رسالة أحمدي نجاد لخامنئي تربك الإصلاحيين وتغضب المحافظين

المتحدث باسم «مجلس صيانة الدستور» اتهمه بـ«السعي وراء هندسة الانتخابات»

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني علي خامنئي من مراسم المصادقة على فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية في انتخابات 2009 المثيرة للجدل
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني علي خامنئي من مراسم المصادقة على فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية في انتخابات 2009 المثيرة للجدل
TT

رسالة أحمدي نجاد لخامنئي تربك الإصلاحيين وتغضب المحافظين

صورة نشرها موقع المرشد الإيراني علي خامنئي من مراسم المصادقة على فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية في انتخابات 2009 المثيرة للجدل
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني علي خامنئي من مراسم المصادقة على فترة رئاسة أحمدي نجاد الثانية في انتخابات 2009 المثيرة للجدل

غداة نشر رسالة مثيرة للجدل موجهة من الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد إلى المرشد الإيراني علي خامنئي، رد المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، عباس كدخدايي، على اتهام وجهه نجاد لمجلس صيانة الدستور والأجهزة العسكرية بـ«هندسة الانتخابات»، وبموازاة ذلك أثارت الرسالة غضبا بين حلفائه المحافظين كما أربكت دعواته للإصلاح الجذري حسابات خصومه الإصلاحيين.
ووجّه كدخدايي التهمة ذاتها لأحمدي نجاد، وقال إنه «حاول هندسة الانتخابات الرئاسية في 2009»؛ مما يعمق الشكوك حول سلامة تلك الانتخابات، بعد أقل من شهر على دخول الإقامة الجبرية بحق المرشحين الإصلاحيين ميرحسين موسوي ومهدي كروبي، عامها السابع.
وكشف كدخدايي عن تفاصيل جرت بينه وبين نجاد في 15 یونیو (حزيران) 2009، أي بعد ثلاثة أيام من موعد الانتخابات الرئاسية، وذلك بعد تلقيه اتصالاً من مكتب أحمدي نجاد. وبحسب المسؤول الإيراني، فإن أحمدي نجاد سأله عن أسباب تأخر مصادقة المجلس على نتائج الانتخابات الرئاسية بعد إعلان فوز نجاد. وأوضح في هذا الصدد، أنه أخبر نجاد بضرورة دراسة الشكاوى قبل المصادقة على نتائج الانتخابات، لكنه واجه إصراراً من أحمدي نجاد.
وادعى كدخدايي أن أعضاء المجلس لم يوافقوا على طلب نجاد بالمصادقة على نتائج الانتخابات، وذلك بعد موافقة خامنئي حينذاك على دراسة الشكاوى المقدمة حول الانتخابات من المرشحين الإصلاحيين.
وبعد شرح التفاصيل، تساءل كدخدايي «الآن يجب أن نرى من كان يسعى وراء هندسة الانتخابات؟ مجلس صيانة الدستور أم الهندسة في حالة مسؤول تنفيذي (أحمدي نجاد).
ورفض كدخدايي أن تكون إيران في حاجة إلى تجديد الانتخابات الرئاسية، كما دافع عن «نزاهة» انتخابات 2017 و2013 و2009، مطالباً المسؤولين الإيرانيين بمواجهة ما وصفه بـ«النفاق والتكفير والانحراف ومن يخلّون بالأمن»، بحسب ما نقلت وكالات إيرانية عن حسابه في شبكة «تلغرام».
أول من أمس، كشف موقع «دولت بهار» عن تفاصيل رسالة جديدة وجهها أحمدي نجاد الاثنين الماضي بعد لحظات من خطاب للمرشد الإيراني يقر فيه بإهمال المسؤولين الإيرانيين عن تأخر العدالة الاجتماعية بعد مرور 39 عاماً على الثورة الإيراني، مشدداً على ضرورة الاعتذار من الإيرانيين.
وطالب أحمدي نجاد المرشد الإيراني بعدم الاكتفاء بالأقوال واتخاذ خطوات عملية؛ نظراً لمسؤوليته وصلاحياته الواسعة في النظام، مشيراً إلى ضرورة تغيير الدستور وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية «عاجلة وحرة» من دون هندسة الانتخابات من قبل مجلس صيانة الدستور وتدخل الأجهزة العسكرية. كما جدد طلبه بإقالة رئيس القضاء صادق لاريجاني من منصبه. وعلى ذلك، يطالب نجاد في الرسالة بأن يقوم خامنئي بإصلاحات جذرية للحفاظ على ثقة الإيرانيين بالنظام، وإطلاق سراح جميع المعتقلين ومنتقدي النظام، بمن فيهم منتقدو شخص المرشد.
وتعد انتخابات 2009 الأكثر إثارة للجدل بين كل الانتخابات الرئاسية بعد ثورة 1979. ورفض الإصلاحيان ميرحسين موسوي ومهدي كروبي الاعتراف بصحة نتائج الانتخابات وفوز أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية قبل أن يقودا احتجاجات الحركة الخضراء لفترة ثمانية أشهر في إيران.
وكان مجلس صيانة الدستور قد رفض أهلية أحمدي نجاد ومساعده التنفيذي حميد بقايي لدخول انتخابات الرئاسة في2017، وكان موقع المرشد الإيراني علي خامنئي قبل أشهر نشر تفاصيل اجتماع سري بين خامنئي وأحمدي نجاد يوصيه بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية. لكن أحمدي نجاد فعل خلاف ذلك.
ومجلس صيانة الدستور مكلف بالإشراف على إجراء الانتخابات الإيرانية والنظر في أهلية المرشحين للانتخابات الرئاسية وفقاً للدستور الإيراني ويختار المرشد الإيراني ستة من أعضائه من الفقهاء ويختار رئيس القضاء ستة آخرين من خبراء الجهاز القضائي. إضافة إلى ذلك، يشرف المجلس على قرارات البرلمان. ورغم خروج أحمدي نجاد من الباب الواسع في الانتخابات الماضية، لكن خامنئي فجّر مفاجأة في سبتمبر (أيلول) الماضي عندما جدد عضويته في مجلس تشخيص مصلحة النظام؛ ليتواجد أحمدي نجاد ضمن تشكيلة 40 شخصية سياسية متنفذة في النظام.
وجاءت رسالة أحمدي نجاد بعد نحو أسبوع من دعوات أطلقها الرئيس الإيراني حسن روحاني حول إجراء استفتاء واللجوء إلى صناديق الرأي لتجاوز المآزق الداخلية، وقال روحاني: إن التيارات السياسية يجب أن تحسم خلافاتها حول الاقتصاد والسياسية والسياسة الخارجية والثقافة والقضايا الاجتماعية بعرضها للتصويت العام.
وأمطرت وسائل إعلام التابع للتيار المحافظ و«الحرس الثوري» روحاني بوابل من الانتقادات الحادة، وتجاوزت الانتقادات مستوى استدعاء للبرلمان وطرح الثقة فيه، وفي المقابل فإن الإعلام الإصلاحي اعتبرها عودة لروحاني للمراهنة على مشروعه للحوار الوطني.
وأثارت تصريحات نجاد إرباكاً ملحوظاً في المشهد السياسي الإيراني بعد مطالب إصلاحية غير مسبوقة رغم أنه لم يقدم اعتذاراً عن مواقفه السابقة.
ومع ذلك، قابل الإيرانيون دعوات نجاد بحذر شديد، وطالب فريق من المحللين بدعم تصريحاته؛ لأنها مطالب تشكل هاجساً لكثير من الإيرانيين.
ويتخوف الإصلاحيون أن تؤدي تصريحات نجاد إلى تسارع في نزيف شعبية الرئيس الإيراني حسن روحاني وحلفائه الإصلاحيين. ويرى فريق من محللي هذا التيار أن روحاني قد يكون الخاسر مقابل استراتيجية أحمدي نجاد الهجومية.
ويعول روحاني وحلفاؤه الإصلاحيون على الحوار حالياً للحصول على امتيازات بينما يراهن أحمدي نجاد على ترديد المطالب الشعبية للتفوق على خصومه والبقاء في الساحة السياسية. وكان الرهان على المطالب الشعبية كلمة سر روحاني، لكنه يواجه انتقادات لتخليه عن وعوده الانتخابية.

