحتجاجية) على توجهات ترمب بشأن الرسوم الجمركية». وقال ترمب في تغريدة على «تويتر» إنه سيقوم قريباً بتعيين بديل... مشيراً إلى أن «كثيرين يريدون الوظيفة... سأختار بحكمة».
وقال ترمب معلقاً على الاستقالة: «غاري كان كبير مستشاري الاقتصاديين، وقام بعمل رائع لتنفيذ برنامجنا»، مضيفاً: «إنه يتمتع بموهبة نادرة وأشكره على عمله المتفاني». لكنه تابع: «تعرضت بلادنا للاستغلال من قبل الجميع. ولا يمكننا السماح باستمرار هذا بعد الآن»، في إشارة إلى اعتزامه المضي قدماً في مساره، قائلاً للصحافيين إنه انتُخِب لحماية العمال والصناعات الأميركية التي تضررت إثر سنوات من سياسات تجارية غير عادلة.
وأعلن ترمب، صباح أمس، في تغريدة، أن العجز التجاري السنوي الأميركي وصل إلى 800 مليار دولار العام الماضي، وحمل المسؤولين الأميركيين السابقين مسؤولية هذا الأمر. فيما قفز العجز في يناير (كانون الثاني) الماضي إلى أعلى مستوياته في 9 سنوات، وهو أمر ربما يستخدمه الفريق المدافع عن الحمائية في الإدارة الأميركية للاستمرار في توجههم.
وقالت وزارة التجارة الأميركية أمس إن العجز التجاري قفز خمسة في المائة، إلى 56.6 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، ويتجاوز توقعات الخبراء الاقتصاديين التي كانت تشير إلى زيادة عند 55.1 مليار دولار. ويرجع جزء من زيادة العجز التجاري في يناير إلى زيادات في أسعار السلع الأولية.
وقفز العجز التجاري مع الصين، وهي قضية ذات حساسية سياسية، 16.7 في المائة إلى 36 مليار دولار، مسجلاً أعلى مستوياته منذ سبتمبر (أيلول) 2015. وصعد العجز المسجل مع كندا 65 في المائة إلى أعلى مستوياته في ثلاث سنوات عند 3.6 مليار دولار.
وعلى الجانب الآخر، تبلغ قيمة الصادرات الأوروبية من الصلب إلى الولايات المتحدة خمسة مليارات يورو سنوياً، ومن الألمنيوم مليار يورو. وتفيد حسابات المفوضية بأن الإجراءات الأميركية التي يعتبرها الاتحاد الأوروبي «حمائية» ستسبب أضراراً بقيمة 2.8 مليار يورو.
وبالأمس، قالت المفوضية الأوروبية وهي الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، إنها ناقشت خلال الاجتماع الأسبوعي خطة الرد الأوروبي على القيود الأميركية على واردات الصلب والألمنيوم.
وقالت المفوضية إنها تقف الآن مستعدة للرد وبشكل متناسب ويتماشى بشكل كامل مع قواعد منظمة التجارة العالمية، وذلك في حال أقرت واشنطن تنفيذ الإجراءات التي أعلنت عنها، وهي إجراءات ستؤثر على المصالح الاقتصادية للاتحاد الأوروبي، ولهذا فقد أيد الاجتماع الأسبوعي للمفوضية المقترح الذي تقدم به رئيسها جان كلود يونكر ونائبه جيركي كاتينن المكلف الملفَّ الاقتصادي، ومفوضة التجارة سيسليا مالمستروم، حول التحرك الأوروبي في هذا الأمر.
وعقب الاجتماع قالت مالمستروم: «ما زلنا نأمل من الولايات المتحدة - الشريك الأمني لنا - أن تستبعد الاتحاد الأوروبي من هذه الإجراءات. ونأمل أيضاً في إقناع الإدارة الأميركية بأن هذه الإجراءات ليست الخطوة الصحيحة، خصوصاً أنه لم يتخذ بعد أي قرار في هذا الصدد، ولم يتحرك الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي، ولذلك أوضح أعضاء المفوضية بأنه في حال اتخذت واشنطن أي خطوة في هذا الاتجاه، فإنه سيضر بالاتحاد، ويعرض آلاف الوظائف الأوروبية للخطر، ولهذا يجب التعامل مع هذا الأمر».
وكانت مالمستروم قالت لـ«بي بي سي» مساء الاثنين: «علينا أن نرى القرار النهائي لترمب أولاً... الذي يُفترض أن يعلن هذا الأسبوع»، لكنها أكدت «لكن بالتأكيد نستعد لذلك... لأن كل هذا يتردد منذ بعض الوقت».
ويتردد داخل أروقة المفوضية أن هناك دراساتٍ لاستهداف منتجات أميركية، وأن هناك «لائحة» تضم عدداً من الشركات الأكثر قرباً من ترمب... لكن مصدراً أوروبياً قال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «لا يمكننا اتخاذ قرار نهائي بشأن هذه اللائحة ما دامت الولايات المتحدة لم تعلن أي قرار رسمي».
وإلى جانب «الإجراءات الانتقامية»، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتخذ خلال أسابيع إجراءات تسمى «إنقاذية» لحماية صناعته. ويقضي ذلك بخفض الواردات الأوروبية من الصلب والألمنيوم لحماية القطاعين من الصناعة الأجنبية، بحسب ما تسمح به قواعد منظمة التجارة العالمية.
وأخيراً يمكن للمفوضية الأوروبية التقدم، إذا احتاج الأمر ومع الدول المعنية الأخرى بما فيها الصين، بشكوى مشتركة إلى منظمة التجارة العالمية، وهو إجراء يستغرق سنتين بشكل عام.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.