أسبوع لندن الرجالي للخريف والشتاء المقبلين... مُثقل بالمخاوف والأقمشة الخشنة

بسبب الأزمة الاقتصادية وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وخلوه من بعض الأسماء الكبيرة

لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
TT

أسبوع لندن الرجالي للخريف والشتاء المقبلين... مُثقل بالمخاوف والأقمشة الخشنة

لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد
لقطة جماعية من العرض الذي قدمه بيرتولد

لخص المصمم ماثيو ميللر الوضع العام الذي شهده أسبوع الموضة الرجالي من الجمعة إلى الاثنين الماضي، بقوله: «عندما تكون جزءا من أي وضع أو حالة، فإنك لا تستطيع أن تتجرد منها لترى الصورة من كل الزوايا. من الآن إلى 2027 أو 2028 سنبقى نتكلم عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. حينها فقط ستتضح الصورة ونعرف كيف أثرت علينا حقيقة».
كان المصمم يشير إلى ما تتداوله أوساط الموضة وتتخوف من عواقبه منذ العام الماضي. عواقب بدأت تظهر تأثيراتها بالتدريج على أسبوع انطلق قويا ومُفعما بالتفاؤل منذ ست سنوات تقريبا بفضل انتعاش القطاع الرجالي، قبل أن تبدأ معاناته، مثله مثل غيره من القطاعات الإبداعية، بسبب الأزمة الاقتصادية، وقرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي وما ترتب عنه من انخفاض الجنيه الإسترليني وما شابه من أمور، أثرت على أسابيع الموضة ككل.
الأسبوع الرجالي مثلا انطلق يوم الجمعة الماضي من دون بعض الأسماء الكبيرة التي كانت تُسنده وتُضفي عليه البريق مثل «بيربري» و«ألكسندر ماكوين» و«توم فورد» وغيرهم. وللأمانة فإن لندن ليست الوحيدة التي ستعاني من هذا الانكماش في عدد بيوت الأزياء الكبيرة المشاركة في الأسابيع الرجالية تحديدا. فمنذ أن نادى البعض بدمج عروضهم الرجالية بالنسائية، فإن نيويورك فقدت «كالفن كلاين» و«تومي هيلفيغر» و«كوتش»، بينما فقدت ميلانو دار «غوتشي» وباريس كل من «بالنسياجا» و«سان لوران». فكل هؤلاء قرروا تقديم عرض واحد يُلخص اقتراحاتهم للرجل والمرأة على حد سواء.
بيد أن لندن مختلفة. فهي تتمتع بشخصية بريطانية لا تُظهر مشاعر الخوف وتتعامل مع كل العقبات بعقلانية. والدليل أنها في كل مرة يتعرض أسبوعها لأي نكسة أو وعكة تُخرج أقوى ما لديها، ألا وهو المواهب الصاعدة من جهة، والابتكار من جهة ثانية. أسلحة لم تخذلها لحد الآن. هذا الأسبوع اعتمدت على أسماء شابة مثل إدوارد كراتشلي، ودانيال فليتشر، وبوبي آبلي، وأوليفر سبنسر، ولو دالتون وهلم جرا ممن يعشقون الألوان الصارخة بالتحدي، في وجه قتامة الطقس أو التغيرات السياسية والاقتصادية.
وطبعا لا يمكن أن ينسى سلاحها القديم: «سافيل رو» أهم شارع للتفصيل الرجالي الذي تدربت على يد خياطيه مجموعة كبيرة من شبابها، أو على الأقل تأثروا بهم. هذا المزيج بين الكلاسيكي والمبتكر الجانح نحو المسرحي هو الوصفة التي تعتمدها العاصمة البريطانية كل مرة، وأثبتت أنها تعويذة فعالة لتجاوز المصاعب. أوليفر سبنسر مثلا واحد ممن أتقنوا التصاميم الحداثية ودمجوها بالتفصيل الكلاسيكي لا سيما فيما يتعلق بالسترات ذات الياقات المبتكرة. لو دالتون بدورها تعتمد هذه الوصفة بتطويعها الصوف والألوان الصارخة في تصاميم هندسية عصرية، فيما اختتم الأسبوع يوم الاثنين الماضي كل من المصمم الشاب كريغ غرين، والمخضرمة فيفيان ويستوود. كل منهما قدم سترات هندسية من قماش التويد مع نقشات مستوحاة من الملابس العسكرية. في عرض المخضرمة ويستوود، وحسب ما هتف به عارضوها، كانت الرسالة حربا دون قتلى.