- برلمانيون إيرانيون يطالبون بملاحقة الرئيس السابق
أثارت الرسالة الموجهة من الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد إلى المرشد الإيراني غضب وسائل الإعلام المحافظة، أمس، وتصدرت المواقع المدافعة عن سياساته في فترة رئاسته، القائمة الطويلة لمنتقدي الرسالة. كما تسبب موقف أحمدي نجاد في إرباك الائتلاف الإصلاحي والمعتدل الذي يقوده حالياً رئيس الجمهورية حسن روحاني وحليفه في البرلمان علي لاريجاني. ويحظى بتأييد كبار الإصلاحيين مثل الرئيس السابق محمد خاتمي.
موقع «نامه نيوز» اتهم أحمدي نجاد بـ«كسر جميع الأعراف السياسية» بتوجيه رسالة للمرشد الإيراني. وقال الموقع في تقريره الأساسي عن رسالة نجاد إنه «بغض النظر عما قاله أحمدي نجاد في رسالته، لكنه كلما أعرب عن مواقفه بدلاً من زيادة نطاق أنصار، يزداد كل يوم عدد منتقديه». وفقاً للموقع، فإن المواجهة بين أحمدي نجاد وحلفائه سابقاً تزداد صراحة وشدة.
في غضون ذلك، قال قائد فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، أمس: إن «البعض يحاولون إقصاء الحرس الثوري بحجج واهية واستدلالات ضعيفة»، مشدداً على أن الحرس «عمود خيمة الثورة، وإن استمرار الثورة مرهون ببقاء الحرس الثوري». ويأتي كلام سليماني بعد أكثر من أسبوعين على مؤتمر صحافي للرئيس الإيراني حسن روحاني، طالب فيه الأجهزة العسكرية بالابتعاد عن النشاط الاقتصادي. كما تتضمن تصريحات رداً على ما قاله نجاد حول تدخل الأجهزة العسكرية في الانتخابات.
من جهته، نشر مساعد وزير الثقافة السابق وأحد المقربين من أحمدي نجاد سابقاً محمد علي رامين، مقالاً في حسابه قال إنه «يظن نفسه بابليون يريد قطف ثمار الثورة» وضمن وصفه نجاد بـ«الشيطان الحقير والأبله» اتهمه بتكرار بيانات ميرحسين موسوي وكروبي ضد الحكومة.
في البرلمان، طلب عضو كتلة الولاية محسن كوهكن من أحمدي نجاد أن يتحدث «بناءً على رصيده ولا يقول أشياء تفوق حجمه»، ونقل موقع البرلمان عنه قوله إن «الرئيس السابق أصيب بخلل في الشخصية ويعاني من الغرور الكاذب». وأضاف: إن «تولي المناصب الرفيعة في النظام لا يعني التمتع بالحصانة إلى ما لا نهاية؛ لأن حتى رئيس سابق في النظام (أبو الحسن بني صدر) هرب متنكراً أو حتى بعض المسؤولين عزلوا أو أعدموا». في السياق نفسه، هاجم البرلماني أبو الحسن خدري تصريحات نجاد، مطالباً وزير الاستخبارات والقضاء بملاحقة أحمدي نجاد، وتابع: «لو أن البرلمان أقام اجتماعاً لطرح الثقة بالرئيس حينذاك عندما أهان البرلمان لما آلت الأوضاع إلى هذا الحال».
من جانبه، كتب مستشار الرئيس الإيراني في الشؤون الثقافية حسام الدين آشنا في تغريدة عبر حساب «تويتر»: «يا رب ساعده يجرب بقايي حتى يعلمه أنه يجب ألا يتجاوز حدوده ويفكر في انتخابات قبل الموعد أو يصدر أوامر العزل».
وقال موقع صحيفة «اعتماد»، أمس، إن الرسائل تزداد حدة كلما زادت الضغوط على تيار أحمدي نجاد في المحاكم.

