مركزية الشخوص... شعرياً

مركزية الشخوص... شعرياً

عاطف عبد العزيز يستدعي المأساة السورية في «برهان على لا شيء»
الأربعاء - 14 جمادى الأولى 1439 هـ - 31 يناير 2018 مـ رقم العدد [14309]
غلاف المجموعة
جمال القصاص
عن الذكريات والأزمنة والأمكنة، وخطى البشر في ظلالها، يدور ديوان «برهان على لا شيء» للشاعر عاطف عبد العزيز، مشكلاً مجموعة من الرسائل الشعرية الشيقة، تحاول أن تستعيد لحظات حميمة من زمن انقضى، وشخوصاً كان لهم حضور خاص في فضاء الذات الشاعرة.
يستعيد الديوان تلك المناخات القصية، وكأنها برهان على كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. هي كل شيء بمنطق لحظتها الماضوية وامتلاء الذات بها آنذاك، وهي لا شيء، حين أصبحت مجرد صدى لذكريات وأحلام يلاحقها النص فوق أسوار الذاكرة والنسيان، متصيداً عقدها وروائحها وغبارها من سقف التفاصيل ونثريات الحياة بإيقاعها الرتيب.
تتجسد مركزية الشخوص شعرياً في قدرتها على التخطي وإثارة الأسئلة ومحاولة خلق شكل من الوعي المشترك بينها وبين الذات الشاعرة؛ وفي إطار رؤية شعرية مسكونة بهاجس الذهاب إلى الماضي القريب والبعيد، واستحضار تلك الشخوص بملامح إدراك ومعرفة جديدتين، لتقفز فوق سطح المشهد، في فضاء مغاير، يصنعه النص الشعري.
يبدو هذا الهم مركزياً، منذ الصفحة الأولى للديوان حيث يهديه الشاعر إلى 26 من المبدعين والمبدعات السوريين، بعضهم له حضور خاص في النصوص، عبر مؤشرات رمزية ذات دلالة محددة، تعكس حنواً وتعاطفاً إنسانياً مع المأساة السورية، يصل إلى ذروته بتمني الشاعر نفسه انحرافاً دالاً في كينونته الخاصة، كما يقول في نص بعنوان «التعارف على حبال الرائحة - في أهمية المنافي»، موجهاً خطابه الشعري إلى صحافية سورية:
«ربما فاتني أن أكون سورياً مشرَّداً
صحيح، كيف لشاعر جاد في مزاعمه ألا يكون سورياً؟!»
لا يترك الشاعر سؤاله مفتوحاً في مهب الريح والزمن، بل يلجأ إلى تسييجه لغوياً بعلامتي استفهام وتعجب، ليقفل دائرة التمني، كرغبة ومجاز سردي عابر، لكنه بعد قليل، وفي الأسطر التالية من النص نفسه، وعبر غلالة ضمير الغائب الشفيفة يشد هذه الرغبة إلى حافة أبعد من كل هذا لتشكل موازاة لمخاطرة الشعر والحياة في الدائرة نفسها، متابعاً على هذا النحو:
أمرٌ كهذا، يلقي ظلالاً داكنة، حول جدارته بالبقاء عضواً
في لوحة العشاء الأخير.
أمر كهذا كفيل بحرمانه من إدراك الحقيقة على حقيقتها،
ومن تذوق خامة القهر صافية قبل خلطها بالكلام.
بل كفيل، بحرمانه من شفرة التعارف على حبال الرائحة.
...
