في مزاد عائلة روكفلر... ماتيس وبيكاسو من أجل العمل الخيري

حفيدة ديفيد روكفلر لـ«الشرق الأوسط»: «جدي أراد أن يشارك العالم فيما امتلكه وأن يكون مصدر إلهام للآخرين»

TT

في مزاد عائلة روكفلر... ماتيس وبيكاسو من أجل العمل الخيري

تنشغل الأوساط الفنية حالياً بمجموعة فنية ضخمة جمعها ديفيد وبيغي روكفلر عبر سنوات طويلة وزيّنت جدران وغرف بيوتهما العديدة في أميركا، تحمل تقديراً خاصاً للفن الانطباعي والحديث والفن الأميركي، ستُعرض للبيع في شهر مايو (أيار) المقبل في مقر كريستيز ببرج روكفلر بنيويورك وستُخصص عائدات المزاد للجمعيات الخيرية في مؤسسة روكفلر الخيرية.
في حفل خاص حضره عدد كبير من الإعلاميين والمقتنين وخبراء الفنون وأُقيم في كريستيز بلندن، وقف يوسي بيلكانان رئيس مجلس إدارة الدار يحكي للحضور عن أهمية المجموعة والقطع المختلفة فيها، وأشار إلى أن «القطع الموجود بعضها حولنا في قاعات كريستيز، هي متفردة تماماً، فهي تضم أعمال كبار الفنانين العالميين أمثال بيكاسو وفان غوخ ومونيه ومانيه وكورو وغيرهم كثيرون. حولنا 30 عملاً، كل منها يمثل فرصة فريدة لرؤية عمل عملاق على القرب والتأمل فيما أنتجته تلك الأصابع الماهرة لماتيس أو لفان غوخ».
المزاد يحمل أهمية خاصة للدار، وحسب ما يشير بيلكانان، فالمتوقع أن يتفوق على مزاد مقتنيات «إيف سان لوران» الذي حقق أعلى مبيعات للدار في عام 2009، ويُتوقع أن تصل مبيعات مزاد روكفلر إلى 500 مليون دولار، وهو الأعلى لمجموعة خاصة تباع في المزاد. يشير بيلكانان إلى نقطة الجذب في المزاد، فهو يعد «أكبر هدية خيرية في عالم الفن»، مشيراً إلى أن «ديفيد وبيغي روكفلر قاما بإهداء العديد من الأعمال الفنية للمتاحف والمؤسسات في حياتهما وتركا قسماً آخر للبيع في هذا المزاد. نتمنى أن تقوم المتاحف بشراء بعضها». وسيعود ريع عائداته لصالح 12 مؤسسة خيرية مختارة.
التجول بين الأعمال المختلفة، ومنها قسم المفروشات والخزف، يماثل التجول في قاعة أحد المتاحف العالمية، فكل عمل اقتناه الزوجان روكفلر عالمي و«نادر»، وهو وصف يحرص بيلكانان على تأكيده في حديثه.