- سيناريوهات المحافظين للانتخابات
كشفت صحيفة «سازندكي» الناطقة باسم حزب عمال البناء، أمس، عن خطط التيار المحافظ للانتخابات البرلمانية المقررة ربيع 2020.
وبحسب التقرير، فإن المهزومين في الانتخابات الرئاسية الأخيرة رئيس مؤسسة «قدس رضوي» إبراهيم رئيسي، وعمدة طهران السابق محمد باقر قاليباف، إضافة إلى ممثل خامنئي في مجلس الأمن القومي سعيد جليلي يتطلعون لقيادة ائتلاف المحافظين والمنافسة لدخول البرلمان الإيراني.
وأشار التقرير إلى أن قاليباف يفكر في رئاسة البرلمان بينما ينوي سعيد جليلي الترشح في مدينة مشهد لحجز معقده في البرلمان. كما توقعت الصحيفة أن يترشح إبراهيم رئيسي من مدينتي طهران أو مشهد.
ولم تستبعد الصحيفة أن يخرج الصقور الثلاثة للمحافظين بقائمة مشتركة تمهيداً لإعادة ترشح إبراهيم رئيسي في انتخابات الرئاسة المقبلة.
والتيار الثاني من المحافظين الذي يقوده علي لاريجاني فإنه يبتعد كل يوم من المحافظين ويقترب من الائتلاف مع ائتلاف الحكومة، وترجح أن يكون علي لاريجاني مرشح التحالف بين روحاني والإصلاحيين وأن يواجه عقبة رئيس كتلة الأمل الإصلاحية محمد رضا عارف، بحسب الصحيفة.
وربطت الصحيفة سلوك أحمدي نجاد في الآونة الأخيرة بخططه للانتخابات المقبلة، وتصر على أن تيار أحمدي نجاد ما زال يشكل الضلع الثالث لرهان المحافظين في انتخابات البرلمان الحادي عشر.



سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
TT

سكان طهران يفرون من القصف شمالاً إلى «الريفييرا» الإيرانية الهادئة

أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)
أفراد من الطوارئ يعملون في موقع غارة على مبنى في طهران 16 مارس 2026 (رويترز)

تبدو الحرب الدائرة في إيران بعيدة كل البعد عن منتجعات بحر قزوين الهادئة، حيث لا انفجارات ولا حواجز تذكر، ومتاجر مليئة بالبضائع. وتقول امرأة ثلاثينية لجأت إلى هناك هرباً من طهران: «يبدو أن الناس بالكاد يدركون وجود حرب».

