مذكرات يانيس فاروفاكيس عن ستة أشهر أعادت اليونان إلى طوق الطاعة

وزير للمالية في «بطن الحوت الأوروبي»

يانيس فاروفاكيس
يانيس فاروفاكيس
TT

مذكرات يانيس فاروفاكيس عن ستة أشهر أعادت اليونان إلى طوق الطاعة

يانيس فاروفاكيس
يانيس فاروفاكيس

في الحادي عشر من يونيو (حزيران) 2011 اقتحم 5 آلاف رجل أمن مدججين بالسلاح ميدان سينتاغما - قلب العاصمة اليونانية - لينهوا بالقوة اعتصاماً عاماً استمر عدة أشهر تحت شعار (احتلوا أثينا) شارك فيه 35 في المائة من المواطنين فعليّاً بالنزول إلى الشوارع والميادين العامة منادين بـ(ثورة) على النظام الفاسد من النخب التي حكمت اليونان خلال عقود ماضية عبر تحالف ممنهج بين مافيات التهريب والأوليغارشية التي استنزفت موارد الدولة والمجتمع - فأثرت، وأفقرت بذات الوقت البلاد والعباد.
«روح (سينتاغما) تلك» يقول يانيس فاروفاكيس، وزير مالية اليونان السابق في مذكراته (عقلاء في الغرفة) التي نشرها حديثاً: «تحولت إلى حراك سياسي أصبح لا يمكن إيقافه». وبالفعل فإن تلك الأشهر القليلة أعادت تشكيل توجهات اليونانيين السياسيّة على نحو جذري رفع نسبة الناخبين الذين صوتوا لصالح حزب سيريزا اليساري إلى أغلبيّة 36 في المائة في انتخابات 2015 العامة مقارنة بأقل من 5 في المائة في الانتخابات السابقة. كان الحزب قد طرح برنامجاً طموحاً لإعادة تنظيم اقتصاديات البلاد في وقت كانت الميزانيّة العامة تتدحرج إلى هوة الإفلاس نتيجة لتوقف اليونانيين عن دفع الضرائب وامتناع البنك المركزي الأوروبي والشركاء الأوروبيين الكبار - على رأسهم ألمانيا – عن إقراض اليونان.
فاروفاكيس – الذي كان والده يونانياً مصريّاً عاد ليدرس في جامعة أثينا – وجد نفسه بعد تلك الانتخابات داخل قلب الحوت الأوروبي وزيراً للماليّة مقابل فريق من دهاقنة البنوك الأوروبيين «الذّين لم يكونوا يريدون تحصيل ديونهم بقدر ما أرادوا تلقين اليونانيين درسَا في عدم الخروج عن طوق الطاعة ليصير عبرة للشعوب الأوروبيّة الأخرى». كانت مهمة فاروفاكيس بالفعل أشبه بمهمة استشهاديّة لا طائل من ورائها.
لم يتفاءل الأوروبيّون بتولي فاروفاكيس ذلك المنصب الحساس. هم كانوا يريدون وجهاً من البيروقراطيين التقليديين أقل راديكالية، كي يوافق على إملاءاتهم دون كبير عناء، فانتهوا إلى أكاديمي يساري معروف بتمرده واستقلاليته يذهب إلى مقر عمله بجاكيت جلدي على دراجة ناريّة. لكن ذلك الأكاديمي فاجأ الجميع بقدرته المذهلة على فهم الأبعاد المعقدة للمسائل الماليّة والاقتصاديّة، وبراغماتيته في التفاوض، وقدرته على استجلاب دعم مجموعة من عتاولة اليمين الغربي والمؤسسات الماليّة الدوليّة لدعم موقف اليونان. لم تكن لدى فاروفاكيس أي أوهام بشأن إمكانيّة قيام ديكتاتوريّة العمال والفلاحين في بلاده وقتها لأن تلك مواجهة ستكون حتماً عبثيّة بين سمكة صغيرة بمواجهة حوت غاضب، ولهذا فإن خطته التفاوضيّة تركزت حول استخدام أوراق القوة القليلة التي لديه - والمتمثلة أساساً بالتفويض الشعبي الواضح والتهديد بالخروج من فضاء العملة الأوروبيّة الموحدة (اليورو) - لتحسين شروط الاستسلام من خلال إعادة هيكلة للديون ومحاولة تخفيف وطأة سياسات التقشف على المواطن اليوناني الفقير. كان وزير ماليّة آتياً من جذور ماركسيّة، لكنّه يحاول وبجد التفاوض لأجل منهج رأسمالي معتدل كينزي النزعة في إدارة الأزمة «يمكن أن ينقذ الرأسماليّة من نفسها».
(عقلاء في الغرفة) يقّدم رواية فاروفاكيس عن تفاصيل تلك الفترة العصيبة من تاريخ اليونان الحديث، والتي استمرت لستة أشهر تقريباً، وانتهت بعدما ترك منصبه بناء على طلب ألكسيس تسيبراس رئيس الوزراء اليوناني عن «سيريزا» الذي خضع لضغوط الأوروبيين. وهو استعار العبارة من تأنيب كريستن لاغارد، رئيسة البنك الدولي للمفاوضين مع اليونان عندما فارت المشاعر بأحد الاجتماعات قائلة إنها تحتاج إلى عقلاء ناضجين في تلك الغرفة.
