هل شارفت عملية التدوين في إيران على الانتهاء؟

نافذة للتعبير عن الرأي في ظروف الاحتقان.. وستتحول إلى وسائل إعلام تحظى بالاستقلالية والاعتبار في المستقبل

مدونون في العاصمة طهران («الشرق الأوسط»)
مدونون في العاصمة طهران («الشرق الأوسط»)
TT

هل شارفت عملية التدوين في إيران على الانتهاء؟

مدونون في العاصمة طهران («الشرق الأوسط»)
مدونون في العاصمة طهران («الشرق الأوسط»)

بينما لم تمض إلا ثلاثة عشر عاما على انطلاق عملية التدوين في إيران، فإن البعض أخذ يتساءل عما إذا كانت هذه المهنة شارفت على الانتهاء أم لا. هناك نظرتان متباينتان حول مستقبل التدوين في إيران. ترى الفئة الأولى أن عملية التدوين انحسرت بسبب انتشار الشبكات الاجتماعية التي تفتح المجال للكتابة، في الوقت الذي تعتقد فيه المجموعة الثانية أن كتابة المدونات شهدت تغييرات لكنها لم تفقد بريقها حتى الآن.
وخلصت الدراسة التي قامت بها كلية أننبرغ للاتصالات في جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة حول المدونات الفارسية إلى «انتهاء عملية التدوين في إيران» (http://www.iranmediaresearch.org/en/research/download/1607). وكانت إيران من الدول المتصدرة في قائمة نشر ثقافة التدوين في الأعوام بين 2001 و2009. وقام «سلمان جريري» بإنشاء أول مدونة باللغة الفارسية في إيران في سبتمبر (أيلول) 2001 (http://www.globalpersian.com/salman/weblog.html)، وقد أسهم بعد ذلك الصحافي والمدون الإيراني «حسين درخشان» في تقديم ظاهرة التدوين، ونشرها في البلاد.
وشهدت عملية كتابة المدونات إقبالا واسعا من الإيرانيين والناطقين باللغة الفارسية، وشملت المدونات مواضيع مختلفة بدءا بالسياسة وانتهاء بالأدب. وسميت هذه المدونة بـ«المدونة الفارسية».
فما حجم التغييرات التي شهدتها عملية التدوين في إيران؟ هل «كتابة المدونات» شارفت على الزوال؟ لماذا لم نعد نرى المدونين الناشطين في عالم التدوين؟ ولماذا لم يقم الذين يمارسون هذه المهنة بتركها على غرار نظرائهم؟
ويعرف المدونون، وقراء المدونات الإيرانية «آرش آباد بور»، تحت عنوان «آرش كمانكير» (http://persian.kamangir.net). بدأ آرش مهنة كتابة المدونات باللغة الإنجليزية في 2004، وتحول لاحقا إلى اللغة الفارسية. وفي فبراير (شباط) 2014 قام بنشر المادة الأخيرة على مدونته. ويعتبر آرش كمانكير أحد الباحثين الذين قاموا بإجراء الدراسة حول «انتهاء عملية التدوين في إيران» في جامعة بنسلفانيا الأميركية، وهو من المدونين القدماء الذين يتحدثون عن «زوال كتابة المدونات في إيران». وعن الأسباب التي أدت إلى عدم قيامه بكتابة المدونات يقول آرش آباد بور أو كمانكير في حوار مع «الشرق الأوسط»: «ما زلت أمارس مهنة الكتابة، غير أن كتاباتي يجري نشرها في عدد من المواقع الإلكترونية غير المدونات». ويرى آباد بور أن «إنتاجات المدونين الذين تركوا الكتابة في المدونات مستمرة غير أنها يتم نشرها في مواقع أخرى». من جهة أخرى، ما زال «آرمان أميري» المدون الإيراني وصاحب مدونة «تجمع المجانين» يكتب في مدونته (http://divanesara2.blogspot.fr). يعتبر آرمان مثل كمانكير من المدونين الذين يمارسون هذه المهنة منذ سنوات مديدة، وما زال يكتب العديد من المواد التي ينشرها أسبوعيا على مدونته، ويجري نشر بعض كتاباته أحيانا في المواقع الإخبارية. ومعظم كتاباته ذات صبغة سياسية. ويقول أميري في حوار مع «الشرق الأوسط» حول الأسباب التي شجعته على الاستمرار في التدوين «أعتبر مدونتي كـ(وسيلة إعلام) تتمتع بهوية مستقلة عني. ونجحت نسبيا في تحقيق هذا الأمر، إذ يحرص زوار المدونة على إرسال رسائل خاصة بالمدونة، والتي تسمى (الرسائل المرسلة)».

