أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

استعاد لبنان معها أجواء الحرب... وتداعياتها ستنعكس على الحكومة

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية
TT

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

أزمة باسيل: رسائل سياسية وأهداف انتخابية

فتحت الأحداث الأمنية والسياسية التي عاشها اللبنانيون هذا الأسبوع، الباب على كل الاحتمالات، بما فيها عودة الحرب الأهلية، قبل أن يؤدي اتصال رئيس الجمهورية ميشال عون برئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى احتواء الوضع، وتنفيس الأجواء في الشارع، من دون أن يعني ذلك انتهاء الأزمة السياسية في لبنان بشكل عام، وبين «حركة أمل» و«التيار الوطني الحر» (تيار عون) بشكل خاص.
وبين محاولة البعض التخفيف من وطأة ما حدث، وتحذير آخرين من تداعياتها، تبقى هناك حقيقة واحدة، هي أن «ما بعد مواجهة برّي ووزير الخارجية جبران باسيل ليس كما قبلها».
بل ستبقى التداعيات حاضرة داخل الحكومة الائتلافية الحالية إلى حين موعد الانتخابات النيابية المقررة في شهر مايو (أيار) المقبل، لتكون المواجهة الأكبر في انتخابات رئيس المجلس النيابي ومشاورات تشكيل الحكومة المقبلة التي ستشكّل ملعباً للاشتباك السياسي.

انفجرت المواجهة بين جبران باسيل وزير خارجية لبنان رئيس «التيار الوطني الحرّ» (التيار العوني) نهاية الأسبوع الماضي عند تسريب شريط فيديو يهاجم فيه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، واصفاً إياه بـ«البلطجي»، ومتوعّداً بـ«تكسير رأسه». ثم تحوّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة حرب افتراضية بين مناصري الطرفين، استعيدت عليها لغة الحرب الطائفية التي لم يغب عنها نواب ووزراء محسوبون أيضاً على «التيار الوطني الحر» (الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون، حمو باسيل) و«حركة أمل» برئاسة برّي.
«أمل» طالبت باعتذار باسيل، وبينما ظل رئيس الجمهورية صامتاً طوال يوم الاثنين، الذي انتهى بإصدار «حزب الله» - الذي كان قد التزم الحياد في كل أزمات حليفيه السابقة - بياناً استنكر فيه كلام باسيل. إلا أن ما كان ينتظره «حزب الله» و«أمل» من عون ومناصريه بات مستحيلاً بعدما عمد مناصرو «أمل» إلى النزول إلى الشارع وإحراق الدواليب والاعتداء على مركز «التيار الوطني الحر»، فعندها كسر عون صمته ببيان اعتبر فيه «أن الخطأ الذي بُني على خطأ هو خطأ»، وطلب من الطرفين التسامح. وفي المقابل، لم يرَ «حزب الله» و«أمل» في بيان الرئيس إلا مساواة بين «القاتل» و«القتيل»، وصعّد وزراء «أمل» ونوابها مواقفهم مطالبين باسيل بالاستقالة، بينما آثر الأخير الصمت، واكتفى عبر بيان لاجتماع «تكتل التغيير والإصلاح» باعتبار «أن الملف قد انتهى».

أجواء الحرب
لكن «انتهاء الملف» بالنسبة إلى باسيل كان سبباً إضافياً للتصعيد في شارع «أمل» وصل مساء الأربعاء إلى مهاجمة ضاحية الحدث (ذات الغالبية المسيحية المارونية)، التي اعتبرت تقليدياً «خط تماس» بين المسيحيين والمسلمين، إبان الحرب (1975 - 1990)، وبذا علت لغة الحرب والتهديد على ما عداها من مواقف، قبل أن يستدرك المسؤولون في الطرفين، الأمر، ويدعون إلى التهدئة والمحافظة على السلم الأهلي، وكان لـ«حزب الله» الدور الأبرز في هذا الإطار.
ولاحقاً في بيان لها، بعد ثلاثة أيام على الأزمة، دعت «أمل» للتوقّف عن أي تحرك في الشارع قطعاً للطريق على من يريد حَرف النظر عن الموضوع الأساسي، وضرب علاقات اللبنانيين مع بعضهم. وطلبت من «جميع الحركيين على اختلاف مستوياتهم المساعدة على تطبيق هذا الأمر».
وتوجّت كل الجهود السياسية، التي لعب خلالها «حزب الله» - حليف الطرفين - دور «رأس الحربة»، باتصال أجراه الرئيس عون ببرّي سبقه لقاء بين رئيس الحكومة سعد الحريري ورئيس الجمهورية. وأعلنت بعده رئاسة الجمهورية عن الاتصال الذي أكد خلاله عون «أن الظروف الراهنة والتحديات تتطلب طي صفحة ما جرى أخيراً، والعمل يداً واحدة لمصلحة لبنان»، وهو ما رأت فيه حركة أمل خطوة إيجابية، ووصف برّي الاتصال بــ«الجيد جداً».
هذه الأزمة، التي كان كلام باسيل وهجومه على برّي بوصفه «البلطجي» كفيلاً بتفجيرها، لم تكن «رمّانة بل قلوباً ملآنة» - وفق المثل الشعبي اللبناني -. ذلك أن هناك تاريخاً من المواقف والمواجهات السياسية بين الجانبين منذ عشرات السنين، مروراً بالانتخابات الرئاسية التي رفض برّي خلالها التصويت لصالح عون، وما لحقها من أزمات بين الطرفين، أبرزها في الفترة الأخيرة حول ما بات يعرف بـ«أزمة المرسوم» التي لا تزال عالقة، ووصلت إلى حد المواجهة السياسية الأكبر بينهما.
«الكيمياء المفقودة» بين الرجلين (برّي - عون) واستطراداً إلى باسيل، صهر عون ورئيس «تياره»، لن تقتصر على الطرفين، بل يتوقع أن تترك تداعياتها على المعادلة السياسية اللبنانية ضاربة عرض الحائط بـ«التسوية» التي أدّت إلى انتخاب عون وتشكيل الحكومة الحريرية الحالية، والفرز السياسي عبر ما يعتبره البعض انفراداً بالسلطة من قبل «التيار العوني» و«تيار المستقبل» بغطاء من «حزب الله».
وفي هذا الإطار، يحمّل مصدر في «8 آذار» باسيل - ومن خلفه رئيس الجمهورية - المسؤولية بالقول: «لو عمد عون إلى الاتصال برئيس مجلس النواب من اليوم الأول كان الموضوع حلّ في لحظة، لكن على العكس من ذلك، بيان عون ساوى خطأ باسيل بخطأ شباب متحمسين». وأضاف أن الأمر نفسه يصدق على «مرسوم أقدمية الضباط» الذي كان في طريقه إلى الحل من خلال المبادرة التي قدّمها برّي، وتبناها رئيس الحكومة سعد الحريري، «قبل أن يؤدّي اتصال من جهة إلى إيقافها». وتابع المصدر: «كل ذلك يدل على أنهم (أي تيار عون) مصرّون على نهجهم وهو ما لن نسكت عنه».