حفيدة روكفلر: جدي علمني أن أتبع إحساسي الداخلي
ما يعنيه المزاد لخبراء كريستيز يبدو واضحاً من الاهتمام بالحديث عن كل قطعة وأهميتها، وأيضاً نلاحظ الحماسة المطلقة التي تنبع من تنوع اللوحات الموجودة وما تمثله في تاريخ الفن العالمي.
ولكن ماذا تمثل تلك اللوحات لديفيد وبيغي روكفلر اللذين شهدت كل تلك الأعمال على حياتهما؟ يكفي أن نقتبس ما كتبه ديفيد روكفلر عن نيته عرض مقتنياته للبيع في وصية خاصة قبل وفاته. يقول: «أخيراً، كل هذه القطع التي لطالما أدخلت البهجة والسرور إلى قلبي وقلب بيغي ستخرج للعالم من جديد لتتاح مرة أخرى لرعاة آخرين، ويحدوني أمل كبير أن تمدهم بمشاعر الرضا والبهجة التي حظينا بها طوال هذه العقود الماضية».
ونيابة عن أسرة روكفلر حضرت الحفيدة آريانا روكفلر، وهي مصممة أزياء، الحفل الخاص وبدت في ردائها الأبيض وبساطتها كإحدى الشخصيات الكلاسيكية من إحدى لوحات الفن العالمي.
خلال حديث سريع معها تقول آريانا لـ«الشرق الأوسط» إنها فخورة بأن تكون سفيرة لعائلتها في مثل هذه المناسبة.
وبما أن المناسبة فنية وأيضاً «عائلية شخصية» كما تشير آريانا، تتحدث عما ورثته من جدها، وهو عشق جمع الأعمال الفنية وإن كانت تميل إلى الأعمال المعاصرة، وتضيف: «لست مقتنية مثل جدي ولكني فخورة بتحقيق رغبته». آريانا الحفيدة كانت تتمتع بعلاقة قريبة جداً من جدها وجدتها، أسألها إن كانت تتناقش معه حول الأعمال الفنية التي أحاطت بها طوال حياتها، فتقول: «كنا نتحدث كثيراً عن اللوحات التي تحيط بنا، وحول حبه للاقتناء وسبب شراء قطع معينة دون غيرها. كان هناك الكثير من الأعمال الفنية التي أرادا أن يعيشا معها كل يوم، سواء وضعاها في غرفة استقبال أو غرفة خاصة. علّمني جدي الكثير حول أهمية أن أحب وأن أتبع إلهامي الداخلي عند شرائي أي قطعة».
وتشير إلى أن المزاد القادم نابع من رغبات جدها وجدتها بأن يستمتع الآخرون بالقطع التي أمدتهما بالكثير من المتعة: «هذا هو الجميل في الأمر، سواء كان المشترون أفراداً أو مؤسسات فنية كالمتاحف، فرسالة جدي كانت نشر الجمال في العالم وهو من خلال المزاد أراد أن يشارك العالم فيما امتلكه وأن يكون مصدر إلهام للآخرين».

جولة عالمية
تنظم الدار جولة عالمية لإلقاء الضوء على الأعمال الفنية الخاصة بهذه المجموعة التي ستُعرض للبيع في صالة «كريستيز» بمركز روكفلر في نيويورك ربيع عام 2018، وتضم المجموعة الأولى من المعروضات تحفاً فنية خالدة من الفنون الانطباعية والحديثة، منها عمل فني يعود للفترة الوردية من حياة بيكاسو والذي اختاره كل من ديفيد وبيغي روكفلر من مجموعة جيرترود ستاين (القيمة التقديرية في المنطقة 70 مليون دولار أميركي)، ولوحة «المستلقية» الشهيرة للفنان الفرنسي هنري ماتيس التي تعود لعام 1923، والتي من المتوقع أن تسجل رقماً قياسياً جديداً لأعمال الفنان التي تباع في المزادات (القيمة التقديرية في المنطقة 50 مليون دولار أميركي).
وقد بدأت الجولة بهونغ كونغ ووصلت إلى لندن ثم لوس أنجلوس ونيويورك، حيث ستكشف الدار عن عناصر وأعمال جديدة من هذه المجموعة متعددة الفئات في كل محطة من هذه المحطات. ويبدو من خلال المجموعات التي تعرضها الدار في الجولة والتي تم اقتناؤها على مدى حياة العائلة وورثتها عن الأجيال السابقة، شغف عائلة روكفلر الكبير تجاه الأعمال الفنية الانطباعية وما بعد الانطباعية، والحديثة، وتجاه اللوحات الأميركية، وقطع الأثاث الإنجليزي والأوروبي، والأعمال الفنية الآسيوية، والسيراميك الأوروبي والخزف الصيني، والزخارف والأثاث الأميركي والفضي، إلى جانب فئات أخرى.



السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
TT

السعودية تتصدر عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية

السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)
السعودية تشهد تطوراً متسارعاً في بناء منظومة رقمية متقدمة (واس)

تصدرت السعودية دول العالم في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) في إنجاز عالمي جديد يدون في سجل إنجازاتها.

جاء تصدُّر السعودية للمؤشر بعدما سجلت 94 نقطة من أصل 100 ضمن تصنيف «مرتفع جداً»، لتتقدم إلى المركز الأول عالمياً، مقارنة بـ90 نقطة والمركز الرابع عالمياً في العام الماضي.

وحققت فنلندا وألمانيا المركزين الثاني والثالث بـ93 نقطة لكل منهما، ثم المملكة المتحدة في المركز الرابع بـ92 نقطة، والنرويج في المركز الخامس بـ91 نقطة، فيما حلت فرنسا في المركز السادس بـ90 نقطة.

ويعكس إنجاز السعودية ما تشهده من تطور متسارع في بناء منظومة رقمية متقدمة، ترتكز على سياسات تنظيمية ناضجة، وأطر حوكمة فعّالة، وقدرات مؤسسية عالية، بما يعزز تنافسية الأسواق الرقمية، ويدعم النمو الاقتصادي والاجتماعي، ويواكب مستهدفات المملكة في الانتقال إلى العصر الذكي.

ويُعد هذا المؤشر أحد المؤشرات الدولية المتخصصة في قياس الجاهزية الوطنية للمنظومات الرقمية، من خلال تقييم أنظمة وسياسات الاتصالات والتقنية وأدوات الحوكمة، بالاستناد إلى مخرجات تحليلية تشمل النضج التنظيمي الرقمي وتطور تنظيمات القطاع، ويضم 117 مؤشراً موزعة على 9 محاور رئيسة.

وأكد تصدر السعودية لهذا المؤشر مكانتها العالمية بوصفها نموذجاً رائداً في بناء بيئة رقمية تمكينية، تتبنى أفضل الممارسات التنظيمية، وتعزز القرارات المبنية على البيانات، وتدعم تكامل الأدوار بين الجهات ذات العلاقة، بما يسهم في رفع مرونة المنظومة الرقمية وقدرتها على مواكبة المتغيرات التقنية والمتسارعة عالمياً.

كما يبرز هذا التقدم حجم الجهود الوطنية في تطوير الأطر التنظيمية والتشريعية، وتمكين الأسواق الرقمية، وتعزيز كفاءة البنية المؤسسية، وهو ما أسهم في وصول السعودية إلى فئة «مرتفع جداً» التي تضم نسبة محدودة من دول العالم، بما يجسد ريادتها الدولية ومتانة مسيرتها التنموية في قطاع الاتصالات والتقنية.

ويأتي هذا الإنجاز ثمرةً لتكامل الجهود الوطنية بين عدة جهات حكومية وتنظيمية، ممثلة بوزارات «المالية، والتجارة، والإعلام، والصحة، والتعليم، والاقتصاد والتخطيط، والبيئة والمياه والزراعة» وهيئات «الاتصالات والفضاء والتقنية، والحكومة الرقمية، والبيانات والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني»، إضافة إلى «البنك المركزي»، وجهات شريكة، بينها، هيئات «تنظيم الإعلام، والنقل، والمياه، وتنظيم الكهرباء، والمنافسة»، و«مركز التنافسية»، وجمعية حماية المستهلك.

ويُرسخ هذا الإنجاز حضور السعودية في المؤشرات الدولية المتخصصة، ويُعزِّز موقعها مركزاً عالمياً رائداً في الاقتصاد الرقمي، ووجهة جاذبة للاستثمار والابتكار، مدعومة برؤية طموحة نحو مستقبل أكثر نمواً وازدهاراً.


