الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

مسؤولون يروون قصة استيلاء الميليشيات على الأراضي والشركات والاستثمار في لبنان ودول غربية

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر
TT

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

الحوثي يحاول التحكم في الاقتصاد اليمني عبر تحالف مع إيران وقطر

كان 2003 علامة فارقة في مسيرة الميليشيات الحوثية، إذ شهد ذلك العام تردد السفير الإيراني لدى اليمن إلى محافظة صعدة، ولقائه قيادات ما يعرف بـ«أنصار الله»، وإعطاء طهران الميليشيات إشارة البدء بالانتشار والتوسع الاقتصادي في محافظة صعدة تنفيذاً لمخططهم، ثم التمدد تدريجياً بعد أن حصلوا على أموال من دولتين، إحداهما عربية، حسبما أفاد به مسؤولون يمنيون لـ«الشرق الأوسط».
وبعد عام واحد من ذلك التاريخ، سرعت الميليشيات من تنفيذ ما أوعز لها، فبدأت بتنفيذ مراكز وشراء أراضي بشكل واسع في المدينة. وفي ذلك العام، لم تكن إيران الممول الوحيد للحوثيين، بل كانت هناك دول أخرى، منها قطر، أرسلت أموالاً على شكل «معدات مختلفة»، سلمت إلى قيادات الحوثيين في إطار ما يعرف بـ«غسل الأموال».
هذا التحرك، في ظل الأوضاع الاقتصادية التي كان يعيشها اليمن عام 2004، أسهم بشكل مباشر في توسع الحوثيين ونمو اقتصادهم، عبر شراء الأراضي بمساحات مختلفة وشاسعة، ثم إنشاء مؤسسات عبر موالين لهم في محافظات متعددة، خصوصاً في المناطق الساحلية، حتى يتسنى لهم نقل ما يصلهم من بضائع ومعدات عسكرية إلى مسقط رأسهم في صعدة.
ونظراً للوسائل التي اتبعتها الدول الممولة للحوثيين، لا توجد إحصائيات رسمية بعد مرور 14 عاماً عن المبالغ التي تسلمتها قيادات الميليشيات، أو التي استولت عليها بعد العملية الانقلابية في اليمن، إلا أن تقديرات مسؤولين يمنيين تشير إلى أنها تتجاوز مليارات الدولارات في القطاعين العام والخاص، إذ سيطرت على شركات نفط يتجاوز دخلها السنوي ملايين الدولارات، وهو ما مكن الميليشيات، بدعم من طهران، من الاستثمار خارجياً، وتحديداً في لبنان وعدد من الدول الغربية.

- بداية الطريق مع السفير الإيراني
وقال هادي طرشان، محافظ صعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن صعدة شهدت مطلع 2003 تردد السفير الإيراني على المحافظة بشكل لافت، ولقائه قيادات حوثية، ويبدو أن تلك اللقاءات كانت تمهد للقيام بعمل ما. وطيلة هذا العام، لم نلمس تغيراً جذرياً في تحركات الميليشيات على الأرض، إلا أننا بدأنا مع مطلع 2004 نلمس ظهور مراكز تتبع الحوثيين داخل المدينة، يطلق عليها «الشباب المؤمن»، نسبة إليهم قبل أن يطلقوا على أنفسهم «أنصار الله».
وأضاف أن هذه المراكز بدأت تنتشر حتى وصلت إلى المديريات التابعة لصعدة، وكان إنشاء هذه المراكز يجري بدقة عالية، إذ عمدت الميليشيات إلى بنائها قرب المدارس الحكومية بمختلف مراحلها، وكانوا يعتمدون في إنشاء هذه المراكز على طراز حديث وبنايات كبيرة، مما أسهم في استقطاب الطلاب، إضافة إلى أن هذه المبالغ كانت مؤشراً على أن لدى الجماعة مبالغ طائلة تنافس بها الحكومة آنذاك، بقدرتها على إنشاء مثل هذه الأبنية مقارنة بمدارس الحكومة.
ولفت طرشان إلى أن هذه الخطوة في إنشاء المراكز، بعد توفر الأموال، كانت بداية لإيجاد ميليشيات مدربة متوافقة مع طروحاتهم، خصوصاً أن الميليشيات في ذلك الوقت كانت تقدم العطايا للمنتسبين، والدعم الكامل لمن يلتحق بمراكزها. ومن هنا، بدأ التخطيط في 2004 للتوسع الاقتصادي عبر شراء أراض في مواقع حساسة، خصوصاً تلك التي تطل على المواقع الحكومية العسكرية، ومساحات كبيرة من الأرضي على أطراف المدينة.
وأفاد طرشان بأن الحوثيين نجحوا في صعدة، وبدأوا بالتفكير في المديريات القريبة من المدينة، ومنها حجة والمناطق الساحلية مثل ميدي. وشهدت تلك الفترة إقدام الحوثيين على شراء أراض مختلفة، من حرض إلى ميدي، وجرى تأمين هذه المناطق من الساحل إلى ميدي. ومن خلالها، جرى تمويل الميليشيات بشكل كبير، سواء بالمال أو السلاح، وبدأ إيرانيون وغيرهم يتوافدون إلى تلك المناطق. وتابع: «رغم الحراك الاقتصادي الملموس للميليشيات، وتوسعها بشكل كبير، مع دخول أجانب إلى تلك المدن، خصوصاً صعدة، فإن الحكومة في تلك الفترة كانت تتغاضى وتتهاون مع كل ما يجري من تغيرات على الأرض، خصوصاً أن المشاريع كانت كبيرة وتخدم شرائح المجتمع، وغالبيتها تجارة في الغذاء والزراعة».
وأشار محافظ صعدة إلى أن الأموال لم تكن ترسل من إيران فقط، إذ إن أموالاً كانت ترسلها قطر لقيادات الحوثيين، عبر المنافذ القريبة من صعدة، بطريقة غير مباشرة، ومنها معدات ثقيلة مختلفة، وأغذية على شكل غسيل أموال، وتابع: «تلك الأموال كان يصعب كشفها لأنها تدخل بطرق سليمة، في إطار شراء البضائع من الدول، وتتسلم الميليشيات الإرساليات التي تحتاجها في البناء أو الزراعة».