باسيل مستفيد انتخابياً
من ناحية أخرى، رغم تأكيد مختلف الأطراف على أن الانتخابات النيابية «خط أحمر»، ترى مصادر عدّة أن ما حصل يخفي في طياته نية لتأجيل هذا الاستحقاق الذي تشير المعطيات الراهنة إلى أنه يسير في طريقه الصحيح ما لم تحصل أي مفاجآت. وليس بعيداً عن هذه الأجواء، يقول مصدر في «فريق 8 آذار» أن «ما يقال فوق الطاولة غير ما يقال تحتها... بعيداً عن الإعلام».
وبعد كلام برّي بأن هناك محاولات لتأجيل الاستحقاق كان وزير المال علي حسن خليل، ممثل «أمل» في الحكومة، واضحاً في هذا الإطار، إذ قال: «إذا كان الهدف من وراء ما حصل هو تعطيل الانتخابات، فنطمئنكم أنها حاصلة بموعدها». وهذا ما شدّدت عليه أيضاً جهات مطّلعة على موقف «حزب الله»، مؤكدة على ثوابته الثلاثة: «الاستحقاق الانتخابي، وبقاء الحكومة، والوضع الأمني الذي يجب أن يبقى مستقراً، بينما لن يتجاوز الخطاب السياسي حدود السقف الذي وصل إليه». وحسب هذه الجهات، فإن «التسوية الرئاسية، كذلك، لم تسقط رغم أن الأمور صعبة ولبنان يعيش على التسويات التي تأتي دائماً بعد خلاف معيّن» قبل أن تستدرك «لكن، لا شك، في أن الفرز السياسي سيتغيّر وملامحه واضحة منذ الآن».
جدير بالذكر، أنه منذ اللحظة الأولى لتسريب «فيديو باسيل» لم تخل الاتهامات من «أهداف انتخابية» لصالح باسيل، الذي يرفع دائماً «شعار استعادة حقوق المسيحيين»، وهو الذي كان قد خاض دورتين انتخابيتين، ولم ينجح بالفوز بمقعد نيابي. وهو يعوّل اليوم على الفوز بعد تعديل قانون الانتخابات. في المقابل، وإن كان الأمر سينعكس أيضاً إيجاباً على برّي و«حركة أمل»، فهذه الاستفادة لن يكون لها التأثير الكبير في الأرقام انطلاقاً من تحالفاته الانتخابية، خصوصاً ضمن «تحالف الثنائي الشيعي» الاستراتيجي مع «حزب الله».
خبراء بالشأن الانتخابي واستطلاعات الرأي يرجّحون ارتفاع شعبية وزير الخارجية في الشارع المسيحي المتشدد على خلفية الأزمة الأخيرة، ووفق الباحث في «الدولية للمعلومات» محمد شمس الدين، فإن «القراءة الأولية تفيد بأن ما حصل رفع من شعبية باسيل، بعد ردّة فعل مناصري الرئيس نبيه برّي، بوصولهم إلى منطقة مسيحية، والاستياء الكبير الذي ولّده في الأوساط السياسية المسيحية حتى المتضامنة مع برّي».