وتضيف في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، طالبة عدم كشف اسمها: «إنهم لا يولون الأمر اهتماماً كبيراً».

وكانت تتحدث من بابلسر، إحدى المدن الواقعة على ساحل بحر قزوين، المعروف باسم «ريفييرا» إيران لما يتصف به من شواطئ وأجواء أكثر استرخاء من المدن الكبرى.

وتتابع: «لم تتعرض المنطقة لهجمات صاروخية، باستثناء هجوم واحد في بهشهر»، وهي بلدة صغيرة في محافظة مازندران.

يقع ساحل بحر قزوين على بُعد نحو 200 كيلومتر شمال العاصمة، خلف جبال البرز، وهو وجهة سياحية معروفة لسكان طهران الذين يتوافدون إليه في الأوقات العادية لقضاء عطلات الأسبوع والأعياد.

ويتميز الساحل بجو ألطف مقارنة بطهران خلال أشهر الصيف الحارة. وكان عالم أثرياء طهران الذين يقضون عطلاتهم على ساحل بحر قزوين موضوع فيلم بعنوان «عن إيلي» (About Elly) الصادر عام 2009 للمخرج الإيراني الحائز جائزة أوسكار أصغر فرهادي.

ارتفاع الأسعار

منذ بداية الحرب فرّ سكان العاصمة من الغارات الجوية اليومية في جميع الاتجاهات، معتمدين في كثير من الأحيان على تضامن أفراد عائلاتهم أو أصدقائهم.

بالنسبة للشابة في بابلسر، يُمثّل توفير الوقود التحدي الأكبر. وتوضح: «ليس بالإمكان الحصول على أكثر من 10 لترات، فيما طوابير الانتظار أمام محطات الوقود لا تنتهي».

وفي تنكابن، وهي بلدة أخرى عل ساحل قزوين، يقول أحد الأهالي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه لاحظ ارتفاعاً «كبيراً» في الأسعار.

ويضيف علي (49 عاماً): «كل شيء متوافر بكميات كبيرة والمتاجر الكبرى مفتوحة كما كانت من قبل».

ويقول إن الأجواء شبه طبيعية خلال النهار لكنها «تتغير في المساء».

وكما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية» من مواقع أخرى في أنحاء البلاد، أن أنصار الحكومة ينزلون إلى الشارع رافعين الأعلام، وهم يهتفون.

ومن أبرز المستفيدين من اقتصاد الحرب الجديد على ما يبدو، محلات بيع خدمات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) وباقات الإنترنت التي تتيح للناس تجاوز القيود المشددة على الاتصالات، والتي ازدادت صرامة منذ بدء الحرب.

وتقول إحدى العاملات في بابلسر لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «معظم محلات الوجبات السريعة في بابلسر تحولت إلى هذا النشاط. ظاهرياً يبيعون السندويشات، لكن نشاطهم الرئيسي هذه الأيام هو بيع خدمات في بي إن (VPN) والإنترنت بأسعار باهظة».


البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
TT

البدائل الأوروبية لمطالب ترمب بشأن أمن مضيق هرمز

صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)
صورة مأخوذة من القمر الصناعي «لاندسات - 8-9» نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركية الثلاثاء تظهر دخاناً يتصاعد من منشأة «مينا للبترول» في ميناء صلالة بعمان (أ.ف.ب)

عجل الأوروبيون في قطع الطريق على دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لحثهم على إرسال قطعهم العسكرية البحرية إلى مياه الخليج من أجل مواكبة ناقلات النفط والغاز والسفن الأخرى لعبور مضيق هرمز الاستراتيجي المغلق فعلياً إلا بوجه عدد محدود من الدول التي توصلت إلى تفاهمات مع إيران كالصين والهند للسماح لناقلاتها أو تلك المتجهة إليها بالعبور الآمن.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (وسط) مترئساً اجتماعاً لمجلس الدفاع والأمن القومي في قصر الإليزيه مخصصاً للوضع في الخليج والشرق الأوسط (أ.ب)

كذلك لجأت عدة دول أوروبية أعضاء في الحلف الأطلسي إلى تذكير ترمب بأن مهام الحلف الأطلسي لا تشمل مضيق هرمز. وما لا يريده الأوروبيون، بأي شكل من الأشكال، أن يكونوا جزءاً من الحرب الدائرة منذ 18 فبراير (شباط) الماضي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

وجاء إلحاح ترمب، الذي وجهه إلى الحلف الأطلسي والصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، ليضع الأوروبيين في وضع بالغ الدقة، حيث إنهم ليسوا مستعدين للحاق بترمب، ولا هم قادرون على تجاهله، والأكثر من ذلك مواجهته.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

وبان التردد الأوروبي في عجز وزراء خارجية دول الاتحاد في اجتماعهم الاثنين في بروكسل للتوصل إلى مخرج يتخطى رفضهم الاستجابة لما يريده الرئيس الأميركي.

