«المنسي» عيسى عبيد... طموح حداثي في مستهل القرن الماضي

صدرت أولى مجموعاته القصصية في 1921

«المنسي» عيسى عبيد... طموح حداثي في مستهل القرن الماضي
TT

«المنسي» عيسى عبيد... طموح حداثي في مستهل القرن الماضي

«المنسي» عيسى عبيد... طموح حداثي في مستهل القرن الماضي

تكشفت مؤخراً صفحة مهمة من تاريخ الفن القصص المصري، والأدب العربي الحديث، بإعادة الهيئة العامة لقصور الثقافة المصرية طبع الأعمال القصصية الكاملة للكاتب عيسى عبيد، الذي صدرت أولى مجموعاته القصصية عام 1921، على أن يلحق بها طبع أعمال شقيقه شحاتة عبيد.
وتبيّن المقدمة الضافية للناقد والأكاديمي الدكتور صبري حافظ، الذي تولى مهمة الإعداد والتقديم لهذه الأعمال التي كاد يطويها النسيان، الأهمية الكبرى لإبداع الأخوين «عبيد»، وبالأخص عيسى، الذي بدأ مجموعتيه القصصيتين «إحسان هانم» و«ثريا» بمقدمتين مهمتين تبرزان طموحاً حداثياً وأفكاراً طليعية بدت غريبة عن سياق الأدب العربي في مطلع القرن الفائت، بل إن القصص ذاتها قوبلت باستغراب حتى إن صحافياً وصفها في ذلك الزمن بأنها «عالية جداً على عقلية الجمهور».
ولا يعرف الكثيرون شيئاً عن سيرة الأخوين «عبيد»، وهناك اختلاف حول كونهما من أصول مصرية، أمْ شامية، كما دوَّن البعض، وهو ما لا يرجحه حافظ، مستدلاَ بتعصب عيسى لمصريته، الذي لا يقل عن تعصب الزعيم الوطني مصطفى كامل. وكان أول من عرّف الجمهور بعيسى عبيد وشقيقه هو يحيى حقي في كتابه «فجر القصة القصيرة»، واصفاَ إياهما بـ«لغز فجر القصة المصرية»، ليعيد إليهما قدراً من الاهتمام، ويعاد بعد ذلك طباعة مجموعة قصصية لكليهما، وتكتب بعض المقالات عن أعمالهما، لكن سرعان ما طواهما النسيان مرة أخرى حتى تصدر أعمالهما الكاملة بجهد من الدكتور حافظ، الذي عثر على مسرحية ألّفها الأخوان معاً.
ولا تكتسب المجموعة القصصية الكاملة لعيسى عبيد أهميتها فقط من القصص المصرية المعاصرة والسابقة لزمانها بما تحمل من سمات طليعية حداثية، بل تتخذ المقدمتان اللتان تسبقان القصص أهمية كبرى؛ إذ أخذ عبيد على عاتقه طموح «المساعدة في إيجاد أدب عصري مصري خاص بنا وموسوم بطابع شخصيتنا وأخلاقنا»، كما يقول، مدفوعاً بآماله العظيمة في أن «الاستقلال التام لمصر عن بريطانيا العظمى لا بد أن يستقل معه الأدب المصري».
ونتيجة إيمانه بمبادئ ثورة 1919 التي فجّرها المصريون ضد الاحتلال الإنجليزي، و(التي ستحتفل مصر بمئويتها العام المقبل) أهدى الكاتب عيسى عبيد مجموعته القصصية الأولى «إحسان هانم» الصادرة عام 1921 إلى سعد باشا زغلول، قائد الوفد المصري الذي وكّله المصريون للتفاوض على جلاء الإنجليز عن مصر، واندلعت الثورة مع رفض بريطانيا سفره ونفيه خارج البلاد.
وتصلح المقدمة التي أعدها عيسى عبيد لمجموعته الأولى «إحسان هانم» ديباجةً لدستور الحداثة المصرية، بما تطمح إليه وبـ«الرغبة الشديدة في إيجاد أدب مصري موسوم بطابع شخصية الأمة المصرية حتى تعد أمتنا من الأمم المستقلة، مهما كان نظامها السياسي؛ لأن الأدب معيار رقي الأمة».
وكما يورد الدكتور حافظ، فإن هذه المقدمة تكشف عن «وعي راقٍ بما يمكن أن ندعوه بسسيولوجية الثقافة الأدبية في هذا الوقت المبكر من تاريخ الكتابة الأدبية والتنظير»، وبها «حاول عيسى عبيد أن يجعل من نفسه رسول النهضة القادمة في الأدب وبدأ في المنداة بها».
ويؤمن عيسى شديد الإيمان بأن «الثورة المنتظرة في عالم الأدب العصري المصري سترمي إلى القضاء على الأدب القديم الجامد المتشابه المبتذل، وستكون أشبه بالثورة التي قام بها فيكتور هوجو ضد الأدب المدرسي، وتلك التي نادى بها إميل زولا وجماعته ضد المذهب الخيالي لإيجاد مذهب الحقائق، أساس أدب الغد».
ويبدأ عبيد مقدمته بانتقاد الأدب السائد في عصره، مبرزاً ما سماه «عيوب الكاتب المصري وأمراض ذهنيته»، و«إقدام كتابنا في هذا الزمن على المسرح (الذي يسميه «المرسح» بنطق هذا الزمن)، الذي لا يظهر إلا الروايات الخيالية الضئيلة الجوفاء، مرجعاً ذلك لعوامل عدة، منها: مزاج الكتاب المصري ونفسيته، ولجوؤه للخيال إلى درجة مدهشة، حتى «أصبح هذا الخيال ظاهراً في كل رواية مصرية بتجنبه تصوير الحياة الحقيقية»، كما أن التقاليد الشرقية المقيدة قضت تقريباً على الاختلاط الجنسي، وضاعفت من أزماته (الكاتب) النفسانية الشديدة، كما أنه لم يتدرب بعد على الملاحظة والتحليل النفسي، فتبدو شخصياته أشباحاً بلا أرواح. هذا إلى جانب ضعف ملكة الوصف والتصوير (لدى مؤلفي هذا العصر).
وينتقد عيسى، السيد لطفي المنفلوطي، (كبير كتاب اليوم) بحسب وصف عبيد له، وروايته «تحت ظلال الزيزفون» التي حاول تعريبها عن ألفونس كار، بعد أن قضى بقسوة على شخصية «إستيفن» بطل الرواية.
ويضع عبيد عدداً من الدروس للكاتب المعاصر، ويرى أن غاية الرواية يجب أن تكون التحري عن الحياة، وتصويرها بأمانة وإخلاص، بحيث تكون عبارة عن «دوسيه» يطّلع فيه القارئ على تاريخ حياة إنسان أو صفحة من حياته... و«يدرس فيه أسرار الطبيعة البشرية وخفايا القلب الإنساني الغامض والتطور الاجتماعي والأخلاقي وعوامل الحضارة والبيئة والوراثة في نفوس الأشخاص؛ وذلك مع بعض التحفظ في إبداء حكمه أو آرائه الشخصية»، مشدداً على أن مهمة الكتاب الأساسية تشريح النفوس البشرية، وتدوين ما يكتشفه من الملاحظات.
ويوقن عيسى عبيد أن أفكاره عن الأدب أو ما وصفه بـ«الطريقة الجديدة ستصادف بادئ ذي بدء اعتراضاً شديداً ممن يتوهمون أنهم أساتذة جادت بهم العناية الإلهية لهداية الأمة وحملها على اتباع آرائهم»، لكنه مع ذلك لا يتوقف عن الإيمان بضرورة النهوض بالأدب ليواكب الثورة التي أشعلها المصريون والتي تنبئ بنهضة عامة، قائلاً إن «الثورة الفكرية التي تسري بقوة هائلة في دمائنا وحملتنا على محاربة كل شيء قديم تجعلنا نستبشر بحدوث نهضة عامة في مصر؛ لأن النهضة تتبع عادة الثورة، وتكون نتيجة طبيعة لها».
اللافت، انحياز عبيد، سواء في قصصه أو مقدمته، للمرأة، دافعاً لمزيد من تحرير النساء ومطالبته بمنحهن الحقوق الكاملة، مخصصاً عدداً كبيراً من القصص في المجموعتين (اللتين تحملان أسماء «ثريا» و«إحسان هانم») لإبراز ما تواجه المرأة من ظلم مجتمعي وإجحاف ومعاملة متدنية، مستنداً لإعجابه الشديد بالدور النسوي للمرأة المصرية «المخدرة والمحجبة»، ومشاركتها في ثورة 19، ونزولها «إلى ميدان العمل متظاهرة جنب الرجل، مطالبة بشجاعة وجرأة بحقوق بلادها؛ الأمر الذي لم تكن تستطيعه قبل أن تهيج الثورة جهازها العصبي».
ويبقى السؤال، هل تحقق ما نادى به عيسى عبيد خلال مقدمته وفي القصص التي تلتها؟، أو بصيغة أخرى «هل يستحق عمل عيسى عبيد منا الاهتمام به الآن بعدما قطعنا نصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وبعد انصرام ما يقرب من القرن على كتابته، قطع فيه السرد العربي خطوات فساح مع التطور؟»، وهو ما يجيب عليه الدكتور صبري حافظ بـ«نعم وعن جدارة، وإلا لما كان ثمة داعٍ لتبديد الجهد والوقت في إخراج مثل هذه الأعمال للنور». ويضع حافظ أسباباً عدة لأهمية كتابات عيسى عبيد، أولها أن هذه الأعمال جزء أساسي من ذاكرة الخطاب السردي العربي، وثانيها أنها تشكل حلقة أساسية في تطور هذا الخطاب، وثالثها أن «العالم الذي جسدته هذه القصص قد مضى لغير رجعة، ولا سبيل إلى استنقاذه من براثن النسيان والضياع إلا عبر هذه النصوص؛ لأن دعوة عيسى لمذهب الحقائق وإلى الاحتفاء بالملاحظة مكّنته من أن يرصد لنا صفحة من تاريخ مصر الاجتماعي والإنساني، مسجلاً لنا صفحة من طبيعة الشخصية المصرية وخلجاتها ومشاغلها وهمومها ومطامحها، وتكتب لنا شريحة مهمة من شرائحها المتعددة لما تكتب قبل ولا أحسب أنها كتبت بعد بهذه الإحاطة والحساسية».



«شمال سيناء» عاصمة للثقافة المصرية 2026

وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو (وزارة الثقافة)
وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو (وزارة الثقافة)
TT

«شمال سيناء» عاصمة للثقافة المصرية 2026

وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو (وزارة الثقافة)
وزير الثقافة المصري أحمد فؤاد هنو (وزارة الثقافة)

اختارت مصر محافظة شمال سيناء لتكون عاصمة البلاد الثقافية في عام 2026، في إطار رؤية وزارة الثقافة لتعزيز حضور الأنشطة الثقافية والفنية في مختلف ربوع الجمهورية، ودعم الخطط الهادفة إلى تنشيط الحركة الثقافية في شمال سيناء، بما يسهم في مد جسور الثقافة والإبداع إلى جميع المحافظات.

وجاء هذا الاختيار بعد الموافقة على استضافة المحافظة مؤتمر أدباء مصر، وأكد وزير الثقافة المصري، أحمد فؤاد هنو، أن اختيار مدينة العريش لاستضافة مؤتمر أدباء مصر يُجسّد مكانتها التاريخية والحضارية، ودورها في إثراء المشهد الثقافي المصري، مشيراً، في بيان للوزارة، الاثنين، إلى أن فعاليات عام الثقافة ستمتد إلى مختلف مدن شمال سيناء، وستتضمن برامج متكاملة تشمل الفنون والآداب والتراث والأنشطة الموجّهة للشباب والأطفال.

وشكر وزيرُ الثقافة، اللواءَ خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، لدعمه المستمر للأنشطة الثقافية، والتعاون المثمر بين المحافظة ووزارة الثقافة في خدمة الحركة الأدبية والفنية.

مؤكداً أن الوزارة ستعمل بالتنسيق مع محافظة شمال سيناء لضمان خروج فعاليات مؤتمر أدباء مصر، وفعاليات «عاصمة الثقافة المصرية 2026» بصورة متميزة تبرز إرث العريش الثقافي والحضاري، وتؤكد على مكانتها كمدينة محورية على خريطة الثقافة المصرية.

ويرى الدكتور مسعود شومان، رئيس الإدارة المركزية للشؤون الثقافية بهيئة قصور الثقافة، أن «اختيار أي محافظة عاصمة للثقافة المصرية يكون غالباً مرتبطاً بإقامة مؤتمر أدباء مصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سيناء تتميز بكنوز تراثية عظيمة على مستوى الثقافة المادية والتراث المادي، حيث تتميز بصناعات تراثية كثيرة جداً، أو التراث غير المادي من عادات وتقاليد وأطعمة وغيرها من العناصر».

ولفت شومان إلى عقد مؤتمر في الفترة الأخيرة عن الصناعات الثقافية والإبداعية في شمال سيناء، لإلقاء الضوء على الصناعات والحرف التقليدية التي تتميز بها سيناء سواء في العريش أو لمدن الأخرى مثل الشيخ زويد والمساعيد ونخل والنجيلة وغيرها، «فكل مكان يتميز بحرف تراثية بدوية إلى جانب الشعر البدوي وفنون السامر والأطعمة الخاصة بالمكان، وهو ما يتيح لفرصة للأدباء للتعرف على سيناء وثقافتها وعاداتها وتقاليدها».

وتعد مدينة العريش من أهم المدن المصرية على البحر الأبيض المتوسط، وهي عاصمة محافظة شمال سيناء، وتضم العديد من الآثار والمناطق السياحية والمواقع الثقافية التي تحفل بالأنشطة على مدى العام.

ويرى الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، ومدير عام البحوث والدراسات الأثرية والنشر العلمي بجنوب سيناء بوزارة السياحة والآثار سابقاً، أن اختيار شمال سيناء عاصمة للثقافة المصرية يؤكد على الإرث الحضاري والتاريخي الكبير الذي تزخر به شبه جزيرة سيناء، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «ما تمتلكه سيناء من مقومات أثرية وتاريخية وحضارية وعادات وتقاليد تنعكس في الفنون وأنماط الإبداع الثقافي المختلفة، يجعلها تستحق هذا اللقب بجدارة».


«العندليب ينتشي: تأملات في عمر الخيام»... قراءات بالريشة والنحت

أمام لوحة استوحاها من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران (الشرق الأوسط)
أمام لوحة استوحاها من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران (الشرق الأوسط)
TT

«العندليب ينتشي: تأملات في عمر الخيام»... قراءات بالريشة والنحت

أمام لوحة استوحاها من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران (الشرق الأوسط)
أمام لوحة استوحاها من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران (الشرق الأوسط)

تولد أفكار الفنان التشكيلي الفرنسي جيرالد فولتيت عن سابق تصور وتصميم، وتنبع من نصوص أدبية لشعراء وفلاسفة عرب وأجانب. وكما ألبير كامو ودويستوفسكي، كذلك يستقي موضوعات لوحاته من جبران خليل جبران، وإيتل عدنان، وأمين معلوف.

أحدث معارضه «العندليب ينتشي: تأملات في عمر الخيام»، في غاليري «ميشين آرت» في مار مخايل، يقدّمه برؤية فنية يطلقها من باب التواصل مع الآخر. فما يشغل فولتيت دائماً هو استحضار هذه العلاقات في أعماله. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «تشغلني دائماً لغة التواصل مع الآخر. أراها في أساليب مختلفة، وأهمها تلك الفكرية المتناغمة. فلغة التواصل مع الآخر واسعة، وتهمّني كل الوسائل التي تشمل، الملموس وغير الملموس».

منحوتات تتوزع على أرضية ترابية استقدمها من جبال لبنان (الشرق الأوسط)

وعن أعماله الفنية المعروضة يقول: «في لوحاتي ألجأ إلى نصوص أدبية وشعرية لأُبرز التواصل الفكري والفني معاً. أستوحي الفكرة الأساسية للوحة وأترجمها بريشتي. أتجاوز أحياناً حدود الريشة إلى فن النحت، وأحلِّق في فضاء آخر أمدّه بمعانٍ شاملة من خلال التجهيزات الفنية. وجميع هذه الفنون تحضر في معرضي اليوم».

يتناول فولتيت في أعماله رمزية الكرمة، كما الأرض الترابية والجذور، يزخرفها بالحبر الصيني، وينقّح مضمونها بنصوص مكتوبة بحروف صغيرة، ومن ثم يفردها على مساحات واسعة تُحيي لدى الناظر إحساساً بالسفر. هكذا يجد المتلقي نفسه في رحلة فنية تتطلّب التركيز والتحليل لاستيعاب تفاصيلها وصورها.

متأثراً بأشعار عمر الخيام، راح فولتيت يبحث في العمق وما بين السطور، فوجد نقاط تواصل عدة يشرحها بالقول: «هؤلاء الفلاسفة حين يكتبون تستغرق إنتاجاتهم وقتاً طويلاً، ولن أستطيع يوماً مجاراتهم في أفكارهم. لكنني، في المقابل، أستطيع أن أستخلص منها موضوعات لأعمالي. وانطلاقاً منها أغوص في ذاتي. فأوقظ نبضات حياة كانت نائمة في أعماقي، لأشعر بولادة جديدة تتيح لي اختراق لا وعيي. وفي الوقت نفسه أنسج علاقة بيني وبين تلك المدونات، فأمدّ جسوراً خارجية للتواصل مع الآخر».

فولتيت اتَّخذ من الكرمة العنوان العريض لموضوعات معرضه (الشرق الأوسط)

من أشجار الكرمة وصخور الطبيعة والينابيع والأنهار، يقطف جيرالد فولتيت ثمار موضوعاته، ويشبكها معاً في علاقة خيالية. فتؤلف أعماله حوارات مع بعضها البعض. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «أتخذ من الكرمة العنوان العريض لمعرضي. ومنها تولد صور التواصل ما بين شعر عمر الخيام وفلاسفة وفنانين غيره.

كثيرون هم الكتّاب والشعراء الذين تأثروا بمدوناته. حتى إن الراحلة أم كلثوم غنّت (رباعيات الخيام)». ويتابع: «في واحدة من لوحاتي بنيت جسراً بين شعر عمر الخيام والكاتب أمين معلوف. واخترت مقطعاً من كتابه (سمرقند) لأرسم صخرة كانت تعني الكثير لعمر الخيام، ويستوحي منها أشعاره».

وفي إحدى زوايا المعرض، يطالعك فولتيت بمجموعة من المنحوتات التي ألصق عليها تدوينات بالفرنسية. ويوضح قائلاً: «استوحيتها من شعر لإيتل عدنان، وقد دونتها تحت عنوان (27 أكتوبر). ولفتني في نصوصها تأثرها بأسلوب عمر الخيام، فنسجت هذه العلاقة بينهما عبر هذه المنحوتات».

قصائد رومانسية وأخرى حالمة يترجمها فولتيت أعمالاً فنية، حتى ليخيَّل لمن يشاهدها أنه يصغي إلى موسيقى تنساب بهدوء من لوحاته الشاسعة. ويعزّز هذا الإحساسَ استخدامُه تقنية قائمة على ورق ياباني شفاف مرسوم عليه بالحبر الصيني. مما يضفي مشهداً يسوده الصمت والسكون.

يمد فولتيت جسر التواصل بين قراءات شعرية ورسوماته (الشرق الأوسط)

ومن كتاب «النبي» لجبران خليل جبران، اختار الفنان الفرنسي 26 مقطعاً، ونسخها بالريشة باللغتين الإنجليزية والفرنسية.

بعد ذلك ينتقل زائر المعرض إلى فسحة مفروشة بالتراب، زرعها جيرالد بمنحوتات تمثّل رؤوس أشخاص مختلفين. وتحت عنوان «فولتيت»، يوزّع هذه الرؤوس على أرضية جلب ترابها وحجارتها من إحدى المناطق الجبلية في لبنان. ويقول: «إنها تشكّل انعكاسات لوجوه تتواصل مع بعضها. وقد استوحيتها أيضاً من قصائد عمر الخيام. وهي لا تشبه أحداً، ولا تذكرني بشخص أعرفه؛ فهي مجهولة الهوية، لكنها تحمل ملامح معبّرة».


«البحر الأحمر السينمائي» يجتذب صناع الأفلام من أنحاء العالم

تشهد السوق حركة مكثفة (إدارة مهرجان البحر الأحمر)
تشهد السوق حركة مكثفة (إدارة مهرجان البحر الأحمر)
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يجتذب صناع الأفلام من أنحاء العالم

تشهد السوق حركة مكثفة (إدارة مهرجان البحر الأحمر)
تشهد السوق حركة مكثفة (إدارة مهرجان البحر الأحمر)

تواصل سوق البحر الأحمر السينمائي في نسختها الخامسة تعزيز موقعها بوصفها أكبر سوق سينمائية داخل المهرجانات العربية، بعدما أصبحت مساحاتها تمتلئ بثمانين جهة عارضة من عشرين دولة، تمتد من روسيا والصين وتركيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، إضافة إلى حضور عربي واسع يشمل مؤسسات رسمية وشركات خاصة ومنصات بث وقنوات رئيسية.

هذا الزخم الدولي بدا واضحاً في مشاركة شركات تحضر للمرة الأولى بهدف واضح يتمثل في بناء الشراكات واستكشاف مواقع التصوير، إلى جانب المؤسسات التي جاءت بعروض تقنية وخدمات إنتاجية متنوعة، ومحاولات جذب لصناع الأفلام للتصوير بالعديد من الدول والاستفادة من المميزات التي تتيحها سواء الدول التي تمثلها هذه الجهات أو مواقع التصوير المفتوحة.

وتشهد السوق حضوراً تركياً متزايداً من شركات إنتاج تعمل على توسيع نطاق مشاريعها عبر التعاون مع المنطقة العربية واستقطاب إنتاجات مشتركة، فيما تحضر الشركات الصينية عبر وفود تركز على خدمات ما بعد الإنتاج والتقنيات الرقمية، وتبحث عن شراكات تمتد نحو الشرق الأوسط. أما الجانب الفرنسي فيمثله عدد من المؤسسات التي تقدم برامج دعم وتطوير وتسعى إلى جذب مشاريع عربية للتعاون في مراحل مختلفة من الإنتاج، ما جعل التنوع الدولي ملموساً داخل كل زاوية بالسوق.

جانب من اللقاءات في جناح هيئة الأفلام (الشرق الأوسط)

داخل السوق نفسها، يمكن ملاحظة العدد الكبير من الاجتماعات الثنائية والمحادثات القصيرة التي تحدث بشكل متواصل بين الأجنحة. جزء كبير من النقاشات يدور حول فرص التصوير في السعودية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة باعتبارها من أكثر المواقع قدرة على استيعاب إنتاجات متنوعة، بفضل الطبيعة الجغرافية المتباينة والبنية التحتية المتنامية، فضلاً عن الحوافز الموجهة للإنتاج الدولي.

لم تقتصر هذه المناقشات على الشركات الأجنبية، بل تشمل حضوراً عربياً واسعاً يعمل على إعادة بناء العلاقات المهنية وتحديد مشاريع مشتركة مقبلة؛ وتشكّل السوق بالنسبة للعديد من المشاركين مساحة لتعريف الآخرين بخدماتهم، والتفاوض حول الإنتاج المشترك، وإيجاد شركاء يمكن الاعتماد عليهم في مراحل التطوير أو التنفيذ أو ما بعد الإنتاج.

ويوجد من السعودية عدة مشاركات، منها جناح «هيئة الأفلام السعودية» باعتباره أحد أكثر الأجنحة حركة داخل السوق، وخصصت الهيئة فريقاً كاملاً لعقد اجتماعات مكثفة مع جهات دولية، للتعريف بما تقدمه المملكة من مزايا إنتاجية تشمل تنوّع مواقع التصوير، والحوافز المالية، والبنية التحتية المتنامية، كما عرض فريق الهيئة تفاصيل متعلقة بإجراءات التصوير، وأنظمة تسهيل قدوم الفرق الأجنبية، والبرامج الموجهة لدعم الإنتاجين المحلي والدولي.

وفي الجهة المقابلة، قدّم «فيلم العلا» حضوراً محورياً بجناحه الذي يشكّل نقطة توقف أساسية لصناع السينما المهتمين بالمواقع الطبيعية، ويعرض الجناح بشكل مباشر خرائط وتمثيلات بصرية لمواقع التصوير الفريدة في العلا، ويقدّم تفاصيل عملية حول الخدمات اللوجيستية، والبنية المتاحة لفرق الإنتاج، والنجاحات الأخيرة للإنتاجات الأجنبية المصوّرة في المنطقة.

وفي المشاركة الأولى لـ«لجنة كردستان للأفلام»، قالت رئيستها باف ياسين لـ«الشرق الأوسط» إن وجودهم يأتي للترويج لما يملكه الإقليم من مواقع تصوير مختلفة ومناخات متعددة، موضحة أن «اللجنة تمثل جهة رسمية غير هادفة للربح، وأن الانطلاق من (سوق البحر الأحمر) خطوة مدروسة بالنظر إلى كونها السوق الكبرى في المهرجانات العربية، ويمنحهم فرصة اللقاء المباشر مع مهنيين يبحثون عن شراكات جادة».

رئيس المهرجان خلال جولته في السوق (الشرق الأوسط)

أما الجناح العراقي فضمّ مؤسسة بغداد للأفلام وشركة السينما العراقية ومنصة «1001»، وقال محمد الغضبان، مدير مؤسسة بغداد للأفلام، لـ«الشرق الأوسط» إن مشاركتهم تستهدف تطوير العلاقات المهنية وإبراز التسهيلات التي بات العراق يقدمها في مجال التصوير والإنتاج، مشيراً إلى أن عام 2026 سيكون عاماً مفتوحاً لاستقبال مشاريع جديدة.

وأضاف أن الجناح يعمل أيضاً على تعزيز وعي صنّاع المحتوى العراقي بآليات التطوير والتشبيك، إلى جانب عرض إمكانات الشركات الخاصة التي أصبحت جزءاً من المشهد الإنتاجي في البلاد.

ومن الجانب المصري، قال أيمن رضوان، مدير الاستوديوهات بمدينة الإنتاج الإعلامي، لـ«الشرق الأوسط» إن مشاركتهم في السوق تركز على التسويق لما تقدمه المدينة من خدمات واستوديوهات متكاملة، موضحاً أن وجودهم يأتي أيضاً في إطار الشراكة المستمرة مع المهرجان في مجال ترميم الأفلام، وهي شراكة أثمرت مشاريع متعددة خلال السنوات الماضية.

وشهدت السوق إطلاق شركة «إرث» باعتبارها أول غرفة كتابة مشتركة بين مصر والسعودية، حيث تعمل على تطوير كتابة المحتوى الدرامي في القاهرة والرياض، مع سعي الشركة لتطوير قصص عربية تستحق أن تروى على الشاشة عبر دعم المواهب الكتابية المميزة وخلق مساحة لها عبر مسارات متعددة.

وفي حضور دولي لافت، يشارك مجمّع موسكو السينمائي «موسكو فيلم كلاستر» للمرة الأولى، وهي مشاركة تأتي ضمن خطة توسيع التعاون مع المنطقة بعد اتفاقيات وقعت سابقاً مع جهات في تركيا ومصر، حيث يقدّمون في جدة عرضاً متكاملاً لمكونات المجمّع، من استوديوهات غوركي التاريخية إلى مشروع مدينة الأفلام الذي يضم أكبر شاشة كرومة خارجية في أوروبا.

ويتابع الرئيس التنفيذي لمؤسسة البحر الأحمر السينمائي، فيصل بالطيور، هذه الأنشطة بحضوره داخل السوق بشكل يومي، حيث يقوم بجولات بين الأجنحة ويلتقي بوفود مختلفة، ويستمع إلى ملاحظاتهم واحتياجاتهم، مما يعكس رؤية المهرجان في التعامل مع السوق باعتبارها جزءاً أساسياً من بنيته.