رسالة برّي للحليف
في سياق ثانٍ، فإن «ربط نزاع» خلاف برّي - عون بجهود من «حليفي» الطرفين، وأبرزهم «حزب الله» ورئيس الحكومة سعد الحريري، لا يعني أن الوضع في لبنان سيعود إلى طبيعته، خصوصاً بعد اهتزاز «التسوية» التي أدت إلى انتخاب عون رئيساً، ونجحت في تشكيل حكومة برئاسة الحريري. وقد تكون الإجابة الفاترة للنائب علي بزّي (كتلة برّي) عند سؤاله، خلال «مصالحة الحدث» عما إذا كانت طويت الصفحة «ماشي الحال»، خير دليل على هذا الأمر.
وبالفعل، قواعد المعادلة السياسية بدأت تتغيّر، بما في ذلك فرز التحالفات. وأهمها، بحسب ما يرى الوزير السابق الدكتور سليم الصايغ، نائب رئيس حزب الكتائب اللبنانية، «عدم تفرّد الثنائي (التيار الوطني الحر) و(المستقبل)، بالقرار اللبناني بغطاء من (حزب الله)، تنفيذاً لما أفرزته التسوية». ويوضح الصايغ: «ردة فعل برّي ليست رسالة فقط إلى باسيل، بل إلى أصحاب التسوية مجتمعين بمن فيهم حليفه (حزب الله) بعدما عمدوا إلى التفرّد بالسلطة والقرارات. وعبّر برّي عن هذا الواقع بصراحة بعد اتصال عون به، بالقول للصحافيين عند سؤاله عن مسألة فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي: هذه عند رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وليس بالضرورة أن تحصل بالتشاور معي... هما عادة لا يتشاوران معي في الأشياء التي هي من صلاحياتي، فكيف بالدورة التي هي من صلاحياتهما؟».
ولا ينفي الصايغ أن المستفيد الأكبر من مواجهة «برّي - باسيل» هو الأخير «الذي يحاول الظهور بأنه يواجه السلاح الشيعي، وهو أمر غير حقيقي». ويضيف: «عاش لبنان أزمة وطنية هي الثانية والأكبر من نوعها خلال عهد الرئيس عون، بعد أزمة استقالة الحريري والعودة عنها، وهذا يدل على هشاشة المعادلة السياسية التي أتت بالتسوية الرئاسية». ويرى نائب رئيس الكتائب أن سلوك باسيل في هذه الأزمة الممتدة من «التوقيع على مرسوم الضباط» هو «محاولة لتظهيره بأن هناك مشكلة كبيرة بين ما يسمى الفريق الشيعي والتيار الوطني الحر... وذلك لتقديم أوراق اعتماده إلى جهات غربية وإبعاد تهمة تغطية سلاح (حزب الله) عنه».
ولا تبتعد قراءة مصدر في «أمل» كثيراً عن رأي الصايغ، إذ اعتبر أن «ما حصل ليس قضية خطأ ارتكب، وكلام لا شكّ أنه كبير بحق رئيس مجلس النواب، ما يعكس نوعاً من الاستبداد والتسلط والهيمنة من شخص اعتاد منذ فترة على هذا السلوك... هذا لم ولن نقبل به بعد الآن، وسنكون له بالمواجهة على طاولة الحكومة التي لا نزال متمسكين باستمرارها».
في المقابل، ترى جهات في «التيار الوطني الحر» أن التسوية «ما زالت مستمرة بدليل حرص الجميع على بقاء الحكومة وإجراء الانتخابات»، داعية إلى انتظار نتائجها، خصوصاً فيما يتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة. مع الإشارة إلى أن المواجهة الأبرز في تلك المرحلة ستكون، وفق التقديرات، في حرص برّي على تكريس «التوقيع الشيعي» على المراسيم عبر التمسك بوزارة المال كي تكون من حصة الطائفة الشيعية.
المصدر في «أمل» يؤكد من جهته «أكثر من الخطأ والاعتذار نحن أمام نهج يعتمده فريق باسيل ومشروع لم يبن ولن يبني وطناً... بل يعود بنا إلى خطاب الحرب والطائفية، وهو ما لم نرض ولن نرضى به». ثم يتساءل: «هل المطلوب ضرب (اتفاق الطائف) والدستور؟ هناك من يريد أن يطبّق الدستور وهناك من يعمل لضربه، و(مرسوم الضباط) الذي تم القفز به فوق الدستور عبر تجاهل توقيع وزير المال خير دليل على هذا الأمر». ويستطرد: «من هنا معركتنا ستكون على طاولة الحكومة، وليس خارجها، في مواجهة كل الصفقات، السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعملون على تمريرها... ومن الآن فصاعداً سنكون لهم بالمرصاد». وكان برّي نفسه قد قال بعد المصالحة الشفهية: «في الحكومة نحن مستمرون والانتخابات حاصلة، ولكننا أيضاً مستمرون على مواقفنا من الملفات المعروفة، ومنها الكهرباء»، وهو ما سبق أن أكد عليه وزير المال علي حسن خليل بالقول: «الوضع لن يكون سهلاً والوضع السياسي ليس مريحاً... أما على الأرض فنحن طلبنا الخروج من الشارع».

تباين... أم توزيع أدوار؟
للمرة الأولى منذ بدء الخلافات بين «أمل» و«التيار الوطني الحرّ»، أخذ «حزب الله» موقفاً علنياً إلى جانب برّي، بعدما كان «عتب» الأخير على حليفه الشيعي قد وصل إلى مرحلة متقدمة. وفي هذه الأثناء، حاول الحريري المساواة بين الجانبين عبر استنكار كلام باسيل من جهة، ورفض اللجوء إلى الشارع من جهة أخرى.
عتب «أمل» على «حزب الله» لا ينفيه مصدر نيابي في كتلة «التنمية والتحرير» (كتلة «أمل») عندما يجيب على سؤال على رأيه بمدى صمود اتفاق «الحزب» و«التيار»، بالقول: «نحن موقفنا واضح ويجب توجيه السؤال لهم»، إلا أنه في الوقت عينه على مواقف الأطراف الأخرى.
وفي بيانه كان «حزب الله» رفض رفضاً قاطعاً الكلام الذي أساء إلى برّي شكلاً ومضموناً، معتبراً «أن هذه اللغة لا تبني دولة ولا تأتي بإصلاح، بل تخلق المزيد من الأزمات وتفرّق الصف وتمزّق الشمل وتأخذ البلد إلى مخاطر هو بغنى عنها». لكن استياء «حزب الله» من كلام حليفه المسيحي، ثم الانحياز إلى حليفه الشيعي، لا يعني سقوط «ورقة التفاهم» التي وقعها مع «التيار الوطني الحر» عام 2006، بحسب ما يؤكد الطرفان، ويرى فيه الوزير السابق سليم الصايغ أمراً صعباً.
ووفق مراقب مطلّع على موقف «الحزب،» فـ«إن حلفاء (الحزب) في (التيار الوطني الحر) يعرفون أن ما يربط (الحزب) و(أمل) تحالف وجودي، وهما جسدان بروح واحدة، وما يسيء للحركة لن يُقبل به ولا مجال للسكوت عنه». في حين يؤكد القيادي «العوني» الوزير السابق الدكتور ماريو عون أن «التحالف مع (الحزب) استراتيجي وصلب». وأردف «أما المواقف الأخيرة فتستوجب بعض الإيضاحات في الوقت المناسب»، مضيفاً: «موقف (الحزب) لم يكن موجّهاً ضد (التيار)، بل مؤيداً لشريكه الثاني (الشيعي)، وبالتالي، لم يكن هناك أي تجنٍ على (التيار)... وهو ما لن يؤثر على التفاهم الاستراتيجي بينهما».
الصايغ يذهب أبعد في هذه المجال فيقول: «ما يحصل لا يعدو كونه توزيع أدوار بين هذه الأفرقاء، و(حزب الله) لا يمكنه الخروج من اتفاقه مع (التيار)، والعكس صحيح، لأسباب عدة أهمها أن (الوطني الحر) يشكّل الغطاء المسيحي لسلاح (الحزب )من جهة ويستفيد منه باسيل، رئيس (التيار) من جهة أخرى عبر فرض سلطته على الدولة». ويضيف «كل ما يحصل اليوم ليس إلا شراء وقت للأزمة المفتوحة... بينما لا تزال المشكلة الأساس في الدولة وتركيبتها، والحل كان ولا يزال، إيجاد حل لسلاح (حزب الله) الذي يحكم لبنان واستكمال تطبيق اتفاق الطائف أو تعديل ما يجب تعديله».
وعلى خط الأفرقاء السياسيين الآخرين، بين حلفاء وخصوم الطرفين، كان موقف الزعيم الاشتراكي وليد جنبلاط، حليف برّي، والمتضرّر من التسوية الرئاسية وتداعياتها السياسية في السلطة، صريحاً إلى جانب برّي. وفي الاتجاه نفسه قال سليمان فرنجية القيادي في «تيار المردة»، وخصم باسيل، وحليف «الوطني الحر السابق» أن «الوطن يغلي و(العهد) يترنّح ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل يحصي الأصوات»، (في إشارة إلى الانتخابات النيابية).
بعكس جنبلاط وفرنجية، كان موقف «القوات اللبنانية» الذي صدر على لسان رئيسه الدكتور سمير جعجع بعد ردة فعل مناصري «أمل» في الشارع، والاعتداء على مركز «التيار»، ميالاً إلى باسيل، رغم «الاختلافات» بينهما. وقال ما معناه إنه بغض النظر عن رأي «القوات» أو تقييمها لما قاله وزير الخارجية، وبغض النظر عن علاقتها وتقديرها للرئيس برّي، لا يستطيع أن يقبل ما حصل في الشارع «لأنه انتهاك صريح لمنطق الدولة ووجودها».
في المقابل، كان حزب الكتائب المعارض، الذي اتّهم بتسريب فيديو باسيل، عبر مناصرة «كتائبية» كانت موجودة في لقاء قرية محمَرْش البترونية، واضحاً في استنكار كلام باسيل، لا سيما أن الحزب لم يسلم من اتهامات في الفيديو المسرّب لكلامه، ليعود بعدها ويستنكر كل ردود الفعل التي حصلت في الشارع، مؤكداً على أن «الكلمة يرد عليها بكلمة أو بالقضاء».



واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
TT

واشنطن ترسم بـ«القنابل» حدود التفاوض مع طهران

مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)
مروحيات "أباتشي" فوق مياه مضيق هرمز (آ ف ب/سنتكوم)

لم تعد المواجهة الأميركية - الإيرانية تدور عند هامش الهدنة، أو في منطقة الالتباس بين الحرب والتفاوض؛ فمع الضربات الجوية الأميركية، دخلت الأزمة طور «التفاوض تحت النار»؛ إذ نفّذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب تهديداته بعدما اتهم طهران بالمماطلة و«اللعب على الوقت»، وأمر بموجة ضربات على أهداف في جنوب إيران، شملت، بحسب مسؤولين أميركيين، منظومات دفاع جوي ورادارات ووحدات قيادة وسيطرة للطائرات المسيّرة. كذلك، لم تعد واشنطن تعرض القوة باعتبارها رداً محدوداً على إسقاط مروحية «أباتشي» أميركية قرب مضيق هرمز فحسب، بل كأداة ضغط لإجبار إيران على القبول باتفاق بشروط أميركية. وبهذا المعنى، انتقلت إدارة ترمب من الردع الدفاعي إلى «الدبلوماسية القسرية» المكشوفة. وتصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث، بأن واشنطن «ستفاوض بالقنابل إذا لزم الأمر»، أوضحت الهدف السياسي من الضربات. لكن المفارقة الخطرة أن استخدام القوة لتقصير طريق الاتفاق قد يدفع طهران إلى رد يوسّع الاشتباك، ويفتح الباب أمام حرب تقول واشنطن إنها لا تريدها.

بدأ التصعيد الأخير في «الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية» بردّ أميركي على إسقاط مروحية من نوع «أباتشي» في منطقة مضيق هرمز. وفي حينه بدت الضربات الأولى محسوبة: استهداف رادارات ومنظومات دفاعية ومواقع تحكّم، مع الحرص على تجنب سقوط قتلى إيرانيين يفرضون على طهران ردّاً أكبر. إلا أن موجة الأربعاء غيّرت المعنى السياسي والعسكري للعملية. ذلك أن الضربة الثانية لم تُقدَّم فقط بوصفها انتقاماً من حادث بعينه، بل كجزء من قرار أميركي بزيادة الكلفة على إيران كلما تأخرت في توقيع اتفاق.

أكبر من رسالة وأقل من حرب

هذا التدرّج يشرح حسابات ترمب، أي: ضربات كبيرة بما يكفي لإيصال رسالة، ومحدودة بما يكفي لتجنب حرب شاملة.

إنه يريد إثبات أن تهديداته ليست كلاماً انتخابياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام صفقة. غير أن المعادلة باتت أكثر هشاشة، بعدما تحوّلت التهديدات إلى ضربات مباشرة داخل أراضٍ إيرانية حساسة بجنوب البلاد وقرب مضيق هرمز.

فرزين نديمي، الباحث المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في إيران ومنطقة الخليج في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى»، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الطرفين يحاولان في هذه المرحلة «فرض إرادتيهما ووضع القواعد». وهنا لا يستبعد نديمي كلياً أن يكون اصطدام المسيّرة الإيرانية بالمروحية الأميركية حادثاً غير مقصود، لكنه يقرأ السلوك الإيراني في سياقه الأوسع، أي أنه محاولة لإظهار مَن يملك اليد العليا في المضيق، والتدخل في العمليات الأميركية، واختبار حدود الردع الأميركي. ولذا، في رأيه، جاء رد ترمب السريع على أهداف عسكرية داخل إيران لإفهام طهران أن العبث بحرية الحركة الأميركية في الخليج لن يبقى بلا ثمن.

في المقابل، تدرك واشنطن أن مقتل جنود أميركيين أو إصابة منشآت خليجية كبرى قد يخرج الأزمة من دائرة «الضغط من أجل الاتفاق» إلى دائرة الحرب. ولهذا فإن عبارة «الضرب من أجل التفاوض» لا تلغي خطر الانزلاق، بل تكشف عنه. فالقوة هنا محاولة لإعادة ترتيب الطاولة قبل الجلوس إليها، لكن الطرف الآخر قد يردّ على الطاولة نفسها بالقوة أيضاً.

