مركزية الشخوص... شعرياً

عاطف عبد العزيز يستدعي المأساة السورية في «برهان على لا شيء»

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة
TT

مركزية الشخوص... شعرياً

غلاف المجموعة
غلاف المجموعة

عن الذكريات والأزمنة والأمكنة، وخطى البشر في ظلالها، يدور ديوان «برهان على لا شيء» للشاعر عاطف عبد العزيز، مشكلاً مجموعة من الرسائل الشعرية الشيقة، تحاول أن تستعيد لحظات حميمة من زمن انقضى، وشخوصاً كان لهم حضور خاص في فضاء الذات الشاعرة.
يستعيد الديوان تلك المناخات القصية، وكأنها برهان على كل شيء ولا شيء في الوقت نفسه. هي كل شيء بمنطق لحظتها الماضوية وامتلاء الذات بها آنذاك، وهي لا شيء، حين أصبحت مجرد صدى لذكريات وأحلام يلاحقها النص فوق أسوار الذاكرة والنسيان، متصيداً عقدها وروائحها وغبارها من سقف التفاصيل ونثريات الحياة بإيقاعها الرتيب.
تتجسد مركزية الشخوص شعرياً في قدرتها على التخطي وإثارة الأسئلة ومحاولة خلق شكل من الوعي المشترك بينها وبين الذات الشاعرة؛ وفي إطار رؤية شعرية مسكونة بهاجس الذهاب إلى الماضي القريب والبعيد، واستحضار تلك الشخوص بملامح إدراك ومعرفة جديدتين، لتقفز فوق سطح المشهد، في فضاء مغاير، يصنعه النص الشعري.
يبدو هذا الهم مركزياً، منذ الصفحة الأولى للديوان حيث يهديه الشاعر إلى 26 من المبدعين والمبدعات السوريين، بعضهم له حضور خاص في النصوص، عبر مؤشرات رمزية ذات دلالة محددة، تعكس حنواً وتعاطفاً إنسانياً مع المأساة السورية، يصل إلى ذروته بتمني الشاعر نفسه انحرافاً دالاً في كينونته الخاصة، كما يقول في نص بعنوان «التعارف على حبال الرائحة - في أهمية المنافي»، موجهاً خطابه الشعري إلى صحافية سورية:
«ربما فاتني أن أكون سورياً مشرَّداً
صحيح، كيف لشاعر جاد في مزاعمه ألا يكون سورياً؟!»
لا يترك الشاعر سؤاله مفتوحاً في مهب الريح والزمن، بل يلجأ إلى تسييجه لغوياً بعلامتي استفهام وتعجب، ليقفل دائرة التمني، كرغبة ومجاز سردي عابر، لكنه بعد قليل، وفي الأسطر التالية من النص نفسه، وعبر غلالة ضمير الغائب الشفيفة يشد هذه الرغبة إلى حافة أبعد من كل هذا لتشكل موازاة لمخاطرة الشعر والحياة في الدائرة نفسها، متابعاً على هذا النحو:
أمرٌ كهذا، يلقي ظلالاً داكنة، حول جدارته بالبقاء عضواً
في لوحة العشاء الأخير.
أمر كهذا كفيل بحرمانه من إدراك الحقيقة على حقيقتها،
ومن تذوق خامة القهر صافية قبل خلطها بالكلام.
بل كفيل، بحرمانه من شفرة التعارف على حبال الرائحة.
...
أي رائحة يمكن أن يفك حبال شفرتها، لينفتح جسداً وروحاً على رجاءات محتملة ورغبات مؤجلة، ويصبح عضواً في لوحة دافنشي وعشائه الأخير؛ إنه إذن رهان اللحظة المخاتلة، اللحظة الهاربة في نافذة الذكريات، التي يحاول أن يؤسس من خلالها ملامح لهذا الوعي المشترك بين الذات وبين الشخوص من ناحية، وبينها وبين النص من ناحية أخرى، فالماضي يتشكل بقوة الذاكرة والحلم معاً، ويستمد قابليته للامتداد في الزمان والمكان، بتحييد الحاضر الراهن، وجعله نقطة قابعة في زوايا المشهد والصورة، مجردَ حامل لرسائلَ عابرة تعلق بها أحيانا إشارات سياسية واجتماعية وعاطفية مشوشة ومرتبكة، وربما لم تصل بعد، بينما تتصدر الشخوص الحكاية برمتها، مستغرقة بوقائعها وأزمنتها المباشرة والقصية الصورة والمشهد معاً. لكن، مع ذلك تظل الذات مشغولة بزمن آخر، بلحظة استرخاء استثنائية تصغي فيها لنفسها، وسط مظاهر الوجود الضاج بالقلق والتوتر والنسيان، تكمن هذه اللحظة الاستثنائية في المصادفة الرخوة، التي يصفها الشاعر في نص «قمر عل البراري - مملكة الصمت» ص 96 قائلاً:
«المصادفة وحدها
هي ما أعانني على إدراك حقيقتي
فنجوت قبل فوت الأوان
المصادفة وحدها علمتني
أن ضعفي مكمن قوتي
وأن النقيض لا يحدِّده إلا نقيض».
إذن، يذهب الشاعر إلى الماضي بقوة الذكريات، وبولع خاص يشبه النوستالجيا للأماكن والأشياء القديمة، باحثاً عن شخوصه المجروحة بالحنان، وهي شخوص مترامية هنا وهناك، بعضها أحبه من باب المعرفة والفن، وبعضها عايشه، تقاسم معه حبة الملح والعرق، وجغرافيا المكان، وحرقة الإبداع.