ويستوود التي لا تقبل أن تسبح مع التيار وتستغل كل مناسبة لرفع شعارات سياسية أو إنسانية، لم تُغير جلدها ولا أسلوبها هذه المرة. لم تقدم عرضا بالمعنى التقليدي واقتصرت على فيلم مدته دقيقتان تقريبا تم تصويره ليلا على خلفية تظهر فيها أعلام الاتحاد الأوروبي ورمال.
بعيدا عن الشعارات السياسية وبعد عملية تفكيكية بسيطة، تكتشف أن الأزياء عبارة عن مزيج من الإيحاءات العسكرية التي استعملت فيها الأقمشة السميكة مع تركيز كبير على الألوان، بما في ذلك درجة من الوردي، ظهرت أول مرة خلال الحرب العالمية الثانية. كما أنها تعمدت أن تُناسب بعض التصاميم المُقترحة كلا الجنسين. لم تُفرق هنا بينهما فيما يتعلق بالأقمشة ولا النقشات ولا التصاميم. كانت هناك مثلا معاطف محددة على الخصر بأحزمة وأخرى منسدلة بأحجام واسعة. من وجهة نظر المصممة، فإن السبب ليس تكسيرا للفروقات بين المرأة والرجل بقدر ما هو حماية للبيئة. فعندما يستعملان نفس المنتج فإن الاستفادة تعم على الجميع وتقل العملية الاستهلاكية التي لا ضرورة لها.
ولأننا بصدد الحديث عن فيفيان ويستوود، فلا يمكن عدم الحديث عن جنوحها للغريب، باستعمالها لخريف وشتاء الموسمين المُقبلين قماش التارتان بسخاء، فضلا عن بعض التفاصيل مثل الكورسيهات غير المألوفة وماكياج العارضين وتسريحات شعرهم. غير أنها لم تكن الوحيد التي فكرت في أن تحقن عرضها بجرعة من الشقاوة والغرابة من خلال الماكياج. عدد لا يستهان به من المصممين الشباب قاموا بنفس الفعل مثل تشارلز جيفري وآخرون، وكأنهم يُريدون تذكيرنا بأننا في لندن، العاصمة التي حولت الجنون فنونا والعكس.
قد لا يتمتع الشاب كريغ غرين بتاريخ أو خبرة فيفيان ويستوود الطويلة، بالنظر إلى أنه أطلق داره في عام 2012 فقط، أي بعد تخرجه من معهد سنترال سانت مارتن مباشرة، إلا أنه برهن خلال هذه السنوات القليلة على مهارة وخيال خولا له الفوز بجائزة أحسن مصمم رجالي لعامين متتاليين. بعض المتابعين يقارنونه باليابانية راي كواكوبو، مؤسسة ماركة «كوم ذي غارسون. فتعامله مع الأحجام تُذكرنا بأنه كان يحلم أن يكون نحاتا بالأساس قبل أن يدرس تصميم الأزياء. تصاميمه تعكس هذه الميول، لأنه على الرغم مما توحيه عروضه من سريالية وغرابة، فإنك دائما تكتشف تحت كل الطبقات والأحجام الضخمة لغة شاعرية وعملية حسابية تجعل كل قطعة، على حدة، معقولة. فهو من القلائل الذين حققوا المعادلة الصعبة، إذ إن تصاميمه تلقى تهليلا من النقاد لفنيتها وإقبالا من قبل الشباب ونجوم هوليوود لأناقتها وتميزها في أرض الواقع، لا سيما وأنه لا يتجاهل الجانب التجاري، ويقدم دائما بنطلونات جينز وقمصان تضمن له حركة البيع للاستمرار.
عرضه هذا الأسبوع في منطقة «فوكسل» كان طبقا منوعا من الأزياء الهندسية المصنوعة من الأقمشة الثقيلة التي تصوب أنظارها نحو المستقبل عوض الماضي، رغم أنه استوحاها من ذكريات الطفولة حسب قوله: «عندما تكون طفلا تعتقد بأنك ستتمكن من التحليق عاليا عندما تكبر» لكنك تكتشف أنه لن ينمو لك أجنحة وأن كل ما يمكنك القيام به هو حماية نفسك. من هذا المنظور تعمد أن تأتي بعض القطع الواسعة وكأنها خيمة تحمي الجسم من البرد، بينما غطى الوجوه بأقنعة تأخذ أشكال ساعات الحائط القديمة، تبدو وكأنها دروعا واقية.