بيد أن الخط العام الذي يسير عليه الأوروبيون، بشكل عام، لخصته كايا كالاس، في مقابلة مع وكالة «رويترز» الثلاثاء، وجاء في حرفيته أن «لا أحد مستعد لتعريض شعبه للخطر في ‌مضيق هرمز، ولذا علينا إيجاد سبل ⁠دبلوماسية ⁠لإبقاء هذا المضيق مفتوحاً، حتى لا نواجه أزمة غذاء أو أزمة أسمدة أو أزمة طاقة أيضاً».

ويعني كلام المسؤولة الأوروبية الاستبعاد الكلي للجوء إلى القوة العسكرية للمحافظة على حرية الإبحار في المضيق الاستراتيجي. غير أن هذا الموقف الذي يحظى، كما بينت مناقشات وزراء خارجية الاتحاد، بدعم غالبية أعضائه، لا يكفي لإخراج الأوروبيين من ورطتهم؛ الأمر الذي برز من خلال عدم تبنيهم لأي قرار في اجتماع الاثنين.

«مهمة أسبيدس»

بوسع الاتحاد الأوروبي، نظرياً، أن يختار واحداً من الحلول الثلاثة الممكنة، في حال وضع الخيار الأميركي جانباً، وأولها توسيع إطار ما يسمى «مهمة أسبيدس» التي تعني باليونانية «الدروع». وهذه «المهمة» الأوروبية أطلقت في عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من الهجمات الحوثية التي كانت تستهدف السفن العابرة فيه. والفارق الرئيسي بين هذه «المهمة» وما قام به الطرف الأميركي أنها «محض دفاعية»؛ بمعنى أن القطع الأوروبية المشاركة فيها (وليست كثيرة وهي تعد ثلاث فرقاطات) كانت تمتنع عن استهداف مواقع إطلاق الصواريخ والأراضي اليمنية.

منظر جوي لجزيرة قشم المفصولة عن البر الإيراني الرئيس بمضيق كلارنس (رويترز)

والفكرة التي راجت أوروبياً أن بالإمكان تعزيز «أسبيدس» ومد انتدابها لتشمل مياه الخليج ومضيق هرمز. وهذا الخيار يحظى بدعم فرنسا وعدد آخر من الدول التي ترى فيه مخرجاً للهروب من الضغوط الأميركية. لكن المناقشات الوزارية لم تفض إلى نتيجة إيجابية أقله في الوقت الحاضر. وما يهم الأوروبيين راهناً هو كسب الوقت وعدم الانجرار وراء الأميركيين وترقب مسار التطورات العسكرية رغم الأزمة التي ضربت سريعاً قطاع الطاقة. بيد أن كالاس أسفت مع نهاية الاجتماع الوزاري أن «الدول الأعضاء لا ترغب بالوقت الراهن في تغيير انتداب (مهمة أسبيدس) وأن لا أحد يرغب في المشاركة النشطة في الحرب».

Leaders of the "European Troika" with the Ukrainian President at the entrance to the British Prime Minister's headquarters in London on Monday (AFP)

هل سيرى التحالف الدولي النور؟

ثمة خيار آخر متاح للأوروبيين عنوانه إقامة «تحالف دولي» من الجهات الراغبة بالمشاركة بعيداً عن الأميركيين، وتنحصر مهمته بتوفير الإبحار الآمن في الخليج ومضيق هرمز، من خلال مواكبة الناقلات بقطع عسكرية أوروبية وغير أوروبية.

وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أول من طرح المشروع الذي لا يمكن السير به في ظل الحرب القائمة. ووفق تصوره، فإن مهمة التحالف المشار إليه «محض دفاعية».

ورغم مرور عشرة أيام على مقترحه، فإن الأمور ما زالت ضبابية. واستبعد ماكرون، بعد ظهر الثلاثاء، وبمناسبة اجتماع جديد لمجلس الأمن والدفاع في قصر الإليزيه، مشاركة بلاده في أي عمليات مواكبة في ظل الحرب المشتعلة، مكذباً بذلك تأكيدات ترمب الذي أشار نهاية الأسبوع إلى أن باريس تدعم جهود بلاده. وقال ما حرفيته: «لسنا طرفاً ‌في ‌النزاع، وبالتالي لن تشارك فرنسا أبداً في ‌عمليات فتح أو تحرير ‌مضيق هرمز في السياق الراهن».