- التوسّع ونهب الدولة
بعد هذه المرحلة، بدأت الميليشيات الحوثية توسيع نشاطها، لتشمل إقليمي تهامة وآزال، وكان ذلك مدروساً ومخططاً له. ووفقاً لمحمد عسكر، وزير حقوق الإنسان اليمني، فإن الحوثيين بدأوا، بعد عام 2004، بالتوسع في العقارات والقطاع التجاري، وشكلوا «الذراع الاقتصادية» قبل العملية الانقلابية، بدعم كبير من إيران وعدد من الدول التي تسير في فلكها.
واستطرد عسكر أن توسع الحوثيين في العقار والمؤسسات التجارية أوجد لهم مصادر مالية في الداخل، إضافة إلى ما يصل من طهران، وهذا ساعدهم في الانتشار، إلى أن جاءت اللحظة المناسبة للانقلاب على الشرعية عام 2014، حين نهبوا بشكل سريع كل مدخرات الشعب اليمني، المتمثلة في نحو 5 مليارات دولار، ونحو ترليوني ريال يمني من البنك المركزي، كما استولت الميليشيات على الصناديق السيادية، وصندوق التقاعد الذي يقدر بنحو 7 مليارات ريال، وصندوق وزارة الدفاع الذي يتجاوز عشرات المليارات، ومدخرات هيئة التأمينات التي تتجاوز 10 مليارات ريال يمني.
وأضاف أن الميليشيات الحوثية، بعد هذه العملية، سارعت بغسل هذه الأموال عبر شراء أعداد كبيرة من المؤسسات والشركات التجارية التي فر ملاكها نتيجة الأحداث، وما تبعها من أعمال عنف في العاصمة صنعاء، بعد أن تلقوا تهديدات مباشرة لبيع أصولهم وممتلكاتهم في عدد من المحافظات.
وقال عسكر: «هذه الأموال، مع ما يصلهم من خارج اليمن، مكنت الحوثيين من تخطي الحدود للاستثمار في الخارج، وبطريق متعددة، عبر أتباعهم، إذ توجد للميليشيات استثمارات في الضاحية الجنوبية ببيروت، واستثمارات متنوعة في عدد من الدول الغربية، وهذه الاستثمارات تكون رافداً لهم في حال جفت منابع الأموال في الداخل، ليتمكنوا من إكمال ما خططوا له في فرض سيطرتهم بشكل كامل على مفاصل الدولة الاقتصادية».
وأكد وزير حقوق الإنسان أن هذه القضية، وكيفية استيلاء الحوثيين على القطاع الاقتصادي، ستكون ضمن أولويات الوزارة، وسيتم طرحها في دورة جنيف المقبلة، التي سيتمحور ملفها حول اقتصاد الحرب الذي أسسه الحوثيون، وسبب معاناة الشعب اليمني عبر فرض الإتاوات ونهب الممتلكات العامة والخاصة.