بالنسبة للمصمم أوليفر سبنسر، فارتأى أن يقوم بمقارنة بين الحاضر وبين حقبة السبعينات. فهو مُقتنع تماما بأن المرء يميل لا شعوريا إلى الاهتمام بمظهره أكثر في أوقات الأزمات. الترجمة كانت مزيجا من التمرد والحياة الليلية التي شهدتها لندن في السبعينات، والأسلوب «الداندي» المتأنق الذي يتميز به شارع «سافيل رو» والطبقة الأرستقراطية. والنتيجة كانت تنوعا يخاطب كل الأذواق والأجيال. وهو ما تعمده باعترافه بعد عرضه أنه «سواء كان الرجل في الـ25 أو الـ85 من العمر، فإنني أقدره وأضعه نصب عيني وأنا أصمم». بيد أن تفكيره لم يقتصر على الجنس الخشن من كل الأعمار، بل امتد إلى المرأة أيضا، التي قدم لها مجموعة عصرية ترقص على إيقاعات الروك أند رول، بمشاركة عارضات من مثيلات دايزي لو وجايد بارفيت وكاثرين هايوارد. الجميل فيما قدمنه أن الرجل الشاب يمكن تطويعه بطريقته.
كان لافتا أن الكثير من المصممين ركبوا موجة الجمع بين النسائي والرجالي وكأنهم يتحدون أولئك الذين هجروا الأسبوع على أساس الاكتفاء بعرض اقتراحاتهم للجنسين في الأسبوع النسائي. من هؤلاء نذكر كيكو كوستادينوف، الذي قدم مجموعتين مختلفتين تماما. تميزت الأولى بالأنوثة من خلال أسلوب الدرابيه، والثانية بروح مُستقبلية ووظيفية خصصها للرجل.
في المقابل كانت تشكيلة المصممة غرايس وايلز أبعد ما تكون عن العملية نظرا لأحجامها الضيقة وستراتها القصيرة. تحديها للمألوف والسائد حاليا شمل كل شيء بما في ذلك الإكسسوارات، حيث قدمت الأحذية الرسمية بدل الأحذية الرياضية التي كانت الحاضرة الأولى في معظم العروض. من جهتها ركبت المصممة وايلز بونر موجة التنوع العرقي وغاصت في عالم السود. قدمت تصورا جديدا يظهر فيه العارضون وكأنهم بحارة يصلون إلى ميناء كل سكانه من أصول متنوعة يلبسون ألوانا تعكس جذورهم، وتصاميم تناسب هوياتهم. جاء كان الغالب فيها التصاميم المفصلة على الجسم التي تجمع الابتكار بكلاسيكية عصرية.
هذا الأسبوع كانت كل العيون مصوبة نحو المصمم الأسكوتلندي، تشارلز جيفري، الذي تسلم جائزة أحسن مصمم صاعد خلال حفل توزيع جوائز الموضة البريطانية الأخير. عندما تسلم جائزته من جون غاليانو قال إنه لم يحلم أبدا أن يقابل قُدوته في تصميم الأزياء فما البال بأن يتسلم جائزة من هذا النوع منه شخصيا. قوة جيفري لا تكمن في تصميم الأزياء فحسب بل أيضا في نظرته الفنية كمنسق أزياء عمل طويلا في مجلة «لوف». أسلوبه يتميز بالابتكار المجنون، لأنه، مثل الكثير من أبناء جيله ممن تخرجوا في المعاهد البريطانية تحديدا، لا يعترف بالقيود عندما يتعلق الأمر بالإبداع. فماركته «لوف بوي» انطلقت من وحي حياة الليل بمنطقة «دالستون» شرق لندن المعروفة بتمردها وشغبها الفني. ويُعتبر المصمم أكبر مروج لأسلوبه لأنه لا يكشف عن وجهه، بل يغطي في معظم الوقت تحت قناع مرسوم بالألوان من الشعر والحواجب إلى الشوارب. غني عن القول إن تشكيلته عكست شخصيته وتمردها من خلال تصاميم جريئة، إن لم نقل صادمة. هو أيضا استعمل أقمشة التارتان بسخاء، مع فارق بسيط هو أنه أسكوتلندي المولد، وهذه اللفتة قد تكون مجرد حنين إلى الجذور.
- - حقائق جانبية
> رغم المخاوف والشكوك التي تُخيم على أسابيع الموضة الرجالية، فإن قطاع الأزياء والإكسسوارات الرجالية في بريطانيا وحدها شهد نموا بنسبة 2.8 في المائة في عام 2016 ليصل إلى 14.5 مليار جنيه إسترليني. وحسب دراسة قامت بها شركة «مينتيل» للأبحاث فإنه قد لا يشكل سوى 27 في المائة من مجموعة سوق الأزياء، إلا أنه ينمو بسرعة أكبر من نمو الأزياء النسائية
- يتوقع أن ينمو هذا القطاع بنسبة 12.43 ما بين عامي 2016 و2021 لتصل مردوديته إلى 16.2 مليار جنيه إسترليني
- 52 في المائة من الرجال اشتروا أزياء من مصممين معروفين خلال الثلاث سنوات الأخيرة مقارنة بـ43 في المائة فقط من النساء حسب دراسة «مينتيل»
- أكثر من رُبع عشاق الموضة (39 في المائة) مهتمون بالخدمات الخاصة مثل التفصيل على المقاس حسب الدراسة