سفينة الحاويات «سورس بليسنغ» التي أصيبت بمقذوفات أصابتها بالقرب من مضيق هرمز راسية في هامبورغ (رويترز)

بيد أنه أردف قائلاً: «نحن مقتنعون بأنه بمجرد أن تهدأ الأوضاع - وأنا أستخدم هذا المصطلح على نحو فضفاض عن قصد - أي بمجرد توقف القصف الرئيسي، سنكون مستعدين، إلى جانب الدول الأخرى، لتحمل مسؤولية نظام المرافقة».

ما يفهم من المصادر الفرنسية أن الغرض إنشاء قوة بحرية - جوية يكون حضورها رادعاً. ورغم سلمية المهمة والميل للتفاهم بشأنها مع إيران، فإن القوة ستكون مؤهلة للرد على الاعتداءات التي تستهدف السفن العابرة. وحتى اليوم، فإن دولاً أوروبية رئيسية مثل ألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وأخرى غير أوروبية مثل الهند وكندا وأخرى خليجية أبدت انفتاحاً على المقترح المذكور الذي يحتاج للكثير من البحث والتأطير، والوقت.

وأفاد مصدر عسكري قبل يومين بأن باريس تقوم بمجموعة من الاتصالات مع دول يرجح أن تكون مهتمة بالمقترح ولن يكون ممكن التحقيق إلا بعد أن تتوقف الحرب عملياً. ويمكن تلخيص المبادرة الفرنسية بأنها أقرب إلى الدبلوماسية، ويراد لها أن تكون دفاعية ودولية وألا يتم الخلط بينها وبين النشاط الأميركي - الإسرائيلي في المنطقة في الخليج والمضيق.

الاحتذاء بالنموذج الأوكراني

خلال اجتماع الاثنين، وبعد أن أكدت كالاس أن الحرب الدائرة حالياً «ليست حرب أوروبا، ولكن المصالح الأوروبية معنية بها بشكل مباشر»، اقترحت حلاً شبيهاً بما يسمّى «مبادرة البحر الأسود»، التي تم التوصل إليها في يوليو (تموز) من عام 2022؛ أي بعد الأشهر الأولى من الحرب الروسية - الأوكرانية.

وهدف المبادرة وقتها، إتاحة الإبحار الآمن في البحر الأسود للبواخر المحملة بالحبوب والأسمدة إن من أوكرانيا أو من روسيا. والدول التي كانت ضالعة في الاتفاق، إلى جانب الأمم المتحدة، هي روسيا وأوكرانيا وتركيا. وتقوم «المبادرة» على إيجاد ممرات بحرية آمنة مع مركز للتنسيق قائم في إسطنبول. وقد سمحت المبادرة بإخراج آلاف الأطنان من الحبوب والمساهمة في استقرار الأسواق. وبالنظر إلى ما قامت به الأمم المتحدة، فإن كالاس اتصلت بأمينها العام غوتيريش للتنسيق معه. وسيكون الأخير في أوروبا هذا الأسبوع بمناسبة القمة التي ينوي قادة الاتحاد عقدها، والتي ستدور غالبية أعمالها عن الحرب في الخليج والشرق الأوسط.

وصلت السفينة الهندية «ناندا ديفي» المحمَّلة بغاز البترول المسال إلى ميناء فادينار بولاية غوجارات بعد أن سمحت لها إيران بالمرور عبر مضيق هرمز (أ.ف.ب)

في عام 2020، أطلق الأوروبيون «مهمة دولية» للمحافظة على الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ويشار إليها بـEMASOH. لكن هذه «المهمة» تراجع دورها بعد أن انسحبت منها عدة دول وتقلص القطع العسكرية المخصصة لها، إما بسحبها أو بتحويلها إلى مهمة «أسبيدس». وكان لهذه المهمة جناح عسكري يسمى «AGENOR» ومركز قيادة في أبوظبي. وبسبب هذه التطورات فرغت هذه «المهمة» التي كانت تجمع ما بين الدبلوماسية وإمكانية اللجوء إلى القوة العسكرية من أي محتوى. ولذا، ليس من المستبعد أن الدول التي كانت ناشطة فيها وغير الراغبة بالاستجابة لنداء ترمب أن تكون مستعدة، عندما تتوافر الظروف، في الانخراط بـ«التحالف الدولي» الذي يستعيد «فلسفتها»، والذي يريده الأوروبيون بالدرجة الأولى.


«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
TT

«الباسيج»… ذراع التعبئة وحارس الداخل في بنية «الحرس الثوري»

دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)
دوريات لـ«الباسيج» تابعة لوحدة القوات الخاصة «ثار الله» المسؤولة عن حماية أمن العاصمة طهران (أرشيفية - تسنيم)

لا ينظر إلى «الباسيج» في إيران، بوصفه مجرد تشكيل ميليشياوي تابع لـ«الحرس الثوري»، بل هو أحد أكثر أدوات «الجمهورية الإسلامية» تشعباً داخل المجتمع الإيراني، وأقربها إلى وظيفة الربط بين الأمن والعقيدة والسياسة.

