شوقي بزيع لـ «الشرق الأوسط»: لو استطعت لحذفت ثلث نتاجي الشعري

بعد فوزه بجائزة «سلطان العويس» وديوانه «الحياة كما لم تحدث»

شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
TT

شوقي بزيع لـ «الشرق الأوسط»: لو استطعت لحذفت ثلث نتاجي الشعري

شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة
شوقي بزيع - غلاف المجموعة الاخيرة

هو من شعراء جيل السبعينات، ومَن أطلق عليهم في لبنان اسم «شعراء الجنوب»، يوم كان هناك «شعراء المقاومة»، و«شعراء القومية»، و«شعراء الثورة» وكثرت الشعارات والنضالات. لكن شوقي بزيع، كما غيره، ممن أجروا مراجعات جذرية، انتقل تدريجياً إلى مقلب آخر ومدرسة أخرى في الرؤية لمساره الشعري. من شاعر المرأة وفلسطين والجنوب إلى قراءة الذات والعالم، وجوائز بينها «عكاظ» وأخيراً «سلطان العويس»، وتكريم في مهرجانات، يبدو شوقي بزيع اليوم، في حالة مراجعة ثالثة لمسار يكاد يلخص سنوات تمفصلت مع أصعب المرحل العربية وأكثرها تعقيداً، من يوم صدور ديوانه الأول «عناوين سريعة لوطن مقتول» عام 1978 إلى ديوانه الأخير «الحياة كما لم تحدث».