لم يكن فاروفاكيس عضواً في سيريزا، لكنه ترشح على لائحة الحزب بالانتخابات العامة عام 2015 فحصل على أعلى عدد من أصوات الناخبين اليونانيين بين كافة المرشحين. لكن تفويض الرجل لإدارة الصراع مع الشركاء الأوروبيين الكبار لم يأت بسبب شعبيته الجارفة فحسب، فهو بالفعل من أهم العقول الاقتصاديّة الأوروبيّة، وقد تفرّد قبل كل الآخرين بالتحذير علناً في 2006 من خطورة انكشاف البنوك الأوروبيّة المتزايد أمام المشتقات الماليّة الأميركيّة وديون العقارات المتضخمة على الجانب الآخر من الأطلسي، وكتب قبل تفجر الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008: «السؤال الآن ليس إذا كانت الأزمة ستقع أم لا، بقدر ما هو متى ستقع»، كاشفاً أن «البنوك الأوروبيّة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا تستثمر أكثر من 30 تريليون دولار في تلك الأدوات الماليّة الأميركيّة الغامضة، وهو مبلغ يعادل ضعفي الناتج القومي للدّول الأربع مجتمعة». كان فاروفاكيس يعلم تماماً أن هذي الثقة الشعبيّة العالية حمْلٌ ثقيل، وهو لذلك احتفظ طوال فترة توليه المنصب العام باستقالة مكتوبة داخل جيبه ليلقي بها في وجه العالم لحظة تطلب الأمر.
عند فاروفاكيس ليست أزمة اليونان - رغم إقراره بالفساد المستشري وسوء الإدارة المزمن في بلاده - سوى مجرّد عرض جانبي لأزمة البنوك الأوروبيّة الكبرى التي أرادت أن يتحمل دافع الضرائب الأوروبي المسكين ما خسرته خلال مغامرتها (الأميركيّة) الطائشة.
يكتب فاروفاكيس بنفس روائي متمكن حتى لتنسى أنّه أكاديمي في العلوم الماليّة. ويوميات مواجهته تلك تبدو كمغامرات دونكيشوت نبيل معاصر لم يجد حتى مساعده بانشو ليقف معه في مواجهاته العبثيّة الكبرى. فهو رغم براغماتيته المشهودة، فقد أغضب الأوروبيين عليه بوضعه خطة بديلة حال فشل المفاوضات تقوم على توقف اليونان عن الدفع والخروج من (اليورو) لمصلحة استعادة الدراخما. هو بحسه التقني العالي كان يدرك صعوبة تنفيذ تلك الخطة، لكنه كأي مفاوض لمّاح، سعى لتحسين موضعه على ميزان القوى المائل وبشدة لمصلحة اللاعبين الأوروبيين الكبار. رئيس الوزراء اليساري تسيبراس الذي وعده إثر تشكيل الحكومة بالاستقالة والعودة للتظاهر في الشارع من جديد إن حاول الأوروبيون فرض قراراتهم المجحفة على اليونان بدا مرعوباً من انقلاب عسكري يعيد البلاد لقبضة اليمين المتطرف إن استمرت تلك المواجهة. وهو فيما يبدو استجلب فكرة إجراء الاستفتاء الشهير لمعرفة مدى دعم الشعب لموقف فاروفاكيس التفاوضي الذي لم يسانده أحد من الوزراء، آملاً ألا يوافق الشعب على المضي في خيار المواجهة أو أقله الخروج بنتيجة ملتبسة تسمح لسيريزا بقبول الاستسلام والاحتفاظ بالسلطة في ذات الوقت، بينما فاروفاكيس تعهد علناً بالاستقالة حال لم تحظ استراتيجيته على تأييد شعبي حاسم.
يروي فاروفاكيس أحداث ليلة الاستفتاء المثيرة التي أبقت الفريق الوزاري اليوناني برمته داخل مقر الرئاسة مترقباً النتيجة لحظة بلحظة. لقد صوّت اليونانيون بأغلبيّة الثلثين الحاسمة لمواجهة متصلبّة ترفض إملاءات الترويكا الأوروبيّة المفاوضة. وبينما كان يقفز فرحاً، لاحظ تجهم جميع الوجوه من حوله. لا أحد كان يريد المواجهة. ليلتها كان لقاؤه مع تسيبراس صادماً، إذ عبر له عن خشيته من تكرار حادثة (غاودي) عندما أعدم ستة من القادة اليونانيين بعد انقلاب عسكري في الثلاثينيات، ولذا فإنه لن يخضع للإرادة الشعبيّة بل سيقبل بشروط الأوروبيين، وطلب إليه الاستقالة من منصبه لأنه أصبح كما عقبة لقبولهم بأي تسوية مع اليونان. لقد كان ذلك الموقف غاية الجبن من الزعيم اليساري، لكنه كان أيضاً لحظة كشفت عن معدن فاروفاكيس الصلب. لقد اعتبر موقف حكومة تسيبراس «انقلاباً من الحكومة على الشعب»، فأخرج خطاب استقالته من جيبه وسلمه إياه معتبراً «إن هذه الاستقالة رداء شرف سيرتديه على كتفيه طوال عمره».
نص (عقلاء في الغرفة) ليس مفصليّاً فحسب لتدوين تلك المرحلة من التاريخ اليوناني على يد أحد أهم صانعي أحداثها - التي جرى أعقدها وراء الكواليس -، بل هو يكتسب قيمة عالميّة لكل راغب في فهم جذور أزمات الرأسماليّة المتكررّة، وطبيعة النادي النخبوي المعولم القابض على مقدرات العالم متجاوزاً كل سيادة محليّة أو تفويضات شعبية. وقد وصفته صحيفة التلغراف البريطانية اليمينيّة بأنه كتاب «يتسبب بالدهشة وقراءة لازمة لكل حكومات أوروبا». لقد فشل هذا اليوناني المتمرد في مهمته «لإنقاذ الرأسماليّة من نفسها»، ليعود هو على دراجته إلى منصبه الجامعي، بينما سجلت الرأسماليّة نصراً آخر على شعب فقير.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.