فمنذ تأسيسه عقب ثورة 1979، تطور من قوة تعبئة شعبية استدعيت أولاً لحماية النظام الوليد والمشاركة في الحرب العراقية - الإيرانية، إلى جهاز واسع الحضور يؤدي أدواراً متداخلة في الضبط الداخلي، والمراقبة الاجتماعية، والتعبئة الآيديولوجية، ودعم نفوذ «الحرس الثوري» داخل الدولة والمجتمع.

من «تعبوي» إلى جهاز أمن داخلي

تأسس «الباسيج» بأمر من المرشد الأول (الخميني) في نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، في إطار فكرة إنشاء «جيش العشرين مليوناً» للدفاع عن الثورة والنظام الجديد.

وفي بداياته، اضطلع بأدوار أمنية وخدمية محدودة، قبل أن يتحول سريعاً خلال الحرب مع العراق إلى خزّان بشري للتعبئة. وهناك ارتبط اسمه بما عُرف بـ«الموجات البشرية»، حين زُجّ بمتطوعين، كثير منهم من صغار السن أو قليلي التدريب، في جبهات القتال والحقول الملغومة.

لكن نهاية الحرب لم تعنِ تراجع دوره. على العكس، أعيد توجيه «الباسيج» تدريجياً نحو الداخل، ليتحول إلى أحد الضامنين الأساسيين للأمن الداخلي. ومنذ تسعينات القرن الماضي، ومع اتساع الاحتجاجات الطلابية والاجتماعية، صار الباسيج أداة رئيسية في مواجهة الاضطرابات، وخصوصاً في احتجاجات 1999 ثم الحركة الخضراء عام 2009، وصولاً إلى موجات الاحتجاج اللاحقة.

موقعه داخل القوات المسلحة

من الناحية الهيكلية، لا يعمل «الباسيج» كقوة مستقلة بالكامل، بل يخضع لـ«الحرس الثوري»، الذي يتولى قيادته وإعادة تنظيمه وتحديد وظائفه. وقد مرّ بعدة مراحل تنظيمية، قبل أن يُدمج بصورة أوثق داخل بنية الحرس، ويصبح جزءاً من منظومة الأمن الموازي التي يقودها الأخير.

أعضاء الباسيج الطلابي يستقبلون المرشد السابق علي خامنئي بترديد هتافات (أرشيفية - موقع خامنئي)

وبذلك، لا يُقاس وزن «الباسيج» بعدد أفراده فقط، وهو رقم محل جدل كبير بين التقديرات الرسمية وغير الرسمية، بل أيضاً بموقعه كامتداد اجتماعي لـ«الحرس الثوري» داخل المدن والجامعات والمدارس والنقابات والأحياء.

وعلى هذا الأساس، يشكل «الباسيج» طبقة وسيطة بين المؤسسة العسكرية الصلبة والمجتمع. فهو ليس جيشاً نظامياً بالمعنى التقليدي، ولا مجرد ميليشيا شوارع، بل شبكة تعبئة تتغلغل في البنية المدنية، وتتيح لـ«الحرس الثوري» الوصول إلى المجتمع، ومراقبته، والتأثير فيه، واستدعاء عناصره عند الحاجة.

بنية متشعبة تتجاوز الأمن المباشر

تكشف المواد الواردة عن بنية واسعة ومعقدة لـ«الباسيج»، تشمل وحدات قتالية وأخرى اجتماعية وثقافية ومهنية. فإلى جانب كتائب مثل «عاشوراء» و«الزهراء» و«بيت المقدس» و«الإمام علي» و«الإمام الحسين» و«كوثر»، التي تضطلع بأدوار تتراوح بين مكافحة الشغب، والدعم اللوجستي، والحماية، والتدريب العسكري، توجد أيضاً فروع موجهة إلى شرائح المجتمع المختلفة: الطلاب، والتلاميذ، والجامعيون، والموظفون، والعمال، والقبائل، والمهندسون، والأطباء، والفنانون، والإعلاميون، والرياضيون، حتى رجال الدين والمنشدون الدينيون.

ولا تعد هذه البنية مجرد اتساع تنظيمي، بل فلسفة عمل تقوم على تحويل «الباسيج» إلى «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع الإيراني. فوجوده في المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والدوائر الرسمية يجعله جهازاً للفرز والتعبئة والرقابة، لا مجرد قوة تُستدعى عند اندلاع الاضطرابات.

العمود الفقري للأمن الداخلي

تكمن الأهمية العملية لـ«الباسيج» في كونه أحد أول خطوط الاستجابة عند وقوع الاحتجاجات كجهاز موازٍ لـ«قوات إنفاذ القانون (الشرطة)». فبحسب المواد أعلاه، تظهر عناصره سريعاً في الشوارع، على دراجات نارية أو في مجموعات ميدانية، ويتولون تفريق المحتجين، واعتقالهم، ومطاردتهم، ورصد النشطاء، والعمل أحياناً بملابس مدنية أو عبر مخبرين داخل التجمعات. كما يضطلع بدور في مراقبة المجتمع، وفرض المعايير السلوكية، ومساندة أجهزة الأمن والشرطة في ضبط المجال العام.