> كيف ينظر شوقي بزيع اليوم إلى مراحل أحرقت ومفاصل تجاوزها، في زمن كل سنة فيه أشبه بعمر؟
- جيلي وُلِد على مفترقات خطرة من الآيديولوجيات والمصائر الجماعية، ليس فقط على الصعيد العربي بل العالمي أيضاً. جيل تلاطمت فيه الرياح بحيث كان صدى لهزائم فاجعة أبرزها هزيمة 1967، وفي الوقت ذاته، كان يبحث عن خيارات أخرى تمثلت في اليسار الجديد والالتحاق بالثورة العالمية التي كان تشي غيفارا أيقونتها. في هذه الحقبة كان تمزق بين الآيديولوجيا التي تتعامل مع الفن بوصفه في خدمة الثورات، بتأثير الواقعية الاشتراكية والسوفياتية وآخر صيحات الحداثة التي انعكست في الشعر العربي، وعالمياً عبر أحداث عدة، مثل ثورة الطلاب عام 1968 في فرنسا، والهيبيين وما تبعهم. كان العالم يعيش حالة من الفوران.
هذا كله انعكس على الشعر والأدب بالطبع، وبطرق مختلفة؛ كنا ندير آذاناً صاغية لهذه الحركات، خصوصاً أولئك الذين انتموا للجامعات اللبنانية وكلية التربية التي تحولت إلى مختبر للأفكار الوافدة والمقيمة، ومن جهة أخرى كان هناك من يدفعنا نحو كتابة الالتزام وتوظيف الشعر في خدمة القضايا الكبرى.
> وهذا ما دار حوله سجال كبير في بيروت.
- نعم، لا سيما بين مجلتي «الآداب» و«شعر». الأولى دعت للالتزام تأثراً بجان بول سارتر والتيار الوجودي، واتخذت مساراً قومياً عروبياً. و«شعر» التي اهتمت بالجماليات والإفادة من آخر صيحات الحداثة، وقصيدة النثر والتفاعل مع الثقافة الغربية. فترة غنية جداً تربينا في كنفها، وأمدتنا بروح المغامرة وحب المطالعة. ولم تكن تلك الأحلام الكبرى قد تمخضت عما آلت إليه الحرب الأهلية اللبنانية من مستوى ضحل، ولا على المستوى العالمي، من هريان وتفسخ.
> كثير من الشعراء أجروا مراجعات، وبينهم محمود درويش واتخذوا منحى آخر... كيف تنظر إلى ما كتبت في تلك الفترة؟
- قد يكون ما حدث لي أوائل السبعينات جزءاً من الإجابة عن هذا التمزق الذي عاشه جيلنا، ولم يكن حالة تخصني وحدي. كنت أتتلمذ على أدونيس وخليل حاوي ويمنى العيد وأنطون غطاس كرم وميشال عاصي، وأصوات أخرى تخرجني من نفق القصيدة العمودية التي تمرست بها، باتجاه مساحات أرحب على مستوى الكتابة الشعرية، من جهة ثانية كان انتمائي إلى أحد التنظيمات الماركسية يجعلني أذهب إلى خيار آخر، تحت ضغوط لتوظيف الشعر في خدمة الجماهير. وكانوا يتخذون من أحمد فؤاد نجم النموذج الأكمل للكتابة الشعرية. وقفت لفترة على مفترق هذين الخيارين، وأنا أعيش مرارة عالية. أنا بالمناسبة كنت أكتب بعض هتافات المظاهرات الطلابية، من بينها الهتاف الشهير «يا حرية» الذي كان جيلنا يردده، فيما كان يعرف بالهتافات الطيارة. وهذا كان محصلة طبيعية لما كان لي وفق الرفاق من موهبة يتوجب أن أستثمرها من أجل التغيير والتحريض السياسي والآيديولوجي. لكن كان لدي إحساس، بأن عليَّ أن أصغي للعصر، بأصواته الوافدة، بأساليبه، بتعقيداته، وأن أتخذ لنفسي خطاً بعيداً عن الخطابة والشعار والكتابة المباشرة. وفعلاً انتصر الخيار الثاني وتركت التنظيم الماركسي نتيجة لشعوري بالمرارة إزاء ما يطلب مني لأن الشاعر عصي على التدجين، بحاجة لكامل الحرية حين يكتب.
> هل أنت نادم على بعض ما كتبت؟
- لست نادماً على شيء كتبته لأنه يشكل جزءاً من سيرتي ووعي الذي لا يولد كاملاً، ثم إننا ننقلب على أنفسنا باستمرار. ربما لستُ مزهواً ببعض القصائد التي كتبتها في المراحل المبكرة لأنني لم أكن قد امتلكت عدتي اللغوية والأسلوبية بعد. ولو قُدّر لي الآن أن أحذف ما لا أراه جديراً بالنشر، لحذفت ثلث نتاجي الشعري، على الأقل. مع ذلك لم أفعل كما بعض أسلافي من الرواد أو الجيل اللاحق مثل أدونيس ومحمود درويش وألجأ إلى حذف مجموعتي الأولى. هذا يعود إلى أن مجموعتي الأولى «عناوين سريعة لوطن مقتول» رغم أنها صدرت في أوج الحرب، فإنها جاءت نتيجة كثير من الغربلة والتمحيص والتصفية. عشرات القصائد التي كتبتها أوائل السبعينات، لم أكن راضياً عنها وحذفتها بالكامل؛ فبدت المجموعة لا تشبه المجموعات الأولى في شيء، وهذا ينطبق على زملائي ممن سموا «شعراء الجنوب»، مثل محمد علي شمس الدين، حسن عبد الله جودت فخر الدين، وآخرين.
> الشعراء يمرون بمراحل، يعيشون منعطفات في الكتابة. لو أخذنا مجموعتك «مرثية غبار» التي جاءت بعد أربعة دواوين وخمس سنوات من الصمت، شكلت مفصلاً في مسارك الشعري، ما المفاصل الرئيسية الأخرى كما تراها اليوم؟