في باب المحبة بالمعرفة والفن تلعب الاستعارة دوراً مهماً في استدعاء الشخصية من عباءة الماضي. هنا تبرز فكرة لافتة، يحلو لي أن أسميها «مقابلة النظائر»، تصعد شعرياً حين تتحول إلى مناظرة بين وعي النص، ووعي الأشياء والعناصر في العالم الخارجي، لكن قوتها الإيحائية تخفت كثيراً، حين يحمل النص انحيازاً ما، يسربه الشاعر في ظلال الصورة الشعرية، مثال ذلك النص الأول في الديوان «لبلابة على وشك السقوط - الوجه الآخر لمنتصف الليل»، الذي يستهله الشاعر بسؤال مفتوح على براح الطفولة قائلاً: «أين تذهب الأيام يا أمي»، هذا السؤال الغض، سرعان ما يتحول إلى قناع للآيدلوجيا، في غباره يتم الحكم بين وجهين متناظرين يشكلان محور إيقاع النص، وكلاهما له ثقافته وبيئته الخاصة، هما المغني الأميركي ملك الروك ألفيس بريسلي، والمطرب المصري العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، الأول يتحول إلى متحف، والثاني إلى وسادة، لينتهي النص هكذا:
«(روك آند رول) يا حليم
ثم (روك آند رول).
بريسلي الآن متحف
حليم... الآن وسادة».
على العكس من ذلك، وعلى وتر الآلية نفسها (مقابلة النظائر) تطالعنا مساحة فارقة من الألفة والحميمية، في نص «الشهيق - إلى سيد الوكيل»، الكاتب المصري صديق الشاعر، حيث يلعب النص على الدمج بين الخاص والعام، بين الخيال والواقع، لافتاً إلى أن ثمة هواءً قديماً غادر الرئتين ورحل، وثمة هواء آخر يصلح لإنعاش المشهد... فــ «نادية نبيل سند لم تعد (نُنس) يا سيد، ولن تنفعك في محنتك تلك سانت تريز. العروس البيضاء التي تحتفظ بابتسامتها منذ قرون في صندوق من الزجاج، ربما ذلك لأن الأيام تبدلت ومرت - كما يقال - تحت الجسور مياه كثيرة، أو لأن الله لم يحفظ لنا أسماءنا، إلا بقدر ما نُحصن سرائرنا من الضغائن».
يخفف النص من حدة لطشة اليقين النافية في البداية، وذلك بطرح بديل آخر لـ«نُنس» تميمة العشق، حيث توجه الذات خطابها في شكل مواساة مبطنة بالحنين إلى الشخصية المستدعاة، وبحسب ما يقول النص: «كانت الأيام حرباً: طالت الطوابير، وشحت الأقوات، وتقاطرت في الشوارع لحي وجلابيب بيضاء، أما الناصرية، فبدت يومها مثل مركب نوح، بعد أن غاض عنها الطوفان، مهجورة ومقلوبة على جنبها، غير أن الله لطف بنا في الوقت المناسب يا صديقي، ورزقنا - كما تعرف - بميرفت أمين».
لا يخلو هذه الخطاب من إشارات سياسية واجتماعية إلى الواقع، لكنها لا تضمر موقفاً آيدلوجياً ما، بل تشير بشكل شفيف إلى لعبة المتناقضات التي تخلفها رموز الحالة، وكأنها مجرد تحصيل حاصل لما يجري على سطح المشهد، ما يحمل ضمنياً إدانة لواقع خامل اشتبه وتساوى فيه المع والضد، وهو ما يطالعنا أيضاً في نص «دليل الحائر إلى تبديل المصائر» الذي يستدعي مشهد فض اعتصام رابعة العدوية الشهير، فثمة ذات حائرة بين الرفض والقبول للمشهد، لا تجد خلاصاً من حيرتها إلا في عباءة التاريخ «أما أنا الساكت الذي ظل يعبد على حرف، فلم يكن لي غير أن ألوذ بـ«إذا الليل أضناني... بسطت يد الهوى».
إنه الماضي حجر هذا الديوان بامتياز، الذي يصفه الشاعر متسائلاً «لكن ماذا جرى حين نط الماضي في الوجوه»، يتجسد شاخصاً هنا في عنوان النص المسجوع، وفي اللواذ بمرثية أبي فراس الحمداني، ما يجعلنا أمام لعب شعري لا يخلو من مخاطرة المؤشرات الرمزية والأيقونية ذات الدلالة المحددة، التي أحياناً تستغرق في النثرية على حساب التكثيف والاختزال، وأحياناً أخرى تتداعى الشخوص كنوع من التظليل للمشهد في النص، مثل الإشارة إلى نادية لطفي وعبد الحليم حافظ (ص44) في فيلم «الخطايا»، التي تخفت دلالتها في مقابل رمزية «الريشة التي تتطوح على بلاط الشرفة»، حاملة في ثناياها دلالة مفتوحة بالتحليق إلى الأعلى، ومحاولة التخلص من ربكة ما يدور على سطح الأرض.
ينعكس كل هذا على عالم اللغة في الديوان، فنحن أمام لغة هادئة، مستقرة، تتحاشى الصخب البلاغي، تميل أحياناً إلى تكرار المفردات لتثبيت المشهد، أو الشك والتلميح بفقدان الثقة فيه، مثل «في شتاء حلب، الذي هو شتاء حلب» و«ثقب ضئيل نعم... هو ثقب ضئيل» وغيرهما. هي إذن لغة مشغولة بالتواؤم بين أقصى مساحات التجريد والتجسيد، تسعى إلى علاقات مريحة للعين، حتى لو بدت في أحيان كثيرة تقف على الحافة. كما أنها لغة الشاعر المسكونة بهاجس الحكاية، كمفتاح أساس للقبض على حدوسات شتى للمعرفة الإنسانية، بتجلياتها الظاهرة والمستترة في الشعر والطبيعة والواقع والحياة.



احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
TT

احتفاء بعودة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة

عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)
عبلة كامل وياسمين عبد العزيز ومنة شلبي في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

احتفى الجمهور المصري بعودة الفنانة عبلة كامل للأضواء بعد عزلة طويلة، ابتعدت خلالها عن الظهور الفني والإعلامي، حيث شاركت الفنانة المصرية في إعلان ترويجي رمضاني لإحدى شركات الاتصالات بمصر، وتصدر اسمها «التريند» على موقع «غوغل» الخميس، عقب نشر الإعلان على حسابات الشركة الرسمية، وعرضه على عدد من القنوات التلفزيونية.

وشارك مع عبلة كامل في الإعلان الرمضاني «يا واحشني»، الذي حقق نسبة مشاهدة عالية على المنصات «السوشيالية» المختلفة، عدد كبير من الفنانين من بينهم، منة شلبي، وياسمين عبد العزيز، ومحمد منير، محمد ممدوح، وأمير عيد، ومصطفى غريب.

وأشاد الناس في تعليقات ومشاركات بمواقع التواصل الاجتماعي بالإعلان ونجومه، وظهور عبلة كامل بالإطلالة التي اعتادوا عليها بأعمالها الفنية، وحرصها على عدم استخدام مستحضرات التجميل بشكل مبالغ فيه، كما وصفوا اللقطات التي جمعتها بالفنانتين ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي، بأنها كانت مليئة بالحب والحنان والأمومة.

وأثار الإعلان ردود فعل إيجابية رحبت بعودة عبلة كامل للساحة بعد غياب لسنوات، كما استعاد البعض مشاهد من أعمال فنية شهدت على مشاركة ياسمين عبد العزيز ومنة شلبي مع عبلة كامل في بدايتهن الفنية، حيث جمع مسلسل «امرأة من زمن الحب»، بينها وبين ياسمين عبد العزيز قبل 28 عاماً، فيما جمعها مسلسل «أين قلبي»، مع منة شلبي قبل 24 عاماً.