عناصر من «الباسيج» خلال عرض عسكري في طهران (أرشيفية - رويترز)

وفي هذا المعنى، يؤدي «الباسيج» وظيفة حاسمة للنظام: تخفيض تكلفة القمع الرسمي المباشر عبر الاعتماد على شبكة تعبئة عقائدية - أمنية موزعة على القاعدة الاجتماعية. ولذلك، لا يُفهم حضوره من خلال عدد البنادق أو الكتائب فقط، بل من خلال قدرته على إنتاج حضور أمني يومي داخل المجتمع.

النفوذ السياسي والاقتصادي

لم يعد «الباسيج» مجرد أداة أمنية. فمع الوقت، اتسع نفوذه السياسي والاقتصادي، سواء عبر دعمه لتيارات محافظة في الانتخابات، أو من خلال حضوره في الجامعات والإعلام، أو عبر شبكات المنح والامتيازات والتوظيف. كما دخل في مشاريع اقتصادية وإنشائية وتنموية، مستفيداً من صلاته بـ«الحرس الثوري» ومؤسساته المالية والتعاونية.

هذا التمدد جعل «الباسيج» جزءاً من منظومة السلطة، لا من هامشها. فهو يساعد على حماية التوازن السياسي الداخلي، ويدعم نفوذ «الحرس الثوري» في مؤسسات الدولة، ويؤمن قاعدة اجتماعية وآيديولوجية للنظام في لحظات التوتر.

ذراع الحرب الناعمة والميليشيا الرقمية

ولا يقتصر دور «الباسيج» على الشارع أو الأمن الميداني، بل توسّع في العقدين الأخيرين ليشمل ما تسميه السلطات الإيرانية «الحرب الناعمة». وفي هذا السياق، أنشأ «الحرس الثوري» و«الباسيج» بنية دعائية وسيبرانية واسعة تهدف إلى مواجهة الخصوم السياسيين والإعلاميين للنظام، داخل إيران وخارجها.

عناصر من «الباسيج» في عرض عسكري بطهران 10 يناير 2024 (أ.ب)

ويعمل «مقر الحرب الناعمة» التابع لـ«الباسيج» على تنظيم الأنشطة في الفضاء الإلكتروني، بما في ذلك إدارة المواقع الإلكترونية والمدونات ومنصات التواصل الاجتماعي، وتدريب آلاف الأعضاء على إنتاج المحتوى السياسي والدعائي ومواجهة المعارضين على الإنترنت. وتشير تقارير إلى أن آلاف عناصر الباسيج تلقوا تدريبات على التدوين، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، والإبلاغ عن الحسابات المعارضة، إضافة إلى المشاركة في حملات إلكترونية منظمة.

كما يدير «الباسيج» شبكة إعلامية موازية تضم مؤسسات، مثل: وكالة أنباء تحمل اسمه و«وكالة أنباء دانشجو» المرتبطة بـ«الباسيج الطلابي» الذي ينشط بالجامعات، فضلاً عن ارتباطه الوثيق بوسائل إعلام قريبة من «الحرس الثوري»، مثل «تسنيم» و«فارس». وتُستخدم هذه المنصات لترويج خطاب النظام، وتعبئة المؤيدين، ومهاجمة الخصوم السياسيين والنشطاء.

أكثر من ميليشيا

تحوّل «الباسيج» تدريجياً إلى قوة هجينة تجمع بين الميليشيا الميدانية والميليشيا الرقمية، إذ يعمل أعضاؤه في الشارع وفي الفضاء الإلكتروني معاً، ضمن استراتيجية أوسع لـ«الحرس الثوري» تهدف إلى السيطرة على المجالين الأمني والإعلامي في آن واحد.

ويبلغ عدد أفراد «الباسيج» مئات الآلاف. في المحصلة، يُعد أحد أعمدة النظام الإيراني في الداخل: ذراع تعبئة، وأداة ضبط اجتماعي، وخزاناً بشرياً للأمن، وقناة اختراق للمجتمع، ومكملاً مؤسسياً لـ«الحرس الثوري». قوته الحقيقية لا تكمن في قدرته على النزول إلى الشارع فقط، بل في اتساع شبكته داخل الدولة والمجتمع معاً. ولهذا، فإن فهم الباسيج لا يمر عبر اعتباره ميليشيا متشددة فحسب، بل بوصفه مؤسسة هجينة تجمع بين العقيدة والسلاح والتنظيم الاجتماعي، وتحتل موقعاً مركزياً في الهيكل الأمني والسياسي للجمهورية الإسلامية.