- من ضمن المجموعات الأربع التي صدرت قبل «مرثية الغبار»، أرى بعض القصائد لا تزال تمثلني بامتياز، وأرى أنها كُتِبت بعصب مشدود يمزج بين الغنائية السيالة والكثافة الصورية مثل قصيدة «في الشمس كالأنبياء» المعروفة باسم «يا حادي العيس» لأنها تحولت إلى أغنية. مثلاً قصيدة «أية امرأة أنت» أعتبرها من أفضل قصائد الحب التي كتبتها طيلة حياتي. قصائد من نوعية «ما قاله الرجل الذي لم يمت في الحرب الأخيرة»، التي كانت بشكل أو بآخر «العدد صفر» أو تمهيداً لـ«مرثية الغبار». أو قصائد «العائد والصوت» التي كان فيها بعد ملحمي وحشد من الصور، عندما أقرأ أُفاجأ أنا نفسي. بموازاة ذلك هناك قصائد كان فيها شيء من التعسف والتركيب الذهني، تطغى اللغة الجمالية على البعد الإنساني، وكل ما حاولته انطلاقاً من تلك الفترة أن أعثر على الوصفة السحرية التي لا أتخلى فيها عن غنائيتي، وأنا أعتبر الغنائية شرطاً للكتابة. أقصد بذلك الإيقاع بما هو تعبير عن خلجات النفس وتوترها وإبعادها وحالاتها النفسية، وهذا إيغال في العمق الإنساني. الزمن الشعري ليس تراصفياً، وإنما متداخل. شخصية مثل السومري جلجامش على سبيل المثال، أو امرئ القيس أو المتنبي أو السياب، كأنما ينتمون إلى زمن واحد على مستوى الرؤية، وعلى مستوى محاولة كشف النقاب عن أسرار الوجود.
> في كتابتك، الطبيعة هي الثابت، ليست كصور فقط، وإنما كجزء من نسيج القصيدة، ثم هناك المرأة الموجودة دائماً، مع بعض التراجع لحضورها في الدواوين الأخيرة لصالح قراءة الذات واستعادة المسار. وتقول إن المرأة كانت تعويضاً عن غائب. فهل الشعر هو عملية تعويض لغوي أو بدل عن ضائع؟ ولنقل إنه استعادة الغياب أو التقاط اللحظة الهاربة؟
- كل إبداع هو نوع من سيرة ذاتية بشكل أو بآخر. الروائيون يقرون في دواخلهم وأحياناً في مقابلاتهم، بأن أبطالهم ليسوا سوى أقنعة لهم أو قصاصات من حياتهم. لا يستطيع الفنان أن يغادر نفسه، مهما فعل. هناك فرق بين أن تكون هذه النفس منغلقة على شرنقتها، أو أن تكون جزءاً من المتحد الكوني. في كل نفس جسوم كثيرة على ما يقول عروة ابن الورد في بيته الشهير «أقسّم جسمي في جسوم كثيرة». هذا شيء طبيعي. لكن تجربتي بعد «مرثية الغبار» وأنا فرحت لأنها نالت «جائزة عكاظ»، أعتبرها قصيدة أساسية في حياتي. لكن قصيدتي ذهبت في مناحٍ شتى وكثيرة الدلالات والأبعاد. لم تذهب فقط باتجاه السيرة بقدر ما ذهبت نحو أسئلة الوجود وإقامة حوارات مع شخصيات ورموز تاريخية وأسطورية، ولكل منها وجهه الخاص، وما يميزه عن سواه في علاقته بالعالم. كتبت عن فيروز باعتبارها أيقونة الصوت، كتبت عن ديك الجن بوصفه رمزاً للحب الذي يفضي إلى جنون الغيرة ومن ثم الموت، عن يوسف بوصفه تجلياً لحالات البحث عن الجمال المطلق، واعتبرت أن هذا الجمال كامن فينا جميعاً، وأن علينا أن نعرف كيف نستخرجه وندفع ثمنه أيضاً بالهبوط إلى قاع بئر الآلام. كتبت عن سالومي التي تمثل حالة المقايضة بين الرأس والرقص، أي الجسد الأنثوي في رغباته القصوى، عن بوذا بوصفه ممثلاً لهذه المصالحة الرائعة مع الوجود التي تمثل حالة النيرفانا والاتحاد مع الكون. ولكن أقول إنني كل هؤلاء أثناء كتابتي عنهم. في إحدى لقاءات فلوبير، حين سئل عن كتابته عن مدام بوفاري قال: «مدام بوفاري هي أنا». وأنا أستطيع القول إن كل من كتبت عنهم هم أنا. بهذا المعني أومن بالحلولية وأن روح الكون يجب أن تحل في الشاعر كي يستطيع استنطاقها ويعيد تشكيلها وصياغتها مرة أخرى.
> وكأنما كل ديوان له مناخه الخاص؟
- أكثر من شخص كتب أنه كان يلفته أن كل مجموعة تصدر فيها مقاربة جديدة وإضافة إلى ما سبقها. هذا بالفعل بدأ بعد «مرثية الغبار». في «قمصان يوسف»... مناخ مختلف عن «فراديس الوحشة» أو عن «سراب المثنى» التي احتفيت فيها باللغة ليس فقط كحامل للمعنى بل بما هي المعنى بحد ذاته، أي شعرية اللغة من صرخة امرئ القيس «قفا نبكِ». واعتبرت أن الثنائيات العاشقة في صحراء العرب خرجت من رحم صرخة امرئ القيس. وكأنه لم يكن هناك اثنان يخاطبهما امرئ القيس بل هو استمرأ هذه الألف المشبعة بالحسرات وتمتد مع الصحراء العربية لتصبح نداء لغير المرئي أو للحب كحالة، وهو على طريق الروم. نداء استدعى منادى، فخرجت من أحشاء المنادي جميل بثينة، وكثير عزة وعنترة وعروة. وهذه تختلف عن «صراخ الأشجار» حيث أعتقد أن بعض النقاد قالوا إن هذه المرة الأولى التي تكتب فيها مجموعة عن الأشجار، ليس فقط كخلفية أو مادة للكتابة بل بوصفها شخصية اعتبارية قائمة بذاتها.