- تدمير البنية التحتية
خلال 14 عاماً، جرى تدمير البنية التحتية للاقتصاد اليمني، إذ نفذت الميليشيات أعمالاً عبثية في القطاعات الحيوية التي كانت تدر أموالاً طائلة على الحكومة اليمنية في تلك الفترة، وفي مقدمتها قطاع النفط الذي يديره في الوقت الراهن أشخاص غير مؤهلين وضعوا في تلك المواقع بحكم قربهم من القيادة الحوثية، كما جرى تدمير البنك المركزي، وضرب قطاع الزراعة عقب الاستيلاء على كثير من الأرضي تحت تهديد السلاح، فيما يعد قطاع السياحة، الذي يشكل 5 في المائة من الدخل السنوي لليمن، أحد أكثر القطاعات المتضررة.
وسجل قطاع السياحة أدنى مستوياته بعد عام 2015، المقدر بنحو 300 مليون دولار، وهي عوائد مالية لمغتربين عادوا لبلادهم، ولم يكن هناك سياح أجانب، فيما لم يسجل عام 2016 - 2017 أي مداخيل مالية، سواء من السياح الأجانب أو العائدين، بسبب سيطرة الميليشيات على كثير من المواقع الأثرية في تهامة وآزال، وفرار كثير من المنظمات الإنسانية داخل المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات، الأمر الذي دفع بكثير من دول العالم إلى دعوة رعاياها إلى عدم السفر لليمن.
ونتج عن هذا التحول الاقتصادي، وسيطرة قلة على المال العام والخاص، فجوة كبيرة داخل المجتمع اليمني الذي هُجر من المناطق الرئيسية قصراً، وأصبح غير قادر على مواجهة أعباء الحياة اليومية، بعد أن رفعت الميليشيات أسعار النفط ومشتقاته، وأسعار المواد الغذائية التي استولت عليها من المنظمات الإنسانية، أو تلك التي كانت تصل عبر ميناء الحديدة لتجار يمنيين، كما أنشأت الميليشيات أسواقاً سوداء في مختلف المدن التي تقع تحت سيطرتها، وفرضت رسوماً على جميع التحويلات المالية التي تصل للمدنيين.
وأكد معمر الإرياني، وزير الإعلام اليمني، لـ«الشرق الأوسط»، أن الميليشيات الحوثية تعمل بشكل ممنهج لضرب الاقتصاد اليمني، بإيعاز من إيران، وبهدف إرباك المجتمع الدولي الذي يسعى لتقديم المساعدات في المقام الأولى للمواطنين، بعيداً عن الأعمال العسكرية التي تنفذها الميليشيات. وفي الجانب الآخر، تكون هي المتحكم في اقتصاد الدولة، وحالياً في مناطق سيطرتها.
ولفت الإرياني إلى أن الميليشيات عمدت، مع فرض سيطرتها على صنعاء، إلى الاستحواذ على شركات النفط، في خطوة للتحكم في تصريف ما يرد للمدينة من مشتقات النفط، ثم أنشأت شركات مالية متخصصة تصرف وتحول الأموال، وهذه الشركات كانت تدار بواسطة الحوثيين، بحكم المبالغ التي تحول من اليمنيين المغتربين لأهاليهم في الداخل. وفتح استيلاء الميليشيات الحوثية على أصول وممتلكات رجال أعمال وشركات عائلية في صنعاء الباب للتواصل خارجياً باسم هذه المنشآت، والحصول على حاجتها من السلع التي تبيعها في الأسواق السوداء، كما عمدت إلى رفع أسعار الغاز، الذي يصل إلى صنعاء وعدد من المدن في إقليم تهامة بشكل كبير ومبالغ فيه، مقارنة مع ما يباع في المدن المحررة، المقدر بنحو 1200 ريال، ليباع بنحو 5 آلاف ريال، وهي مبالغ لا يستطيع المواطن تحملها، في ظل الأوضاع التي فرضتها الميليشيات، من السطو على الأجور ورفع الأسعار.
وقال وزير الإعلام اليمني إن الحكومة ناشدت المجتمع الدولي سرعة التدخل، وأن يقوم بدوره، خصوصاً فيما يتعلق بميناء الحديدة، الذي يدر أموالاً طائلة على الميليشيات من خلال الإيرادات وفرض الضرائب الجمركية التي تذهب للقيادات الحوثية، ولا تنفق بما يخدم المدنيين. وحتى الآن، لم نجد أي استجابة لوقف الهدر المالي الذي تستولي عليه الميليشيات بشكل مباشر.

- التحالف العربي يعيد التوازن للاقتصاد اليمني
منذ اللحظات الأولى التي تشكل فيها التحالف العربي لإعادة الشرعية في اليمن، بطلب من الرئيس عبد ربه منصور هادي، حمل التحالف على عاتقه إعادة التوازن لليمن، ومعالجته من الخراب الذي خلفته الميليشيات في قطاعات الاقتصاد الرئيسية كافة. وسارع التحالف لتقديم الدعم والمساعدة لجميع قطاعات الدولة التي دمرتها الميليشيات، والتي شملت الصحة والبيئة والاقتصاد، وأنفقت السعودية أكثر من 8 مليارات دولار خلال عامين، في شكل مساعدات إنسانية وإغاثية وتنموية وحكومية، كما أودعت أخيراً ملياري دولار في البنك المركزي اليمني لحماية العملة المحلية.
ووفقاً لمسؤولين يمنيين، يعول على هذه الوديعة في رفع المعاناة عن الشعب اليمني، ومساعدته على مواجهة الأعباء الاقتصادية جراء معاناته من جرائم وانتهاكات الميليشيات الحوثية التي تنهب مقدرات الدولة، وتستولي على إيرادات المؤسسات الحكومية، بما في ذلك بيع المشتقات النفطية وتحصيل الأموال.


مقالات ذات صلة

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.