استراتيجية «داعش ليبيا»... من التمركز إلى الإنهاك

تلقى ضربات عسكرية فككت أوصال دولته المزعومة

TT

استراتيجية «داعش ليبيا»... من التمركز إلى الإنهاك

في الأودية الوعرة، والدروب الصحراوية، فضّلت فلول تنظيم داعش الاختباء بالقرب من مناطق وسط وجنوب ليبيا بعد طردهم من مدينة سرت؛ كي يسهل عليهم الانقضاض، وتنفيذ «هجمات خاطفة»، والفرار ثانية إلى ملاذاتهم الآمنة؛ ما أدى إلى استدعاء بعض المخاوف من احتمالية عودة «داعش» إلى البلد الغني بالنفط، للتمركز كما كان.

فالتنظيم الذي سبق وبسط سيطرته على مدن ليبية، وأقام «دعائم دولته» المزعومة، وقطّع رؤوس مئات المواطنين، ظهرت عناصره، الشهر الماضي، ست مرات على الأقل، في شوارع وبلدات بالمنطقة الغربية، استوقفت خلالها المارة، ولوّحت براياته السوداء، ومارست السرقة في وضح النهار، لكن العميد محمد الغصري، المتحدث باسم وزارة الدفاع في حكومة الوفاق الوطني، بطرابلس (غرب البلاد)، قلل من مخاطر ظهور التنظيم، ووصف الأمر في حديثه إلى «الشرق الأوسط» بأنه «مجرد جيوب إرهابية، وبعض من العناصر التي فرت من سرت، سيتم التخلص منها قريباً». غير أن هبوط عناصر التنظيم من الدروب الصحراوية وصولاً لوسط البلاد، تجاوز المخاوف إلى تحذير جهات دولية، ومراكز بحثية غربية، من أن عناصر التنظيم «شكّلت جيشاً في الصحراء الليبية، وأعادت لمّ شملها وسط وجنوب ليبيا، بما في ذلك مناطق قريبة من أكبر حقول النفط»؛ ما دفع أميركا وإيطاليا إلى الإعلان عن اتفاق، منتصف الأسبوع الماضي، على «منع تحويل ليبيا إلى قاعدة للتنظيم».
وتعد موقعة حقل الظهرة النفطي، على طريق زلة - مرادة، (200 كلم جنوب شرقي مدينة سرت) التي جرت وقائعها في الثالث من الشهر الحالي، وقُتل فيها ثلاثة من مسلحي تنظيم داعش في اشتباكات مسلحة مع قوة عسكرية كبيرة من الجيش الوطني الليبي وقضى فيها ثلاثة جنود، هي الأخطر في دلالاتها، بحسب ما أرجعه خبراء إلى «قدرة عناصر التنظيم على التسرب مجدداً داخل مدن الغرب الليبي، وبخاصة إلى سرت وما حولها، لإحداث ضربات سريعة، قد يحصّل من ورائها بعض المكاسب».
وسعى عضو مجلس النواب، محمد عامر العباني، إلى إيجاد تفسير لعمليات «داعش» المباغتة، وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «البيئة الحاضنة»، التي تتمثل في «هشاشة الدولة، وضعف المنظومة اﻷمنية في البلاد تساعد على عودته مرة ثانية».
ومضى العباني يقول: إن «تدمير المواطن خلال الأحداث المتلاحقة التي شهدتها البلاد الفترة الماضية، فضلاً عن الفقر والجهل والبطالة وغياب مشروع الدولة يجعل من بعض المناطق داخل البلاد أرضاً خصبة للتنظيم».
وفي حين رأى العباني أنه لا يمكن إغفال تأثيرات «القبلية العائلية، وضعف العقيدة الدينية لدى البعض، والتناحر بين الأطراف السياسية في خلق فرصة ملائمة لـ(داعش) في البلاد»، ذهب عضو المجلس الأعلى للدولة، عبد الرحمن الشاطر إلى أن تنظيم داعش «يحظى بدعم دولي واستخباراتي بمليارات الدولارات، ويستهدف الشباب المتهور العاطل عن العمل».
وتضامن الشاطر مع العباني حول طرح «هشاشة الدولة»، كسبب لعودة التنظيم، ورأى أن «الوضع الأمني الضعيف في ليبيا فرصة ثمينة لكافة أنواع المتطرفين»، ومضى يقول: «هم يريدون إفشال ثورة فبراير، وكلما تم إخراجهم من منطقة يعودون لتجميع أنفسهم والبدء في أعمالهم التخريبية من جديد».
وانتهى الشاطر قائلاً: «ما لم يتم توحيد السلطات التنفيذية والتشريعية والمالية والرقابية فسوف تبقى ليبيا مسرحاً واسعاً للإرهاب... وفي حال عدم تواجد حكومة واحدة فإن الشغب هو سيد الموقف والمسيطر على المشهد».

مقتل قيادي ميداني
لم تكن مواجهات طريق زلة - مرادة، هي الأولى من نوعها، التي تشير إلى تغوّل التنظيم قرب حقل نفطي، خلال الأشهر الماضية، أو تجوّل عناصره على أطراف العاصمة طرابلس، فقد سبق وأجرى عمليات عدة، إلا أن ما يميز هذه العملية سقوط أحد قادته الميدانيين، وسعيهم لتفجير محطة القطار التابعة لشركة الواحة النفطية – ثاني أكبر منتج للنفط الليبي - .
وهنا أوضح المكتب الإعلامي لـ«سرية مرادة المقاتلة»، تفاصيل العملية، وقال: إن «دورية استطلاع تابعة لكل من سرية (مرادة المقاتلة) و(سرية شهداء الظهرة) اشتبكت صباح الثالث من الشهر الحالي، مع مجموعة مسلحة تنتمي لـ(داعش) الإرهابي بعد محاولتها تفجير محطة القطار».
وأضافت «سرية مرادة» عبر حسابها على «فيسبوك» أنه «تم تجهيز قوة عسكرية كبيرة وعند اقترابها من حقل الظهرة، وقعت اشتباك مع عناصر من (داعش) أدت إلى سقوط 3 أفراد من القوات المسلحة وجرح آخرين، بالإضافة إلى مقتل ثلاثة من التنظيم، بينهم قيادة ميدانية، ومطاردة باقي المجموعة في الطرق الصحراوية».
واختلفت وسائل إعلام محلية حول هوية أحد القتلى، ففي حين ذهب البعض إلى أن «أبو بكر الشيشاني» الذي يعتقد بأنه أحد أبرز قيادي التنظيم في ليبيا، قال مصدر عسكري لموقع «الوسط» الإلكتروني: إن «الجثة الوحيدة التي تم التعرف عليها تعود إلى أحمد بن ناصر، وهو قائد ميداني كبير في التنظيم».
وأضاف المصدر العسكري: إن القتيل «بن ناصر» كان منخرطاً في صفوف تنظيم أنصار الشريعة قبل أن ينضم إلى «داعش»، غير أن العباني، أرجع فلسفة هذا الانخراط إلى أن «التنظيمات الإرهابية الخبيثة مثل اﻷوبئة تظهر وتنمو متى توفرت لها الظروف المناسبة»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «ولعل غرب ليبيا الذي لم يتم تطهيره بعد من الإرهاب، مليء بالخلايا النائمة الداعمة لـ(داعش) والمستعدة لاحتضانه والتفاعل معه».
لكن التنظيم، الذي سعى في الماضي إلى «تأسيس دولة» مزعومة في سرت، واعتبرها معقلاً له، بات يمارس عمليات قطع الطرق، والسطو المسلح، أو سرقة سيارات المواطنين كما حدث مطلع الشهر الحالي في براك الشاطئ أقصى الجنوب الليبي.
وترجع الواقعة، عندما تمكنت الوحدات الأمنية والعسكرية في منطقة براك الشاطئ، من القضاء على مسلحين اثنين من تنظيم داعش، في مطاردة قُتل فيها أحد جنود اللواء 12 مجحفل، محمد إبراهيم المقرحي.
ونقلت وكالة «الأنباء الليبية»، أن العنصرين الإرهابيين تسللا إلى منطقة براك الشاطئ بسيارة بهدف التزود ببعض الاحتياجات الأساسية من أحد المحال التجارية، وبعد الاشتباه بهم تمت مطاردتهم والاشتباك معهم في حي العافية، وتمكنا من الفرار بعد سرقة سيارة لأحد المواطنين فتم تعقبهما وقتلهما واسترداد السيارة المسروقة. غير أنه في مع نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي وقعت ثلاث عمليات للتنظيم، دفعت مسؤولاً أمنياً رفيعاً بالجيش الوطني الليبي إلى تحذير المواطنين ومنتسبي القوات المسلحة، والشرطة المارين بين مدينتي سرت والجفرة إلى توخي أقصى درجات الحيطة والحذر؛ بسبب رصد تحركات لمسلحي تنظيم داعش بالمنطقة.
جاء ذلك عقب تلقي لجنة تفعيل الأجهزة الأمنية بسرت بلاغات من مواطنين مروا بـ«كمين» للتنظيم (داعش)، بوادي قريب من طريق أبو قرين - الجفرة جنوب غربي سرت.
وطالبت اللجنة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق بـ«ضرورة اتخاذ الإجراءات العاجلة لضرب مواقع العناصر الإرهابية في الأودية الجنوبية للمدينة».
وأوضح المصدر في البيضاء، أن عدداً من مسلحي «داعش» أقاموا، حاجزاً بسيارات دفع رباعي على الطريق بين مدينتي سرت والجفرة.
وسبق لشركة البريقة لتسويق للنفط، القول إن السبب الرئيسي وراء تجدد أزمة الوقود في الجنوب وعدم توفر المنتجات النفطية بمناطق الجفرة، يرجع إلى الوضع الأمني الحالي، الذي أجبر جمعيات وشركات النقل على التوقف عن تزويد المحطات بتلك المناطق: «بسبب ما يتعرض له السائقون من سطو وتهديد على الطرقات وسلب الشاحنات المحملة من العناصر المتطرفة»، لكن نوري الغويزي، مسؤول بالمجلس البلدي سبها، (جنوب البلاد) نفى ذلك، وقال لـ«الشرق الأوسط»: إن «الجنوب آمن تماماً، ولا وجود لتنظيم (داعش) لدينا»!، لكن أعضاء في مجلس النواب عن مدن بالجنوب تحدثوا عن «انتشار واسع للتنظيم هناك، وقيامه بعمليات لترويع وسرقة المواطنين.
غير أن مدير مكتب إعلام الشرطة والسجون العسكرية في بنغازي، المعتصم أحواز، قال: إن «تواجد تنظيم (داعش) في بعض مدن غرب وجنوب ليبيا، وانتشارهم بشكل متفرق ومباغت في الصحراء الكبرى أمر عادي جداً»، وأرجع ذلك في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «كثيراً من تلك المناطق لم تخضع بعد للقوات المسلحة العربية الليبية».
وتابع: «المقاتلات الأميركية حررت سرت جواً، دون هبوط على الأرض للتمشيط... المدينة لم تتحرر بشكل نهائي»؛ الأمر الذي رفضه العميد الغصري، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «قوات عملية (البنيان المرصوص) هي من حررت سرت من تنظيم داعش الإرهابي، ودفعنا دماءً غالية من أبنائنا في سبيل تحقيق ذلك وصلت 720 شهيداً و3000 جريح، كما كبدنا التنظيم خسائر فادحة في الأرواح تجاوزت 2500 عنصر؛ حتى تمكنا من دحره في سرت بعد ثمانية أشهر من قتالهم».
وانتهى الغصري قائلاً: ليبيا «تحارب الإرهاب نيابة عن العالم، منذ نحو ستة أعوام»، و«لن نتراجع عن الدفاع عن بلادنا في مواجهة الإرهابيين».
وسيطر «داعش» على مدينة سرت منذ يونيو (حزيران) 2015؛ لتصبح معقله الرئيسي في شمال أفريقيا، كما سعى إلى التوسع في ليبيا عندما تقدّم في البداية نحو الموانئ النفطية وحاول التمدد بعدها إلى باقي المدن الغربية، لكن تم طرده منها 17 ديسمبر (كانون الأول) 2016.
وأفاد تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة إلى مجلس الأمن الدولي في الثامن من فبراير الماضي، بأن الحرب ضد تنظيم داعش دخلت مرحلة جديدة؛ إذ ما زال التنظيم والموالون له يمثلون تهديداً كبيراً ومتنامياً بأنحاء العالم، مؤكداً على أن التنظيم عازم على إعادة بناء قدراته في ليبيا، كما يواصل شن الهجمات المتفرقة هناك.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.