> القصائد تُكتب متفرقة ثم تُجمع، فهل تتقصد أن تشتغل على مناخات بعينها في كل مرة؟
- لم أكتب يوماً بناء على خطة. تكون هناك هواجس لمقترحات يقدمها اللاوعي ويطرحها علي، تبقى حبيسة المادة الخام إلى أن أشعر بأعراض الكتابة. بعد أن سكتُّ خمس سنوات في الثمانينات، صِرْت أُصاب بالسكتة الشعرية غالباً لسنتين، هذا يلحظ من تاريخ إصدار دواويني. هذه الدواوين تأتي نتيجة تخزين وقراءات متواصلة، لا أستطيع خلال هذه الفترة أن أكتب أي حرف، ثم فجأة تصيبني أعراض أُعِبِّر عنها. وقلت مرة، يجب أن نكون نساء كي نفهم ما يصيب الشاعر من أعراض الكتابة. أشعر تماماً بالمخاض، حيث أمتلئ باللغة فإما أن ألد أو أن أُصاب بمرض خطير أو أُدفَع إلى الانتحار. لا بد أن أتخفف من هذا الحمل الذي لم أعد أستطيع حبسه.
ما يجري هو أن تأتي الأفكار تباعاً، فكلما أفرغت قصيدة أشعر أنني ممتلئ بأخرى. وهكذا أكتب الديوان قصائد متتالية كدفق واحد متقطّع. في البداية كنت أكتب قصيدة ثم أصمت، في فترة أخرى صرت أكتب ديواناً ثم أصمت.
> وعلى هذا النحو كتبت ديوانك الأخير بحثاً عن «الحياة التي لم تحدث»؟
- اسمه مرتبط ببعض القصائد التي تتصدى لفكرة أن ما عشناه في الواقع، ليس هو الحياة التي كنا نرغب في أن نعيشها، وكأنما ما عشناه هو نثريات الأشياء، سقط متاع الحياة. وهذا يتوافق مع ما قاله ناظم حكمت «أجمل البحار التي لم أزرها بعد» ويتوافق نسبياً مع قول كونديرا: «الحياة هي في مكان آخر». لكن الفارق أن كونديرا يقول إن الحياة موجودة ولكن في مكان آخر. ونحن أبناء الريف حين نأتي إلى المدينة نقول دائماً إن الحياة هناك كانت أفضل وأجمل. وحين نعود إلى مساقط رؤوسنا نصاب بالخيبة، دائماً الحياة في مكان آخر. لكنني أذهب إلى أبعد من ذلك، وأقول إن الحياة التي عشناها هي «نيجاتيف» الحياة التي يجب أن نعيشها. في ظل هذه الفكرة تمر حالات كثيرة، في قصيدة مثلاً أتحدث عن الرسائل عن البيوت التي نبنيها في زمن متأخر ونعرف أننا لن نعيش فيها طويلاً، لكننا نستعيد من خلالها الفراديس الضائعة، ومن جهة أخرى نتمرن على الموت لأنها أشبه بقبور مقلوبة. دائماً هناك عشرات الموضوعات تراودني بين ديوان وآخر، وهذا لم أكن أعيشه في تجاربي الأولى. كانت موضوعاتي موزعة بين الأرض والنساء من خلال الحديث عن الحرية أو المقاومة وهي موضوعات مهمة، لكن فيما بعد لم يعد هناك موضوع صالح للكتابة إلا وأفيد منه.
> جائزة العويس أُعطيت لك وهدى بركات وجورج قرم في وقت واحد. من ناحية نلحظ أن النخبة تخبو، ولكن من ناحية أخرى لا تزال هذه النخبة همزة وصل عربية، على ما يبدو؟
- «العويس» من أهم الجوائز العربية من حيث المصداقية. لكنني أقول إن على المبدعين ألا يكتبوا من أجل الجوائز لأن هذا يفسد العلاقة بين الكاتب واللغة. قيل لي بعد الحصول على جائزة عكاظ سنة 2010 في الطائف: ألا تخشى على شعرك أن يتراجع بسبب الجائزة؟. قلت لهم: أعطوني فرصة وسترون. ما بداخلي من قلق وهذا الارتباط العضوي (المدمر) باللغة لا يسمح لأي جائزة أن تقضي على حلمي بالمزيد من التنقيب. هذا هاجسي الأساسي. قلتُ منذ البداية: لشعر لا يحتمل أي ضرّة، لهذا تزوجتُ في الخمسين كي لا تنافس شعري المؤسسة بانشغالاتها. وابتعدت عن الوظيفة قبل التقاعد بـ25 سنة وكنتُ ملحقاً بوزارة الإعلام اللبنانية، وطلبت أن أتفرغ للكتابة وهذا ما حدث. لم أبحث عن أي منصب أو مال، كنت مسؤولاً عن صفحة ثقافية في جريدة معروفة، وأي شخص كان يتمنى هذا واستقلتُ. أخلصتُ للشعر بالشكل الطبيعي العادي، لكن في هذا الزمن المليء بالخيانات الشائعة والمتوفرة، يبدو الإخلاص عملة نادرة. وهذه دعوة للأجيال اللاحقة لأن تسير في الطريق نفسه وأبعد. أنا راضٍ عما فعلت، دون أن أكون راضياً تماماً عما أنجزتُ، لكنني على الأقل قمتُ بما في وسعي.
وبالعودة إلى جائزة «العويس» أقول إنها جاءت تكريماً لمعنى لبنان الحقيقي. لبنان الهش الذي ينكسر لأقل الأسباب، لبنان الذي يعيش في مهب السياسات المتعارضة، يبدو أن الجزء الأصلب في هذا البلد متصل بالثقافة، وهو أمر يدعو إلى الاعتزاز. لأنه للأسف في السياسة لا شيء في ظل الفساد المستشري يدعو للاعتزاز. لذا على المثقفين وحدهم أن يحسموا أمرهم ويحملوا عبء تظهير صورة لبنان الحقيقية.



لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
TT

لغز دوران زحل يُحلّ... الشفق القطبي يكشف السرّ خلف تغيُّر سرعته

ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)
ظاهرة معقَّدة تقود إلى فهم أعمق لفيزياء الكواكب (جامعة نورثمبريا)

نجح باحثون من جامعة نورثمبريا البريطانية في حلّ أحد أقدم الألغاز في علم الكواكب، المتعلِّق بسبب ظهور كوكب زحل وكأنه يُغيّر سرعة دورانه وفق طريقة القياس.

وكشفت الدراسة عن أنماط معقّدة من الحرارة والجسيمات المشحونة كهربائياً في الشفق القطبي لزحل، ونُشرت النتائج، الجمعة، في دورية «جورنال أوف جيوفيزيكال ريسيرش: سبيس فيزيكس».

ولطالما حيَّر زحل العلماء، خصوصاً بعد قياسات أجرتها مركبة كاسيني التابعة لوكالة «ناسا» عام 2004، والتي أشارت إلى أنّ معدل دوران الكوكب يتغيَّر مع الوقت، وهو أمر غير منطقي علمياً؛ إذ لا يمكن لكوكب أن يُسرّع دورانه أو يُبطئه بهذه الطريقة.

وعام 2021، توصَّل فريق بقيادة عالم الفلك توم ستالارد من جامعة ليستر البريطانية إلى أنّ التغيُّر الظاهري لا يتعلّق بدوران زحل نفسه، بل ينتج عن رياح في غلافه الجوّي العلوي تولّد تيارات كهربائية تعطي إشارات مضلّلة في الشفق القطبي. لكن السؤال الأهم بقي: ما الذي يُسبِّب هذه الرياح أصلاً؟

وخلال الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تلسكوب «جيمس ويب» الفضائي لرصد الشفق القطبي الشمالي لزحل بشكل متواصل خلال يوم كامل على الكوكب. ومن خلال تحليل الإشعاع تحت الأحمر الصادر عن جزيء يُعرف باسم «ثلاثي الهيدروجين الموجب»، والذي يعمل مقياساً طبيعياً لدرجة الحرارة، تمكَّن الفريق من إنتاج أول خرائط عالية الدقة لدرجات الحرارة وكثافة الجسيمات في هذه المنطقة.

ووفق الدراسة، تميَّزت هذه القياسات بدقة غير مسبوقة؛ إذ كانت أكثر دقة بـ10 مرات من القياسات السابقة، ممّا سمح برصد تفاصيل دقيقة لعمليات التسخين والتبريد في الغلاف الجوّي.

وأظهرت النتائج أنّ أنماط الحرارة والكثافة تتطابق بشكل كبير مع توقّعات النماذج الحاسوبية القديمة، ولكن بشرط أن يكون مصدر الحرارة في المناطق نفسها التي يدخل منها الشفق القطبي إلى الغلاف الجوّي.

«مضخّة حرارية كوكبية»

ويعني ذلك، وفق الفريق، أنّ الشفق القطبي في زحل ليس مجرّد عرض ضوئي جميل، فهو يلعب دوراً نشطاً في تسخين الغلاف الجوّي في مناطق محدّدة، وهذا التسخين يولّد رياحاً، وهذه الرياح بدورها تنتج تيارات كهربائية تغذي الشفق القطبي مجدّداً، لتنشأ حلقة مستمرة ذاتية التغذية.

ووصف الفريق هذه الظاهرة بأنها «مضخّة حرارية كوكبية»؛ إذ يُسخّن الشفق الغلاف الجوّي، فتتولد الرياح، ثم تنتج هذه الرياح تيارات كهربائية تعزّز الشفق مرة أخرى.

وتشير النتائج أيضاً إلى أنّ ما يحدث في الغلاف الجوي لزحل يؤثّر مباشرة في غلافه المغناطيسي، وهي المنطقة الواسعة من الفضاء التي يهيمن عليها المجال المغناطيسي للكوكب، والتي تعيد بدورها ضخّ الطاقة إلى الغلاف الجوّي، وقد يساعد هذا التفاعل المتبادل في تفسير استقرار هذه الظاهرة واستمرارها لمدّة طويلة.

ويؤكد الفريق أنّ هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام فهم أعمق للتفاعلات بين الغلاف الجوّي والمجالات المغناطيسية في الكواكب الأخرى، وربما يكشف عن ظواهر مماثلة في عوالم بعيدة داخل وخارج نظامنا الشمسي.


ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
TT

ثريا العيون الزرقاء في متحف «ليتون هاوس» بلندن: تعويذة ضد العنف والمحو

رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)
رمزي ملاط أثناء تركيب عمله في قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس» بلندن (الفنان)

يحتفل متحف «ليتون هاوس» في لندن بالذكرى المئوية لإنشائه، وهو المنزل الذي بناه اللورد فريدريك ليتون (1830 - 1896) في القرن الماضي، وبث فيه حبه للأسفار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وصمم فيه «قاعة العرب» شرقية الروح والملامح والتفاصيل. تظل القاعة مصدر جذب للزوار للتأمل في جمالياتها العالية وتفاصيلها الشرقية التي تنقلنا من مدينة لندن لقاعات عربية وشرقية مكتملة بالجدران المتدثرة بقطع السيراميك الأزرق والزخارف والكتابات العربية وتحتضن في وسطها نافورة تحول الغرفة إلى قاعة شرقية مهاجرة.

قاعة العرب بمتحف «ليتون هاوس»... درة شرقية (تصوير سيوبان دوران)

العيون الزرقاء في قاعة العرب

في هذه القاعة تحديداً، التي جلب لها اللورد ليتون السيراميك واللوحات من أنحاء المشرق، يطل علينا عمل معاصر للفنان اللبناني رمزي ملاط، لا يبدو دخيلاً على الجو العام للقاعة بل يمتزج معها إلى درجة كبيرة، فهنا تتدلى أمامنا من الثريا المعدنية سلاسل من حبات الخرز الأزرق، نقترب منها وتأخذنا بشكلها الأسطواني وتكوينها الذي يشبه المشربيات الشرقية. تتدلى خيوطها وحبات الخرز فيها لتتفاعل مع الجدران الزرقاء حولها وتعكس ظلالها على بركة الماء أسفلها.

الفنان مع عمله في متحف «ليتون هاوس» بلندن (تصوير: جارون جيمس)

«أطلس النظرة المتشابكة»

بالاقتراب من العمل نتبين تفاصيل الخرزات الزرقاء وتناغمها، هي مثل تلك التي تستخدم لدرء النظرة الحاسدة في الثقافات العربية، ربما هذا ما يعكسه عنوان العمل وهو «أطلس النظرة المتشابكة». النظرة هنا أساسية لفهم العمل، فالخرز الأزرق كان يستخدم للحماية من الحسد ومن النظرة الشريرة، ولكن العمل يوظف ذلك العنصر للحديث عن مواضيع أعمق تنبع من خلال تلك المظلة المؤلفة من آلاف «العيون» الخزفية الزرقاء، حيث نسج الفنان عملاً يستمد من الفلكلور الشامي وتقاليد الحرف الإسلامية واللغة المعمارية والرمزية للمكان، ليقدم تأملاً معاصراً في الإدراك والحماية والتراث الثقافي.

