العقارات في السودان الملاذ الآمن لحفظ الأموال رغم سعرها المرتفع

العقارات في السودان الملاذ الآمن لحفظ الأموال رغم سعرها المرتفع

ارتفاع الدولار مقابل الجنيه شجع المواطنين على التخلي عن العملتين
الأربعاء - 29 جمادى الأولى 1439 هـ - 14 فبراير 2018 مـ رقم العدد [ 14323]
توجه كثير من الأفراد في السودان لشراء العقارات والأراضي والمضاربات نتيجة لقناعة بأنها تحفظ القيمة المالية
الخرطوم: سيف اليزل بابكر
رغم عادات وثقافة المستثمرين والمواطنين السودانيين في شراء العقارات لحفظ أموالهم، فإن موجة الشراء زادت هذه الأيام، وأصبح العقار ملاذا آمنا للأموال، في وقت تشهد فيه أسعار العقارات بمدن العاصمة الخرطوم الثلاث، ارتفاعا غير مسبوق، بسبب ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه في السوق الموازية وارتفاع أسعار مواد البناء.
وتسبب ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه وبلوغه مستوى 40 جنيها للدولار بداية منتصف الشهر الماضي، ثم انكماش الفجوة السعرية بين السوق الرسمية والموازية الأسبوع الماضي، حيث بلغ سعره في السوق السوداء 32 جنيها والرسمي داخل بنك السودان المركزي 31.5 جنيه، في عدم رغبة المستثمرين والمواطنين في الاحتفاظ بأي من العملتين، والاستفادة منها في العقارات، وهي الملاذ الآمن لحفظ الأموال كما يعتقد كثير من السودانيين، حيث لا يمر على العقار أو الأرض شهر إلا ويحافظ على سعره أو يزيد محققا أرباحا عالية لصاحبه.
ورغم شروع عدد من المواطنين والمستثمرين والسماسرة في البحث عن فرص عقارية مستفيدين من عدم الرغبة في الاحتفاظ بالعملتين، تشهد أسواق البناء والمقاولات ومشروعات إسكان محدودي الدخل في السودان حاليا، تحديات كبيرة بسبب ارتفاع أسعار مواد البناء والمقاولات، بعد الزيادات في أسعار السلع الأساسية والاستهلاكية ومواد البناء، مع بداية تطبيق ميزانية عام 2018 في يناير (كانون الثاني) الماضي، التي تضمنت زيادات في أسعار الدولار الجمركي، وتخفيض قيمة الجنيه السوداني أمام الدولار بنسبة 300 في المائة.
وارتفعت أسعار مواد البناء، ومعظمها يستورد من الخارج بنسبة كبيرة، مثل طن الإسمنت الذي بلغ سعره أمس في أسواق الخرطوم 5 آلاف جنيه سوداني (نحو 150 دولارا)، ومثله ارتفع سعر طن الأسياخ الحديدية إلى أرقام كبيرة، وسرى الأمر على أسعار البويات والسيراميك، وغيرها من مواد البناء.
ووفقا لخبراء ومختصين في سوق العقار في السودان، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أمس، فإن اتجاه كثير من المواطنين لشراء العقارات والأراضي والمضاربات، ناجم عن اقتناعهم بأنها تحفظ القيمة المالية، بجانب خلو السوق السودانية من نشاطات أخرى، وعدم وجود تجارة تناسب المضاربين غير العقارات. وأضاف الخبراء أن كثيراً من الأموال التي كانت تستغل سابقاً لشراء الدولارات باتت تستغل الآن لشراء الأراضي، بعد محاصرة السلطات لمضاربي الدولار.
وقال عبد العزيز كبير، وهو صاحب إحدى الخدمات العقارية بمدينة بحري في العاصمة الخرطوم، إن هناك ارتفاعا غير مسبوق في أسعار العقارات ببحري، وعزا ذلك لانخفاض الجنيه السوداني مقابل الدولار، وأكد ارتفاع قيمة الإيجارات للأسباب ذاتها، إضافة إلى كثرة الطلب على المنازل نتيجة التحول من الولايات للسكن بالخرطوم، وأشار إلى تأثير الأجانب على زيادة قيمة الإيجار. ولفت عبد العزيز كبير إلى وجود أسباب أخرى ساهمت في ارتفاع أسعار العقارات، مثل دخول تجار السيارات مجال العقارات، ما أدى إلى زيادة طلبهم على العقارات كضامن لرأس المال، وذلك بعد زيادة الدولار الجمركي إلى 18 جنيهاً من 6.9 جنيه، مما أدى إلى ارتفاع أسعار السيارات بنسب تتراوح من 100 إلى 300 في المائة. كذلك من أسباب ارتفاع أسعار العقارات، وفقاً لصاحب المكتب العقاري، ارتفاع أسعار مواد البناء، بجانب التكلفة التي تفرضها الجمارك على الإسمنت والحديد، إضافة إلى إيقاف الدولة لكثير من مصانع الحديد، وهناك الطلب المتزايد للسلع وغيرها من المواد المكملة لعملية البناء، بجانب التقلب المرتبط بالسوق وتذبذب الأسعار من حين لآخر. وبين كبير أن ارتفاع أسعار العقارات شمل معظم أحياء ولاية الخرطوم، خاصة المخططات التي تتمتع بخدمات كبيرة، واستشهد بالمنطقة الشمالية ببحري (مطري الحلفايا)، وقال إن الأسعار زادت عن خمسة آلاف جنيه للمتر المربع (نحو 150 دولارا)، وتابع: «في مخطط نبتة السكني بلغ سعر المتر المربع ثلاثة ملايين جنيه، وفي المربعات التي لا تتمتع بخدمات وصل سعر المتر المربع إلى نحو ألفي جنيه، أما أسعار مناطق الدروشاب فهي أقل من المخططات الأخرى». وزاد أن قيمة إيجار الشقة ببحري بلغت بين 5 إلى 6 آلاف جنيه، مع ندرة في العرض رغم ذلك، وأردف أن الإيجار بالمناطق الطرفية بلغ 3 آلاف جنيه.