أي رائحة يمكن أن يفك حبال شفرتها، لينفتح جسداً وروحاً على رجاءات محتملة ورغبات مؤجلة، ويصبح عضواً في لوحة دافنشي وعشائه الأخير؛ إنه إذن رهان اللحظة المخاتلة، اللحظة الهاربة في نافذة الذكريات، التي يحاول أن يؤسس من خلالها ملامح لهذا الوعي المشترك بين الذات وبين الشخوص من ناحية، وبينها وبين النص من ناحية أخرى، فالماضي يتشكل بقوة الذاكرة والحلم معاً، ويستمد قابليته للامتداد في الزمان والمكان، بتحييد الحاضر الراهن، وجعله نقطة قابعة في زوايا المشهد والصورة، مجردَ حامل لرسائلَ عابرة تعلق بها أحيانا إشارات سياسية واجتماعية وعاطفية مشوشة ومرتبكة، وربما لم تصل بعد، بينما تتصدر الشخوص الحكاية برمتها، مستغرقة بوقائعها وأزمنتها المباشرة والقصية الصورة والمشهد معاً. لكن، مع ذلك تظل الذات مشغولة بزمن آخر، بلحظة استرخاء استثنائية تصغي فيها لنفسها، وسط مظاهر الوجود الضاج بالقلق والتوتر والنسيان، تكمن هذه اللحظة الاستثنائية في المصادفة الرخوة، التي يصفها الشاعر في نص «قمر عل البراري - مملكة الصمت» ص 96 قائلاً:
«المصادفة وحدها
هي ما أعانني على إدراك حقيقتي
فنجوت قبل فوت الأوان
المصادفة وحدها علمتني
أن ضعفي مكمن قوتي
وأن النقيض لا يحدِّده إلا نقيض».
إذن، يذهب الشاعر إلى الماضي بقوة الذكريات، وبولع خاص يشبه النوستالجيا للأماكن والأشياء القديمة، باحثاً عن شخوصه المجروحة بالحنان، وهي شخوص مترامية هنا وهناك، بعضها أحبه من باب المعرفة والفن، وبعضها عايشه، تقاسم معه حبة الملح والعرق، وجغرافيا المكان، وحرقة الإبداع.
في باب المحبة بالمعرفة والفن تلعب الاستعارة دوراً مهماً في استدعاء الشخصية من عباءة الماضي. هنا تبرز فكرة لافتة، يحلو لي أن أسميها «مقابلة النظائر»، تصعد شعرياً حين تتحول إلى مناظرة بين وعي النص، ووعي الأشياء والعناصر في العالم الخارجي، لكن قوتها الإيحائية تخفت كثيراً، حين يحمل النص انحيازاً ما، يسربه الشاعر في ظلال الصورة الشعرية، مثال ذلك النص الأول في الديوان «لبلابة على وشك السقوط - الوجه الآخر لمنتصف الليل»، الذي يستهله الشاعر بسؤال مفتوح على براح الطفولة قائلاً: «أين تذهب الأيام يا أمي»، هذا السؤال الغض، سرعان ما يتحول إلى قناع للآيدلوجيا، في غباره يتم الحكم بين وجهين متناظرين يشكلان محور إيقاع النص، وكلاهما له ثقافته وبيئته الخاصة، هما المغني الأميركي ملك الروك ألفيس بريسلي، والمطرب المصري العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الأول يتحول إلى متحف، والثاني إلى وسادة، لينتهي النص هكذا:
«(روك آند رول) يا حليم
ثم (روك آند رول).
بريسلي الآن متحف
حليم... الآن وسادة».
على العكس من ذلك، وعلى وتر الآلية نفسها (مقابلة النظائر) تطالعنا مساحة فارقة من الألفة والحميمية، في نص «الشهيق - إلى سيد الوكيل»، الكاتب المصري صديق الشاعر، حيث يلعب النص على الدمج بين الخاص والعام، بين الخيال والواقع، لافتاً إلى أن ثمة هواءً قديماً غادر الرئتين ورحل، وثمة هواء آخر يصلح لإنعاش المشهد... فــ «نادية نبيل سند لم تعد (نُنس) يا سيد، ولن تنفعك في محنتك تلك سانت تريز. العروس البيضاء التي تحتفظ بابتسامتها منذ قرون في صندوق من الزجاج، ربما ذلك لأن الأيام تبدلت ومرت - كما يقال - تحت الجسور مياه كثيرة، أو لأن الله لم يحفظ لنا أسماءنا، إلا بقدر ما نُحصن سرائرنا من الضغائن».