أمام الثريا الزرقاء أقف مع رمزي ملاط للحديث عن العمل ومعانيه. يقول إن الأمر الأهم بالنسبة له كان أن يعكس العناصر المختلفة في ليتون هاوس وهي كثير، فالخرزات الزرقاء المعلقة، وعددها 7500، تتشابه في ألوانها وتفاصيلها مع ثيمات أخرى موجودة في غرف المتحف مثل أطباق خزفية معلقة على الجدار ورسمات على وسائد موضوعة على أريكة: «عند زيارتي للمتحف لاحظت ذلك النمط المتكرر، وشعرت وكأن فريدريك ليتون استلهم نفس الفكرة لحماية منزله من خلال عناصر مختلفة وضعها في غرف متفرقة، أو ربما كان ذلك مجرد خيار أسلوبي، لكنني أميل إلى الاعتقاد بوجود دافع أعمق، نظراً لكثرة أسفاره في الشرق الأوسط. لفتت هذه العناصر انتباهه، وصمم منزله بأسلوب يعكس أسفاره وشغفه».

النظرة بين الشرق والغرب

صمم ملاط عمله مستخدماً نمط الخرزات الزرقاء وتصميماتها بشكل بدا وكأنه يتجاوب مع غرف المتحف غير أنه يقول إن هناك مرجعيات أخرى لاحظها في الغرف الأرضية للمتحف، يشير إلى «قاعة نرجس» وهي قاعة ملبسة بالسيراميك الأزرق بحيث يشعر الزائر بأنه في خضم موجات كثيفة من اللون وكأنه يغوص في أعماق لجة من الماء، ولا يبدو ذلك غريباً فالقاعة تستلهم من الأسطورة اليونانية عن شخص شديد الجمال وقع في غرام انعكاس صورته على ماء بركة حتى وقع وغرق في مياهها.

نسج ملاط مع حبات الخرز الزرقاء مظلة تستوحي من الشرق والغرب (الفنان)

من أسطورة نرجس أو نارسيس، يرى ملاط عنصر النظرة التي تغوي، هي النظرة التي تستخدم الخرزات الزرقاء للحماية من شرها، النظرة هنا تكتسب أبعاداً مختلفة يحدثنا عنها ملاط: «عندما أردت إنتاج هذه القطعة، فكرت في الحسد، وفكرت أيضاً في النافورة التي عطلناها لنحولها إلى بركة ماء. بدأت أتساءل: لماذا يوجد هذا التقارب بين نرجس والقاعة العربية؟ ربما من وجهة نظري، أسطورة نرجس يمكن أن تكون تفسيراً لمعتقد الحسد، ولكن بشكل أكبر للجمهور الغربي، لأنها لا تزال تتحدث عن قوة النظرة وحقدها، فهي قد تجلب سوء الحظ أيضاً، ويعتبرها آخرون غروراً. أحب أن أنظر إليها كحوار مفتوح بين التقاليد الغربية والشرقية، ولهذا السبب أردت إبراز ذلك، وأردت تعليق هذا العمل من حوض النافورة لمواصلة اللعب بهذه المراجع المختلفة أيضاً. حقيقة أن لونها أزرق وأن الماء راكد الآن، تجعل الناس ينظرون إلى انعكاسها، وينظرون أيضاً إلى القطعة نفسها في الماء، لذا أعتقد أن هناك تبادلاً يحدث عبر الماء أيضاً».

الحماية والعنف

مفهوم الحماية، سواء من العين الحاسدة الذي تجسده الخرزات الزقاء، يتسع ويكتسب أبعاداً جديدة في عمل ملاط، فالثريا الزرقاء تشبه في شكلها خوذات المحاربين في العصور الوسطى المغطاة بحلقات معدنية كانت تهدف لحماية الوجه أثناء القتال: «عندما دخلت المكان لأول مرة، ذكّرتني الثريا الموجودة بخوذات المحاربين العثمانيين، وأردت إبراز هذا الجانب من خلال تصميم سلسلة من العيون المتأملة على طراز المشربية، وهي مترابطة بسلاسل لمحاكاة النمط نفسه الموجود في الدروع، لكنني أردت أيضاً أن تبدو كدرع يحمي المكان ويمنحه في الوقت نفسه إحساساً بالحركة، لأنني أرى ذلك في تجربة الناس وهم يدخلون المكان، فهم ينظرون إليه باستمرار».

يتداخل مفهوم الحماية لدى ملاط ليربط ما بينها وبين الشعور بالضعف وأيضاً العنف، يقول: «بمعنى ما الخوذة هي وسيلة حماية، لكنها لا تقتصر على الحماية فحسب، بل تشير أيضاً إلى العنف. أعتقد أن امتلاك المعدات اللازمة للحماية يعني أنك في حالة من الضعف الدائم. وهذا ما أردت التطرق إليه، حيث لا يقتصر الأمر على الحماية فحسب، بل يتعلق أيضاً بالضعف الكامل».

