كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

ضغوط تضخمية متوقعة خلال العام الجديد

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟
TT

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

بعد أن أخذت البلدان المستوردة للنفط استراحة لالتقاط الأنفاس منذ 2014، وقت أن بدأت الأسعار العالمية للبترول في التراجع بقوة، عادت أسعار الخام إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخير، لتضع صانعي القرار في كثير من البلدان العربية أمام قرارات حرجة بتقليص دعم المنتجات النفطية.
وحتى الخميس الماضي، كان خام القياس العالمي مزيج «برنت» قد اخترق مستوى 70 دولاراً للبرميل، معبراً عن حالة انتعاش أسعار النفط، في الوقت الذي أعلنت فيه حكومات عربية عن زيادات في أسعار الوقود خلال 2018، وأخرى تستعد لصدور هذه القرارات.
«الشرق الأوسط» تعرض لكم بعضاً من تجارب دعم الوقود في العالم العربي ومدى تأثره بارتفاع أسعار النفط.
تونس.. رفع المحروقات يشغل الغضب الشعبي
بعد عام من التضخم المتصاعد، استهلت تونس 2018 عاماً جديداً بإجراءات تهدف لكبح العجز المالي، لكن من المتوقع أن يكون لها آثار تضخمية، ويأتي على رأسها زيادة أسعار الطاقة.
وتراوحت الزيادة في أسعار المحروقات التي أقرتها السلطات في بداية الشهر الحالي بين 50 مليماً للتر الواحد من جميع المحروقات النفطية، و0.3 دينار تونسي لقوارير الغاز المعدة للاستخدام العائلي.
ويعتمد الإنتاج الصناعي والأنشطة التجارية والخدمات على المحروقات كمصدر أساسي للطاقة، لذا فإن الزيادة الأخيرة في أسعار المواد النفطية تمهد لموجة جديدة من زيادة الأسعار.
ويتم إنتاج 98 في المائة من الكهرباء في تونس بالاعتماد على الغاز الطبيعي، ومع التراجعات الأخيرة للعملة المحلية أمام الدولار وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، اتجهت السلطات لزيادة أسعار الكهرباء أيضاً. وبناء على حسابات المرصد التونسي للاقتصاد فقد انخفض الدينار التونسي أمام الدولار بنحو 50 في المائة خلال الفترة من مارس (آذار) 2014 وحتى يونيو (حزيران) 2017.
وقال مصدر بالشركة التونسية للكهرباء والغاز (شركة حكومية) إن المعدل العام للزيادة في تكلفة الكهرباء في 2018، باستثناء فئة «الحرفاء»، سيكون 8 في المائة، وستزيد أسعار الغاز الطبيعي بالنسبة نفسها للفئات نفسها.
أما فيما يتعلق بالفنادق والمصانع والمؤسسات الصغرى فإن نسبة الزيادة في فاتورة استهلاك الكهرباء ستبلغ 11 في المائة أي زيادة بـ13 مليماً عن الكيلوواط/ ساعة، وهو ما يزيد من ضغوط تكاليف الإنتاج.
وبجانب زيادات أسعار الطاقة، فمن المنتظر زيادة أسعار المياه أيضاً، وأكد مصباح الهلالي، المدير العام للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (شركة حكومية)، مراجعة أسعار مياه الشرب وتوقع زيادتها بنحو 5 في المائة، لكنه أشار إلى أن تعديل الأسعار سيتم بشكل تدريجي.
وتشهد تونس، منذ الاثنين الماضي، سلسلة من التظاهرات الاحتجاجية ضد السياسات الاقتصادية التي تضمنتها موازنة 2018، والتي شملت، بجانب زيادة أسعار بنود الطاقة، ارتفاع في ضرائب الاستهلاك.
ويشير الخبير الاقتصادي سعد بومخلة إن الزيادات الأخيرة في ضرائب الاستهلاك سيكون لها تأثير كبير على أسعار السلع.
«تم رفع نسب الأداء على القيمة المضافة من 18 في المائة إلى 19 في المائة بالنسبة للسلع الأكثر استهلاكاً، ومن 12 في المائة إلى 13 في المائة لبعض المنتجات، ومن 6 إلى 7 لمنتجات أخرى، وتتعرض تلك الزيادات إلى قطاع واسع من المنتجات الصناعية والزراعية والخدماتية».
لكن وزير الاستثمار التونسي قال، الخميس الماضي، إن الحكومة لن ترضخ ولن تتراجع عن أي فصل من قانون المالية التقشفية المثير للجدل، رغم تصاعد حدة الاحتجاجات العنيفة التي اجتاحت البلاد، مما دفع الحكومة لنشر الجيش في عدة مدن تونسية، بحسب ما ذكره تقرير لوكالة «رويترز».
وخصصت الحكومة التونسية في مشروع الموازنة الجديدة 3.5 مليار دينار لنفقات الدعم وهو تقريباً المبلغ نفسه المقدر للدعم خلال 2017. لكنها قالت إنها ستضطر لمراجعة أسعار بعض السلع والخدمات المدعمة لكبح الزيادة في نفقات الدعم خلال السنة المقبلة.
وتستحوذ المحروقات والكهرباء والنقل على نحو 1.5 مليار دينار تونسي من نفقات الدعم، وتحظى المواد (الأغذية) الأساسية بقيمة الدعم تقريباً.
وأشارت ميزانية 2018 لاعتزام الحكومة إجراء تعديلات على مستوى أسعار المحروقات والكهرباء والغاز للبيع للعموم بهدف تعبئة نحو 700 مليون دينار تونسي، موزعة على 342 مليون دينار كمردود تعديل أسعار المواد البترولية، و358 مليون دينار من وراء تعديل رسوم الكهرباء والغاز.
وبحسب تقديرات وزارة المالية التونسية كل زيادة بدولار واحد في سعر برميل البترول تسفر عن نفقات إضافية في ميزانية الدولة مقدرة بنحو 120 مليون دينار تونسي.
وكل زيادة بـ10 مليمات (الدينار يساوي ألف مليم) في سعر صرف الدولار مقابل الدينار تنعكس على الميزانية بنحو 30 مليون دينار.
الوقود الحر في الأردن يرتفع مع السوق العالمية
في الأردن لا يمكنك أن تلقي باللوم في زيادة أسعار الوقود على الحكومة، لأن أسعاره محررة وترتبط بالأسواق العالمية، وقد شهدت بعض بنود أسعار الطاقة في البلاد أخيرا ارتفاعاً ملموساً بسبب زيادة الأسعار العالمية.
وكانت الحكومة الأردنية رفعت أسعار بنزين 90 خلال الشهرين الأخيرين من 690 فلساً (الدينار ألف فلس) إلى 730 فلساً للتر، وبنزين 95 من 910 فلسات إلى 955 فلساً، ولتر السولار (الديزل) من 520 فلساً إلى 550 فلساً.
وتلتزم الحكومة بدعم المحروقات في حال تجاوز سعر البرميل 100 دولار، بحيث تدفع الفارق في صورة دعم نقدي للفئات المستحقة، ويقول مصدر حكومي إن الأسعار العالمية لا تزال أقل بكثير من هذا المستوى.
وعندما بلغ سعر برميل النفط هذا المستوى قبل نحو ست سنوات، قامت الحكومة الأردنية بتقديم دعم للأسر التي يقل دخلها الشهري عن 800 دينار في بداية عام 2013، وبقيمة دعم سنوي تبلغ سبعين ديناراً لكل فرد من أفراد الأسرة التي تستحق الدعم، وبحد أعلى ستة أفراد.
لكن الحكومة دفعت للأسر تعويضاً مادياً لمدة ستة أشهر، وتوقفت عن تقديم هذا الدعم بعد انخفاض أسعار النفط دون مائة دولار للبرميل.
ويشير المصدر إلى أن الحكومة تلزم نفسها أيضاً بتثبيت أسعار أسطوانات الغاز، التي تعتمد عليها الأسر الفقيرة والمتوسطة كمصدر لطاقة المنزل، عند 7 دنانير، على الرغم من ارتفاع التكلفة العالمية، مضيفاً: «تم توجيه دعم لهذه الأسطوانات بنحو 111 مليون دينار منذ أن قررت الحكومة تثبيت أسعارها، وذلك على الرغم من أن أكثر 40 في المائة من الأسطوانات يذهب لفئات غير مستحقة للدعم».
ويُقدّر المصدر الحكومي الاستهلاك السنوي في الأردن من الغاز بنحو 32 مليون أسطوانة.
وتقوم لجنة التسعير في وزارة الطاقة والثروة المعدنية، بتحديد أسعار المشتقات النفطية نهاية كل شهر بناء على مراجعة الأسعار العالمية، ولكنها تضيف إلى تكلفة الوقود رسوماً تتعلق بتكاليف إيصال المنتج من السوق العالمية إلى المستهلك، والضرائب ورسوم الطوابع بمقدار ستة بالألف.
وبحسب نقابة أصحاب المحروقات وبيع الغاز، بلغت الضرائب على بنزين 95 نحو 42 في المائة، منها 24 ضريبة خاصة و16 في المائة ضريبة مبيعات وواحد في المائة رسوم طوابع وتبخر و1.5 قرش عمولة الموزع.
أما بنزين 90، فيبلغ مجموع الضرائب عليه 23 في المائة منها 18 ضريبة خاصة و4 في المائة ضريبة مبيعات، وواحداً في المائة طوابع وتبخر و1.5 قرش عمولة توزيع.
والضريبة على مادتي السولار (الديزل) والكاز 7 في المائة ضريبة خاصة ورسوم طوابع وتبخر يضاف إليها 1.5 قرش عمولة توزيع.
فيما يضاف على أسعار النفط كلفة الشحن البحري والتأمين والاعتماد والتخرين وأجور النقل إلى المصفاة ورسوم التخزين والنقل إلى المحطات.
ويعتمد الأردن على الدعم النقدي بشكل رئيسي لتخفيف وطأة إعادة هيكلة الدعم السلعي على الفئات الهشة، حيث خصصت في موازنة 2018 نفقات بقيمة 789 مليون دينار تحت مسمى شبكة الأمان الاجتماعي، منها نفقات للدعم النقدي بقيمة 171 مليون دينار، وذلك بالتزامن مع اعتزامها رفع الدعم عن الخبز وإلغاء الإعفاءات الضريبية عن 72 سلعة من المواد الغذائية.
وحسب وزارة المالية الأردنية، فإنها ستقدم دعماً نقدياً للفرد ما قيمته 32 ديناراً سنوياً، مشيرة إلى أن الأردنيين المستفيدين من الدعم النقدي يبلغ تعدادهم أكثر من خمسة ملايين نسمة من أصل عشرة ملايين يعيشون في الأردن منهم 2.9 مليون غير أردني.
مصر تترقب زيادة جديدة في أسعار الوقود
تترقب مصر زيادة أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، والتزام البلاد أمام صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن المحروقات خلال ثلاث سنوات.
وكانت مصر أبرمت مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 اتفاق قرض بقيمة 12 مليار دولار، لدعم برنامج للإصلاح الاقتصادي يهدف إلى كبح العجز المالي وتعزيز النمو الاقتصادي، وفقاً لرؤية المؤسسة الدولية.
وقال رئيس بعثة الصندوق لمصر، كريس جارفيس، العام الماضي، إن مؤسسته تشجع الجهود المصرية على رفع دعم الوقود خلال ثلاث سنوات، وفي الوقت نفسه تخفيض معدلات التضخم إلى أقل من 10 في المائة.
ويخشى المصريون من استئناف برنامج تحرير دعم الوقود، الذي بدأ خلال العام المالي 2014 - 2015، لما يتسبب فيه رفع أسعار الوقود من ضغوط تضخمية.
ومنذ وصول مصر لاتفاق مع الصندوق رفعت أسعار الوقود مرتين؛ الأولى في نوفمبر 2016 والثانية في بداية العام المالي الحالي، في يوليو (تموز) الماضي، وتسببت الزيادتان في دفع معدلات التضخم السنوية للوصول إلى مستويات قياسية في تاريخ المؤشر.
لكن وزير المالية، عمرو الجارحي، قال في سبتمبر (أيلول) الماضي إن الحكومة لا تفكر في تحريك أسعار الوقود حتى نهاية العام المالي الحالي (في يوليو المقبل).
ويرى محللون أن الضغوط تتزايد على الحكومة لتحريك أسعار الوقود في أقرب فرصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، التي تزيد من الفجوة بين سعر الوقود المدعوم وسعره الحقيقي، بينما يضغط الصندوق على الحكومة لإنهاء هذه الفجوة في 2019.
ويقدر نعمان خالد، المحلل بشركة «سي آي إست مانجمنت»، أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط العالمية، من 43 دولاراً للبرميل إلى 61 دولاراً خلال الأشهر الستة الأخيرة، سيزيد من تكلفة دعم الوقود خلال السنة المالية الحالية من 110 مليارات جنيه إلى ما يتراوح بين 140 و145 مليار جنيه.
ويقدر خالد الفجوة بين تكلفة أسعار الوقود وسعر بيعه للجمهور بما يتراوح بين 40 و60 في المائة في بعض المنتجات وهو ما يدفع الحكومة للمضي بكل جهدها في تحرير الوقود حتى لا تتسع الفجوة بشكل يصعب على مصر الالتزام باتفاقها مع الصندوق.
الجدير بالذكر أن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها مصر منذ الربع الأخير من 2016، بدعم من صندوق النقد، شملت كثيراً من الإجراءات المحفزة للتضخم، ومن أبرزها تحرير العملة المحلية الذي أفقدها أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار، بالإضافة لزيادة السعر العام لضريبة القيمة المضافة من 10 في المائة إلى 14 في المائة. لكن الحكومة والصندوق يطمحان لخفض معدلات التضخم السنوية إلى 13 في المائة خلال النصف الثاني من 2018، ونزل التضخم بالفعل عن مستوى 30 في المائة الذي بدأه في 2017 خلال نوفمبر الماضي، عند 26 في المائة.
إلا أن تراجع مستويات التضخم منذ نوفمبر يعكس بدرجة كبيرة المقارنة بين الرقم العام لأسعار المستهلكين، حيث بدأ المؤشر في الارتفاع بقوة منذ نوفمبر 2016 متأثرا بالإجراءات الإصلاحية، ومن الطبيعي أن تظهر أرقام التضخم السنوية منخفضة بعد مرور أكثر من عام على بدء الإصلاحات.


مقالات ذات صلة

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

الاقتصاد سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

تُظهر بيانات قطاع الشحن أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل الوقود والبضائع على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (لندن )
الاقتصاد سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

تواجه الدول الآسيوية أزمة طاقة حادة مع الحرب الإيرانية، وسط تراجع كبير بشحنات النفط الخام وندرة البدائل، وفق ما أفادت به شركة «كبلر» لتتبع حركة السفن عالمياً.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أقرت الإمارات زيادة أسعار البنزين والديزل بداية من شهر أبريل (إكس)

الإمارات وقطر ترفعان أسعار الوقود

رفع كل من الإمارات وقطر، الثلاثاء، أسعار الوقود في البلاد بنسب مختلفة بلغت 70 في المائة بدبي.

«الشرق الأوسط» (دبي)
الاقتصاد شعار شركة «لوك أويل» معروض بمحطة وقود في بوخارست (رويترز)

أميركا تمدد مهلة للمشترين المحتملين لأصول «لوك أويل» الروسية حتى أول مايو

مددت أميركا للمرة الرابعة مهلة للشركات الراغبة في التفاوض مع «لوك أويل» الروسية على شراء أصولها الخارجية، وذلك بعد أن فرضت واشنطن عقوبات عليها العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد منشأة «ويتستون» للغاز الطبيعي التابعة لشركة «شيفرون» في ساحل بيلبارا غرب أستراليا (رويترز)

أستراليا تبدأ مراجعة ضريبة شركات النفط والغاز مع ارتفاع الأسعار

تعتزم أستراليا (إحدى كبريات الدول المصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم) إجراء تحقيق لمراجعة الضرائب المقررة على شركات النفط والغاز مع ارتفاع أسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (كانبرا)

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
TT

كيف تُسهم حرب الشرق الأوسط في ارتفاع تكاليف الشحن؟

سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)
سفن شحن تبحر عبر الخليج العربي كما تُرى من عجمان بالإمارات العربية المتحدة (أ.ب)

تُظهر بيانات قطاع الشحن أن إغلاق إيران لمضيق هرمز، أحد أهم الممرات التجارية في العالم، أدى إلى ارتفاع كبير في تكاليف نقل الوقود والبضائع على مستوى العالم.

وجاء هذا الارتفاع نتيجة تقلص الطاقة الاستيعابية، إذ تفضِّل كثير من السفن البقاء داخل الخليج؛ تجنباً لمخاطر الاستهداف في حال الإبحار، في حين تلجأ سفن أخرى إلى اتخاذ مسارات بديلة أطول وأكثر تكلفة لتفادي المرور عبر المضيق. كما أسهم تراجع تدفقات النفط في رفع أسعار وقود السفن، وفق «وكالة الأنباء الفرنسية».

وقال رولف هابن يانسن، الرئيس التنفيذي لشركة «هاباغ لويد»، إحدى كبرى شركات شحن الحاويات، الأسبوع الماضي: «اضطررنا إلى تعليق الحجوزات من وإلى منطقة الخليج العربي، إذ لم نعد قادرين على إدخال السفن أو إخراجها»، مقدّراً أن الحرب رفعت التكاليف بما يتراوح بين 40 و50 مليون دولار أسبوعياً.

وأضاف خلال مؤتمر صحافي: «يرتبط جزء كبير من هذه الزيادة بارتفاع أسعار وقود السفن، لكننا شهدنا أيضاً صعوداً في تكاليف التأمين وتخزين الحاويات والنقل البري، فضلاً عن خروج 6 سفن من الخدمة، ما قلّص الطاقة التشغيلية المتاحة».

وفيما يلي أبرز 5 مؤشرات تعكس تأثير الأزمة على تكاليف الشحن:

1- تأجير ناقلات النفط

قفزت تكلفة استئجار ناقلات النفط منذ بدء الغارات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، وما تبعها من ضربات انتقامية في المنطقة.

فقد تضاعف متوسط «الأرباح» - وهو مؤشر قياسي غير مباشر لتكاليف التأجير - لأكثر من 3 أضعاف منذ 26 فبراير، ليتجاوز 330 ألف دولار يومياً لناقلات النفط الخام الكبيرة من فئة «سويزماكس»، وفق بيانات مجموعة «كلاركسونز».

كما ارتفعت تكاليف ناقلات الغاز الطبيعي المسال على المسار المرجعي بين الولايات المتحدة واليابان إلى نحو 90 ألف دولار يومياً، أي نحو 3 أضعاف خلال الفترة نفسها.

2- تكاليف شحن النفط

قال بيتر نورفولك، متخصص تسعير الشحن في «بلاتس» التابعة لشركة «إس آند بي غلوبال إنرجي»، إن تكاليف نقل النفط ارتفعت بشكل حاد عقب اندلاع الحرب.

وأوضح أن تكلفة شحن النفط الخام من الخليج العربي إلى الصين على متن ناقلة عملاقة من فئة «VLCC» ارتفعت من 46 دولاراً للطن المتري في نهاية فبراير إلى نحو 3 أضعاف خلال أيام، قبل أن تتراجع إلى نحو 64 دولاراً بنهاية مارس (آذار)، مضيفاً: «في الواقع، لا يكاد يوجد تحميل يُذكر حالياً».

ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو خُمس إمدادات النفط الخام والغاز الطبيعي المسال العالمية في أوقات السلم.

3- تكاليف الحاويات

أفادت شركة استشارات بحرية دولية بأنَّ السعر الفوري لشحن حاوية بطول 40 قدماً ارتفع بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة على الطرق الرئيسية من الشرق الأقصى إلى أوروبا والساحل الغربي للولايات المتحدة.

وتراوح سعر الحاوية على الخط الأوروبي بين 2200 و2700 دولار. كما أدت «رسوم الحرب» الإضافية إلى زيادة تكاليف الشحن من الشرق الأقصى إلى الخليج العربي والبحر الأحمر بنحو 200 في المائة خلال الفترة بين 20 فبراير و20 مارس.

كما فرضت القيود المشددة على الملاحة عبر مضيق هرمز تغييرات واسعة في أنماط الشحن، حيث علّقت الشركات الحجوزات، وعدَّلت مسارات السفن، ولجأت إلى تفريغ الحمولات في مراكز إقليمية بديلة أكثر أماناً.

4- ارتفاع أسعار وقود السفن

ارتفعت أسعار وقود السفن بشكل حاد منذ اندلاع الحرب، حيث تضاعفت تقريباً وبلغت ذروتها عند 1053 دولاراً للطن المتري في 20 مارس.

وبحلول 31 مارس، استقرَّت الأسعار عند أكثر من 936 دولاراً للطن، مقارنة بنحو 540 دولاراً عشية اندلاع الصراع، وفق بيانات منصة «فاكتسيت».

5- أقساط التأمين

ارتفعت تكاليف التأمين ضد مخاطر الحرب إلى مستويات قياسية، إذ قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات لرحلة واحدة عبر مضيق هرمز، في ظلِّ قيمة السفن والشحنات التي تبلغ مئات الملايين.

وقدّر ديفيد سميث، رئيس قسم التأمين البحري في شركة الوساطة «ماكغيل»، أن أقساط التأمين تتراوح بين 3.5 في المائة و10 في المائة من قيمة السفينة، ما يضيف عبئاً مالياً كبيراً على شركات الشحن.


رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
TT

رئيس «كبلر»: آسيا الأكبر تضرراً من أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب

سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)
سفن شحن قرب مضيق هرمز في ظل الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران... يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

تواجه الدول الآسيوية أزمة طاقة حادة مع الحرب الإيرانية، وسط تراجع كبير في شحنات النفط الخام وندرة البدائل، وفق ما أفادت به شركة «كبلر»، المختصة في تحليلات النقل البحري العالمي.

وقال رئيس الشركة، جان ماينييه، من مقرها في سنغافورة، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعتقد أن آسيا ستكون، في الوقت الراهن، الأكبر تضرراً».

وأدت الحرب، التي اندلعت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، إلى شبه توقف في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي.

وأحدث ذلك صدمة قوية في أسواق الطاقة العالمية، انعكست في ارتفاع الأسعار على المستهلكين حول العالم.

وأوضح ماينييه أن آسيا تفتقر إلى موارد طاقة كافية لسد هذا النقص، قائلاً: «في الصين، وكذلك في دول كبرى مثل الفلبين وإندونيسيا، لا توجد بدائل كافية؛ مما يجعلها أزمة طاقة حقيقية».

وأشار إلى أن الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز دفع الحكومات إلى اتخاذ إجراءات استثنائية، مثل إعلان الفلبين حالة طوارئ وطنية في قطاع الطاقة، مضيفاً: «الوضع صعب للغاية بالنسبة إلى آسيا، ولسنا متفائلين إذا استمر على هذا النحو».

شح النفط الخام

قال ماينييه: «يكاد تدفق النفط الخام إلى آسيا يتوقف حالياً، ولا توجد بدائل مجدية لواردات الطاقة من الشرق الأوسط في ظل استنزاف المخزونات».

وأضاف أنه رغم توقع الهجوم على إيران، فإن توقيته ومدة الصراع شكّلا مفاجأة، خصوصاً بالنسبة إلى آسيا، التي تواجه الآن أزمة طاقة حقيقية.

وتُعد شركة «كبلر»، ومقرها بروكسل، التي تأسست عام 2014 وتمتلك منصة «مارين ترافيك»، من أبرز شركات تحليل البيانات وتتبع حركة السفن عالمياً.

مراقبة مضيق هرمز

تتابع «كبلر» من كثب حركة الملاحة في مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب. ورغم إعلان مسؤولين عسكريين إيرانيين السيطرة على الممر المائي واستهداف سفن «معادية»، فإن بعض السفن لا تزال تخاطر بالعبور... فقد عبرت 17 سفينة شحن المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، منها 12 سفينة يوم السبت، وهو من أعلى أيام العبور نشاطاً منذ 1 مارس (آذار). ومع ذلك، فلم يتجاوز إجمالي العبور 196 سفينة خلال الشهر حتى مساء الاثنين، وهو انخفاض حاد مقارنة بما قبل الحرب.

ومن بين هذه السفن، كان معظم 120 ناقلة نفط وغاز متجهاً شرقاً خارج المضيق.

السفن المختفية

تعتمد «كبلر»، التي توفر بيانات آنية لنحو ألف شركة، على الأقمار الاصطناعية والطائرات المسيّرة وتقنيات متقدمة أخرى لتتبع حركة السفن.

وقال ماينييه: «دمج هذه الأدوات مع البيانات التي نحصل عليها من شراكات مختلفة يتيح لنا فهم ما يحدث فعلياً، بما في ذلك حالات اختفاء السفن».

وأوضح أن «السفن المختفية» - وغالباً ما تكون ناقلات نفط أو سفن شحن - توقف عمداً أو تغير في أجهزة التتبع الخاصة بها للتهرب من أنظمة المراقبة العامة، مثل نظام «مارين ترافيك».

وأضاف: «تسعى هذه السفن إلى الإفلات من الرصد، وغالباً ما تكون مرتبطة بعمليات تهريب أو نقل شحنات خاضعة للعقوبات».

وأشار إلى أن «كبلر» تستخدم صور الأقمار الاصطناعية والبيانات البحرية وهوائيات الرصد الساحلي لإعادة بناء مسارات السفن التي تختفي عن الأنظار، مؤكداً: «من الصعب تحقيق دقة كاملة، لكننا قادرون على تتبع أكثر من 90 في المائة من النشاط خلال الوقت الفعلي».


اليابان تُحذر من تحركات المضاربة على الين وتتعهد بالرد

متاجر في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
متاجر في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

اليابان تُحذر من تحركات المضاربة على الين وتتعهد بالرد

متاجر في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
متاجر في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

حذرت وزيرة المالية اليابانية، ساتسوكي كاتاياما، الثلاثاء، بأن الحكومة مستعدة للرد «على جميع الجبهات» على تقلبات الأسواق، في ظل تحركات المضاربة التي تشهدها سوق العملات، وكذلك سوق العقود الآجلة للنفط الخام.

وقالت في مؤتمر صحافي: «سنرد على جميع الجبهات، مدركين أن تقلبات أسعار الصرف الأجنبي تؤثر على حياة الناس»، دون أن تُعلق على مستويات عملات محددة.

وفي وقت لاحق، كررت كاتاياما، في حديثها أمام البرلمان، تصريحاتها بشأن ازدياد تحركات المضاربة في سوق العملات، مؤكدةً قلق طوكيو إزاء تراجع الين مجدداً.

وفي سياق منفصل، أظهرت بيانات وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية تراجع الناتج الصناعي بنسبة 2.1 في المائة على أساس شهري خلال فبراير (شباط) الماضي، بعد تعديله موسمياً، مخالفاً توقعات المحللين الذين رجحوا انخفاضاً بنسبة اثنين في المائة فقط. ويأتي ذلك بعد زيادة قوية بلغت 4.3 في المائة خلال يناير (كانون الثاني) الماضي.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الناتج الصناعي بنسبة 0.3 في المائة، فيما أبقت الوزارة على تقييمها بأن النشاط سيظل متقلباً بصورة غير حاسمة، متوقعة نمواً بنسبة 3.8 في المائة خلال مارس (آذار) و3.3 في المائة خلال أبريل (نيسان).

وفي الوقت نفسه، تراجعت مبيعات التجزئة بنسبة 0.2 في المائة على أساس شهري، لتصل إلى 12.155 تريليون ين (76.17 مليار دولار)، مقابل توقعات بزيادة قدرها 0.9 في المائة بعد ارتفاعها بنسبة 1.8 في المائة خلال يناير الماضي. وعلى أساس سنوي، انخفضت المبيعات بنسبة اثنين في المائة خلال فبراير بعد زيادة بنسبة 3 في المائة خلال الشهر السابق. وزادت قيمة المبيعات التجارية الإجمالية بنسبة 0.9 في المائة شهرياً، لكنها تراجعت بنسبة واحد في المائة سنوياً إلى 50.308 تريليون ين، فيما ارتفعت مبيعات الجملة بنسبة 1.3 في المائة شهرياً، وتراجعت بنسبة 1.2 في المائة سنوياً إلى 38.152 تريليون ين. أما مبيعات متاجر التجزئة الكبيرة فانخفضت بنسبة اثنين في المائة شهرياً، لكنها ارتفعت بنسبة 3 في المائة سنوياً.