مسقط رأس السيسي يستبشر خيرا بالرئيس الجديد

أهالي حي الجمالية يواصلون احتفالاتهم ويثمنون مواقف السعودية

أهالي حي الجمالية بالقاهرة مستمرون في الاحتفال بالرئيس المصري الجديد  الذي نشأ في حيهم («الشرق الأوسط»)
أهالي حي الجمالية بالقاهرة مستمرون في الاحتفال بالرئيس المصري الجديد الذي نشأ في حيهم («الشرق الأوسط»)
TT

مسقط رأس السيسي يستبشر خيرا بالرئيس الجديد

أهالي حي الجمالية بالقاهرة مستمرون في الاحتفال بالرئيس المصري الجديد  الذي نشأ في حيهم («الشرق الأوسط»)
أهالي حي الجمالية بالقاهرة مستمرون في الاحتفال بالرئيس المصري الجديد الذي نشأ في حيهم («الشرق الأوسط»)

يقول محمود حسين، سائق تاكسي، الذي يعيش في حي الجمالية، (شرق القاهرة)، مسقط رأس الرئيس المصري الجديد، عبد الفتاح السيسي: «رغم أن عمر المكان يعود إلى مئات السنين، فإن البيوت والجدران متمسكة بحقها في الوجود.. هذا ما يراه السائحون حين يأتون إلى هنا. واليوم، نفخر بأن يكون الزعيم الشعبي (السيسي) من الحي نفسه». ورغم مرور نحو خمسة أيام على أداء الرئيس القسم وتنصيبه في حفل شارك فيه ممثلون لدول العالم، ما زال أبناء الجمالية يحتفلون بابن الحي الذي يقع قرب منطقة الحسين السياحية، وهي واحدة من مناطق سياحية كثيرة في عموم البلاد تضررت بشدة من الاضطرابات السياسية التي تفجرت منذ مطلع عام 2011.
وكان عدد السياح قد وصل في عام 2010 إلى نحو 15 مليون سائح، لكنه انخفض العام الماضي إلى نحو 9.5 مليون سائح فقط. ويقول الخبراء إن الرئيس الجديد يواجه تحديات كبيرة لإنعاش الاقتصاد واستعادة السياحة التي يعتمد عليها الدخل القومي بشكل رئيس، مع كل من إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين بالخارج. ووفقا لتقارير رسمية، هبطت إيرادات السياحة بما نسبته 43 في المائة في الربع الأول من هذا العام، بسبب قيام متشددون بتفجير حافلة سياحية بطابا في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن المسؤولين عن هذا القطاع متفائلون ويتحدثون عن تحسن متزايد خلال الشهر الأخير.
ورغم انتهاء حفل التنصيب، وبدء السيسي مهام عمله في القصر الرئاسي، فإن أهل الجمالية لم يتوقفوا عن الاحتفاء بالمناسبة، التي اقترنت بإعلان خادم الحرمين الشريفين مبادرة لعقد اجتماع دولي لمساندة مصر. وتعلو الزغاريد من النوافذ المطلة على الحواري الضيقة. وفي تجمع احتفالي لسيدات وفتيات من الحي، تقول نجوى محمد: «أنا فرحانة.. السيسي ابننا ولن يخذلنا». وتعول نجوى وجاراتها وسكان الحي، بمن فيهم السائق حسين، على المساعدات التي تقدمها دول الخليج لبلادهم، وعلى رأسها السعودية، ومبادرة خادم الحرمين الشريفين.
واشترى السائق حسين، (49 سنة)، التاكسي في عام 2010 حين كانت السياحة الوافدة للبلاد في قمتها. ويضيف: «حين اشتريت التاكسي كنت لا أتوقف عن العمل. أنقل السياح من منطقة الحسين إلى الهرم (غرب العاصمة)، ومن المتحف المصري (بوسط القاهرة) إلى مجمع الأديان في الجنوب. لم أكن أتوقع أن تتوقف الأعمال مع تخلي الرئيس السابق حسني مبارك عن سلطاته في ثورة يناير (كانون الثاني).. مرت أكثر من ثلاث سنوات، واليوم، أثق بأن السيسي، وبمساعدة أشقائنا العرب، سوف يبني مصر من جديد، ويعيد السياح بأكثر من السابق».