الخرزات الزرقاء في «أطلس النظرة المتشابكة» لرمزي ملاط (تصوير: جارون جيمس)

مخاوف معاصرة

يرى الفنان في رمزية العين الشريرة انعكاساً للمخاوف المعاصرة المتعلقة بالحماية والمحو والعنف الموجه نحو المنطقة العربية: «عندما أنتجتُ هذا العمل، كان لديّ دائماً هذا الفهم العميق بأننا نواجه باستمرار حالة من عدم اليقين في المنطقة، وعندما كنتُ أبحث في فهم سبب استمرار فكرة العين الزرقاء في مجتمعاتنا المعاصرة، توصلتُ إلى استنتاج مفاده أن الاعتقاد بالحماية من العين الشريرة إنما هو وسيلة للتكيف والتعامل مع الأوضاع. أعتقد أن التمسك بهذا الاعتقاد يفسر حقاً مصيبتك، ويسمح لك أيضاً بالحزن الشديد بسبب حقيقة أننا نواجه باستمرار المحو والتدمير، واستحالة هذا الوضع حيث تشعر بالعجز الشديد، ولكن في الوقت نفسه تريد أن تكون قادراً على فعل شيء ما بحياتك. وأعتقد أن هذا الأمر يُبرز أهمية التفاعل الحقيقي مع شيء غير مادي يربطنا جميعاً».

بشكل شخصي يرتبط الإحساس لدى الفنان بما يحدث في بلده: «أنا من لبنان، بلد صغير جداً، وكنت أعاني من هذا القلق في صغري بشأن نظرات الآخرين وتطور الإيمان بهذه التميمة ورمزيتها حتى أنني أنجزت سلسلة أكبر من الأعمال الفنية التي تحمل هذه العيون الشريرة. عندما اندلعت الحرب بين (حزب الله) وإسرائيل عام 2024، كانت المناوشات لا تزال مستمرة في الجنوب، وعندما ألقى الجيش الإسرائيلي قنابل الفوسفور، ورأيت هذا المحو الهائل والإبادة البيئية في الجنوب، شعرت بالعجز الشديد، فبدأت أرسم هذه المناظر الطبيعية، هذه الجبال الشاهقة التي منحتني الشعور بالحماية عندما كنتُ هناك، ثمّ نقشتُ عليها عيوناً حاسدة، وكأنّ عجزي يُترجم إلى ورق، أردت إبراز كلّ هذه المشاعر والإحباطات، وجعلها أيضاً رسالة حبّ للعالم العربي».

يعتبر ملاط العمل بمثابة بنية للذاكرة الجماعية، وتذكير بأن فعل النظر ليس محايداً أبداً. وبهذا المفهوم تصبح رؤية «أطلس النظرة المتشابكة» كغطاء واقٍ وشبكة من «العيون» اليقظة، تُثير التأمل في مفهومي الظهور والهشاشة: من يُراقَب، ومن يُحمى، وكيف تنتقل الرموز الثقافية وتتحول عبر القرون.

قاعة العرب وفي الخلف قاعة نارسيس بمتحف «ليتون هاوس» (تصوير: سيوبان دوران)

العمل يعد ​​الأول للفنان في مؤسسة فنية بالمملكة المتحدة، ويقدم من خلال برنامج «قاعة العرب: الماضي والحاضر» في المتحف، حيث ستُقدّم ثلاثة أعمال تركيبية جديدة رؤى معاصرة حول قاعة العرب، تتناول كل منها هندستها المعمارية وموادها وتاريخها المتراكم.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
TT

غواص ينزل إلى أعماق متجمِّدة ويعود بحكاية مدهشة

الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)
الصقيع لا يخفي الحياة (أ.ب)

في مشهد أقرب إلى الاستكشافات النادرة، خرج الغواص دان جيكوبس مؤخراً من فتحة ضيقة شُقّت في جليد بحيرة فنلندية متجمِّدة، كاشفاً عن عالم خفيّ يرزح تحت سطح الماء، لا تطوله الأبصار إلا نادراً.

وغاص جيكوبس، مستشار التنوّع البيولوجي القادم من هولندا، لعمق 8 أمتار (26 قدماً) تحت سطح الجليد، حيث تسلَّلت خيوط الضوء عبر الكتل المتجمِّدة، لتُنير مشهداً أخّاذاً لأسماك تسبح حول تشكيل صخري في بيئة نائية قلّة مَن يحظون بمشاهدتها، خصوصاً خلال فصل الشتاء حين تنخفض درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية تحت الصفر.

في الأعماق دهشة لا تنتهي (أ.ب)

وذكرت «الإندبندنت» أنّ هذه المغامرة جاءت ضمن دورة «الغوص العلمي القطبي» في شمال فنلندا، التي تشرف عليها «الأكاديمية العلمية الفنلندية للغوص». وتهدف هذه المبادرة إلى إعداد جيل جديد من الباحثين والعلماء الذين يتمتّعون بمهارات استكشاف ما تحت جليد القطبين الشمالي والجنوبي، ودراسة الكائنات الحيّة الفريدة من الحيوانات والنباتات. وبعد الغوص لمدة وصلت إلى 45 دقيقة، وصف جيكوبس التجربة بعبارة مقتضبة موجزة هي: «المشهد جميل».