واحتفى أيضاً عدد من الفنانين والإعلاميين في مصر بعودة عبلة كامل، وذلك عبر حساباتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم ريهام عبد الغفور، وحسن الرداد، ورامي رضوان، وفاء عامر، وغيرهم.

وكسرت عبلة كامل ابتعادها التام عن الأضواء برسالة صوتية تمت إذاعتها عبر برنامج الإعلامية لميس الحديدي قبل أكثر من شهرين، وقدمت الشكر للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقب قراره بعلاج كبار الفنانين على نفقة الدولة، واصفة القرار بأنه «لفتة كريمة وحنونة».

وأعلنت عبلة كامل حينها، عن خضوعها لعمليات جراحية على نفقتها الخاصة، كما عاتبت من انتقدوا قرار علاجها على نفقة الدولة.

وعن رأيه في الاحتفاء الجماهيري بعودة عبلة كامل للأضواء بعد غياب طويل، أكد الكاتب والناقد الفني المصري أحمد النجار، «أن الناس تنتظر ظهور عبلة كامل بفارغ الصبر منذ ابتعادها عن الساحة الفنية، وخصوصاً بعد تأكيدها أخيراً مرورها بأزمة صحية».

قريبة من الجمهور

وأضاف النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن عبلة كامل فنانة قريبة من الناس لذلك فأي ظهور أو خبر عنها يخطف اهتمامهم، مؤكداً أن «الإعلان الترويجي الذي ظهرت فيه وبرغم تكرار فكرته هو الأهم والأضخم والأبرز في موسم رمضان، بل وفي تاريخ الإعلانات المصرية».

وأشاد النجار بفكرة اجتماع عدد كبير من النجوم من أجيال مختلفة بالإعلان، مؤكداً أن «تحقيق الإعلان لمشاهدات مليونية خلال ساعات أمر لم يحدث في أي مصنف فني، وأن وجود عبلة كامل هو السبب في هذا النجاح البارز».

عبلة كامل في لقطة من الإعلان الرمضاني (يوتيوب)

وبرغم تصدر الإعلان، ورغبة الناس في عودة عبلة كامل للتمثيل، فإن الناقد الفني يستبعد عودتها للفن بعد ظهورها لثوانٍ معدودة وهي جالسة ولم تتحرك مطلقاً، موضحاً أن «التمثيل يحتاج لمجهود، ومن الصعب الاستمرار إذا كانت حالتها الصحية لا تسمح».

بدأت عبلة كامل مسيرتها الفنية في ثمانينات القرن الماضي، وقدمت شخصيات فنية بارزة تنوعت بين الاجتماعي والكوميدي، من بينها مسلسلات «ليالي الحلمية»، و«ضمير أبلة حكمت»، و«المال والبنون»، و«أبناء ولكن»، و«لن أعيش في جلباب أبي»، و«هوانم جاردن سيتي»، و«امرأة من زمن الحب»، و«حديث الصباح والمساء»، و«أين قلبي»، و«عيش أيامك»، و«ريا وسكينة»، و«العندليب».

وشاركت في أفلام، «سيداتي آنساتي»، و«الستات»، و«مرسيدس»، و«سواق الهانم»، و«قشر البندق»، و«اللمبي»، و«اللي بالي بالك»، و«خالتي فرنسا»، و«سيد العاطفي»، و«عودة الندلة»، و«بلطية العايمة»، بينما شهد الجزء الـ5 من مسلسل «سلسال الدم»، قبل 8 سنوات على آخر ظهور فني لها، وعقب ذلك فضّلت عبلة كامل الابتعاد عن الأضواء، ورفض الظهور في أي مهرجانات فنية، برغم عدم إعلانها اعتزال الفن نهائياً.


 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
TT

 هلال رمضان يُسلّط الضوء على تاريخ «مرصد حلوان» المصري

مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)
مرصد حلوان يعد نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث بالمنطقة (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

في ليلة الرؤية، تتعلّق أعين المصريين بالسماء، وقلوبهم تترقب الخبر الذي سيخرج من «مرصد حلوان»، يقفون على تخوم عبارتين؛ «تم رصد الهلال» أو «تعذّرت رؤيته»، فبين الجملتين تتحدد ملامح الغد، فتبدأ بشائر رمضان أو يُرجأ انتظاره يوماً آخر، غير أن قصة هذا المرصد تمتد جذورها إلى ما هو أوسع من هذا الطقس الموسمي الذي يتكرر كل عام.