ربط الساحات

في خلفية التصعيد، تواصل إيران العمل بمنطق «ربط الساحات». وهي اليوم لا تتعامل مع مضيق هرمز، والملف النووي، ولبنان، وإسرائيل، والقواعد الأميركية كملفات منفصلة، بل تحاول تحويلها إلى أوراق داخل مساومة واحدة مع واشنطن: فإذا ضُغط عليها نووياً، لوّحت بالملاحة؛ وإذا استُنزف «حزب الله» في لبنان، أمكنها التصعيد ضد إسرائيل أو في الخليج؛ وإذا طُلبت منها تنازلات قاسية، حضرت ورقة القواعد الأميركية والسفن ومنشآت النفط.

نديمي، بالتالي، يضع المسألة في إطارها السياسي الأوضح. فهو يقول إن النظام الإيراني يريد إدخال لبنان، أو على الأقل بيروت وضواحيها، في أي «صفقة» مع الولايات المتحدة، لكنه يستبعد قبول إسرائيل بذلك. وبحسب هذه القراءة، لا يقتصر «ربط الساحات» على تحريك حلفاء أو إطلاق صواريخ، بل يشمل أيضاً استخدام خطر اشتعال الجبهة الإيرانية - الإسرائيلية، وتهديد المضيق والقواعد الأميركية، من أجل منع إسرائيل من استكمال تقويض «حزب الله» في لبنان، ومنع الدولة اللبنانية من احتكار القرارين الأمني والعسكري.

لكن هذه الاستراتيجية تعكس القدرة على التعطيل أكثر مما تعكس قدرة على فرض تسوية مستقرة؛ فإيران تستطيع إرباك الملاحة، لكنها لا تتحمل إغلاقاً طويلاً للمضيق من دون رد عسكري واقتصادي واسع. وهي تستطيع أيضاً استخدام «حزب الله» كورقة ردع، لكنها لا تستطيع بسهولة إعادة بناء موقعه السابق بعد الحرب والضربات الإسرائيلية والضغط الأميركي. ثم إن تفوّق الولايات المتحدة وإسرائيل الجوي والاستخباراتي يجعل كلفة المواجهة المفتوحة باهظة.

لا تتعامل واشنطن مع هرمز والنووي ولبنان وإسرائيل والقواعد الأميركية كملفات منفصلة

مضيق هرمز: ورقة الضغط الأخطر

يبقى مضيق هرمز قلب الأزمة. فإسقاط المروحية الأميركية، والحديث عن مضايقة السفن، والضربات على الرادارات والدفاعات الجوية في الجنوب الإيراني، عناصر تؤكد أن الصراع على المضيق صار أحد مفاتيح التفاوض.

واشنطن تريد تثبيت أن المرور في هذا الشريان العالمي لن يخضع لإذن إيراني، وأن أي محاولة لفرض «رسوم سياسية» أو أمنية على الملاحة ستواجه بالقوة. أما إيران فتريد إثبات أن أي اتفاق يتجاهل قدرتها على التأثير في المضيق سيكون اتفاقاً ناقصاً.

وتنسجم هذه القراءة مع ما يقوله نديمي عن أن طهران لا تختبر فقط قدرة واشنطن على الرد، بل تختبر أيضاً مدى استعدادها لفرض قواعد اشتباك جديدة في الممر البحري الأكثر حساسية في العالم. وهي مع محاولة إظهار اليد العليا في المضيق لا تهدف فقط إلى إحراج الجيش الأميركي، بل إلى تثبيت فكرة أن أي تفاهم حول النووي أو العقوبات أو خفض التصعيد لا يمكن أن يتجاهل موقع إيران الجغرافي وقدرتها على تهديد خطوط الطاقة.

هذه النقطة تكتسب أهمية أكبر بعد كشف ترمب عن عمليات أميركية لمرافقة سفن تجارية عبر المضيق، وكلامه عن استمرار تدفق كميات كبيرة من النفط على الرغم من التهديدات الإيرانية. وحتى لو بالغ في تصوير العملية باعتبارها «سرية»، تظل الرسالة السياسية واضحة وهي واشنطن تريد كسر الانطباع بأن إيران تستطيع خنق السوق النفطية العالمية متى شاءت. فاضطراب التأمين والشحن يمنح طهران ورقة ضغط، بينما نجاح واشنطن في تأمين المرور يضعفها.

... لبنان داخل «الصفقة الكبرى»

وسط هذه المواجهة، لا يغيب لبنان عن الحسابات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية. فإيران تنظر إلى «حزب الله» باعتباره آخر أوراق نفوذها الكبرى في المشرق، وأي تسوية لا تحمي موقعه أو تمنع استكمال إضعافه ستُقرأ في طهران كهزيمة استراتيجية. لذا تحاول إيران، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إدخال لبنان في أي تفاهم مع واشنطن، أو على الأقل منع إسرائيل من استثمار اللحظة لإعادة رسم ميزان القوى جنوب لبنان.

في المقابل، لا تريد واشنطن أن تتحوّل المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية إلى رهينة إيرانية. ويشرح ديفيد شينكر، نائب وزير الخارجية الأميركي الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، أن إدارة ترمب تدرك مخاوف الحكومة اللبنانية من مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، لذلك تدفع بخطة تقلل احتمالات الصدام تتضمن نشر وحدات الجيش اللبناني في مناطق تكون إسرائيل قد أخلتها من عناصر الحزب ومخازنه، ثم تتولى منع عودة المقاتلين والسلاح إليها. ويضيف شينكر أن عودة السكان، وبالذات الشيعة، قد تمنح الحكومة رصيداً إذا نجحت في تأمين المناطق. لكنه يحذّر من أن «حزب الله» سيختبر الجيش ويحاول إعادة بناء حضوره، وأن الخطة ستفشل ما لم يتخذ الجيش خطوات فعلية لمنع ذلك.

هنا تدخل العقوبات الأميركية كأداة ضغط موازية للضغط العسكري في الخليج. وبحسب شينكر، فإن صدور عقوبات جديدة مسألة «شبه مضمونة»، وأن استهداف معاوني رئيس مجلس النواب نبيه برّي الأمنيين «كان رسالة بأنه نفسه سيحاسَب إذا عرقل المسارين السياسي والعسكري بين لبنان وإسرائيل». أما العقوبات على ضباط في الأمن العام واستخبارات الجيش، فهي في رأيه أهم؛ لأنها تستهدف نمطاً قديماً من التنسيق والتسريب والتعايش بين مؤسسات أمنية لبنانية و«حزب الله». وبالتالي، فالرسالة الأميركية ليست موجهة إلى الحزب وحده، بل أيضاً إلى بنية الدولة التي سمحت له بالبقاء داخل القرار الأمني.

عقدة «النووي» والصفقة الناقصة

في سياق متصل، في قلب التصعيد كله، تبقى المفاوضات النووية. فواشنطن لا تريد تهدئة عسكرية فقط، بل «اتفاقاً ذا معنى»، كما قال ترمب، يقيّد البرنامج النووي الإيراني لسنوات.

الملفات المطروحة معقدة: تعليق التخصيب، التعامل مع مخزون اليورانيوم المخصب، تعطيل أو تفكيك منشآت رئيسية، وقبول تفتيش مفاجئ. وهذه ليست تنازلات تقنية بسيطة، بل تمسّ ما تعدّه إيران سيادة وطنية ورمزاً لقدرتها على تحدي الضغوط الغربية.

لذلك، تبدو طهران مترددة. فهي تريد تخفيف العقوبات والإفراج عن الأموال المجمّدة والاعتراف بدورها الإقليمي، لكنها لا تريد الظهور كأنها وقّعت تحت القصف.

ثم إنها تخشى من أن يؤدي اتفاق نووي صارم إلى تقليص أوراق قوتها من دون ضمانات لبقاء نفوذها الإقليمي. لكن مغادرة الوفد القطري المفاوض للعاصمة طهران، مساء الأربعاء، من دون تحقيق أي خرق دبلوماسي، أكدت أن الفجوة لا تزال عميقة. وفي المقابل، يعتقد ترمب أن الوقت الذي منحته واشنطن لإيران استُهلك بلا نتيجة، وأن الضربات قد تكسر المراوحة وتدفع طهران إلى قرار سريع.

الدبلوماسي الأميركي المخضرم دينيس روس رأى في مقالة رأي أن لجوء ترمب لسياسات الضغط القصوى دفع القادة الإيرانيين إلى الشعور بأنه ليس لديهم ما يخسرونه، فاستخدموا أوراقاً قصوى كتعطيل الملاحة. لكن روس يشدد على أن الاقتصاد الإيراني بات على حافة الانهيار، وأن تدمير الرادارات والدفاعات الجوية وشبكات المياه - كما حدث في مقاطعة سيريك الإيرانية - يعمّق أزمات النظام الداخلية.

ويضيف روس أن «الخطر الأكبر ليس في انهيار المفاوضات فقط، بل في التوصل إلى صفقة ناقصة». فقد ينجح الطرفان في وقف الضربات وفتح المضيق وتجميد بعض عناصر البرنامج النووي، لكن من دون معالجة آليات التصعيد الأخرى، مثل: المضايقات البحرية، ونشاط «حزب الله» في لبنان، وحرية إسرائيل في تنفيذ ضربات ضد أهداف إيرانية أو حليفة لإيران. عندها لن تنتهي الحرب، بل سيعاد تنظيمها في اشتباكات محسوبة قابلة للانفجار في أي لحظة.

أيضاً فإن تخفيفاً اقتصادياً واسعاً وغير مشروط للعقوبات قد يمنح النظام الإيراني فرصة لإعادة ترميم قدراته وشبكاته الإقليمية، بينما قد يدفعه الضغط بلا أفق سياسي إلى تصعيد أوسع. لذلك تبدو واشنطن أمام توازن بالغ الدقة: أن تقدم لإيران مخرجاً لا يبدو إنقاذاً مجانياً، وأن تفرض قيوداً لا تجعل التوقيع مستحيلاً، وأن تردع من دون أن تنزلق إلى حرب لا تريدها.


أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

أربع قضايا نووية تركز عليها أميركا وإيران في المباحثات

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)
صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من حدة الاشتباكات الميدانية، فقد كشفت التقارير الدبلوماسية عن أن خلف الكواليس تستمر مفاوضات صاغ فيها مساعدو الرئيس ترمب مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الخطوط العريضة لاتفاق نووي محتمل مدته 15 سنة، يتجاوز مجرد تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز المغلق منذ ما يزيد على 100 يوم. وبحسب صحيفة الـ«نيويورك تايمز»، الخلاصات الأساسية لهذه المفاوضات المعقدة، تتمحور حول أربعة ملفات شائكة:

- مدة تعليق التخصيب: تطالب واشنطن بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً، في حين تصر طهران على 10 سنوات، مع وجود مؤشرات على إمكانية التسوية عند 15 عاماً.

- مصير المخزون المخصب: تسعى الولايات المتحدة بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لـ«تخفيف» كامل المخزون الإيراني البالغ 11 طناً (بما في ذلك الوقود القريب من درجة إنتاج الأسلحة)، وسط خلاف حول ما إذا كان التدمير سيجري محلياً أم بنقله خارج البلاد.

- تفكيك المنشآت الحصينة: تصرّ واشنطن على التفكيك التام لمواقع نطنز وفوردو وأصفهان، التي تضررت سابقاً في ضربات «مطرقة منتصف الليل»، بينما ترفض إيران التخلي عما تسميه «حق التخصيب» وتطالب بالإبقاء على منشأة واحدة مفتوحة.

- التفتيش الفجائي والصارم: يطالب الجانب الأميركي بمنح المفتشين الدوليين صلاحية الدخول «في أي وقت وإلى أي مكان»، وهو ما يواجه ممانعة إيرانية شديدة؛ نظراً لوجود العديد من المواقع المشتبه بها داخل القواعد العسكرية المغلقة التابعة لـ«الحرس الثوري».

وتُظهر الخلاصات أن أي اتفاق نووي مستقبلي - رغم أفضليته الفنية مقارنة باتفاق عام 2015 - سيبقى رهينة لمدى التزام النظام الإيراني على أرض الواقع، وقدرته على كبح جماح التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري»، الذي يرى في هذه الشروط استسلاماً كاملاً. وهو ما يفسر لجوء طهران لرفع وتيرة التصعيد العسكري كأداة لتحسين شروط التفاوض هرباً من تقديم تنازلات استراتيجية تمس جوهر بقاء النظام ونفوذه الإقليمي.


عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
TT

عمر أرتان... موهبة صومالية أفقدتها حسابات السياسة صافرة «المونديال»

في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم
في أبريل 2026 أصبح أرتان أول حكم كرة قدم صومالي يُسمى للتحكيم في نهائيات كأس العالم

في أحد أحياء العاصمة الصومالية مقديشو ووسط أجواء حرب أهلية، أبصر عمر أرتان النور يوم يونيو (حزيران) 1992، ليشق طريقه وسط ظروف قاسية نحو عالم كرة القدم. لم يكن نجماً يطارد الأهداف؛ بل كان حكماً حمل الصافرة ليصبح وجهاً صومالياً بارزاً في الملاعب الأفريقية. وبعد 34 سنة وبالشهر ذاته، يونيو 2026، كاد أرتان يولد من جديد ويدخل منصة الكبار عبر حلم «المونديال» بالمشاركة في نهائيات كأس العالم التي انطلقت الخميس، لولا «كارت أحمر» أصدرته واشنطن ضده في مطار ميامي الأميركي، بزعم «تطبيق قانون يمنع دخول جنسيات من بينها الصومال». وهكذا تحوّل عمر إلى «أيقونة عالمية»، وتصدّر اسمه النشرات الإخبارية وسط مواقف دعم من مختلف البلدان، واستقبلته بلاده استقبال الملوك في احتفال غير مسبوق، وتقدّم المستقبلين الرئيس حسن شيخ محمود.

في مسيرة الـ34 سنة، نجاحات عديدة خطّها عمر عبد القادر أرتان، الحاصل على بكالوريوس في التنمية. وفي دولة أنهكتها الحرب الأهلية، يواجه كثيرون تحدّيات جمة في رسم مستقبل ناجح، ولكن كان لأرتان رأي آخر تكشفه الأرقام؛ إذ سرعان ما حصل على الشارة الدولية في عام 2018، وأدرج رسمياً في قائمة حكام «الفيفا» (الاتحاد الدولي لكرة القدم) الدوليين بعد سنتين فقط من حصوله على فرصة التحكيم في دوري الدرجة الأولى الصومالي عام 2016، و4 سنوات من ولوجه تدريبات التحكيم الرياضي عام 2014، وبدء إدارة الدرجة الثالثة بالدوري الصومالي.

اعتماده حكماً دولياً

كانت أول مباراة تولّى أرتان تحكيمها خارج النطاق المحلي، بعد اعتماده حكماً دولياً، مباراة أجريت في كينيا بين فريقي ناديين من كينيا ومدغشقر. وبعدها شارك أرتان حكماً في دورة اتحاد شمال أفريقيا تحت 20 سنة في عام 2022، وفي كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة في عام 2023.

ثم، في يناير (كانون الثاني) 2024، أصبح أول صومالي يدير مباراة في كأس الأمم الأفريقية بكوت ديفوار، لدى إشرافه على لقاء تونس وناميبيا ضمن دور المجموعات، وقد وصفت وكالة الأنباء الصومالية (صونا) تلك المباراة يومذاك، بـ«المباراة الصعبة».

هذا السجل المشرّف لم يتوقف؛ إذ صار أرتان أول صومالي يحكم مباراة نهائي أفريقيا، حين أدار مباراة الإياب بين بيراميدز المصري وماميلودي صنداونز الجنوب أفريقي في القاهرة، وكانت تلك الخطوة المتفردة في شهر يونيو (حزيران) في عام 2025.

وفي يوليو (تموز) 2025، اختير الحكم الصومالي الموهوب ضمن قائمة «الفيفا» التي يدير حكامها مباريات كأس العالم للشباب تحت 20 سنة، التي نظمت في تشيلي. وبعدها، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، عرف أرتان نجاحاً جديداً وكبيراً عندما توّج بجائزة «أفضل حكم في أفريقيا» لعام 2025، خلال حفل جوائز الاتحاد الأفريقي لكرة القدم (الكاف) الذي استضافته العاصمة المغربية الرباط، وكان هذا الإنجاز وفق وكالة الأنباء الصومالية «الأكبر في تاريخ التحكيم الصومالي».

حكم أفريقيا البارز

جاء اختيار أرتان، في حينه، بعد منافسة قوية مع حكمين من جنوب أفريقيا وموريشيوس. وأعلنت لجنة الجوائز في «الكاف» فوزه تقديراً لأدائه الاستثنائي خلال العام الحالي، وإدارته عدداً من أهم المباريات القارية والدولية، وعلى رأسها نهائي دوري أبطال أفريقيا، ومباريات كأس العالم تحت 20 سنة التي تُوِّج بها المنتخب المغربي.

وحقاً، يُعدّ هذا التتويج محطة بارزة في مسيرة أرتان، الذي لمع اسمه خلال السنوات الأخيرة بفضل انضباطه، وحرفيته، وقراراته الدقيقة داخل الملعب، ما جعله - بحسب وكالة الأنباء الصومالية - واحداً من أبرز حكام القارة.

ومن ثم، دفع هذا التتويج رئيس الصومال، حسن شيخ محمود، للقاء أرتان والإشادة به، واعتبار نجاحه «إنجازاً تاريخياً يعكس صورة مشرقة للشباب الصومالي وقدرته على التنافس في الميادين الدولية». وأردف أنه «يمثل نموذجاً للإصرار والتميز... وفوزه يشرف الصومال وشعبها».

في مصاف «الكبار»... وصدمة مؤلمة

في أبريل (نيسان) 2026، دخل عمر أرتان مكانة الكبار في كرة القدم باختياره للمشاركة في نهائيات كأس العالم لكرة القدم، ليصبح بذلك أول حكم صومالي يبلغ هذا الإنجاز التاريخي في مسيرة الرياضة الوطنية. وهذه المحطة دفعت رئيس البلاد لتهنئته للمرة الثانية، واعتباره «نموذجاً مُلهماً ومصدر فخر للأجيال الصاعدة من الشباب الطامح إلى التميز».

غير أن فرحة مقديشو وعمر أرتان لم تدُم سوى شهرين؛ إذ صدمه قرار رسمي أميركي من واشنطن منعه في يونيو الحالي من دخول البلاد.