وتشير المعطيات إلى ارتفاع درجة الحرارة في القطب الشمالي بمعدل أسرع من باقي أنحاء الكوكب بمقدار 4 أمثال. ويمثّل ارتفاع درجات الحرارة في القطب الشمالي كارثة على العالم بأسره؛ إذ يؤثّر في أنماط الطقس على مستوى العالم، ويهدّد وجود الدببة القطبية ويضعفها ويزيد من جوعها، نظراً لاعتمادها على الجليد البحري للصيد.

حين تنكسر السطحية... نرى أكثر (أ.ب)

وعلى الجانب الآخر، في القارة القطبية الجنوبية، يؤدّي الاحتباس الحراري العالمي إلى ذوبان الصفائح الجليدية، مما يُسهم في ارتفاع مستوى سطح البحر واضطراب النظم البيئية للمحيطات.

العنصر البشري في الغوص يظلّ ضرورةً لا غنى عنها

وسط هذا المشهد، يواصل العلماء مساعيهم في دراسة ما يجري تحت ما تبقى من الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، لتحديد كيفية تأثير التغير المناخي على النباتات والحيوانات التي عاشت تقليدياً على طول قاع البحر في وجود قدر ضئيل من أشعة الشمس.

ومع ذلك، يتطلَّب إجراء هذه البحوث مهارات متخصِّصة في الغوص، إلى جانب تأهيل علمي مناسب، وهي مؤهّلات لا يمتلكها سوى بضع مئات من المتخصّصين عالمياً في الوقت الحالي، وفق ما يوضح الخبراء.

ولا تهدف الأكاديمية الفنلندية إلى تدريب مزيد من الغواصين فحسب، بل تعمل على إقناع العالم بضرورة تكثيف البحوث لمواجهة أزمة الجليد القطبي. وقال عالم الأحياء البحرية وأحد مدرّبي الغوص العلمي في الدورة، إريك وورز: «نظراً إلى سرعة الذوبان، نحتاج إلى مزيد من الباحثين، وزيادة الجهود العلمية هناك لفهم ما يحدث بشكل أفضل».

وأضاف: «علينا التحرُّك سريعاً لإنقاذ هذا النظام البيئي الفريد، سواء في القطب الشمالي أو الجنوبي».

وفي عالم يتزايد فيه الاستعانة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات في إنجاز الأعمال والمَهمّات، يرى عالم الأحياء البحرية في «المسح البريطاني للقطب الجنوبي»، سايمون مورلي، أنّ الدور البشري لا يزال ضرورياً. وقد يُدمّر استخدام الشباك في أنحاء قاع البحر البيئة والموائل الطبيعية، في حين لا تستطيع غواصة تعمل عن بعد أو روبوتات سوى جمع عيّنة واحدة في المرة الواحدة.

وقال مورلي، الذي لا يشارك في الدورة المذكورة: «يمكن للغواص جمع 12 قنفذاً بحرياً ووضعها داخل حقيبة من دون الإضرار ببقية النظام البيئي».

كلّما تعمّقنا اتّسعت الحكاية (أ.ب)

ظروف قاسية

تُجرى التدريبات في محطة «كيلبيسجارفي» البيولوجية التابعة لجامعة هلسنكي. وخلال الدورة الواحدة، التي تستغرق 10 أيام داخل بحيرة متجمِّدة، يُدرّب المعلم المتخصِّص نحو 12 غواصاً متمرّساً. ومنذ إطلاق البرنامج في 2024، تزايد الإقبال عليه، ممّا أتاح إضافة دورة أخرى سنوياً.

ويضمّ البرنامج طيفاً متنوّعاً من المشاركين، من علماء أحياء إلى علماء في تخصّصات أخرى، وغواصين ذوي مهارة عالية، وصنّاع أفلام وثائقية.

ويريد الطالب في قسم الأحياء البحرية وعلم دراسة المحيطات بجامعة بليموث في إنجلترا، رورلي بوجيز، في النهاية العمل في القطب الجنوبي والبحث في شؤون الحيوانات البحرية الضخمة. وقد سجَّل في دورة الغوص القطبي للشهر الحالي في محاولة لزيادة فرص توظيفه عند التخرج. وأوضح: «اعتقدت أنّ هذه ستكون خطوة جيدة تجاه تحقيق هدفي».

ويواجه فريق الدعم السطحي تحدّيات، حيث يتعيَّن عليهم تشغيل معدات لضمان سلامة الغواص، إضافة إلى تفادي خطر التعرُّض لقضمة الصقيع. كذلك يجب عليهم تعلم كيف يصبحون غواصي إنقاذ في حالات الطوارئ، مثل عدم تمكُّن الغواص الأساسي من العثور على فتحة في الجليد للعبور من خلالها إلى السطح بعد 45 دقيقة من البقاء تحت الماء.

ومع ذلك، بمجرّد وجودهم تحت الماء، يقول الغواصون إنها تجربة مذهلة. وخلال الدورة الحالية، غاصت المجموعة تحت طبقة من الجليد يبلغ سمكها نحو 80 سنتيمتراً (نحو قدمين ونصف قدم تقريباً). وشاهدت تشين بعض الأسماك، في حين كانت أشعة الشمس تنفذ عبر الجليد فيما يشبه ظاهرة قطبية أخرى. وقالت: «يبدو المشهد من الأسفل إلى الأعلى مذهلاً. إنه يتغيَّر باستمرار، كأنه الشفق القطبي».