تعود بدايات الرصد الفلكي المؤسسي في مصر إلى عام 1839 - 1840، حين أُنشئت «الرصدخانة» في بولاق بأمر من محمد علي باشا، وتطورت لاحقاً في عهد الخديوي إسماعيل، ثم نُقلت إلى العباسية بسبب مشروعات السكك الحديدية وتأثير الاهتزازات على دقة الرصد، ومع اتساع العمران وزيادة التلوث الضوئي، اتُّخذ القرار بإنشاء مرصد جديد في حلوان (جنوب القاهرة) عام 1903، بعيداً عن صخب المدينة، ليبدأ ما يُعرف اليوم بمرصد حلوان، الذي حمل آنذاك اسم «المرصد الملكي».

صورة أرشيفية توثق عملية رصد فلكي في مرصد حلوان خلال الحقبة الملكية (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

حسب الدكتور أشرف شاكر، أستاذ ورئيس قسم الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، فإن مرصد حلوان «ليس مجرد موقع أثري علمي، بل نقطة تحوّل مبكرة في مسار علم الفلك الحديث في المنطقة»، مؤكداً أنه «قيمته لا تكمن في قدمه فقط، بل في إسهامه الفعلي في إنتاج معرفة فلكية مبكرة سبقت كثيراً من التصنيفات العالمية».

ويضيف شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن «نقل المرصد إلى حلوان مطلع القرن العشرين جاء استجابة لاعتبارات علمية دقيقة؛ فالموقع المرتفع وهواء حلوان النقي آنذاك جعلاه مثالياً للرصد، وبعد انتقاله، أصبح وجهة لعدد من العلماء الأجانب، وشارك في أرصاد دولية مهمة، منها مهام مرتبطة برصد أجرام سماوية بعيدة ضمن مشروعات تعاون دولي في بدايات القرن العشرين، وهي أرصاد وضعت اسم حلوان مبكراً على خريطة البحث الفلكي العالمي».

ويحتفظ مرصد حلوان في ذاكرته، بالتلسكوب التاريخي الذي أهداه له الفلكي البريطاني جون هنري رينولدز، بقطر 30 بوصة، الذي كان الأكبر في أفريقيا والعالم العربي آنذاك، ما مكّن العلماء من تصوير أجرام سماوية بعيدة لم تكن تُرى بوضوح من قبل، وأسهم في أبحاث فتحت آفاقاً جديدة لفهم الكون في ذلك الوقت.

معمل أبحاث الشمس بمرصد حلوان (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ويؤكد شاكر أن «أرشيف المرصد موثّق دولياً، ومحفوظ في سجلات علمية عالمية، ومُدرج ضمن أرشيفات بحثية كبرى».

أما عن دور المرصد في عملية تحرّي الهلال، فيلفت رئيس قسم الفلك إلى أن «هذا الدور لا يتم بمعزل عن الإطار الشرعي الذي يتولاه المصريون منذ عقود، موضحاً أن المعهد القومي للبحوث الفلكية الذي ينتمي إليه المرصد، يعمل بتنسيق مباشر مع دار الإفتاء المصرية ولجان علمية وشرعية معتمدة لتحديد بداية الأشهر الهجرية، في كل ليلة رؤية، تُرسل نتائج الرصد الفلكي إلى هذه اللجان التي تضم علماء دين وعلماء فلك معاً، ليُرفع بعدها تقرير موثق إلى مفتي الجمهورية لإعلان الموعد الرسمي لبداية شهر رمضان أو غيره من الشهور».

جانب من مرصد حلوان التاريخي (المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية)

ولا يقتصر دور المرصد، حسب شاكر، على الحسابات المرتبطة برؤية الهلال، بل يمتد إلى تطبيقات عملية في الاتصالات، وتتبع المواقع، والملاحة، وتتبع الأقمار الاصطناعية، وحسابات التوقيت.

ويحتضن مبنى مرصد حلوان، متحفاً يوثّق تاريخ أدوات الرصد، والخرائط، وسجلات علمية تعود لأكثر من قرن، من بينها أرصاد مبكرة لمذنب هالي عام 1909، ووثائق كثيرة توثّق ظواهر فلكية كبرى، وهو ما يضيف للمرصد مكانة بحثية علمية، وذاكرة معرفية واسعة.


التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.