* «المدونات الفارسية» شهدت انحسارا
طرأت خلال الأعوام الأخيرة تغييرات على عالم المدونات الفارسية بعد أن انتشرت الشبكات الاجتماعية في 2009، وأصبحت تتمتع بمؤيدين في إيران. لم يعد بعض المدونين الإيرانيين الذين كانوا من النشطاء السياسيين والاجتماعيين أو الإعلاميين يمارسون مهنة كتابة المدونات، أو نادرا ما يكتبون على المدونات. ولكن ما أبرز وجوه التغيير التي شهدها عالم التدوين في إيران؟
يرى آباد بور أن التدوين ظاهرة لن تموت، ولن يتغير شكلها أو حجمها. ويقول «لا يمكن تجاهل انخفاض نسبة المدونين أو قراء المدونات. ولم نعد نرى الكثير من نشطاء المدونات إما بسبب التحاقهم بوسائل الإعلام، أو إصابتهم بحالة من التعب والملل، أو تعرضهم للسجن، والنفي، أو انضمامهم إلى الشبكات الاجتماعية».
وأشارت الدراسة التي أجراها آباد بور وأصدقاؤه في عام 2008 إلى أن 68 في المائة من المستطلع آراؤهم قالوا إنهم يتوجهون مباشرة إلى المدونات لقراءة المواد التي يجري نشرها فيها، وانخفضت هذه النسبة في الدراسة التي تم إجراؤها في مارس (آذار) 2014 إلى 30 في المائة. وقال 47.3 في المائة من المستطلعة آراؤهم إنهم يستخدمون الشبكات الاجتماعية للحصول على مواد المدونات.
ويعتقد آرش أن المدونات ما زالت تحظى بقرائها، ويقول «المدونات مدن شهدت انحسارا لكنها لم تنته. ما زال مدونون يمارسون هذه المهنة وزوار يستمتعون بقراءة المواد التي ينشرها المدونون على المدونات».
وبالتزامن مع انتشار عملية التدوين في إيران، قام أفراد بتأسيس شبكات للمدونات الناطقة باللغة الفارسية لتسهيل البحث عن المدونات الفارسية لزوار المدونات الإيرانيين والناطقين باللغة الفارسية.
کان یصعب على الإيرانيين استخدام موقع «بلوجر» الدولي لتقديم خدمة كتابة المدونات على الإنترنت، ولم تكن قوالب «بلوجر» باللغة الفارسية، كما أن جميع مستخدمي الإنترنت لا يعرفون كيفية البرمجة. وانتشرت لاحقا مواقع إلكترونية مثل «بارشين بلوج»، «بلوجفا»، و«ميهان بلوج»، وغيرها، وقامت بإنشاء مدونات تضم الخدمة باللغة الفارسية وفي إطار قوالب متعددة. وسهلت هذه الخدمات على مستخدمي الإنترنت غير المحترفين في علوم الكومبيوتر والإنترنت عملية تأسيس المدونات. وقام أفراد بشراء نطاق إنترنت والقيام بعملية التدوين بأسمائهم الخاصة.
وتعرضت المواقع الإلكترونية الفارسية لخدمات التدوين لقيود كثيرة بعد الأحداث السياسية التي جرت في إيران خاصة بعد الانتخابات الرئاسية في 2009، وتعرض العديد من المدونات إلى الفلترة أو الإلغاء. مما يعني القضاء على سنوات عديدة من جهود المدونين، وكتاباتهم في ليلة وضحاها. وحظرت السلطات الإيرانية موقع «بلوجر» الدولي لخدمة كتابة المدونات، مما أدى إلى عدم رغبة العديد من المدونين في كتابة المدونات، في حين أن مدونين قاموا باستخدام المواقع الفارسية لخدمة التدوين للدخول في موقع «بلوجر» الدولي لخدمة كتابة المدونات من أجل ألا تتمكن السلطات القضائية في إيران بحظر مدوناتهم، وهم يمارسون مهنة التدوين حتى اللحظة.
وعن عدد قراء مدونته يقول «آرمان أميري»: «تصعب الإجابة عن هذا السؤال في هذه الأيام. كان المدون سابقا يراجع مدونته ليطلع على عدد القراء الذين يزورون مدونته لأن الشبكات الاجتماعية لم تكن منتشرة، غير أن الأشخاص لم يعودوا يقصدون المدونات بشكل مباشر». وأشار «آرمان أميري» إلى أن «عدد زوار مدونته (تجمع المجانين) يفوق عدد قراء أبرز الصحف الإصلاحية في البلاد».