ويرى المقاول محمد عابدين، من مدينة أم درمان التي تكتظ بها مشروعات الإسكان، أن السبب وراء ارتفاع أسعار العقارات والأراضي هو الطلب العالي في بعض المربعات، مقابل قلة العرض، وأن هنالك عدداً من الأسباب الأخرى التي أدت إلى الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات، من ضمنها عدم توفر العملة الصعبة بجانب ارتفاعها، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى ارتفاع مواد البناء مباشرة.
ويضيف عابدين أن سوق العقار لا يتوقف على الرغم من وجود إحجام عن الشراء، إلا أن المواطن مضطر إلى أن يشترى، منوها بأن الطلب يكون عالياً في المناطق التي تتوفر بها المرافق التعليمية والصحية والكهرباء وخلافه بالخرطوم، مشيرا إلى أن هذه العوامل أساسية عند طلب شراء أرض.
وأكد محمد حمد الذي يعمل في مجال المقاولات، أن ارتفاع أسعار العقارات والزيادة التي حدثت وصلت إلى 35 في المائة، وترجع نتيجتها إلى الزيادة في أسعار مواد البناء، أما الزيادة في أسعار الأراضي فهي نتيجة لارتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه السوداني، موضحاً أن أغلبية المشترين من المغتربين، وعندما يذهبون إلى التجار يعرضون عليهم العقار أو القطعة بالدولار أو ما يقابلها من القيمة في السوق الموازية بالسوداني، وهذا يؤدى إلى ارتفاع قيمة العقار، إضافة إلى ذلك هنالك مشكلة أخرى تتمثل في عدم التوسع الرأسي للبناء في السودان، حيث نجد أن الأغلبية يلجأون إلى التوسع الأفقي في البناء.
ومن جهته، قال المهندس إبراهيم بابكر، إن مسألة ارتفاع أسعار العقارات مسألة داخلية، وعلى الرغم من أن الأزمة الاقتصادية العالمية أدت في جميع دول العالم إلى انخفاض أسعار العقار، فإن السودان ظل يشهد ارتفاعا في أسعار العقار، مؤكدا أن الدولة لها دور كبير في ارتفاع أسعار العقارات؛ خاصة في وقت أوقفت فيه الخطة الإسكانية، وعملت على بيع ما تبقى من مساحات كانت مخططة في شكل ميادين وسط المدن.
وحول إمكانية التوسع الرأسي للعقارات أو السكن في الشقق في السودان، يشير عاطف عبد الواحد خبير العقارات في حي الثورة، الحارة 13، إلى أن ثقافة السكن في الشقق أصبحت تنتشر في الآونة الأخيرة، إلا أنها ما زالت قاصرة على فئة معينة في المجتمع، مؤكدا أن معظم الأسر السودانية تفضل السكن في البيوت الشعبية التي بها فناء، أو ما يعرف بـ«الحوش». تجدر الإشارة إلى أن السودان سيشهد انتعاشا في سوق البناء والتعمير في البلاد، بعد الركود وعزوف قطاع المقاولين عن المشروعات الجديدة، بسبب الزيادات التي طرأت على مواد البناء أخيرا، حيث من المقرر أن يصدر بنك السودان المركزي قرارا بفك التمويل العقاري لشريحة المغتربين السودانيين العاملين بالخارج. وهو القرار الذي تنتظره سوق المقاولات والإسكان في السودان، منذ وقف تمويل البنوك المحلية لمشروعات التطوير العقاري والإسكان عام 2004، ما ترك أثرا بالغا في سوق العقار بالبلاد، ورفع التكلفة وسعر المتر إلى مستويات قياسية عالمية.
السودان الإقتصاد السوداني العقارات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة