كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

ضغوط تضخمية متوقعة خلال العام الجديد

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟
TT

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

كيف تأثر دعم الوقود في العالم العربي بانتعاش أسعار النفط؟

بعد أن أخذت البلدان المستوردة للنفط استراحة لالتقاط الأنفاس منذ 2014، وقت أن بدأت الأسعار العالمية للبترول في التراجع بقوة، عادت أسعار الخام إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخير، لتضع صانعي القرار في كثير من البلدان العربية أمام قرارات حرجة بتقليص دعم المنتجات النفطية.
وحتى الخميس الماضي، كان خام القياس العالمي مزيج «برنت» قد اخترق مستوى 70 دولاراً للبرميل، معبراً عن حالة انتعاش أسعار النفط، في الوقت الذي أعلنت فيه حكومات عربية عن زيادات في أسعار الوقود خلال 2018، وأخرى تستعد لصدور هذه القرارات.
«الشرق الأوسط» تعرض لكم بعضاً من تجارب دعم الوقود في العالم العربي ومدى تأثره بارتفاع أسعار النفط.
تونس.. رفع المحروقات يشغل الغضب الشعبي
بعد عام من التضخم المتصاعد، استهلت تونس 2018 عاماً جديداً بإجراءات تهدف لكبح العجز المالي، لكن من المتوقع أن يكون لها آثار تضخمية، ويأتي على رأسها زيادة أسعار الطاقة.
وتراوحت الزيادة في أسعار المحروقات التي أقرتها السلطات في بداية الشهر الحالي بين 50 مليماً للتر الواحد من جميع المحروقات النفطية، و0.3 دينار تونسي لقوارير الغاز المعدة للاستخدام العائلي.
ويعتمد الإنتاج الصناعي والأنشطة التجارية والخدمات على المحروقات كمصدر أساسي للطاقة، لذا فإن الزيادة الأخيرة في أسعار المواد النفطية تمهد لموجة جديدة من زيادة الأسعار.
ويتم إنتاج 98 في المائة من الكهرباء في تونس بالاعتماد على الغاز الطبيعي، ومع التراجعات الأخيرة للعملة المحلية أمام الدولار وارتفاع أسعار الطاقة العالمية، اتجهت السلطات لزيادة أسعار الكهرباء أيضاً. وبناء على حسابات المرصد التونسي للاقتصاد فقد انخفض الدينار التونسي أمام الدولار بنحو 50 في المائة خلال الفترة من مارس (آذار) 2014 وحتى يونيو (حزيران) 2017.
وقال مصدر بالشركة التونسية للكهرباء والغاز (شركة حكومية) إن المعدل العام للزيادة في تكلفة الكهرباء في 2018، باستثناء فئة «الحرفاء»، سيكون 8 في المائة، وستزيد أسعار الغاز الطبيعي بالنسبة نفسها للفئات نفسها.
أما فيما يتعلق بالفنادق والمصانع والمؤسسات الصغرى فإن نسبة الزيادة في فاتورة استهلاك الكهرباء ستبلغ 11 في المائة أي زيادة بـ13 مليماً عن الكيلوواط/ ساعة، وهو ما يزيد من ضغوط تكاليف الإنتاج.
وبجانب زيادات أسعار الطاقة، فمن المنتظر زيادة أسعار المياه أيضاً، وأكد مصباح الهلالي، المدير العام للشركة التونسية لاستغلال وتوزيع المياه (شركة حكومية)، مراجعة أسعار مياه الشرب وتوقع زيادتها بنحو 5 في المائة، لكنه أشار إلى أن تعديل الأسعار سيتم بشكل تدريجي.
وتشهد تونس، منذ الاثنين الماضي، سلسلة من التظاهرات الاحتجاجية ضد السياسات الاقتصادية التي تضمنتها موازنة 2018، والتي شملت، بجانب زيادة أسعار بنود الطاقة، ارتفاع في ضرائب الاستهلاك.
ويشير الخبير الاقتصادي سعد بومخلة إن الزيادات الأخيرة في ضرائب الاستهلاك سيكون لها تأثير كبير على أسعار السلع.
«تم رفع نسب الأداء على القيمة المضافة من 18 في المائة إلى 19 في المائة بالنسبة للسلع الأكثر استهلاكاً، ومن 12 في المائة إلى 13 في المائة لبعض المنتجات، ومن 6 إلى 7 لمنتجات أخرى، وتتعرض تلك الزيادات إلى قطاع واسع من المنتجات الصناعية والزراعية والخدماتية».
لكن وزير الاستثمار التونسي قال، الخميس الماضي، إن الحكومة لن ترضخ ولن تتراجع عن أي فصل من قانون المالية التقشفية المثير للجدل، رغم تصاعد حدة الاحتجاجات العنيفة التي اجتاحت البلاد، مما دفع الحكومة لنشر الجيش في عدة مدن تونسية، بحسب ما ذكره تقرير لوكالة «رويترز».
وخصصت الحكومة التونسية في مشروع الموازنة الجديدة 3.5 مليار دينار لنفقات الدعم وهو تقريباً المبلغ نفسه المقدر للدعم خلال 2017. لكنها قالت إنها ستضطر لمراجعة أسعار بعض السلع والخدمات المدعمة لكبح الزيادة في نفقات الدعم خلال السنة المقبلة.
وتستحوذ المحروقات والكهرباء والنقل على نحو 1.5 مليار دينار تونسي من نفقات الدعم، وتحظى المواد (الأغذية) الأساسية بقيمة الدعم تقريباً.
وأشارت ميزانية 2018 لاعتزام الحكومة إجراء تعديلات على مستوى أسعار المحروقات والكهرباء والغاز للبيع للعموم بهدف تعبئة نحو 700 مليون دينار تونسي، موزعة على 342 مليون دينار كمردود تعديل أسعار المواد البترولية، و358 مليون دينار من وراء تعديل رسوم الكهرباء والغاز.
وبحسب تقديرات وزارة المالية التونسية كل زيادة بدولار واحد في سعر برميل البترول تسفر عن نفقات إضافية في ميزانية الدولة مقدرة بنحو 120 مليون دينار تونسي.
وكل زيادة بـ10 مليمات (الدينار يساوي ألف مليم) في سعر صرف الدولار مقابل الدينار تنعكس على الميزانية بنحو 30 مليون دينار.
الوقود الحر في الأردن يرتفع مع السوق العالمية
في الأردن لا يمكنك أن تلقي باللوم في زيادة أسعار الوقود على الحكومة، لأن أسعاره محررة وترتبط بالأسواق العالمية، وقد شهدت بعض بنود أسعار الطاقة في البلاد أخيرا ارتفاعاً ملموساً بسبب زيادة الأسعار العالمية.
وكانت الحكومة الأردنية رفعت أسعار بنزين 90 خلال الشهرين الأخيرين من 690 فلساً (الدينار ألف فلس) إلى 730 فلساً للتر، وبنزين 95 من 910 فلسات إلى 955 فلساً، ولتر السولار (الديزل) من 520 فلساً إلى 550 فلساً.
وتلتزم الحكومة بدعم المحروقات في حال تجاوز سعر البرميل 100 دولار، بحيث تدفع الفارق في صورة دعم نقدي للفئات المستحقة، ويقول مصدر حكومي إن الأسعار العالمية لا تزال أقل بكثير من هذا المستوى.
وعندما بلغ سعر برميل النفط هذا المستوى قبل نحو ست سنوات، قامت الحكومة الأردنية بتقديم دعم للأسر التي يقل دخلها الشهري عن 800 دينار في بداية عام 2013، وبقيمة دعم سنوي تبلغ سبعين ديناراً لكل فرد من أفراد الأسرة التي تستحق الدعم، وبحد أعلى ستة أفراد.
لكن الحكومة دفعت للأسر تعويضاً مادياً لمدة ستة أشهر، وتوقفت عن تقديم هذا الدعم بعد انخفاض أسعار النفط دون مائة دولار للبرميل.
ويشير المصدر إلى أن الحكومة تلزم نفسها أيضاً بتثبيت أسعار أسطوانات الغاز، التي تعتمد عليها الأسر الفقيرة والمتوسطة كمصدر لطاقة المنزل، عند 7 دنانير، على الرغم من ارتفاع التكلفة العالمية، مضيفاً: «تم توجيه دعم لهذه الأسطوانات بنحو 111 مليون دينار منذ أن قررت الحكومة تثبيت أسعارها، وذلك على الرغم من أن أكثر 40 في المائة من الأسطوانات يذهب لفئات غير مستحقة للدعم».
ويُقدّر المصدر الحكومي الاستهلاك السنوي في الأردن من الغاز بنحو 32 مليون أسطوانة.
وتقوم لجنة التسعير في وزارة الطاقة والثروة المعدنية، بتحديد أسعار المشتقات النفطية نهاية كل شهر بناء على مراجعة الأسعار العالمية، ولكنها تضيف إلى تكلفة الوقود رسوماً تتعلق بتكاليف إيصال المنتج من السوق العالمية إلى المستهلك، والضرائب ورسوم الطوابع بمقدار ستة بالألف.
وبحسب نقابة أصحاب المحروقات وبيع الغاز، بلغت الضرائب على بنزين 95 نحو 42 في المائة، منها 24 ضريبة خاصة و16 في المائة ضريبة مبيعات وواحد في المائة رسوم طوابع وتبخر و1.5 قرش عمولة الموزع.
أما بنزين 90، فيبلغ مجموع الضرائب عليه 23 في المائة منها 18 ضريبة خاصة و4 في المائة ضريبة مبيعات، وواحداً في المائة طوابع وتبخر و1.5 قرش عمولة توزيع.
والضريبة على مادتي السولار (الديزل) والكاز 7 في المائة ضريبة خاصة ورسوم طوابع وتبخر يضاف إليها 1.5 قرش عمولة توزيع.
فيما يضاف على أسعار النفط كلفة الشحن البحري والتأمين والاعتماد والتخرين وأجور النقل إلى المصفاة ورسوم التخزين والنقل إلى المحطات.
ويعتمد الأردن على الدعم النقدي بشكل رئيسي لتخفيف وطأة إعادة هيكلة الدعم السلعي على الفئات الهشة، حيث خصصت في موازنة 2018 نفقات بقيمة 789 مليون دينار تحت مسمى شبكة الأمان الاجتماعي، منها نفقات للدعم النقدي بقيمة 171 مليون دينار، وذلك بالتزامن مع اعتزامها رفع الدعم عن الخبز وإلغاء الإعفاءات الضريبية عن 72 سلعة من المواد الغذائية.
وحسب وزارة المالية الأردنية، فإنها ستقدم دعماً نقدياً للفرد ما قيمته 32 ديناراً سنوياً، مشيرة إلى أن الأردنيين المستفيدين من الدعم النقدي يبلغ تعدادهم أكثر من خمسة ملايين نسمة من أصل عشرة ملايين يعيشون في الأردن منهم 2.9 مليون غير أردني.
مصر تترقب زيادة جديدة في أسعار الوقود
تترقب مصر زيادة أسعار الوقود خلال الفترة المقبلة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، والتزام البلاد أمام صندوق النقد الدولي برفع الدعم عن المحروقات خلال ثلاث سنوات.
وكانت مصر أبرمت مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 اتفاق قرض بقيمة 12 مليار دولار، لدعم برنامج للإصلاح الاقتصادي يهدف إلى كبح العجز المالي وتعزيز النمو الاقتصادي، وفقاً لرؤية المؤسسة الدولية.
وقال رئيس بعثة الصندوق لمصر، كريس جارفيس، العام الماضي، إن مؤسسته تشجع الجهود المصرية على رفع دعم الوقود خلال ثلاث سنوات، وفي الوقت نفسه تخفيض معدلات التضخم إلى أقل من 10 في المائة.
ويخشى المصريون من استئناف برنامج تحرير دعم الوقود، الذي بدأ خلال العام المالي 2014 - 2015، لما يتسبب فيه رفع أسعار الوقود من ضغوط تضخمية.
ومنذ وصول مصر لاتفاق مع الصندوق رفعت أسعار الوقود مرتين؛ الأولى في نوفمبر 2016 والثانية في بداية العام المالي الحالي، في يوليو (تموز) الماضي، وتسببت الزيادتان في دفع معدلات التضخم السنوية للوصول إلى مستويات قياسية في تاريخ المؤشر.
لكن وزير المالية، عمرو الجارحي، قال في سبتمبر (أيلول) الماضي إن الحكومة لا تفكر في تحريك أسعار الوقود حتى نهاية العام المالي الحالي (في يوليو المقبل).
ويرى محللون أن الضغوط تتزايد على الحكومة لتحريك أسعار الوقود في أقرب فرصة في ظل ارتفاع الأسعار العالمية للنفط، التي تزيد من الفجوة بين سعر الوقود المدعوم وسعره الحقيقي، بينما يضغط الصندوق على الحكومة لإنهاء هذه الفجوة في 2019.
ويقدر نعمان خالد، المحلل بشركة «سي آي إست مانجمنت»، أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط العالمية، من 43 دولاراً للبرميل إلى 61 دولاراً خلال الأشهر الستة الأخيرة، سيزيد من تكلفة دعم الوقود خلال السنة المالية الحالية من 110 مليارات جنيه إلى ما يتراوح بين 140 و145 مليار جنيه.
ويقدر خالد الفجوة بين تكلفة أسعار الوقود وسعر بيعه للجمهور بما يتراوح بين 40 و60 في المائة في بعض المنتجات وهو ما يدفع الحكومة للمضي بكل جهدها في تحرير الوقود حتى لا تتسع الفجوة بشكل يصعب على مصر الالتزام باتفاقها مع الصندوق.
الجدير بالذكر أن حزمة الإصلاحات الاقتصادية التي طبقتها مصر منذ الربع الأخير من 2016، بدعم من صندوق النقد، شملت كثيراً من الإجراءات المحفزة للتضخم، ومن أبرزها تحرير العملة المحلية الذي أفقدها أكثر من نصف قيمتها أمام الدولار، بالإضافة لزيادة السعر العام لضريبة القيمة المضافة من 10 في المائة إلى 14 في المائة. لكن الحكومة والصندوق يطمحان لخفض معدلات التضخم السنوية إلى 13 في المائة خلال النصف الثاني من 2018، ونزل التضخم بالفعل عن مستوى 30 في المائة الذي بدأه في 2017 خلال نوفمبر الماضي، عند 26 في المائة.
إلا أن تراجع مستويات التضخم منذ نوفمبر يعكس بدرجة كبيرة المقارنة بين الرقم العام لأسعار المستهلكين، حيث بدأ المؤشر في الارتفاع بقوة منذ نوفمبر 2016 متأثرا بالإجراءات الإصلاحية، ومن الطبيعي أن تظهر أرقام التضخم السنوية منخفضة بعد مرور أكثر من عام على بدء الإصلاحات.


مقالات ذات صلة

الكويت ترفع إنتاج النفط في أكتوبر لأعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران

الاقتصاد حفارة نفط تعمل بالقرب من صهاريج لتخزين النفط الخام (رويترز)

الكويت ترفع إنتاج النفط في أكتوبر لأعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران

رفعت الكويت إنتاجها من النفط الخام بأكتوبر إلى 2.1 مليون برميل يومياً، وهو أعلى مستوى منذ اندلاع حرب إيران وبزيادة تفوق 300 ألف برميل يومياً عن المعدل في سبتمبر

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد حفارات نفط تعمل في حقل أيرانكول بمنطقة أتيراو في كازاخستان (رويترز)

النفط يتراجع 4 % وسط آمال بتقدم محادثات إنهاء حرب إيران

انخفضت أسعار النفط بنسبة تقارب 4 % إذ عززت محادثات بين مسؤولين إيرانيين وقطريين حول اتفاق لإنهاء حرب إيران الآمال في أن تنحسر اضطرابات الإمدادات

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد مصفاة تابعة لشركة «إس أويل» (إكس)

«إس-أويل» تتوقع أرباح تكرير قوية بآسيا في الربع الرابع

توقعت «إس-أويل» الكورية الجنوبية، وهي وحدة تابعة لـ«أرامكو السعودية»، يوم الاثنين، أن تكون أرباح التكرير في آسيا قوية خلال الربع الرابع من العام.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد هياكل سيارات داخل مصنع «مرسيدس- بنز» في ألمانيا (رويترز)

نمو الصناعات التحويلية في منطقة اليورو يتباطأ خلال أكتوبر رغم استمرار الأداء القوي

أظهر مسح للأعمال، الاثنين، أن نشاط الصناعات التحويلية في منطقة اليورو واصل تحقيق نمو قوي خلال أكتوبر (تشرين الأول)، وإن بوتيرة أبطأ مقارنة بالشهر السابق.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد السفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم - عُمان (رويترز)

«غولدمان ساكس» يرفع توقعاته لأسعار النفط... و«برنت» مرشح لبلوغ 140 دولاراً

رفع بنك «غولدمان ساكس» توقعاته لأسعار النفط، في ظل استمرار مخاطر تعطل الإمدادات، محذراً من إمكانية ارتفاع خام برنت إلى 140 دولاراً للبرميل في عام 2027.

«الشرق الأوسط» (لندن)

متانة المركز الخارجي السعودي تدعم الاقتصاد رغم تحديات الحرب

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

متانة المركز الخارجي السعودي تدعم الاقتصاد رغم تحديات الحرب

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

يواصل الاقتصاد السعودي الاستفادة من قوة مركزه الخارجي، مدعوماً باحتياطيات كبيرة وإيرادات صادراته النفطية وغير النفطية، رغم التحديات التي فرضتها الحرب الإقليمية على حركة التجارة والسياحة. وأظهرت بيانات الربع الثاني من العام الحالي تراجع عجز الحساب الجاري بنحو 30 في المائة مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، في وقت سجلت فيه التحويلات الشخصية إلى الخارج مستوى قياسياً.

وتعكس هذه المؤشرات قدرة الاقتصاد على الحفاظ على قدر مهم من تدفقاته الخارجية في ظل ظروف إقليمية استثنائية، وإن تأثرت مكونات ميزان المدفوعات بدرجات متفاوتة. فإيرادات الصادرات ظلت مصدراً رئيسياً للأموال الداخلة إلى المملكة، وأسهمت عوائد الاستثمار في دعم الحساب الجاري، في مقابل مدفوعات الخدمات والتحويلات إلى الخارج.

وحسب بيانات البنك المركزي السعودي، بلغ عجز الحساب الجاري نحو 9.5 مليار دولار في الربع الثاني من 2026، مقارنةً بنحو 13.4 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي. وكان الحساب قد سجل فائضاً بلغ 4.1 مليار دولار في الربع الأول، مع ارتفاع إيرادات النفط بفعل زيادة الأسعار، بالتزامن مع تراجع الواردات في بداية الحرب.

ويعد الحساب الجاري أحد المكونات الرئيسية لميزان المدفوعات، ويقيس ما تحققه المملكة من إيرادات عبر صادرات السلع والخدمات ودخل الاستثمارات، مقابل ما تدفعه لشراء السلع والخدمات وتحويل الأموال إلى الخارج. ولذلك، فإن قراءة وضعه لا تعتمد على الصادرات وحدها، بل تشمل مجمل التدفقات المالية الجارية بين الاقتصاد السعودي والعالم.

أما الحساب المالي، فيرصد حركة الاستثمارات ورؤوس الأموال بين المملكة والعالم، بما في ذلك استثمارات الأجانب داخل الاقتصاد السعودي، واستثمارات المقيمين السعوديين في الخارج، إلى جانب تدفقات القروض والودائع والأدوات المالية الأخرى.

الصادرات تواصل دعم التدفقات

ورغم التحديات التي واجهت حركة التجارة، بقيت الصادرات النفطية وغير النفطية مصدراً مهماً للإيرادات الخارجية. وبلغت قيمة الصادرات النفطية نحو 54.2 مليار دولار في الربع الثاني، مقارنةً بـ49.6 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، فيما سجلت الصادرات غير النفطية نحو 21 مليار دولار.

وتوضح هذه الأرقام استمرار قدرة القطاع التصديري على توفير إيرادات مهمة، رغم تراجع الصادرات مقارنةً بالربع الأول، في ظل الظروف التي أحاطت بحركة التجارة والشحن خلال الحرب.

وحققت المملكة فائضاً قدره 21.7 مليار دولار في تجارة السلع، إلا أن هذا الفائض تقلص إلى نحو 5.4 مليار دولار عند احتساب تجارة الخدمات أيضاً، التي سجلت عجزاً بلغ 16.4 مليار دولار، نتيجة تجاوز مدفوعات الخدمات إلى الخارج الإيرادات المتحققة منها.

التحويلات وعوائد الاستثمار

وفي مقابل المدفوعات المرتبطة بالخدمات والتحويلات إلى الخارج، سجل الاقتصاد السعودي تدفقات داعمة من عوائد الاستثمار. فقد حقق بند الدخل الأولي فائضاً بنحو 4.4 مليار دولار في الربع الثاني، ارتفاعاً من 3.5 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، مدعوماً بصورة رئيسية بعوائد استثمارات المحافظ المالية.

في المقابل، ارتفعت التحويلات الشخصية إلى الخارج إلى مستوى قياسي بلغ نحو 18.2 مليار دولار، بزيادة تجاوزت 30 في المائة على أساس سنوي، لتشكل أحد أبرز بنود المدفوعات في الحساب الجاري.

وتُبرز هذه الأرقام تعدد مكونات الحساب الجاري؛ فإلى جانب إيرادات الصادرات، تسهم عوائد الاستثمار في دعم الإيرادات الخارجية، بينما تقابلها مدفوعات مقابل الخدمات والتحويلات الشخصية إلى الخارج. ومن ثم، يتحدد رصيد الحساب بحصيلة هذه المكونات مجتمعة، لا بتطور بند واحد بمعزل عن بقية البنود.

صراف يعرض أوراقاً نقدية من الريال السعودي في محل صرافة بالرياض (رويترز)

تدفقات الاستثمار تعكس حركة رؤوس الأموال

وبعيداً عن الحساب الجاري، تكشف بيانات الحساب المالي عن جانب آخر من علاقة الاقتصاد السعودي بالعالم، يتمثل في حركة رؤوس الأموال والاستثمارات عبر الحدود. فبينما يسجل الحساب الجاري إيرادات الصادرات والخدمات ودخل الاستثمارات والتحويلات، يرصد الحساب المالي عمليات شراء الأصول المالية وبيعها، والاستثمار المباشر، والقروض والودائع، وغيرها من المعاملات الاستثمارية والتمويلية.

وفي هذا الإطار، أظهرت بيانات البنك المركزي السعودي تحولات في تدفقات الاستثمار بين الربعين الأول والثاني. ففي الربع الأول، باع مستثمرون سعوديون أسهماً أجنبية بنحو 23 مليار دولار، وزادوا ودائعهم الخارجية بنحو 13 مليار دولار، فيما اقترضت جهات سعودية نحو 27 مليار دولار من غير المقيمين. وفي الربع الثاني، اتجه المقيمون إلى شراء أسهم أجنبية بنحو 9 مليارات دولار، بينما أصدرت جهات سعودية أدوات دين بنحو 5 مليارات دولار.

وعلى صعيد الاستثمار المباشر، استمرت التدفقات الاستثمارية من الخارج إلى المملكة عند مستويات تتجاوز 5 مليارات دولار في الربع الثاني، رغم التحديات الإقليمية، إذ بلغت نحو 5.2 مليار دولار، مقارنةً بنحو 6.2 مليار دولار في الربع الأول. وفي المقابل، تراجعت استثمارات المقيمين السعوديين المباشرة في الخارج إلى نحو 1.1 مليار دولار، مقابل 7.9 مليار دولار في الربع السابق، ما أسهم في تحول صافي الاستثمار المباشر إلى تدفق للداخل بنحو 4 مليارات دولار، بعد أن سجل تدفقاً إلى الخارج بنحو 1.7 مليار دولار في الربع الأول.

الناس يسيرون على طول شارع التحلية التجاري في الرياض (أ.ف.ب)

احتياطيات تعزز القدرة على مواجهة التقلبات

وتظل قوة المركز الخارجي أحد عناصر دعم الاقتصاد السعودي في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية. فقد بلغت احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي السعودي نحو 440.7 مليار دولار في نهاية سبتمبر (أيلول)، بارتفاع 3.7 في المائة على أساس سنوي، فضلاً عن الأصول الأجنبية الكبيرة التي تحتفظ بها جهات أخرى في القطاع العام.

وتوفر هذه الاحتياطيات والأصول هامشاً مهماً للتعامل مع فترات عدم اليقين، وتعزز قدرة المملكة على مواجهة التقلبات في التدفقات الخارجية والحفاظ على استقرار مركزها المالي.

ويتقاطع ذلك مع تقييم صندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة الصادر في يوليو (تموز) 2026، الذي أشار إلى قوة الاحتياطيات السعودية وقدرتها على تغطية احتياجات الاستيراد لفترة مريحة. كما أوضح أن ارتفاع الاستثمار المحلي يرفع الطلب على الواردات، خصوصاً السلع الرأسمالية، بما يعكس جانباً من متطلبات التحول الاقتصادي وتنفيذ المشروعات.

وفي حين تكشف بيانات الربع الثاني عن الضغوط التي فرضتها التطورات الإقليمية على بعض بنود ميزان المدفوعات، فإن تراجع عجز الحساب الجاري على أساس سنوي واستمرار قوة الاحتياطيات الخارجية يبرزان قدرة الاقتصاد على استيعاب جانب من هذه التداعيات. وستظل استدامة هذا المركز مرتبطة بتعافي حركة التجارة والسفر، واتجاهات إيرادات النفط، ومواصلة القطاعات غير النفطية توسيع مساهمتها في الصادرات وتوفير موارد النقد الأجنبي.


الرئيس التنفيذي الجديد لـ«أبل» يواجه أول اختبار مالي وسط تصاعد تكاليف رقائق الذاكرة

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» جون تيرنوس خلال فعالية للشركة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» جون تيرنوس خلال فعالية للشركة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
TT

الرئيس التنفيذي الجديد لـ«أبل» يواجه أول اختبار مالي وسط تصاعد تكاليف رقائق الذاكرة

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» جون تيرنوس خلال فعالية للشركة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» جون تيرنوس خلال فعالية للشركة في لوس أنجليس بكاليفورنيا (أ.ف.ب)

يستعد جون تيرنوس، الرئيس التنفيذي الجديد لشركة «أبل»، لعقد أول مؤتمر هاتفي لإعلان النتائج المالية منذ توليه منصبه، الاثنين، وسط ترقب المستثمرين لتوقعات الشركة بشأن ما إذا كانت سلسلة منتجاتها الجديدة قادرة على تعويض الارتفاع المتنامي في تكاليف رقائق الذاكرة.

وتولى تيرنوس قيادة الشركة خلفاً لتيم كوك في سبتمبر (أيلول)، وأشرف منذ ذلك الحين على إطلاق أول جوال قابل للطي من «أبل»، ومركز للتحكم بالأجهزة المنزلية الذكية، إلى جانب أول حواسيب محمولة تعمل باللمس من إنتاج الشركة. وبدأ شحن هذه المنتجات خلال الربع الأول من السنة المالية الحالية، في وقت تواجه فيه الشركة ما وصفه كوك بـ«فيضان يحدث مرة كل مائة عام» في تكاليف الذاكرة المتصاعدة، وفق «رويترز».

وتتركز متابعة المستثمرين على ثلاثة ملفات رئيسية: توقعات الشركة للربع الحاسم الذي يشمل موسم الأعياد، وموقف تيرنوس من الذكاء الاصطناعي والنسخة المطورة من المساعد الصوتي «سيري»، فضلاً عن ارتفاع تكاليف رقائق الذاكرة، التي يتوقع محللون أن تؤدي إلى تباطؤ نمو الأرباح الفصلية إلى أضعف مستوياته في ستة أرباع.

وتسعى «أبل» إلى تقديم مقاربة مختلفة لخدمات الذكاء الاصطناعي مقارنة بمنافسيها، ومن بينهم شركة «ميتا بلاتفورمز» التي حقق مساعدها الذكي «ميوز» انتشاراً واسعاً في تصنيفات متجر التطبيقات خلال الأسابيع الأخيرة.

وفي الوقت نفسه، تعمل شركات منافسة، مثل «أوبن إيه آي»، التي تقاضيها «أبل» بتهمة الاستيلاء المزعوم على أسرار تجارية، على تطوير أجهزة تستهدف منافسة «آيفون» على موقعه بوصفه الجهاز المحوري في حياة المستخدمين. وقد تكون لطريقة تعامل «أبل» مع الذكاء الاصطناعي انعكاسات كبيرة على مستقبل قطاع الخدمات لديها، الذي أثار تباطؤ نموه قلق المستثمرين بعد سنوات من التوسع السريع.

وقال دان مورغان، مدير المحافظ الاستثمارية لدى «سينوفوس تراست»، التي تمتلك أسهماً في «أبل»، إن الابتكارات الحديثة في مجال الذكاء الاصطناعي القائم على الوكلاء تتقدم بوتيرة تفوق بكثير ما يقدمه المساعد الصوتي «سيري»، إلا أن «أبل» تؤكد أن نهجها يولي اهتماماً أكبر بالثقة والخصوصية.

وتسوّق الشركة أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها بوصفها أدوات موجهة إلى المستخدمين العاديين، وليس فقط إلى المتخصصين في وادي السيليكون، الذين يعتمد كثير منهم على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي تطورها شركات مثل «أوبن إيه آي».

وأضاف مورغان أن المستثمرين يريدون معرفة ما إذا كانت «أبل» قادرة على تحقيق إيرادات من خلال إتاحة وكلاء ذكاء اصطناعي تطورهم شركات أخرى عبر متجر التطبيقات، والحصول على حصة من الأعمال التي يحققونها.

أداء متفوق للسهم

حتى الآن، أفاد إحجام «أبل» عن الانخراط في سباق الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي بأداء سهمها. فقد ارتفع بنحو 27 في المائة منذ بداية العام، متفوقاً على أسهم عمالقة التكنولوجيا، مثل «مايكروسوفت» و«ألفابت» و«ميتا» و«أمازون»، مع بحث المستثمرين عن ملاذ من المخاوف بشأن تكاليف بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

ويتوقع المحللون أن تحقق «أبل» زيادة تقارب 11 في المائة في إيراداتها خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، لتصل إلى 113.39 مليار دولار، وهو الربع الرابع من سنتها المالية، وفق بيانات مجموعة بورصة لندن (إل سي إي جي). كما يُتوقع ارتفاع صافي الأرباح بنحو 6 في المائة إلى 29.04 مليار دولار.

ومن المرجح أن ينمو قطاع الخدمات لدى الشركة بنحو 10 في المائة، ليبلغ 31.56 مليار دولار، مسجلاً أبطأ وتيرة نمو له منذ أكثر من ثلاث سنوات.

أما مبيعات جوالات «آيفون»، فمن المتوقع أن ترتفع بنحو 15 في المائة إلى 56.54 مليار دولار، مقارنة بنمو بلغ نحو 22 في المائة خلال الأشهر الثلاثة السابقة. وستعكس النتائج تسعة أيام فقط من مبيعات طرازي «آيفون 18 برو» الجديدين، في حين طُرح جوال «آيفون ديو»، أول جوال قابل للطي من الشركة، في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، ما يعني أن تأثير مبيعاته سيظهر بصورة أكبر في نتائج الربع الذي يشمل موسم الأعياد.

وستحظى تصريحات الشركة بشأن أداء «ديو» بمتابعة دقيقة، بعدما أفاد بعض المشترين بظهور تشققات وخطوط على امتداد الطية الوسطى للشاشة الداخلية، ما دفع «أبل» إلى عرض استبدال الأجهزة المتضررة. ويبدأ سعر الجوال في الولايات المتحدة من 1999 دولاراً، فيما نفدت الكميات المتاحة للطلب عبر الإنترنت خلال دقائق من طرحه.

وقالت نبيلا بوبال، المحللة لدى مؤسسة «آي دي سي»، إنها تتوقع استمرار الطلب على «ديو» بمستويات تفوق المعروض، رغم مشكلات الشاشة. وأضافت أن التحدي يتمثل في سرعة تمكن «أبل» من استبدال الأجهزة المتضررة، في ظل استمرار محدودية الإمدادات.

ويقدّر «بنك أوف أميركا» أن متوسط فترة انتظار المشترين لتسلّم جوال «ديو» يبلغ 79 يوماً، مع امتداد مواعيد الشحن إلى يناير (كانون الثاني).


«هرفي للأغذية» تتحول إلى الربحية بـ805 آلاف دولار في الربع الثالث

أحد الفروع التابعة لسلسة مطاعم «هرفي» في السعودية (الشركة)
أحد الفروع التابعة لسلسة مطاعم «هرفي» في السعودية (الشركة)
TT

«هرفي للأغذية» تتحول إلى الربحية بـ805 آلاف دولار في الربع الثالث

أحد الفروع التابعة لسلسة مطاعم «هرفي» في السعودية (الشركة)
أحد الفروع التابعة لسلسة مطاعم «هرفي» في السعودية (الشركة)

تحولت شركة هرفي للخدمات الغذائية «هرفي للأغذية» إلى الربحية خلال الربع الثالث من عام 2026، مسجلةً صافي ربح بلغ 3 ملايين ريال (805 آلاف دولار)، مقارنةً بصافي خسارة بلغت 48.1 مليون ريال (12.8 مليون دولار) خلال الربع المماثل من عام 2025.

وعلى أساس ربعي، ارتفع صافي الربح بنسبة 1.9 في المائة، مقارنةً بنحو 2.9 مليون ريال (790 ألف دولار) خلال الربع الثاني من عام 2026.

وأوضحت الشركة، في بيان على موقع السوق المالية السعودية (تداول)، الاثنين، أن مبيعاتها ارتفعت بنسبة 1.4 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثالث، لتبلغ 268.4 مليون ريال (71.6 مليون دولار)، مقارنةً بنحو 264.7 مليون ريال (70.6 مليون دولار) في الفترة المماثلة من العام السابق.

وأرجعت الشركة تحولها إلى الربحية إلى زيادة المبيعات، وانخفاض مصاريف البيع والتوزيع والمصاريف العمومية والإدارية، إلى جانب عكس مخصص انخفاض أصول غير مالية وتراجع المصاريف التمويلية، رغم انخفاض الإيرادات الأخرى وزيادة مصروف الزكاة.