«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
TT

«الملهمون» يعيد صفاء أبو السعود إلى أثير «ماسبيرو»

الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)
الكاتب أحمد المسلماني والفنانة صفاء أبو السعود (الهيئة الوطنية للإعلام)

أعاد البرنامج الإذاعي المصري «الملهمون»، الذي يحكي سيرة أعلام مصرية وعربية بارزة في مجالات متنوعة، الفنانة والإعلامية المصرية صفاء أبو السعود لأثير «ماسبيرو» مجدداً، بعد تقديمها لحلقات إذاعية تمثيلية أخيراً، في بعض الإذاعات المحلية، حيث اشتهرت الفنانة المصرية بأعمالها بالسينما والدراما التلفزيونية، وتقديم البرامج الحوارية الفنية، والغناء خصوصاً للأطفال.

وأعلنت «الهيئة الوطنية للإعلام»، برئاسة الكاتب أحمد المسلماني، في بيان صحافي، الثلاثاء، عن إطلاق برنامج «الملهمون»، الذي بدأت أولى حلقاته الأحد، وتناولت سيرة سيزا نبراوي، كما أكد الدكتور محمد لطفي رئيس الإذاعة بمصر، الانتهاء من تسجيل 12 حلقة مدة كل منها 30 دقيقة، تذاع على أثير «البرنامج العام»، مساء الأحد من كل أسبوع، وكذلك على جميع المحطات الإذاعية الإقليمية، إذ يتناول البرنامج شخصيات أثرت في تاريخ مصر في مجالات مختلفة.

وتتناول الحلقات المقبلة، شخصيات لها دور مؤثر، مثل الدكتور نجيب محفوظ ميخائيل، وسليم وبشارة تقلا، وأبلة نظيرة، وأنيس عبيد، وغيرهم من الشخصيات التي لم يتم تسليط الضوء عليها درامياً ووثائقياً، بحسب البيان الصحافي.

الفنانة صفاء أبو السعود (فيسبوك)

وفي السياق، بدأت حلقة سيزا نبراوي عبر برنامج «الملهمون»، بتعليق صوتي جاء فيه «في كل زمن يولد من يغيره، ومن بين الزحام تلمع أسماء لا تنسى، هؤلاء لم يعيشوا فقط بل ألهموا العالم»، ويشارك في بطولة الحلقات إلى جانب صفاء أبو السعود، نخبة من نجوم الإذاعة المصرية، تأليف أحمد القصبي، وإخراج تامر شحاتة، بينما شارك في الأداء الإذاعي لحلقة سيزا نبراوي، عادل شعبان، ومصطفى درويش، وأحمد خليل، وأماني البحطيطي، وقام بدور الراوي علي مراد.

وسلطت الحلقة الضوء على دور السيدة سيزا نبراوي، في الدعوة لحرية النساء والوطن، وعلاقتها بالسيدة هدى شعراوي، وخروجها في مظاهرات ثورة 1919، وتأسيسها لجريدة «الاتحاد النسائي»، باللغة الفرنسية، ومساهمتها في تحديد سن الزواج للفتيات، وحقهن في التعليم، وجمع التبرعات لمقاومة الاحتلال.

وأشاد وكيل وزارة الإعلام الأسبق، رئيس الشعبة العامة للإذاعيين العرب بالاتحاد العام للمنتجين العرب، الإذاعي المصري شريف عبد الوهاب، بدور الإذاعة المصرية في تسليط الضوء على الشخصيات البارزة بهدف «تعزيز الهوية»، مشيراً إلى أن الحديث عن «الشخصيات المهمة»، في كل المجالات لتكون قدوة حسنة للشباب، وللتأكيد على أهمية الماضي الذي يساعد على الانطلاق نحو المستقبل، أمر ضروري.

الفنانة صفاء أبو السعود اشتهرت بتقديم البرامج (فيسبوك )

وقال عبد الوهاب لـ«الشرق الأوسط»، إن محتوى «الملهمون»، الهادف ليس جديداً على الإذاعة المصرية، التي اعتادت على المسلسلات التي تسلط الضوء على القضايا المجتمعية، والشخصيات البارزة، لافتاً إلى أن «الشق الدرامي» خصوصاً في هذا البرنامج له تأثير كبير على المستمع، لا سيما فئة الشباب.

