ما وراء تفجيرات بنغازي

خطط جديدة للمتطرفين في ليبيا

ما وراء تفجيرات بنغازي
TT

ما وراء تفجيرات بنغازي

ما وراء تفجيرات بنغازي

هزَّ انفجاران بسيارتين ملغومتين، بنغازي، ثاني أكبر المدن الليبية، الثلاثاء الماضي، ما أدى لسقوط 35 قتيلاً. وخيَّم القلق على البلاد، ودول مجاورة. ويأتي هذا بالتزامن مع تحذير دولي من مغبة أن تتحول الدولة الغنية بالنفط، والواقعة على الشاطئ الجنوبي لأوروبا، لمركز للمتطرفين الفارين من سوريا والعراق.
ويجري محققون فحص تهديدات سابقة ضد الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر، وبعضها صدر أساساً من قيادات جرى طردها من بنغازي لأسباب جهوية وعرقية ومذهبية، وتورطت مع جماعات إرهابية في غرب البلاد وجنوبها.
وكانت تنظيمات متطرفة، على رأسها «أنصار الشريعة» و«شورى المجاهدين»، قد هيمنت على السلطة في المدينة، حتى مطلع 2014، إلا أن المشير حفتر تمكن من جمع ألوف من رجال الجيش والمتطوعين، وطرد هذه الجماعات، مثلما سبق لقوات تابعة للمجلس الرئاسي، طرد «داعش» من سرت. ويعتقد أن خليط المتطرفين هذا، فرَّ أغلبه للصحراء، وأسس قواعد لتنفيذ عمليات خاطفة في ليبيا ودول مجاورة.
وبدأ حفتر، منذ شهرين، التأسيس لمرحلة ما بعد الحرب، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية، بمساعدة مصر، مع وضع هيكل أمني للمكافحة الشاملة للإرهاب، وسط زخم يدور عن رغبته في خوض انتخابات الرئاسة لاحقاً. وقُتل في التفجيرين اثنان من أهم المسؤولين في إدارة التجسس التابعة للمخابرات، ووحدة التحري والقبض بالقوات المسلحة.
ويعد التفجير الذي وقع عقب خروج مصلين، مساء، من مسجد «بيعة الرضوان» في ضاحية السلماني، بوسط المدينة، الأكبر الذي يسقط فيه كل هذا العدد من الضحايا، مرة واحدة، منذ الإطاحة بالقذافي. ويتشابه الحادث مع ما نفذه متطرفون بمنطقة الشرق الأوسط ضد مصلين في المساجد، كان من بينها، مسجد «الروضة» في سيناء بمصر قبل شهرين.
وأدانت جهات دولية وإقليمية ومحلية تفجير السلماني، لكنها شددت على رفضها لأي عمليات انتقام خارج القانون، وذلك بعد قيام ضباط بالجيش، عقب الحادث المروِّع، بتصفية نحو عشرة ممن يتهمهم بأنهم إرهابيون، بإطلاقه الرصاص على رؤوسهم.
من رائحة الأرض السبخة في منطقة السلماني بمدينة بنغازي، ثاني كبرى مدن ليبيا، يمكن أن تشم تداخل الصراع الجهوي بالمذهبي. وتقع السلماني جنوب «المدينة القديمة» ببنغازي، وكانت حتى مطلع القرن الماضي مجرد مساحات خالية تغمرها مياه ملحية، وتخضع لنفوذ قبائل عدة. بينما كان المستعمرون الإيطاليون يعيشون في مبان رومانية الطراز على شاطئ البحر. أما تلك القبائل فظلت لوقت طويل تفضل الحياة على أطراف المدينة.
وحين بدأت الهجرة من غرب ليبيا، خصوصاً من مصراتة وطرابلس، إلى بنغازي، ردم معظم الوافدين الجدد الأراضي الهشة، وتُركوا للإقامة فيها. لم تكن ليبيا قد عرفت النفط بعد. كانت فقيرة، وتقاس فيها الثروة بما تملكه كل عائلة من قطعان الأغنام والإبل والخيول.
لهذا ظل سكان السلماني فقراء، إلى أن غيَّر النفط الأحوال بالتدريج منذ الخمسينات. وظهرت في الضاحية رؤوس المباني الحديثة والمتاجر. وطوال مدة حكم القذافي، لم يكن أحد يمكنه أن يعترض على الواقع الجديد. ويقول أحد شيوخ القبائل، وهو يتطلع لجدران غرفة الضيافة في بيته، والمعلق عليها صورة للملك السنوسي: «كثير من العائلات القديمة هنا لديها شعور بأن الأغراب هم من تسببوا في تدمير بنغازي، بتحالفهم مع المتطرفين منذ عام 2011».
- ماذا يجري؟
حين يدور النقاش بشأن ما يجري في هذه المدينة من اقتتال بين الجيش والمتطرفين، تجد من يطلب الكشف عن الأسماء الأولى التي أسست «المجلس الانتقالي». وهو المجلس الذي جرى تكوينه كسلطة موازية تقوم بقيادة الحرب على القذافي بمساعدة من حلف شمال الأطلسي (ناتو). لقد اندلعت شرارة الانتفاضة من بنغازي، لكن شيخ هذه القبيلة يزعم أن المخططين لم يكونوا من أبناء المدينة الأصليين.
وفي كثير من المدن تسعى عائلات كبيرة لاستعادة أملاكها التي تعرضت للمصادرة في عهد القذافي. بينما تذهب عائلات أخرى إلى التنقيب في التاريخ القديم عمن يستحق البقاء هنا أو لا، وعمن وقف مع «الناتو»، أو مع المتطرفين. إنها قضايا مثيرة للقلق على مستقبل الدولة.
لقد جرى طرد العميد مصطفى الشركسي، الذي كان آمراً عسكرياً لبنغازي، رغم أنه من أبناء المدينة، مع العلم أن أصوله تعود إلى مصراتة، مثل قادة ميليشيات آخرين ودعاة وسياسيين، لا يعرفون إلا بنغازي كمدينة لهم منذ استقر فيها أسلافهم قبل عقود طويلة. لكن الانتفاضة التي انطلقت في مثل هذا الوقت تقريباً من عام 2011 أوجدت ذرائع لأي اقتتال.
ويقول الجيش إن الشركسي مطلوب لارتكابه جرائم، ولا علاقة للأمر بأصوله. لكن العميد المدرج اسمه في قوائم للإرهاب، يرد مدافعاً بأن سبب المشكلة يعود لخلفيات عرقية. وحين خرج من بنغازي قبل عامين، أخذ معه عدة عشرات من الضباط والجنود والمتطرفين المهزومين أيضاً. وفي مقابلة سابقة معه أشار إلى أن من تم تهجيرهم من بنغازي بلغ الآلاف، ويقيم معظمهم في مصراتة.
لقد لجأ معظم هؤلاء القادة إلى غرب البلاد، واستعانوا بمنصات إعلامية - جرى تصنيفها أخيراً ككيانات إرهابية أيضاً - لكي يهددوا بنغازي، كما يقول الدكتور محمود الغنودي، الباحث الليبي في الشؤون الأمنية... «كانوا في قنواتهم الإعلامية الموجودة في طرابلس، مثل (التناصح) و(النبأ)، قد هددوا مبكراً بأنه في حال تمكن الجيش من طردهم من بنغازي، فإنهم سيعودون. نعم... أقسموا اليمين بأنهم سيعودون بالمفخخات والمتفجرات».
- «مجلس الشورى العسكري»
في العام الماضي - يقول تقرير عسكري - دخل الشركسي في تعاون مع جماعات وصمت بالتطرف، في حروب فاشلة ضد الجيش انطلاقاً من الغرب، بقيادته لما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي»، التي جرى تصنيفها هي الأخرى ضمن قائمة الكيانات الإرهابية.
ويضيف: حين أصابه اليأس أصبح أنصاره يتعاونون مع منظمة خطرة تضم قادة للمتطرفين، جرى تأسيسها منذ نحو شهرين، وتلقى دعماً من جهات إقليمية، وتسمى «مجلس الشورى العسكري»، برئاسة عميد في المخابرات العسكرية بمصراتة. ونفت هذه الأطراف ضلوع عناصرها في تفجيرات السلماني.
ومن جانبه، كان الجيش أعلن عدة مرات أن المدد من أسلحة ومتفجرات، يأتي للمتطرفين في شرق البلاد، من مصراتة وطرابلس. بيد أنه، وأياً ما كان الحال، توجد ملاحظات قوية لدى أجهزة التحري الأمنية، حول الاختلاط والتعاون بين «الجهوي والمذهبي»، بهدف معاداة الاستقرار ورفض عودة الدولة الموحدة، وهو أمر يستغله متطرفون محليون و«دواعش» قادمون من العراق وسوريا.
ويقول مسؤول في الاستخبارات العسكرية، دون ذكر اسمه، لأنه غير مخوّل له الحديث للإعلام: «هذا تعاون مقلق... هو لا يقتصر على بنغازي، بل وصل إلى مناطق يفترض أنها تخضع للمجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج. إنهم يثيرون نعرات قبلية وبحثاً عن أصول ملكيات الأراضي، ومن استفاد من نظام القذافي، ومن كان داعماً لحلف الناتو، ومن جاء هنا قبل الآخرين. هذا يحدث بين العرب والعرب، وبين الأمازيغ والعرب».
- الصحراء الليبية
يبدو أن الصحراء الليبية، بظهيرها الأفريقي، أصبحت عاملاً مساعداً، هي الأخرى، بتحولها إلى مخزون لمقاتلين يعملون على ترسيخ أقدامهم في هذا البلد. إنه موسم اللعب على خلافات قبلية وجهوية بعضها قديم، وبعضها يعود لما بعد 2011. ويضيف المسؤول نفسه: «عناصر (داعش) تقدم خدمات القتل والتخريب، لهذا الطرف أو ذاك، مقابل عدم اعتراض سبيلهم. كما أن بعضاً من مثل هذه الصفقات يتم فيها إخلاء سبيل محتجزين من (الدواعش) في سجون طرابلس ومصراتة وبنغازي».
ومن يذهب للصحراء، فهي شاسعة... ويظهر أنها أكبر من قدرة أي من الحكومات المتصارعة على السلطة، وفقاً للباحث في مركز «أميركا الجديدة» في واشنطن، باراك بارفي، المعني بقضايا منطقة الشرق الأوسط.
وتضمّنت أحدث دراسة لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، بشأن ليبيا، قلقاً من تزايد تجنيد المتطرفين في القارة الأفريقية، قائلة إن «ليبيا تقدم مركزاً جهادياً مستقبلاً محتملاً في ظل انهيار مراكز الدولة الإسلامية في العراق وسوريا». وتذكر الدراسة تعاون متطرفين من جنسيات مختلفة، بينهم تونسيون ومصريون. وتقول إن هناك عناصر متطرفة في ليبيا من 43 بلداً، منهم 1500 من تونس، و300 من المغرب، و130 من الجزائر، و112 من مصر.
لكن بارفي يقول إن عدد «الدواعش» في ليبيا كان، قبل سنتين، نحو خمسة آلاف يتمركزون في سرت، وبعد ذلك تم دفعهم إلى الصحراء، وهم كثيرون جداً، حيث لا توجد حكومة، ولا قوة، يمكن أن تستمر في مقاتلتهم في هذه المساحات الخالية المجاورة لصحارى مصر وبلدان أخرى. ومثلما وقع تفجير بنغازي، تحدُث تفجيرات بين وقت وآخر في مدن عدة. ويبدو أن المتطرفين يأتون من الصحراء لتنفيذ عملية سريعة ومُحكمة، ثم العودة للفراغ الخارج عن سيطرة الدولة.
ويوضح بارفي، الذي زار أخيراً تركيا وسوريا، قائلاً إن تفجير بنغازي «لا يدل على وجود (داعش) في المدن، وبالتالي لا يمكنه أن يؤسس ولاية، كما يريد... أعتقد أنه أصبح يلجأ لنفس طريقة تنظيم القاعدة، فمركز القاعدة في أفغانستان، ومع ذلك يمكنه تنفيذ تفجير في العراق، أو سوريا، أو لبنان، أو الأردن».
ومنذ أواخر العام الماضي، أي بعد انهيار مركز «الخلافة الداعشية» المزعومة في مدينة الموصل العراقية، لوحظ أن عناصر التنظيم في ليبيا أصبحوا يقتاتون على التنافس بين الخصوم. وأبرز مثال على «العجينة الجهوية المذهبية»، تلك الحروب الصغيرة الدائرة بعيداً عن الأضواء، وبشكل مستمر حيث تتم مصادرة أملاك ومواشٍ، إضافة لقتل وتعذيب، في مناطق تقع إلى الغرب من طرابلس، حتى الحدود مع تونس.