* الشبكات الاجتماعية أسهمت بشكل كبير في انتشار كتابة المدونات
وعما إذا كانت مهنة كتابة المدونات باللغة الفارسية شارفت على الانتهاء يقول آرمان بنبرة حزينة «يتم تداول هذا السؤال كثيرا في السنوات الأخيرة، وكأن البعض يرغب في تسريع دق ناقوس (انتهاء زمن كتابة المدونات). غير أن عملية التدوين لم تنته بعد».
ويذعن آرمان بحقيقة مفادها أن إنشاء وانتشار الشبكات الاجتماعية وجه ضربة قاسية لمهنة كتابة المدونات، وأن عدد المدونين سجل انخفاضا لافتا. وحول نظرته إلى عملية التدوين في الوقت الحاضر يقول آرمان «قدم انتشار الشبكات الاجتماعية التي تتنافس مع المدونات خدمات كبيرة إلى المدونات، وشهدت هذه المواقع عملية تمشيط لكتاب المدونات الذين كانوا يستخدمون المدونات لكتابة النكت، والرسائل القصيرة، ووضع الصور. فهؤلاء انتقلوا إلى الشبكات الاجتماعية».
وأما الخدمة الأخرى التي قدمتها الشبكات الاجتماعية إلى المدونات حسب رؤية آرمان فهي «تعقيد عملية استنساخ المصنفات المختلفة، أو تقديم وثائق مزورة في المدونات. ودفعت الشبكات الاجتماعية المدونين إلى بذل جهود أكبر والقيام بمطالعة المواد بشكل أفضل وإعداد مصنفات جيدة، لإظهار قدراتهم وإبداعاتهم من أجل البقاء والفوز أمام منافسيهم. كما أن كتاب المدونات وجدوا أنفسهم مضطرين لتجنب الوقوع في الأخطاء المتداولة في الشبكات الاجتماعية بسبب التسرع في عملية نقل المعلومة إلى القراء».
ويرى آرمان أن «مستخدمي الشبكات الاجتماعية يعانون من فقدان الصبر بسبب السرعة الكبيرة في نقل المعلومة، إذ لا يجدون فرصة للقيام بالدراسات، والتعمق في المواد المنشورة. بالمقابل فإن المدونات توفر مجالا يتمتع بوتيرة أكثر هدوء من الشبكات الاجتماعية». ويقول أميري إن «المدونات تشبه مناطق الأرياف البعيدة عن ضوضاء المدن، إذ يتمتع القراء بفرصة أكبر لقراءة المواضيع. كل المدونات المتبقية في الوقت الحاضر اكتسبت نوعا من الوجهة والاعتبار لدى قرائها الذين ينظرون إليها على أنها مصدر موثوق يمكنهم نقل المعلومة عنه، الأمر الذي لا نشاهده بتاتا في الشبكات الاجتماعية التي تعد مصادر الخبر فيها مجهولة». ويضيف أميري «أنا أميل للقول بأن المدونات شهدت تغييرات في طريقة الأداء والاعتبار الذي اكتسبته في زمن انتشار الشبكات الاجتماعية، وذلك بدلا من استخدام عبارة (انحسار) عملية كتابة المدونات».

* مدونة الآنسة كرزة
انتقل العديد من النشطاء المدنيين، والسياسيين، والإعلاميين من التدوين لكن بعضهم ما زالوا يمارسون هذه المهنة. هناك مجموعة أخرى من المدونين القدماء والذين يقومون بكتابة المدونات حتى الآن ولكن بأسلوب مختلف. وفيما تتميز المصنفات التي تنشر في عدد من هذه المدونات بدرجة من الخصوصية، ينشر مدونون آخرون مواضيع عامة. وتحظى هذه المدونات بقرائها الذين عددهم ليس بقليل.
«كنت أطمح خلال السنة الماضية لخسارة الوزن بنسبة 8 كيلوجرامات، وبذلك كنت سأبلغ 50 كيلوغراما. تجاهلت الأهداف الأخرى التي كنت أريد الوصول إليها بسبب أهمية خسارة الوزن، ولذلك قصدت طبيبا معروفا..».. هذه الفقرة هي مقدمة المقال الذي كتبته صاحبة المدونة التي تقدم نفسها باسم «الآنسة كرزة»، وتحمل المدونة نفس العنوان. (http://gilasi.net)
تسرد مدونة «الآنسة كرزة» الأحداث بأسلوب قصصي، وتتمركز حول القضايا الخاصة بصاحبة المدونة مثل اعتمادها للحمية الغذائية، أو الأحداث التي تواجهها في مقر عملها، أو القضايا الجارية في البلاد، ويتضمن قسم الآراء تبادل الآراء بينها وبين زوار المدونة.
واسمها الحقیقي هو «محدثة خالو»، وتبلغ من العمر 33 عاما، وتدرس الماجستير في فرع علم النفس الإكلينيكي. ولها عدة مؤلفات، وترجمات عديدة. وتصدرت محدثة قائمة النساء لكتابة المدونات في اجتماع لكاتبات المدونات في إيران منذ عامين. وتقول محدثة في حوار مع «الشرق الأوسط» إنها بدأت مهنة كتابة المدونات في يوليو (تموز) 2005، وعدد زوار مدونتها يتراوح بين ثلاثة آلاف وأربعة آلاف زائر يوميا من بينهم من يزورون الموقع عن طريق الشبكات الاجتماعية. وحظرت السلطات الإيرانية مدونة «الآنسة كرزة»، وتقول محدثة بأن أسباب هذا القرار غير معروفة. وتضيف «كان يزور المدونة سبعة آلاف زائر يوميا قبل حظرها».
وعما إذا كانت عملية التدوين في إيران شهدت انحسارا تقول محدثة «كانت مهنة كتابة المدونات تحظى بمكانة أفضل سابقا، لم يعد العديد من أصحاب المدونات يزاولون هذه المهنة بعد، في حين تم حظر الكثير من المدونات. وتتطلب زيارة هذه المدونات تخطي الكثير من الحواجز، الأمر الذي يفقد الكاتب، والزائر الحافز للمتابعة».
وتقول محدثة بشأن الأسباب التي دفعتها إلى عدم مغادرة عالم التدوين «تحظى مدونتي بزوارها الذين يحرصون على قراءة المواضيع. فهناك العديد من الزوار مثل الطالب الحائز على شهادة البكالوريا، وهو يقول لي بأنني ألفت على زيارة مدونتك منذ أن كنت في الثانوية، وأنا الآن أعمل». وعن المواضيع التي يتم نشرها على المدونة وزوارها تقول محدثة «تحمل المواضيع والكتابات في المدونة طابعا بسيطا وفكاهيا، وأنا أعتبر زوار المدونة أصدقائي. أنا مشاغبة قليلا، وغیر مهتمة قليلا، وهذا ما يجعل زوار المدونة يحبونني. ويضم زوار المدونة مختلف شرائح المجتمع بدءا من مدير الشركات إلى المراهق الذي يبلغ من العمر 12 عاما، والأمهات، وموظفي الدوائر الحكومية وغير الحكومية، وأصحاب المتاجر، وأساتذة الجامعات، وغيرهم».
إن وجود هذه المجموعة من كتاب المدونات الذين يتناولون مواضيع غير سياسية يبدو لافتا، ويصب اهتمام هؤلاء على تداول مواضيع خاصة أو شعبیة. لكن كل ذلك لا يمنع السلطات من فرض حظر على هذه المدونات.

* تسونامي يضرب المدونات الإيرانية
ويقول «آباد بور»، وهو صاحب المدونة، والباحث في مجال المدونات، لـ«الشرق الأوسط»: «كانت المدونات تمثل نافذة للتعبير عن الرأي في ظروف الاحتقان في البلاد. واجتاحت الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد مثل الحركة الخضراء والأحداث التي تلت الانتخابات الرئاسية في 2009 عالم المدونات. وهيمنت في هذه الفترات الأجواء السياسية على المدونات التي كانت في السابق تحمل طابعا شخصيا، غير أن الانخراط في المشهد السياسي انتقل من الشبكات الاجتماعية إلى عالم المدونات».
ويضيف «آباد بور» قائلا «اجتاحت موجة تسونامي مدينة المدونات، وجرفت في طريقها عددا من المدونات. ذلك لا يعني أن عملية كتابة المدونات انتهت بشكل كامل. ما زال أصحاب المدونات الشخصية يمارسون هذه المهنة، في حين أن أصحاب المدونات السياسية والاجتماعية انتقلوا إلى أماكن أخرى. إن المدونات لا تمثل مكانا ملائما للقيام بكتابة المواضيع السياسية أو الاجتماعية التي وجدت الآن موطنها الرئيس».
ويرى «آباد بور» و«أميري» أن عملية التدوين ومزاولة مهنة كتابة المدونات لن تموت، رغم أن التوقع بالمصير الذي سيلقاه عالم التدوين يبدو أمرا صعبا حسب رؤية «آباد بور». ويقول «أميري»: «ستتحول المدونات إلى وسائل إعلام تحظى بالاستقلالية والاعتبار في المستقبل. يحتاج المشهد الإعلامي إلى عالم التدوين وأصحاب المدونات المستقلة. وستحظى المدونات بالمكانة التي تليق بها، وستستمر كتابة المدونات كمهنة يمارسها أصحابها في إيران».
*خدمة «شرق بارسي»



«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.


الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».