يخفف النص من حدة لطشة اليقين النافية في البداية، وذلك بطرح بديل آخر لـ«نُنس» تميمة العشق، حيث توجه الذات خطابها في شكل مواساة مبطنة بالحنين إلى الشخصية المستدعاة، وبحسب ما يقول النص: «كانت الأيام حرباً: طالت الطوابير، وشحت الأقوات، وتقاطرت في الشوارع لحي وجلابيب بيضاء، أما الناصرية، فبدت يومها مثل مركب نوح، بعد أن غاض عنها الطوفان، مهجورة ومقلوبة على جنبها، غير أن الله لطف بنا في الوقت المناسب يا صديقي، ورزقنا - كما تعرف - بميرفت أمين».
لا يخلو هذه الخطاب من إشارات سياسية واجتماعية إلى الواقع، لكنها لا تضمر موقفاً آيدلوجياً ما، بل تشير بشكل شفيف إلى لعبة المتناقضات التي تخلفها رموز الحالة، وكأنها مجرد تحصيل حاصل لما يجري على سطح المشهد، ما يحمل ضمنياً إدانة لواقع خامل اشتبه وتساوى فيه المع والضد، وهو ما يطالعنا أيضاً في نص «دليل الحائر إلى تبديل المصائر» الذي يستدعي مشهد فض اعتصام رابعة العدوية الشهير، فثمة ذات حائرة بين الرفض والقبول للمشهد، لا تجد خلاصاً من حيرتها إلا في عباءة التاريخ «أما أنا الساكت الذي ظل يعبد على حرف، فلم يكن لي غير أن ألوذ بـ«إذا الليل أضناني... بسطت يد الهوى».
إنه الماضي حجر هذا الديوان بامتياز، الذي يصفه الشاعر متسائلاً «لكن ماذا جرى حين نط الماضي في الوجوه»، يتجسد شاخصاً هنا في عنوان النص المسجوع، وفي اللواذ بمرثية أبي فراس الحمداني، ما يجعلنا أمام لعب شعري لا يخلو من مخاطرة المؤشرات الرمزية والأيقونية ذات الدلالة المحددة، التي أحياناً تستغرق في النثرية على حساب التكثيف والاختزال، وأحياناً أخرى تتداعى الشخوص كنوع من التظليل للمشهد في النص، مثل الإشارة إلى نادية لطفي وعبد الحليم حافظ (ص44) في فيلم «الخطايا»، التي تخفت دلالتها في مقابل رمزية «الريشة التي تتطوح على بلاط الشرفة»، حاملة في ثناياها دلالة مفتوحة بالتحليق إلى الأعلى، ومحاولة التخلص من ربكة ما يدور على سطح الأرض.
ينعكس كل هذا على عالم اللغة في الديوان، فنحن أمام لغة هادئة، مستقرة، تتحاشى الصخب البلاغي، تميل أحياناً إلى تكرار المفردات لتثبيت المشهد، أو الشك والتلميح بفقدان الثقة فيه، مثل «في شتاء حلب، الذي هو شتاء حلب» و«ثقب ضئيل نعم... هو ثقب ضئيل» وغيرهما. هي إذن لغة مشغولة بالتواؤم بين أقصى مساحات التجريد والتجسيد، تسعى إلى علاقات مريحة للعين، حتى لو بدت في أحيان كثيرة تقف على الحافة. كما أنها لغة الشاعر المسكونة بهاجس الحكاية، كمفتاح أساس للقبض على حدوسات شتى للمعرفة الإنسانية، بتجلياتها الظاهرة والمستترة في الشعر والطبيعة والواقع والحياة.
Art

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة