حدود التوتر المصري ـ السوداني

القاهرة تتفادى التصعيد وتسعى لـ«الاحتواء»... والخرطوم مع حسم القضايا العالقة

حدود التوتر المصري ـ السوداني
TT

حدود التوتر المصري ـ السوداني

حدود التوتر المصري ـ السوداني

على مدار تاريخ العلاقات المصرية السودانية، لم تنجح الكلمات المعسولة لمسؤولي البلدين وعباراتهم الودودة التي تتحدث عن تاريخيتها الضاربة في القدم، في تصفية الأزمات، وإن لعبت دورا مهماً في تلطيفها وتسكينها، قبل أن يشتعل الوضع من جديد.
وفي الآونة الأخيرة شهدت العلاقات توتراً غير مسبوق، كان محور الخلافات فيه مثلث «حلايب وشلاتين وأبو رماد» الحدودي، والموقف من سد «النهضة» الإثيوبي، إضافة إلى اتهامات سودانية للقاهرة بدعم متمردين مناهضين لنظام الرئيس عمر البشير، وهو ما نفته مصر جملة وتفصيلاً. وبلغ التوتر ذروته مع قرار السودان، قبل نحو أسبوعين، استدعاء سفيره في القاهرة للتشاور، في قرار واجهته القاهرة، بهدوء وحذر شديدين على المستوى الرسمي، فأشارت وزارة الخارجية إلى أنها «تقوم بتقييم الموقف بشكل متكامل لاتخاذ الإجراء المناسب». واتهمت مصر دولاً إقليمية (في إشارة إلى قطر وتركيا) بالسعي إلى توتير العلاقات بين البلدين.
مع كل أزمة تنشب بين البلدين الشقيقين مصر والسودان، تثار التساؤلات، حول حدود التوتر بين البلدين، وماذا سيفضي في النهاية، هل يمكن أن ينتج عنه قطيعة دائمة.... وهل يتطوّر إلى نزاع حدودي مسلح بين شعبي وادي النيل؟
ترى الدكتورة أماني الطويل، عضو المجلس المصري للشؤون الأفريقية، التي تحدثت إلى «الشرق الأوسط» عن العلاقات المصرية السودانية، أن هذه العلاقات «لم تخرج من نفق الوضع المأزوم طوال تاريخها، وهي تقدم نموذجاً فريداً من المد والجزر في حركة دائرية تأبى أن تتقدم إلى الأمام».
- المكوّن العاطفي
وفي حين يؤكد مصدر سياسي مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، أن «مصر ترغب في تهدئة الأجواء مع السودان.... وتأمل ألا يكون (السودان) مخلباً لقوة إقليمية تريد الضغط على مصر وتسميم الأجواء». تشرح الطويل أن «هذه ليست أولى أزمات العلاقات بين البلدين ولن تكون آخرها، فهذه طبيعة العلاقات بين البلدين منذ خمسينات القرن الماضي، بعضها بسبب أزمات واقعية، والآخر بسبب إدراكات مختلفة لكل طرف عن الأخر...»... غير أنها، في المقابل، استبعدت بالمطلق «أن تنهار العلاقات بين البلدين إلى حد ممارسات مسلحة مثلا»، مشيرة إلى «وجود محدّدات للعلاقات بين البلدين، أقصاها التصعيد الإعلامي والتلاسن المتبادل في التصريحات»، ومضيفة «هناك مكوّن مميز في العلاقات المصرية السودانية غير موجود في أي علاقات أخرى، وهو المكوّن العاطفي وعلاقة النسب بين الشعبين، وهي أمور من الصعب كسرها.... وحتى في حالة التلاسن بين البلدين، يكون محصورا في علاقات النخب السياسية، والإعلام بعيدا عن الشعبين.... ومرتبطة بتوافق أو عدم توافق النظامين الحاكمين في البلدين، تحت مظلة الوضع الإقليمي أو النظام الدولي».
ومن جهة ثانية، يرى المحلل السياسي السوداني محمد لطيف، أن التحفظ السوداني حول قضية حلايب وشلاتين والتحفظ المصري حول سد النهضة، هما ما أحدث التوتر بين البلدين، وأن هذه «التطورات حدثت بعد تأسيس «التحالف العربي» و«عاصفة الحزم» وأزمة سوريا مع وجود تركي في البحر الأحمر، ومع الأخبار المتداولة حول تعاون مصري إريتري، زُعم أنه موجّه ضد السودان وإثيوبيا».
والواقع أنه منذ بداية عام 2017 شهدت العلاقات السودانية - المصرية توترات مكتومة على المستوى الرسمي، إلى أن خرجت تصريحات لمسؤولين سودانيين متتالية، أظهرت مدى هذا التوتر، الذي لم يتوقف عند استدعاء السفير، بل طالبت العديد من الصحف السودانية بإلغاء اتفاق الحريات الأربع «غير المفعل»، والذي وقع بين البلدين عام 2004. وينص على إلغاء كل القيود الهجرية الخاصة بالحق في حرية الدخول والخروج والتنقل والامتلاك.
- سد النهضة... يعمّق الخلافات
إحدى أهم الأزمات التي أشعلت الخلاف بين البلدين أخيراً، هي أزمة سد النهضة الإثيوبي، إذ تتهم القاهرة الخرطوم بدعم موقف أديس أبابا في ملف السد، الذي تخشى أن يؤثر سلباً على حصتها السنوية من مياه نهر النيل، مصدر المياه الرئيسي لمصر. ولقد عبّرت الخرطوم أكثر من مرة عن اعتقادها بأن السد سيكون له فوائد. وسلكت المسلك الإثيوبي (المضاد للموقف المصري) في التحفظ عن تقرير استهلالي أعده مكتب استشاري حول التأثيرات المحتملة لبناء السد، ما أدى إلى توقف المفاوضات الفنية بين الدول الثلاث واستمرار الأزمة.
وقبل أسابيع نقلت وسائل إعلام سودانية ادعاءات بأن وزير الخارجية المصري، أبلغ رئيس وزراء إثيوبيا، طلب بلاده بدء مفاوضات ثنائية، برعاية البنك الدولي، حول سد النهضة مع استبعاد السودان من المفاوضات. وتعامل مسؤولون سودانيون مع هذه التقارير الصحافية بجدية، رغم النفي الرسمي المصري، وسط مطالب بوقف إطلاق اتفاق الحريات الأربع (الدخول، والإقامة، والعمل والتملك) مع مصر.
وفي سياق الخلافات حول سد النهضة أيضا، نفت مصر اتهامات وجهها لها السودان بالتعدّي على حصتها من مياه نهر النيل، وقال وزير الخارجية المصري سامح شكري إن السودان «يستخدم بالفعل كامل حصته من مياه النيل ومنذ فترة طويلة». وجاء ذلك ردا على تصريحات لوزير الخارجية السوداني - آنذاك - إبراهيم غندور قال فيها إن «مصر كانت على مدى السنوات السابقة تأخذ حصة السودان من مياه النيل».
الدكتورة الطويل، ترى أن مصر «تشعر بالخذلان من السودان في موقف سد النهضة، لسببين: الأول أن مصر والسودان دولتا مصب لنهر النيل، وليسا كما يقول السودان أنهما دولة ممر، وبالتالي لا بد أن تكون المصالح متطابقة»، والثاني أنه «إذا كان السودان يعول اليوم على الأمطار فنحن مقبلون على ظاهرة تصحر في هذه المنطقة من العالم، والاعتماد على الأمطار بديلا للأنهار أمر في غاية الخطورة، وبالتالي، فجعل محابس النيل العليا في إثيوبيا ليس في صالح السودان لا على مستوى وزنه الإقليمي ولا في مصالحه الاستراتيجية».
ومن جانبه، يقول الباحث المصري مشهور إبراهيم أحمد إن «الأمر اللافت أنه بدلا من أن يكون ملف سد النهضة دافعاً نحو توطيد العلاقات المصرية السودانية، في ظل الخطر، الذي يمكن أن يصيب البلدين من وراء تدشينه باعتبارهما دولتي مصب نهر النيل، فإن الأمور توترت بين البلدين، ولم تكن هناك رؤية مشتركة لمدى تأثير السد على البلدين، بل وظهرت الخلافات بين البلدين إلى العلن، وهو ما يصب بالطبع في صالح الجانب الإثيوبي ويزيد من قوة موقفه».
في المقابل، يرى المفكر السوداني الدكتور حسن مكي، أستاذ العلوم السياسية والمدير السابق لجامعة أفريقيا العالمية، أن «هناك حساسية متزايدة من موقف السودان المستقل في قضية سد النهضة.... السد لا يقام على أرض سودانية، وإنما على أرض إثيوبية». ويضيف مكي، نقلا عن وكالة «الأناضول» «ليس من سبيل لمحاسبة السودان على سياسة دولة أخرى، وإذا كانت لدى مصر تصفية حسابات في هذه القضية، فالسودان لا يريد أن يكسب عداء إثيوبيا في قضية ليس له فيها شأن». ويستطرد منتقداً «مصر تقاعست في مواقف كثيرة، مثل قناة جونقلي.... المصريون يريدون تحقيق مكاسب دون تقديم تضحيات، ما أدخلهم في مأزق سد النهضة». وللعلم، قناة جونقلي هو مشروع لإنشاء قناة ري لنقل بعض مياه بحر الجبل شمالاً لري الأراضي الزراعية في كل من مصر والسودان، وقد بدأ شقها، لكن المشروع توقف، وتحمل الخرطوم القاهرة المسؤولية.
- أبعاد إقليمية للتوتر
على صعيد آخر، شكلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للسودان، الشهر الماضي، وطلبه من نظيره السوداني عمر البشير منح جزيرة سواكن لتركيا «على سبيل الاستثمار»، محورا في إشعال الأزمة الأخيرة بين البلدين، رغم الصمت المصري الرسمي. إذ شنت وسائل إعلام مصرية هجوما حادا على الخرطوم، واعتبرت الطلب محاولة من السودان وتركيا لتهديد الأمن الإقليمي، وإدخال طرف جديد في معادلة أمن البحر الأحمر. وهو ما رد عليه وزير الخارجية السوداني – آنذاك - إبراهيم غندور، بالقول إن «الرئيس إردوغان يعني جزيرة سواكن، وليس كل منطقة سواكن.... والرئيس البشير وافق على الطلب التركي لتكون هذه منطقة سياحية تُعاد سيرتها الأولى، لينطلق منها الحجاج وتكون سياحة وعبادة (....) هي شراكة استثمارية بين بلدين، وهذا أمر طبيعي».
وحول هذه النقطة أبلغ مصدر سياسي مصري مطلع «الشرق الأوسط» أمس أن مصر «ترغب في تهدئة الأجواء مع السودان في هذه الآونة.... وتأمل ألا يكون السودان مخلباً لقوة إقليمية تريد الضغط على مصر وتسميم الأجواء». وشدد المصدر المطلع (الذي فضل إغفال اسمه) أن «لدى مصر مصالح دائمة وحيوية مع السودان لا تقع فقط في ملف المياه، لكنها تشمل أيضا وجودا عسكريا مصيريا في منطقة دارفور ضمن قوات حفظ السلام الدولية».
أما الدكتور هاني رسلان، رئيس وحدة دراسات السودان وحوض النيل بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام» فيرى أن الظهور التركي في وسط البحر الأحمر والمتمثل في جزيرة سواكن السودانية، رغم أنها دولة غير متشاطئة «يعد نواة لتحالف سوداني - قطري - تركي، يمتد ضلعه الرابع إلى دولة إثيوبيا، ويشكل تهديداً لمصر». ويعتبر رسلان أن ذلك يأتي كـ«حلقة من حلقات الانتقال السريع في تحالفات الرئيس السوداني عمر البشير الإقليمية والدولية، وأن التصعيد السوداني مع مصر وصل إلى إقامة تحالفات مع دول تشهد علاقتها مع مصر توترا منذ فترة وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة إلى حد كبير».
وفي السياق ذاته، تعتبر الدكتورة الطويل أن «استدعاء أطراف خارجية في الأزمات مع مصر مسؤولية سودانية بامتياز، تاريخيا، ففي التسعينات استدعت إيران.... وهم يحاولون الآن الاستقواء على مصر بأطراف إقليمية عندما تكون هناك خلافات.... ومصر بدورها استطاعت من قبل أن تستوعب الوجود الإيراني في السودان في فترة حرجة بالنسبة لها، ومن ثم فإن الاستدعاء السوداني لتركيا وقطر أمر قد يقلق مصر.... لكنه لا يصل إلى حد التهديد، وهي قادرة على التعامل معه». وتشير إلى «وجود توازنات إقليمية يجب أن تراعى لأن الخروج عن هذه التوازنات الحرجة يشكل تهديدا للأمن الإقليمي والدولي، ويتسبب في صراع مباشر».
الاتهام ذاته يكرّره السودان الذي يلقي اللوم على أطراف إقليمية بتوتير علاقته بمصر، فوفقا للسفير عبد المحمود عبد الحليم، فإن «بعض الأصداء البيئية الإقليمية والدولية تقف وراء أزمة مصر والسودان حالياً». ويرى المحلل السوداني لطيف، في تصريحات لموقع «سبوتنيك» أن «التطوّرات التي حدثت بعد تأسيس «التحالف العربي» و«عاصفة الحزم» وأزمة سوريا مع وجود تركي في البحر الأحمر ومع الأخبار المتداولة حول تعاون مصري إريتري وما قيل إنه موجّه ضد السودان وإثيوبيا، كان لها دور في هذه التوترات». ويتابع «إن السودان انحاز إلى مصالحه الخاصة، بلا شك»، مشيراً إلى أنه «ليس لمصر الحق في الحديث حول علاقات السودان مع أي دولة أخرى».
- حدث نوعي
غير أن الحدث النوعي في الاتهامات، جاء عبر مساعد الرئيس السوداني إبراهيم محمود، الذي ذكر الأسبوع الماضي، أن بلاده تتحسب لتهديدات أمنية من جارتيها مصر وإريتريا، بعد «تحركات عسكرية» في منطقة ساوا الإريترية المتاخمة لولاية كسلا بشرق السودان. هذا التصريح استدعى رداً من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نافياً وجود دعم عسكري مصري للحركات المتمردة في السودان، إذ قال السيسي «مصر لا تتآمر ولا يمكن أن تحارب أشقاءها.... وقوة الجيش المصري لا تعني الطغيان على الآخرين، وتطوير أمن قومي»، مطالباً وسائل الإعلام «بالانتباه للعلاقة مع الأشقاء». وسبق ذلك تصريح للوزير سامح شكري قال فيه إن مصر «دائما لديها أمل في أن تشهد العلاقات (مع السودان) القدر الكافي بما يراعي تطلعات الشعبين ومصلحتهما وفقا للاتفاقيات السابقة.... وهذا يتطلب جهدا وانفتاحا لسياسات تكون داعمة لهذا التوجه... وهذا تطلع مصر دائما».
هذا، ويبدو أن السودان لمس خلال الأيام الماضية حرص مصر الكامل على علاقاتها معها، كما ترك تصريح السيسي الأخير انطباعاً جيدا عن نيات مصر تجاه السودان. ففي لقائه مع السفير عبد المحمود عبد الحليم؛ يوم (الخميس) الماضي، أكد الرئيس المصري ثقة بلاده في الدبلوماسية السودانية نحو تأسيس علاقات مع دول الجوار كافة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقال عبد الحليم إن البشير «وجّه بالعمل على حل القضايا العالقة مع مصر.... كما اطمأن الرئيس البشير خلال اللقاء على أوضاع الجالية السودانية بمصر».
وهنا، تقول الطويل إن مصر استطاعت أن تتعامل مع التصعيد السوداني بحكمة، لكنها ألقت اللوم أيضا على القاهرة فيما يتعلق بتجاهلها تعظيم المصالح المشتركة بين البلدين، مشيرة إلى وجود «تقصير يجب أن يعترف به، في أفريقيا بشكل عام وفي السودان بشكل خاص، منذ عشرات السنوات، وهو تقصير بدأت مصر تجني ثماره في الوقت الراهن، إذ فقدت أدواتها التفاعلية.... لكن يمكن تجاوز هذا الأمر في المرحلة المقبلة والرئيس السيسي يعمل على ذلك». وتتابع أن «مصر والسودان، لاعتبارات متعلقة بالتاريخ والجغرافيا وثوابت الأمن القومي والمصالح المشتركة بينهما، يجب أن يشكلا نموذجا لأي تكامل عربي يضع في اعتباره تحقيق طفرة اقتصادية لمصلحة رفاهية أبناء المجتمعين وتقدمهم».
-- مثلث «حلايب»... محور صدام دائم
> يشكل النزاع على مثلث حلايب وشلاتين، محور الخلافات الدائمة بين مصر والسودان، لكنه في أحيان كثيرة يستخدم للتعبير عن أزمات أخرى، متعلقة بعدم توافق رأسي السلطة في البلدين حول ترتيبات إقليمية أخرى.
تبلغ مساحة المنطقة الحدودية محل النزاع نحو 22 ألف كيلومتر، وتطل على ساحل البحر الأحمر، على الطرف الجنوبي الشرقي من الجانب المصري، وعلى الطرف الشمالي الشرقي من الجانب السوداني (جنوب مصر)، وتقع فعليا تحت السيادة المصرية. ويطلق على هذه المنطقة اسم «مثلث» كونها تضم ثلاث بلدات كبرى هي حلايب وأبو الرماد وشلاتين.
وطفت القضية لسطح الأحداث أخيراً، بعدما أعلن السودان الشهر الماضي رفضه الاعتراف باتفاقية ترسيم الحدود البحرية المصرية السعودية، بحجة مساسها بحق السودان في «المثلث» الحدودي، لكونها اعترفت بحلايب ضمن الحدود المصرية. ولقد اعتاد السودان تقديم شكوى سنوية إلى الأمم المتحدة عن حقه في «مثلث» حلايب، بينما ترى مصر أن الأمور محسومة لصالحها ولا ترغب في مزيد من التصعيد، اعتمادا على أن السيادة على الأرض لصالحها، بما يشمل ذلك العملة المستخدمة والنظام المصرفي، والوجود الفعلي لقوات الجيش والشرطة المصرية، إضافة للمدارس الحكومية ونظام التعليم وغيرها من المؤسسات. وسبق للخارجية المصرية أن أكدت أنها «غير راغبة في النزاع حول شيء تمتلكه بالفعل، كما أنها تمتلك من الوثائق والأدلة الكافية لإثبات حقها إن اقتضى الأمر ذلك».
ولكن، مع تصاعد التوتر بين البلدين أخيراً قررت السلطات المصرية تكريس السيطرة القائمة هناك بالفعل، عبر إجراءات اتخذت بشكل لافت خلال الأسابيع الماضية، تتضمن بناء عشرات المنازل الجديدة، وإنشاء سد لتخزين مياه السيول وميناء للصيد، وزيارات لمسؤولين كبار، على رأسهم وزير الأوقاف الذي أدى صلاة الجمعة هناك، بثها التلفزيون على الهواء مباشرة. غير أن الخرطوم ترى أن الوجود المصري في المثلث هو {احتلال}.
وفي هذا الشأن يقول الدكتور هاني رسلان (مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام»)، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن السودان يعتمد على قرارين صدرا من وزير الداخلية عامي 1902 و1904 يتعلقان بتبعية تلك المناطق للسودان، لكنه أكد أنهما كانا قرارين إداريين لا يخصان السيادة أو يغيران في الأوضاع. وحسب رسلان «كل الأراضي التي تقع شمال خط 22 الحدودي، أراض مصرية. ومطالب السودان بحقه بتلك المنطقة لوجود قبائل تابعة له هناك، أمر غير صحيح، إذ تنتشر تلك القبائل في مصر وفي كل دول الجوار الأفريقي أيضاً».
لكن الجانب السوداني متمسك بان الحدود الادارية تحولت الى سياسية بقرار الحاكم البريطاني، ويدخل ذلك المثلث ضمن حدود السودان.
من جانبه، يقول الباحث مشهور إبراهيم أحمد إن «توتر العلاقات المصرية السودانية ليس أمراً جديداً، وللأسف لن يكون الأخير، ما دامت هناك مشكلات قائمة لم تحسم بعد، وتثار كل فترة، سواء من قبل دول أخرى، لمنع توطيد العلاقات بين البلدين والاستفادة من تأجيج الخلاف، أو لأسباب داخلية أو مكاسب انتخابية». ويرى مشهور في حديثه مع «الشرق الأوسط» أن مشكلة حلايب وشلاتين تحديداً «نموذج واضح على ذلك، ولا أحد يعلم في كل مرة لماذا تتم إثارتها في توقيت معين، أو لماذا تهدأ الأزمة فجأة رغم أنها لم تحل!!، أو لماذا يحدث اشتباك إعلامي بين البلدين دون أن يكون هناك جديد على أرض الواقع يدعو إلى ذلك»، مطالباً بتشكيل لجنة بين البلدين بخصوص حلايب وشلاتين وغيرها من المشكلات القائمة بالفعل، لحسمها بشكل نهائي، بدلا من الحلول الجزئية لمجرد تهدئة الوضع.
ويضيف مشهور «يجب أن ننتبه لبعد آخر في مشكلة حلايب وشلاتين، إذ أنها تُلقي بآثارها السلبية على العلاقة بين الشعبين، وهنا مكمن الخطورة الأكبر. لأن الحملات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، مثلما هي تسهم في توعية الشعوب بالقضايا، فهي قد تؤجج هوة الخلافات والانقسامات إذا جرى توجيهها بشكل ما، وحتى إذا لم توجه، فإن المشاعر الوطنية ودفاع مواطني كل دولة، عما يشعرون أنه حق لهم قد يؤدي إلى مشاحنات وزيادة المشاعر العدائية».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.