فلقد أوقف أرتان في مطار ميامي ومنع من دخول الولايات المتحدة، ونقلت وكالة «رويترز» الأربعاء، عن إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في بيان، أن مواطناً صومالياً، دون ذكر اسمه، وصل إلى مطار ميامي الدولي آتياً من إسطنبول يوم السبت الماضي، واعتُبر غير مسموح له بالدخول بسبب مخاوف تتعلق بالتحريات الأمنية. وجاء القرار بعد أشهر من فرض واشنطن حظراً شاملاً على سفر مواطني 12 دولة منها الصومال في عام 2025.

الاتحاد الدولي (الفيفا) أكد الاثنين الماضي، أن أرتان لن يتمكن من التدريب والتحكيم في نهائيات كأس العالم، التي انطلقت الخميس في كل من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. ولم يجد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تبريراً في مواجهة انتقاد رياضي بدأ يتزايد إلى أن يخرج الأربعاء، مدّعياً أن الولايات المتحدة منعت دخول الحكم الصومالي بسبب صلته بأفراد «يشتبه في انتمائهم إلى منظمات إرهابية»، من دون أن يقدم دليلاً على ذلك.

غير أن اتهام ترمب كان بلا صدى؛ إذ كان ضجيج الاحتفالات والتضامن مع الحكم الصومالي الأعلى أصداءً. وأفادت وكالة الأنباء الصومالية الأربعاء، بأن «أرتان وصل إلى العاصمة مقديشو وسط استقبال حافل في مطار آدم عبد الله الدولي، تقدمه وزراء ونواب في البرلمان الفيدرالي، وممثلون عن الاتحاد الوطني لكرة القدم، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين وشرائح المجتمع المدني المختلفة، بخلاف دعم دولي».

وبحسب الصورة التي نشرتها الوكالة، كانت ملامح وجه أرتان تشع بالفرحة وسط زحام كبير، عزّزته لغة صمود بدت في تصريحاته، وقال أثناء تلويح مئات الجماهير بعلم الصومال: «أعدكم، بمشيئة الله، أنني سأحضر البطولة التالية. أريد أن يطمئنّ الشعب الصومالي إلى هذا، وأن يظل واثقاً».

أما «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) فنقلت عن أرتان قوله: «على الرغم من الظروف التي أمرّ بها، فإنني في مزاج إيجابي وأركّز على التحدّيات المقبلة في مسيرتي التحكيمية». وتابع: «أود أن أشكر عائلة كرة القدم على رسائلها، وأتمنى لزملائي كل التوفيق والنجاح خلال كأس العالم، وأتطلع إلى الانضمام إليهم مجدّداً في مسابقات مستقبلية».

تعليقات صومالية

سعاد جالو، الرئيسة بالإنابة للجنة الأولمبية الوطنية الصومالية، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقة، إنها «حزينة لما يحدث... وإذا كانت هناك اعتبارات أمنية، فلماذا مُنحت له التأشيرة أصلاً؟»، قبل أن تجيب: «عندما تغيب الشفافية عن الإجراءات، تتراجع الثقة في النظام بأكمله وتمسّ مصداقية (الفيفا)، وتتناقض مع الإرث الطويل من الانفتاح والاستضافة للولايات المتحدة».

أما المحلل السياسي الصومالي حسن نور، فقد اعتبر أن «الصومال ربح أكثر من مرة من هذا الحكم الصومالي المتميز»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أن أرتان «رمز رياضي كبير استطاع أن يجمع الشعب الصومالي حكومة ومعارضة عليه، رغم خلافاتهما التي تجاوزت أكثر من سنة، والجميع توحّد خلف دعمه، في موقف غير مسبوق».

من جهة أخرى، رأى نور أن كأس العالم خسرت حكماً متميزاً، «وعرف العالم أن الصومال يضم نجوماً كباراً، فضلاً عن الاحتفاء الواسع والتضامن الكبير الذي لاقاه أرتان عقب عودته إلى بلاده، بخلاف دعم غير منقطع النظير من السلطات الحكومية».

بدوره، أعرب الاتحاد الصومالي لكرة القدم في بيان، عن «حزنه إزاء ما حدث»، واصفاً تعيين أرتان لإدارة مباريات كأس العالم بأنه إنجاز تاريخي للبلاد نتج عن سنوات من التفاني والمهنية والنزاهة. وتابع أنه «رغم أن نهائيات كأس العالم انطلقت الخميس بمشاركة 48 منتخباً، بحثاً عن تتويج وفوز عالمي يوم الختام 19 يوليو، فإن الحكم الصومالي المبعد عمر أرتان كان أول الفائزين باحتفاء عالمي غير مسبوق، كان ربما لا يصل إليه حال استمر بالبطولة، وكأنه ينطبق عليه عبارة (من رحم المعاناة يولد الأمل)».

على الصعيد الرسمي

أما على الصعيد الرسمي، فقد أعربت وزارة الخارجية الصومالية في بيان الأربعاء، عن أسفها الشديد إزاء قرار السلطات الأميركية منع دخول الحكم الدولي الصومالي، مشددة على أن أرتان «أحد أبرز الرموز الرياضية في الصومال، ومصدر فخر واعتزاز وطني لإسهاماته الكبيرة وإنجازاته التي ألهمت الشباب الصومالي».وقالت الوزارة إن الحكومة الفيدرالية بذلت جهوداً دبلوماسية مكثفة مع الجهات المعنية لتسهيل سفر أرتان، إلا أن تلك المساعي لم تفضِ إلى النتيجة المرجوة. وبالتالي، عاد الحكم إلى مقديشو وسيواصل أداء مهامه ومسؤولياته الوطنية والقارية بالمستوى نفسه من التفاني والمهنية العالية التي عُرف بها طوال مسيرته الرياضية. ووجّهت «الخارجية» الصومالية خالص شكرها وتقديرها لجميع الدول الشقيقة، والأفراد، والهيئات والمؤسسات الرياضية التي عبّرت عن تضامنها ودعمها خلال هذه الفترة. وشدد البيان على أن «الخارجية» ستواصل اتصالاتها مع الشركاء المعنيين للحصول على إيضاحات إضافية بشأن هذه المسألة، مؤكدةً التزامها الثابت بصون كرامة مواطنيها وحماية حقوقهم في الخارج.