أيام «الشرق الأوسط» في مهرجان صندانس السينمائي ـ 1 ـ: أصوات سينمائية غاضبة تثير عواصف مهرجان الأفلام المستقلة

من الفيلم الروائي «بلايند سبوتينغ»
من الفيلم الروائي «بلايند سبوتينغ»
TT

أيام «الشرق الأوسط» في مهرجان صندانس السينمائي ـ 1 ـ: أصوات سينمائية غاضبة تثير عواصف مهرجان الأفلام المستقلة

من الفيلم الروائي «بلايند سبوتينغ»
من الفيلم الروائي «بلايند سبوتينغ»

هناك الثابت وهناك المتحوّل في صندانس كل سنة
ما كان من المعتاد أن يواجه الزائر، من محلات تجارية ومطاعم يتبدل كل بضع سنوات. هذا يقفل وذاك يفتح. حتى الطقس الذي عهدناه في بعض السنوات ثلجياً تغير ولو أنّ البرد الآتي من فوق الجبال الشمالية ما يزال كما هو.
كذلك ما زال مهرجان «صندانس» على حاله كقوّة سينمائية دافعة مع بداية العام. المهرجان الأهم للسينما الباحثة عن جمهور عريض وللمخرجين والكتاب الذين يطمحون لأفلامهم الأولى أن تكون تذاكر سفر إلى ربوع الاحتراف وتكرار التجارب مستقبلاً.
يوم الخميس الماضي كان موعد افتتاح هذا المهرجان في مدينة بارك سيتي في أعالي ولاية يوتاه. كما أتذكر كان هناك افتتاح كبير واحد قبل خمس عشرة سنة عندما حضرته لأول مرة. ثم صار هناك افتتاحان. في الأعوام الأربعة الماضية صار هناك أربعة أفلام في اليوم الأول كل منها يفتتح قسماً. هذه السنة ستة افتتاحات. بعدها أنت وما في جيبك. إذا ما تسلمت دعوتك لإحدى الحفلات حضرت الحفل وشاركت البهجة العامرة. إذا لم تحضر لملمت يومك الطويل وعدت إلى الشقة التي استأجرتها لتكتب وتنام. أو لكي تنام وتكتب. هناك خَـيار.

الموضوع هو الحاضر
في العام الماضي كانت هناك مظاهرة نسائية ضد تغييب المرأة في الفن والمحافل السينمائية. سارت المظاهرة وسط المدينة ووصلت إلى حيث مركز المهرجان في احتجاج على جملة أمور من بينها الاحتجاج على سياسة ترمب حيال الأقليات. هارفي واينستين، ما غيره، سار في المظاهرة النسائية، ربما لضم صوته أو لغرض آخر. هذا العام لا خبر بعد عن وجود مظاهرة جديدة، وهارفي ليس حاضراً. لكن في المهرجان ريح قوية يصاحبها الهواء اللاذع الآتي من فوق الجبال. موجة «مي تو» («أنا أيضاً») لن تترك المهرجان عابراً من دون تدوين ملاحظتها على الوضع القائم حول سلوكيات الرجال الجنسية والمالية أيضاً.
والمهرجان مستعد للاحتمالات. إدارته خصصت، مع الحكومة المحلية، فريق عمل يتلقى الشكاوى على مدار الساعة. فقط في حالة حدوث شيء مثل أن يتقدم رجل لسيدة ويقول لها «كيف حالك يا حلوة؟». الأفضل ألا يلغي كلمة حلوة ويكتفي بـ«صباح الخير» أو يلغي تحية الصباح بأسرها.
على علاقة بهذا الوضع، ومن باب الخلفي يأتي فيلم RBG الذي افتتح قسم الأفلام التسجيلية. هو إنتاج بريطاني من المخرجتين بتسي وست وجولي كووَن حول شخصية وأعمال وأفكار القاضية روث غينزبيرغ المعروفة بشدّة بأسها في قضايا التفرقة القائمة على التفريق الجنسي. اندفاعاً في سبيل المساواة بين الجنسين.
الفيلم بذاته قد يكون موحياً والمهرجان الذي أسسه الليبرالي روبرت ردفورد وما زال يقوده، اختاره للعرض غالباً لأنّه يناسب المقام. لكن الفيلم ليس ذلك النوع الممكن الدفاع عنه كعمل فني. يعرض قضيته بوضوح وهذه تمثل كل شيء من دون محاولة الخروج عن نمط العمل المباشر صوب أي قدر حقيقي من التفنن. الحرفة التلفزيونية طاغية والسينمائية غير كافية، لكن الموضوع هو الحاضر في الوقت التي تتصاعد أصداء فضيحة أخرى بطلها هذه المرّة الممثل مايكل دوغلاس.
‫عرض RBG في قسم غير متسابق عنوانه Doc Premieres وهو قسم يحتوي كذلك على عدد ملحوظ من تلك الأفلام غير الروائية التي تثير زوابع ناتجة عن اهتماماتها بالحاضر أو المقيم من القضايا. هذا شأن «جين فوندا في خمسة فصول» لسوزان لايسي وهي سينمائية مخضرمة أنتجت، كما يذكرنا «كاتالوغ» المهرجان نحو 125 فيلماً. نظرة خارج الكاتالوغ تحيلنا إلى رقم أصغر بكثير يضم فيلماً عن المصمم الأميركي تشارلز إيمس سنة 2011 وفيلم عن المغنية الراحلة جانيس جوبلِن شاهده هذا الناقد في دورة مهرجان تورونتو سنة 2015.‬
مهما كان الرقم (والغالب أنّه يضم عدداً كبيراً من الإنتاجات التلفزيونية) فإنّ فيلمها الجديد عن جين فوندا يصبّ كذلك في نطاق الأحداث المطروحة للتداول هنا حول المرأة في الحياة العملية وفي هوليوود أساساً، إذ إن فوندا كانت مدافعة عن حقوق الأقليات ومنخرطة في السياسة المناوئة للحروب لجانب أنّها كانت ممثلة متقنة.
نساء عاملات
هذا القسم يحتوي كذلك على فيلم ثالث في عداد تلك التي تدور حول الموضوع النسائي عنوانه «نصف الصورة» ولمخرجة أنثى أيضاً أسمها آمي أدريون، وهو أشبه بالمطرقة التي تدق المسمار في كل هذا الحديث الدائر في هوليوود حول مكانة المرأة العاملة في هوليوود. اختصاص «نصف الصورة» البحث عن الجانب المغيّـب منها حيث حكايات المخرجات والسينمائيات العاملات في هوليوود اللواتي يعانين من قلة الفرص وغياب المساواة في العمل وفي المكافآت. الأهمية الكامنة هنا أن الفيلم يجري مقابلات مع مخرجات قدمن أفلاماً هوليوودية ناجحة، لكن نجاح تلك الأفلام لم يعزز مكانتهن مثل كاثرين هاردويك التي كان آخر ما قدمته هو كوميديا من بطولة درو باريمور وتوني كوليت وشولا أدووسي عنوانه Missing You Already (أنتج سنة 2014 وعرض في العام التالي). كذلك المخرجة أفا دوفرناي التي ترشح فيلمها «سلما» للأوسكار قبل ثلاثة أعوام قبل أن تحوّل اهتمامها لإخراج حلقات تلفزيونية.
كل ما سبق ذكره من أفلام يمتلك ناصية سياسية يتبناها حتى وإن بدت بعيدة عن طرح شؤون أو قضايا سياسية محددة. كذلك الحال بالنسبة لفيلم تسجيلي لا يخلو من الفكاهة يدور حول الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب.
الفيلم هو «رئيسنا الجديد» لروسي يعيش في نيويورك اسمه مكسيم بازودورفكين الذي عرض في مسابقة قسم الأفلام التسجيلية العالمية. وهو مؤلّف من مشاهد معظمها ليس أصلياً بل منقولاً من مصادر إخبارية أو من على أفلام «يوتيوب» وكلها تريد تعزيز فكرة أنّ ترمب لو دخل سباق الرئاسة في روسيا فسيفوز بها، كون الروس يعتقدون أنّهم هم من رجّحوا كفة فوزه في الانتخابات الأميركية وأوصلوه إلى سدّة الحكم.
على الأغلب، لن يحظى الفيلم برد فعل جانح من البيت الأبيض أو حتى بقبول بل سيبقى مجرد عمل توثيقي يشبه قصاصات الورق لأنّ معظم مواده منشورة ومبثوثة من قبل. إنّه من ذلك النوع الذي يطمح لتقديم وجهة نظره من وراء حجاب وليس على نحو مباشر.
في غير هذا القسم هناك أفلام كثيرة من نساء عاملات في مهنة الإخراج أو حول المرأة، وأحد الأفلام المتعددة التي تجمع بين الناحيتين «نانسي» للمخرجة كرستينا شاو التي سبق لها وأن حققت مجموعة من الأفلام القصيرة وبعضها، مثل «أنا جون واين»، نال جوائز مختلفة.
«نانسي» يقص حكاية مثيرة حول امرأة في منتصف الثلاثينات (أندريا رايزبورو) تحاول شق طريقها ككاتبة لكنّها محاولتها تلك لم تحظ بالنجاح بعد. تعيش مع أمّها في منزل عادي السمات في بلدة صغيرة وتمضي الوقت في مطالعة الكومبيوتر. ذات مرّة تتابع الحكاية الواقعية لأبوين افتقدا ابنتهما الصغيرة حين كانت في الخامسة من عمرها وما زالا يعيشان على أمل أن يجداها. المثير هنا هو أنّها تبدأ بالشعور، ثم بالاقتناع، بأنّها الفتاة المعنية وأنّ من اعتبرتها أمها ليست أمها الحقيقية.

ذات مرّة في أوكلاند
في مسابقة الدراما الأميركية (هناك دراما عالمية كما الحال في المسابقة الخاصة بالسينما التسجيلية إذ تنقسم أيضاً إلى محلي وعالمي) التقطت فيلماً بعنوان «بلايندسبوتينغ» (Blindspotting) لمخرج جديد اسمه كارلوس لوبيز استرادا يلخص الكثير حول الوضع العنصري المتمدّد في الولايات المتحدة من دون أن يخلو من حسنات كيفية التناول بحيث لا يتحوّل إلى مطرقة دعائية لطرف أو آخر.
يدور حول رجلين أحدهما أسود والثاني أبيض (ديفيد ديغز ورفائيل كاسل) يعملان شريكين مستقلين في نقل الأثاث. كونهما أتيا من قاع مدينة أوكلاند يعرضهما للاحتكاك بالطبقة الاجتماعية الأعلى. طبقة أثرياء المدينة الذين يمن دون كما لو كانوا يعيشون ضمن سياج وهمي لا يغادرونه كما لا يستقبلون منه عابر طريق. يعمل الرجلان على نحو متآخ معظم الوقت مدركان وضعيتهما لكن هناك دواع لتوقع انفصام عرى بينهما يدفع الفيلم به حثيثاً إنما بهدوء في مطلع الأمر قبل أن يرتفع التوتر بينهما.
لكن «بلايندسبوتينغ» لا يتحدث عنهما فقط، بل عن المدينة التي شهدت سنة 2009 حادثة عنصرية أقدم عليها رجل بوليس أبيض قتل شاباً أسود غير مسلح. المخرج رايان كوغلر كان عالج الموضوع في فيلمه «فروتفال ستايشن» (بطولة مايكل ب. جوردان في دور الضحية). عودة كارلوس لوبيز استرادا إلى الموضوع تأتي من زاوية مختلفة من حيث إن تلك الحادثة تبقى ماثلة في البال مثل نار تحت الرماد عوض أن يدور الفيلم حولها بالتحديد. هذا ما يفسر نزوع الشريك الأسود للخوف من التدخل في حادثة مشابهة يشهد فيها ضرب رجل بوليس أبيض آخر أسود. لكنّنا نعلم أنّ غض النظر يولّد في الداخل وضعاً قابلاً للانفجار. لكنّ المخرج يلعب على حقيقة مناوئة وهي أنّ صداقة الرجلين تمثل بحد ذاتها اعوجاج العلاقة بين البيض والسود على نطاق واسع.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».