ويقول المسؤول في المخابرات العسكرية: «هناك شخصيات في التنظيم الدولي لجماعة الإخوان، ومن (الجماعة الليبية المقاتلة)، تشارك في تسيير حركة المقاتلين إلى ليبيا، وتقوم في الوقت نفسه بدعم قيادات عسكرية، أحدها، مثلاً، بدرجة لواء، وآخر بدرجة رئيس مجلس عسكري، لكي تتمكن من السيطرة على منافذ الحدود الليبية مع تونس».
ويتابع موضحاً: «جرى خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، رصد لاستغلال المظاهرات في ذلك البلد الجار، لإدخال دفعات جديدة تضم عشرات من عناصر (داعش) الفارين من سوريا والعراق. ولوحظ على من وصلوا لمدينة صبراتة الإنفاق ببذخ على عمليات النقل وشراء السيارات والأسلحة. ولا توجد سلطة تنفيذية قوية لدرء المخاطر التي يرصدها جهاز الاستخبارات هنا».
ولم يتمكن الجيش نفسه من كبح جماح بعض ضباطه ممن يقومون بالانتقام ممن يصفونهم بالإرهابيين. وظهر مشهد صادم لضابط وهو يطلق النار على رؤوس نحو عشرة من هؤلاء في الموقع نفسه الذي شهد تفجير السلماني. ولم تكن هذه العملية الأولى. وطالبت جهات دولية بتقديم الفاعل للمحكمة الجنائية. وتعكس هذه الواقعة ضعف الأجهزة التنفيذية في هذه الدولة بشكل عام.
ويقول بارفي: «أعلم الآن أنه يوجد إعادة انتشار لمقاتلي (داعش) من العراق وسوريا... توقفتْ (دولة الخلافة) هناك، وبالتالي الأجانب يحاولون العودة إلى دولهم في أوروبا، ونفس الشيء مع العرب؛ أي الانتقال من سوريا والعراق إلى ليبيا ومصر وتونس»، مشيراً إلى أن «تنظيم داعش لديه أموال ضخمة جداً، ربما تصل إلى نحو مليار دولار، نتيجة التجارة في تهريب النفط وغيره».
ووسط الفوضى الليبية، ومن خلال هذا التحالف الغريب، تعرّضت معظم محاولات الخروج من النفق المظلم، لعمليات انتقامية، أكثر بشاعة من انفجار يوم الثلاثاء الماضي. فقد اجتياح تحالف من الجهويين والمتطرفين، الشهر الماضي، مناطق نفوذ قبائل عربية وأمازيغية، في غرب البلاد، ما أثار حفيظة هذه القبائل وتقديمها شكاوى للسراج. ويقول تقرير للمخابرات إن الهدف كان تأمين دخول مزيد من المتطرفين القادمين لليبيا من الخارج، حيث إن بعضهم كان يقيم في جبل الشعانبي التونسي قرب الحدود.
- وضع طرابلس
وكلما اشتعلت نار الخلاف في موقع، تجد شهية المتطرفين مفتوحة لاستغلال الموقف، كما جرى في الحرب القصيرة التي وقعت بين قوتين تابعتين للسراج، في مطار إمعيتيقة بطرابلس، منذ أسبوع. لكن عبد الفتاح بنور، الوسيط الذي تدخل لتهدئة الوضع، يقول إن ضعف الحكومة يعد سبباً رئيسياً لاندلاع مثل هذه المشاكل.
ويذهب تقرير أمني آخر إلى أن قيادات عسكرية جهوية في غرب العاصمة استعانت بقتلة محترفين من تنظيم داعش، لتصفية اثنين من قيادات قبيلة ورفلة، هما عبد الله انطاط، وخميس سباق، وذلك حين كانا يسعيان لعقد مصالحة بين قبائل عوينة ومزدة والخلايفة، قبل نهاية العام الماضي... «كان الهدف منع التقارب والتصالح بين هذه القبائل».
ومن بين هؤلاء القتلة، وفقاً للتحقيق، ليبي اسمه مدرج في قوائم الشخصيات الإرهابية، وسبق له تنفيذ عملية إطلاق نار على فندق «راديسون بلو» في باماكو عاصمة مالي. و... «ما زال كثير من المتطرفين الأجانب يتنقلون بين ليبيا ومالي، وحتى وسط أفريقيا... نعم، هؤلاء ليسوا من بلادنا». كما يشرح باجان أغ هاماتو، النائب عن مدينة مينكا في البرلمان المالي، متحدثاً عن تأثير الفراغ الأمني في ليبيا على وسط القارة.
ويخشى سكان طرابلس من تكرار انفجار بنغازي، ووصول السيارات المفخخة لمدينتهم التي كانت تسمى يوماً «عروس البحر»، كما يقول حسين آدم، العضو في حراك «صوت الشعب»، أثناء مشاركته مع ناشطين آخرين يرفعون رايات بيضاء، في وقفة ضد العنف، أمام مسجد القدس. إلا أن الليبيين، والأفارقة عموماً، يبدو أنهم قد تهيئوا لواقع مرير، بعد أن أصبح الإرهاب قادراً على اجتياز الحدود، كما يشير النائب هاماتو.
حين تطرح سؤالاً في بنغازي عن «الخلايا النائمة» بالمدينة، يجيب الدكتور محمد القشاط، رئيس جبهة النضال الوطني، في سخرية ممزوجة بالغضب: «هذه خلايا مستيقظة، لا نائمة»، قائلاً إن مثل هذا التفجير ليس الأول ولن يكون الأخير. ويشير إلى أن «الهمَّ مشترك... من يقومون بالتفجير في ليبيا، يقومون بالتفجير أيضاً في مصر، وحتى العراق، لنشر الفوضى».
ثم يعدد المرات التي تم فيها تنفيذ عمليات ضد الجيش، وضد الرافضين للمتطرفين في بلاده، قائلا إن «الدواعش أصبحوا منتشرين. يقتلون، ويفرون... وللأسف تحرضهم بعض الدول، وتمدهم بالأسلحة والذخائر، مثلما حدث مع سفينة المتفجرات التي أوقفتها السلطات اليونانية قبل وصولها للسواحل الليبية. كانت مثل هذه السفن تفرغ حمولتها في مصراتة، ومنها يتم تزويد المجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة. خط سير (الدواعش) معروف للدول الكبرى... سواء جاءوا لليبيا عن طريق تركيا، أو السودان، أو غيرهما».
ولا يتوقف اللغط في الأوساط الليبية بشأن تكهنات عدة ذات صلة بتفجير الثلاثاء الماضي، مثل حقيقة انتصار الجيش على المتطرفين، وعلاقة التفجير بتوقيف السلطات اليونانية للسفينة التي كانت في طريقها لمصراتة... وفي لهجة حاسمة يقول الدكتور محمد الورفلي، المسؤول السابق في مؤتمر القبائل الليبية: «البعض يلوم على الجيش، لكن هذا غير صحيح، لأن مثل هذه التفجيرات تقع في مدن كبرى فيها مخابرات قوية، مثل لندن، ومدريد، وباريس. أعتقد أن ما حدث مرتبط بمحاولة للتغطية على توقيف اليونانيين لتلك السفينة».
وفي الجانب الآخر من المدينة، يبث الدكتور علي الأسطى، من هيئة السيطرة بالقيادة العامة للجيش، الطمأنينة بين الأهالي، ويقول إن الإرهاب يقع في أي مكان وزمان، وليس له دين ولا وطن ولا موعد. ويدعو الأسطى إلى تلاحم بين الجيش والشرطة والشعب، للحفاظ على المدينة، وبالتالي الحفاظ على الدولة، قائلاً إن «بنغازي محررة، ومستقرة، والأمور فيها طبيعية».
وبعد الحادث أخذ الدكتور الغنودي، عدداً من زملائه، في جولة بالمدينة، لطمأنة المواطنين، ولحثهم على أخذ الحيطة والحذر. ويقول إنه ينبغي على الناس في هذه الظروف أن يفتحوا أعينهم... «كل واحد لا بد أن يكون فرد أمن... وأي واحد غريب، أو ساكن في المنطقة غريب، لا بد من الإبلاغ عنه»، مشيراً إلى أن نشر الإرهاب يستهدف دول المنطقة وليس ليبيا فقط.


مقالات ذات صلة

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوروبا عناصر من الشرطة الفرنسية في باريس (رويترز)

السلطات الفرنسية توقِف مراهقَين إرهابيَّي التوجه كانا يعدّان «عملاً عنيفاً»

أوقفت السلطات الفرنسية مراهقَين أقرّ أحدهما، وهو متأثر بالتوجهات الإرهابية، بإعداد مشروع «عمل عنيف» كان سيستهدف «مركزاً تجارياً أو قاعة حفلات».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية صورة تذكارية تجمع بين رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونواب الأحزاب الأعضاء في لجنة وضع الإطار القانوني لعملية السلام الأربعاء (حساب البرلمان في إكس)

تركيا: الموافقة على تقرير برلماني يدفع عملية السلام مع الأكراد

وافقت لجنة في البرلمان التركي على تقرير يتضمن اقتراحات لوضع قانون انتقالي لعملية السلام بالتزامن مع عملية نزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا منسّق حزب «فرنسا الأبية» مانويل بومبار (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» اليساري يخلي مقره في باريس بعد «تهديد بوجود قنبلة»

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري الراديكالي الأربعاء أنه اضطر إلى إخلاء مقره الرئيس في باريس بعد تلقيه «تهديداً بوجود قنبلة».

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية أكراد خلال مسيرة في ألمانيا للمطالبة بإطلاق سراح زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا بعدما أطلق نداءً من أجل السلام (د.ب.أ)

تركيا: أوجلان يعلن بدء «الاندماج الديمقراطي»

عد زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان أن مرحلة جديدة من «عملية السلام» بدأت في تركيا بينما يستعد البرلمان للتصويت على تقرير يحدد إطارها القانوني.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أفريقيا مسيحيون بعد عودتهم إلى ولاية كادونا كانوا قد اختُطفوا من قِبل مجموعات مسلحة في كومين والي (أ.ب)

نيجيريا: وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب

وصول قوات أميركية لتعزيز القدرة على مواجهة الإرهاب في نيجيريا و«داعش» يكثّف هجماته وحديث عن مقتل 1300 نيجيري خلال 41 يوماً.

الشيخ محمد (نواكشوط)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.