ويلاحظ كل من يدخل ويتجول في حي الجمالية انتشار صور مختلفة الأحجام والأشكال للسيسي، وضعها الأهالي وأصحاب المحال على واجهات البيوت والمقاهي وعلى أعمدة الإنارة وعلى زجاج السيارات أيضا. ويوجد أقارب للسيسي هنا ما زالوا يعملون في مهنة الأسرة القديمة، وهي صناعة «الأرابيسك» قرب خان الخليلي. وعلى جدار المقهى المجاور، قام أحد الهواة برسم صورة للمشير بقلم «طبشور»، بينما وضع السائق حسين علم مصر وصورة للسيسي على خلفية سيارته.
وكان ثمن تاكسي حسين، حين اشتراه، 68 ألف جنيه (الدولار يساوي نحو 7.15 جنيه)، لكن تكلفة ترخيصه وتركيب عداد حساب الأجرة له وتشغيله في شوارع القاهرة، زادت من ثمنه الإجمالي إلى نحو 80 ألف جنيه. وسدد حسين للبنك منذ 2010 حتى الآن نحو 40 ألف جنيه، وتعثر في سداد باقي المبلغ، ودخل في مشكلة مع البنك، إلا أنه يتحدث اليوم وهو متفائل قائلا إنه توجد بوادر على وجود حركة سياحية. وتمكن خلال هذا الأسبوع من نقل زبائن عرب إلى ضاحية المهندسين، كما طلب منه سياح فرنسيون زيارة الأهرام.
وفي بعض شوارع الجمالية المغطاة بصور السيسي ولافتات التأييد له، يمكن أن تلاحظ النشاط وهو يدب في المنطقة التجارية القريبة من المواقع السياحية. ويقول حسين، الذي يعول زوجة وخمسة أطفال: «بعض السياح يتجولون هنا أيضا». ويقع الحي ضمن القاهرة القديمة. وتغص المنطقة بالمعالم التاريخية.. فهنا الجامع الأقمر، وهناك جامع الحاكم بأمر الله، وهذا بيت السحيمي، وذاك سوق خان الخليلي الشهير. وفي الجانب الآخر، ترى أسوار القاهرة العريقة وبواباتها العتيقة ومدارسها الأيوبية والمملوكية.
وخرج السيسي من هذه المنطقة التي نشأت فيها، في السابق، شخصيات ملأت سماء الأدب والفن والسياسة. ويمكن أن ترى عبر الشارع منزل الأديب الراحل الحاصل على جائزة نوبل، نجيب محفوظ. ويقول الأهالي: «من هنا جاء وحي روايات محفوظ؛ (بين القصرين) و(السكرية). وفي حارة البرقوقية، أي على بعد أمتار من هنا، يقع المنزل التاريخي لأسرة السيسي».
وعلى مقعد أمام باب بيته، يقول ناصر علي، وهو دليل سياحي، ويبلغ من العمر 55 سنة، وأحد سكان الحارة، بعد أن وضع الصحيفة التي كان يطالعها جانبا: «أعيش في الحي منذ نعومة أظفاري.. عايشت معاني الجمال والرقي وقت أن كانت القاهرة هوليوود الشرق. كانت مصر قلب الأمة العربية»، مشيرا إلى أن مواقف الدول الخليجية الرئيسة، خاصة السعودية، بالوقوف بجانب مصر «يعطي ثقة للمجتمع الدولي بأننا نسير على الطريق الصحيح. هذا ما رأيناه في حفل التنصيب حين جاء زعماء العالم للتهنئة». ويضيف: «أعتز بالحي الذي نشأت فيه والذي أخرج الكثير من المشاهير والزعماء.. واليوم أفخر أكثر وأكثر كونه الموطن الذي احتضن السيسي منذ طفولته».
ويزيد ناصر علي قائلا: «لا أنسي وقت أن كان السيسي في المدرسة الثانوية العسكرية.. كان مثلما يراه العالم اليوم. متواضعا ومحبا للناس. كان يحرص دائما على خدمة الجميع. لهذا يحبه الناس». ويقول إن «الدول الأجنبية التي تحظر على مواطنيها السياحة في مصر، منذ نحو سنة حتى الآن، عليها أن تغير موقفها بعد حالة الاستقرار والأمان التي بدأت تشهدها بلادنا».
والتف عدد متزايد من الشباب والسيدات للتعبير عن أنفسهم مثل عبد الصبور، بينما كان صدى الأغاني المؤيدة للسيسي يتردد من كل مكان. وبابتسامة يملؤها الأمل، يقول رؤوف سعيد، البالغ من العمر 50 سنة، وهو أحد سكان الحي ويدير محلا لبيع الهدايا للسياح في منطقة خان الخليلي المجاورة: «المشير السيسي أكد أن مصر ستتغير في غضون سنتين، وعلينا أن نساعده ونقف بجانبه». ويقاطعه شاب يدعى محمود، وهو يلوح بالعلم الوطني: «حي الجمالية في عيد.. السيسي لن يخذل المصريين».



​ضربات مكثفة على الحوثيين واشتباه بسمية قذائفهم

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
TT

​ضربات مكثفة على الحوثيين واشتباه بسمية قذائفهم

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)
الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)

شهدت الساحة اليمنية خلال الساعات الأخيرة تصعيداً عسكرياً واسعاً شمل عدة محافظات ومناطق، بالتزامن مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الرابع والعشرين، وسط استمرار الاعتداءات الحوثية على الأعيان المدنية والسكان المدنيين داخل البلاد وفي السعودية.

وذكرت القوات المسلحة اليمنية، في مستهل هذا اليوم، أنها نفذت 749 عملية استهداف ضد مواقع وتحصينات الجماعة الحوثية خلال 24 ساعة، ما أسفر عن تحييد 239 عنصراً وتدمير 117 آلية عسكرية، بالتزامن مع دخول عملية «فجر اليمن» يومها الـ 24، التي أعلن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة اليمني، إطلاقها بهدف استعادة وبسط نفوذ الدولة من سيطرة الحوثيين.

ودعت السلطة المحلية في تعز إلى تحقيق عاجل في بلاغات ميدانية، بشأن استخدام الجماعة الحوثية قذائف يُشتبه في احتوائها على مواد سامة محظورة دولياً.

وقالت إن البلاغات تشير إلى وقائع سابقة أُصيب خلالها مدنيون وأفراد من الجيش بحالات اختناق، صاحب بعضها فقدان للوعي، مطالبة بالتحقق من أسباب هذه الأعراض ومدى ارتباطها بالمواد المنبعثة من القذائف المبلغ عنها، مشددة على ضرورة توثيق الحالات والشهادات والتقارير الطبية، وتحديد طبيعة المواد المستخدمة من خلال فحوص فنية متخصصة.

الحوثيون يستمرون باستهداف المدنيين وسط شبهات بسمية قذائفهم (أ.ف.ب)

ودعت الأمم المتحدة والجهات الدولية المعنية إلى دعم التحقيق ومحاسبة المسؤولين إذا ثبت استخدام مواد محظورة.

وأكّدت السلطات الصحية في المحافظة استهداف الجماعة الحوثية، الأربعاء، سيارة إسعاف أثناء محاولتها نقل مدني مصاب من إحدى القرى التي تعرضت للقصف في منطقة العاوات غرب الشقب بمديرية صبر الموادم، جنوب المدينة، ما ألحق أضراراً كبيرة بالسيارة وأخرجها من الخدمة.

وجاء هذا الاستهداف خلال قصف مكثف استهدف القرى في جبل صبر بأسلحة مختلفة وفقاً للسلطات نفسها التي لفتت إلى أن استهداف سابق لسيارة إسعاف أخرى بقذيفة الأسبوع الماضي، إلى جانب نهب 15 سيارة إسعاف من مكاتب الصحة والمراكز الصحية في المديريات.

استنئاف نشاط الطيران

واتسعت رقعة المواجهات لتشمل محيط مدينة تعز وجبهات لحج وصولاً إلى محوري ذوباب ومضيق باب المندب، وسط ضربات جوية مكثفة للطيران في الساحل الغربي، واستمرار الهجمات الصاروخية الحوثية التي أصابت مطار عدن الدولي مجدداً، فضلاً عن إعلان اعتراض صاروخ باليستي فوق الأراضي السعودية.

للمرة السادسة خلال تصعيدها الأخير تستهدف الجماعة الحوثية مطار عدن بالصواريخ (أ.ف.ب)

واستأنف مطار عدن الدولي، الخميس، نشاطه بعد استكمال أعمال إصلاح مدرجه الذي تعرض لقصف بصواريخ باليستية أطلقتها الجماعة الحوثية، الأربعاء، ما تسبب في تعطيل حركة الملاحة الجوية.

وكشفت مصادر ملاحية أن الفرق الفنية والهندسية المختصة تمكنت من إصلاح الأضرار التي لحقت بالمدرج، وإعادة تأهيله لاستقبال الطائرات، بعد جهود مكثفة.

واستهدفت الجماعة الحوثية مطار عدن بصاروخين باليستيين، الأول في الساعة الواحدة ظهراً بالتوقيت المحلي للمدينة، والثاني عند الساعة الثالثة عصراً.

وزعمت الجماعة، التي طالبت بإخلاء المطار قبل توجيه الضربة، أن هجومها استهدف طائرة شحن عسكرية، في حين أكدت مصادر أمنية في المطار بعدم وقوع أي أضرار بشرية أو مادية، وسط استنكار واسع لإقدام الحوثيين على استهداف مطار مدني، وتبرير استهداف المدنيين الذين جرى تحذيرهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل القصف بوقت قصير، وهذا لا يعفي الجماعة من المسؤولية الجنائية، ويمثل ضغطاً نفسياً وإرهاباً للمدنيين والمسافرين.

الجماعة الحوثية تواصل استهداف سيارات الإسعاف في تعز (أ.ف.ب)

وأدانت وزارة النقل اليمنية تجدد القصف الحوثي على المطار، وتعرضه لهجومين عند الواحدة والثالثة من بعد الظهر، ليرتفع عدد الاعتداءات إلى ستة خلال أيام، محذرة من أن هذه الاستهدافات تهدد حياة المسافرين وأطقم الطائرات والعاملين، وتعرض حركة الملاحة الجوية والجهود الإنسانية والإغاثية لأخطار جسيمة.

وحملت الوزارة الحوثيين المسؤولية الكاملة عن الهجمات، داعية المجتمع الدولي ومنظمة الطيران المدني الدولي إلى التدخل العاجل لحماية المنشآت المدنية وضمان سلامة الطيران.

من جهتها، أعلنت الخطوط الجوية اليمنية تحويل مسار طائراتها المقبلة إلى مطار عدن الدولي نحو مطار جيبوتي، نتيجة القصف الحوثي الذي استهدف المطار، مشيرة إلى أن هذه الظروف خارجة عن إرادتها، وأن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار التزام متطلبات السلامة الجوية والحفاظ على سلامة المسافرين والطواقم والطائرات.

اعتداءات على السعودية

في غضون ذلك اعترض تحالف دعم الشرعية صاروخاً باليستياً أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية للسعودية ودمرته.

ألوية العمالقة الجنوبية تواصل عملياتها ضد الحوثيين في جبهة باب المندب (الجيش اليمني)

وقال التحالف إن الدفاعات الجوية السعودية نجحت في اعتراض وتدمير صاروخ باليستي أُطلق باتجاه المنطقة الشرقية للبلاد، في حين تبنى الحوثيون الهجمات التي ادعوا أنها تستهدف منشآت وقواعد عسكرية، وأقروا بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه الرياض والمنطقة الشرقية ونجران وخميس مشيط.

وبينما أقرّ الحوثيون بتلك الاعتداءات التي شملت إطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه الرياض والمنطقة الشرقية ونجران وخميس مشيط؛ ادعوا أنها تستهدف منشآت وقواعد عسكرية.

وامتدت رقعة العمليات العسكرية الميدانية لتشمل محوري مضيق باب المندب ومديرية ذوباب؛ حيث أفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية، في حين قال الحوثيون إنهم استهدفوا القوات الحكومية في تلك المناطق بالصواريخ الباليستية والأسلحة الثقيلة.

وفي جبهة المضاربة والصبيحة شمال غربي محافظة لحج، نفذت قوات العمالقة الجنوبية ضربات استهدفت تجمعات تابعة للجماعة الحوثية، مما أسفر عن خسائر بشرية في صفوفها بالتزامن مع اندلاع اشتباكات بمختلف أنواع الأسلحة في المنطقة.

الدفاعات الجوية السعودية تتصدى لصواريخ ومسيّرات حوثية جديدة (وزارة الدفاع السعودية)

وتزامنت هذه التحركات الأرضية مع إسناد جوي، حيث شنت المقاتلات الجوية التابعة للتحالف سلسلة من الغارات في محور الساحل الغربي، استهدفت 4 منها مواقع وتحركات حوثية في محيط ميناء ومدينة المخا، بالإضافة إلى غارات مماثلة ضربت تحصينات في جبل النار الواقع شرق المدينة. وأحبطت القوات الحكومية هجوماً استهدف قريتي كحلان وحمة بمديرية المسراخ غرب مدينة تعز، وبموازاة ذلك واصلت الفرق العسكرية عمليات تمشيط للمواقع المستعادة مؤخراً في جبهة الضباب ومحيط جبل هان والمطار القديم.

وجرى تبادل للقصف المدفعي في جبهات الشقب والأقروض وسامع شرق وجنوب المحافظة.


الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.