وأشار إلى أن «تناول البرنامج، لشخصيات منوعة وعدم اقتصاره على العلماء والكتاب والفنانين فقط، مثل سيرة أبله نظيرة، يدلان على أهمية التوجه المختلف، لأنها جزء من تراث عالم المطبخ المصري، وجزء أصيل من الهوية والعادات المصرية التي يمكن أن تصل للعالمية».

ونوّه عبد الوهاب بأن «الإذاعة ستظل الصديق الحميم للمستمع، لأنها تعتمد على الخيال، وبناء الصورة بشكل منفرد»، مؤكداً أن «سر جمالها يكمن في التأثير والوصول للشباب وكأنها صديق مقرب».

وفنياً، شاركت صفاء أبو السعود في العديد من الأعمال السينمائية منذ ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، من بينها «بمبة كشر» و«المتعة والعذاب»، وقدمت برامج حوارية فنية من بينها «ساعة صفا»، و«سهراية»، واشتهرت صفاء أبو السعود بتقديم أوبريتات وأغنيات للأطفال، مثل «أهلا بالعيد»، و«يلا نقضي أجازة سعيدة»، و«يا أصحابي وصحباتي»، وغير ذلك.

كما قدمت صفاء أبو السعود في الإذاعة حلقات «يوميات صفصف»، و«أوضتين وصالة»، و«بهجة رمضان»، و«ألو في خدمتك»، إلى جانب مسلسلات تلفزيونية مثل «هي والمستحيل»، و«النهر والتماسيح»، و«ملكة من الجنوب»، ومسرحيات من بينها «موسيقى في الحي الشرقي» و«20 فرخة وديك»، و«فندق الأشغال الشاقة».


«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
TT

«شم النسيم»... مصريون يستعيدون طقوساً قديمة احتفاءً بالربيع

قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)
قطعة فنية عرضها المتحف المصري بمناسبة شم النسيم (المتحف المصري)

يحتفل المصريون بعيد «شم النسيم» من خلال استدعاء طقوس قديمة تعود لآلاف السنين، فهذا العيد وُلد على ضفاف نهر النيل ليعلن انتصار الحياة، وتفتح الزهور، وبداية فصل الحصاد في مصر القديمة، وفق ما يذكره المتحف المصري بمناسبة استدعاء طقوس هذا اليوم.

ووفق منشور للمتحف، الاثنين: «لم يكن شم النسيم عند المصريين القدماء مجرد نزهة، بل كان طقساً مقدساً يرتبط بعقيدة البعث والخلود؛ فقد اختار المصري القديم وقت الاعتدال الربيعي ليحتفل بتساوي الليل والنهار، بوصفه لحظة بدء الخلق، ومن هنا جاءت تسمية (شمو)».

ويلفت إلى تغيير دلالة هذه الكلمة من الإشارة إلى الموسم الثالث والأخير في التقويم المصري (موسم الحصاد والجفاف الذي يمتد من مايو «أيار» إلى سبتمبر «أيلول») ثم ليصبح «شوم إن نيسيم» (بمعنى بستان الزروع أو الحدائق الخضراء) في اللغة القبطية، وبعد دخول العربية وجد المصريون في عبارة «شم النسيم» ترجمة ملائمة لجوهر الاحتفال، ليظل هذا العيد دليلاً حياً على استمرارية الحضارة المصرية؛ إذ يحتفل به المصريون جميعاً لأكثر من 4500 عام حتى اليوم.

وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في «جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا»، الدكتورة دينا سليمان، شمّ النسيم من أبرز المظاهر الثقافية التي تُجسّد استمرارية الذاكرة الحضارية في مصر عبر آلاف السنين.

مصريون يحتفلون بعيد شم النسيم (محافظة القاهرة)

وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «يكتسب هذا العيد طابعه الفريد من كونه نموذجاً نادراً على تداخل الطقس الشعبي مع الاستمرارية التاريخية، حيث لم ينقطع عبر التحولات الدينية والاجتماعية الكبرى التي شهدتها مصر، بل أعاد إنتاج نفسه داخل سياقات ثقافية مختلفة، محتفظاً بجوهره القائم على الخروج إلى الطبيعة وتناول أطعمة رمزية مثل الفسيخ والبيض والخس، وهي ممارسات يربطها عدد من الباحثين بالرمزية الزراعية والخصوبة وتجدد الحياة في مصر القديمة».

ومن منظور أنثروبولوجي، يمكن قراءة شم النسيم بوصفه «ذاكرة جمعية حيّة»، لا تُحفظ في النصوص فقط، بل تتجلى في الممارسة اليومية، حيث تتحول النزهات في الحدائق، وعلى ضفاف النيل إلى طقس اجتماعي يعزز الهوية المشتركة، كما يعكس العيد قدرة الثقافة المصرية على إعادة تفسير عناصرها القديمة دون انقطاع.

وفي السياق المعاصر، يظل هذا العيد، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم، «شاهداً على واحدة من أعمق سمات الحضارة المصرية، وهي القدرة على تحويل الطقس القديم إلى ممارسة حيّة تتجدد كل عام دون أن تفقد جذورها التاريخية».

وخلف كل طقس موجود اليوم تكمن فلسفة مصرية عميقة، وفق ما نشره المتحف المصري، «فمائدة شم النسيم هي قربان احتفالي لدورة الحياة المتجددة، فكان البيض رمزاً لخروج خالق الكون في أساطير العقيدة المصرية القديمة، وتلوينها هو تجسيد لبعث الحياة من السكون. أما السمك المملح، فقد ارتبط بتقديم النذور للنيل (حابي) لضمان استمرار الفيض، حيث قدس المصري القديم السمك لخصوبته العالية، وكان تمليحه وسيلة لـ حفظ الحياة واستمرار النماء، كما برز البصل في متون الأهرام والنصوص الطبية القديمة كعنصر مطهر، وارتبط بأساطير الشفاء، فصار رمزاً لهزيمة الأرواح الشريرة، وتميمة للحماية تُعلق على الأبواب.

الحدائق والمتنزهات تشهد إقبالاً في شم النسيم (محافظة القاهرة)

وترى الباحثة في الحضارة المصرية القديمة، عزة سليمان، التي رصدت الأعياد المصرية القديمة في كتبها «كراريس إيزيس» أن «هناك عادات راسخة يقوم بها المصريون في شم النسيم، فدائماً هناك حالة من الفرح والسعادة والرغبة في الاستمتاع بالطبيعة عبر النزهات والأطعمة الخاصة بهذه المناسبة في عيد الربيع، وهو لا يتوقف على عيد الربيع، لكنه كان بمنزلة العيد المصري الرئيسي في العصور القديمة».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «ارتبط هذا العيد بأرض مصر ومصالحها الاقتصادية وموسم حصاد القمح، وهناك كثير من الطقوس التي ما زالت مستمرة حتى اليوم في شم النسيم، منها تجهيز الطعام، خصوصاً الأسماك المملحة (الفسيخ) والمجففة (البكلاه) التي كان يحتفظ بها المصري القديم لطعامه في الحقل؛ حيث كان يظل هناك مدة طويلة حتى يحصد القمح». وأشارت عزة إلى أن الفسيخ كان يصنع في 7 أيام واسمه نفسه يعني «سبعة»، كما تمت صناعة أسماك حديثة لهذه المناسبة مثل الرنجة وغيرها، كما لفتت إلى عادات ما زالت موجودة مثل تلوين البيض وأكل الخس والملانة (الحمص) التي تعد رموزاً مهمة للأرض الخضراء الخصبة.