مقالات ذات صلة

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يوميات الشرق بين الانفصال العاطفي وقَصّ الشعر علاقة وثيقة لدى النساء (بكسلز) p-circle 01:15

«غُرّة الانفصال»... لماذا تقصّ المرأة شَعرها بعد انكسار قلبها؟

يُجمع المعالجون النفسيون ومزيّنو الشعر على أنّ النساء غالباً ما يلجأن إلى قصّ شعرهنّ بعد انفصالٍ، أو خيبة عاطفية.

كريستين حبيب (بيروت)
لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
TT

كيف تنسّقين تنورة «الميدي» لإطلالة أنيقة؟

بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)
بعض تصميماتها تحتاج إلى دراية أكبر (هوكرتي)

هناك تصميمات تنتشر انتشار النار في الهشيم، في وقت معيَّن، بعضها يبقى مع المرأة طول العُمر، دون أن يُؤثِر الزمن على جماله، وبعضها الآخر تُقبِل عليه، وبعد سنوات عندما تتطلع إلى صورها فيه تنتابها نوبة من الضحك، أو الخجل كيف كانت تلك الثقة ممكنة. من بين هذه التصميمات تبرز التنورة «الميدي» الصامدة منذ منتصف القرن الماضي إلى اليوم، أبدعها الراحل كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي متميِزة باستدارتها الفخمة وأنوثتها الرومانسية، ثم قدَّمها أوسي كلارك في السبعينات من القرن نفسه، مُفعمة بروح شبابية تتراقص على العملية والتمرُّد. الاثنان أيقونتان لا غبار عليهما.

لكن من هذين التصميمين، وُلدت تنورة هجينة، تنسدل من الخصر وتتسع قليلاً، مع طيات قليلة، قد يكون المراد منها إضفاء العملية عليها، إلا أنها لا تخدم كل مقاسات ومقاييس الجسم، إذ يمكنها أن تجعل حتى المرأة الأكثر رشاقة وشباباً تبدو أكبر سناً، أو على الأصح «دقّة قديمة». هذا التصميم خاصة ليس سهلاً ويحتاج إلى كثير من الذوق والتفكير لكي ترتقي به إلى مظهر أنيق.

أميرة وايلز مع ميلانيا ترمب وتنورة من تصميم «رالف لورين» (رويترز)

أحد الأمثلة لهذه التنورة تلك التي ظهرت بها أميرة وايلز، كاثرين ميدلتون، خلال مرافقتها ميلانيا ترمب، زوجة الرئيس الأميركي دونالد، في زيارتهما الرسمية لبريطانيا، العام الماضي. كانت من التويد بلون بُني مع خصر مزوّد بأزرار عند الحزام، مع طيات ناعمة تنسدل من الأمام. ورغم أن هذه الإطلالة لا تُعدّ من أفضل ما ظهرت به حتى الآن، فإن تنسيق الألوان المدروس ولفتتها الدبلوماسية جنّباها أي انتقادات. فالبوت البُني والسترة ذات اللون الأخضر الزيتوني، وكذلك الإيشارب الحريري، أضفت عليها طابعاً ريفياً إنجليزياً متناغماً مع المناسبة الرسمية. أما اللمسة الدبلوماسية، والتي تمثلت في أن التنورة من تصميم دار «رالف لورين» الأميركية، فأسهمت في تقبُّلها.

يُعد هذا الطول حالياً ماركة مسجلة لأميرات أوروبا وأميرة وايلز لأناقته الراقية وكلاسيكيته المعاصرة (رويترز)

باستثناء هذه الإطلالة، لا يمكن اتهام أميرة وايلز بأنها لا تعرف التعامل مع التنورة، «الميدي» تحديداً. بالعكس تماماً، أثبتت أنها ورقتها الرابحة منذ عام 2010. تلعب عليها دائماً بأسلوب يعكس دورها كزوجة ولي العهد البريطاني، وفي الوقت نفسه يُبرز قوامها الرشيق، فقد تعلّمت أن هذا الطول، مستقيماً كان أم مستديراً، منسدلاً ببساطة أم ببليسيهات، يتمتع بحشمة معاصرة، لا تحميها فحسب من انتقادات «شرطة الموضة» المتحفزين، بل أيضاً من أي مطبات هوائية مِن شأنها أن تطير بالتنورة فتفضح المستور. ففي بداياتها، تعرضت لمواقف حرجة بسبب تنورات قصيرة بأقمشة خفيفة.

طول التنورة... ترمومتر اقتصادي

بعيداً عن سيدات المجتمع والنجمات، ما تؤكده الموضة أن التنورة عموماً ليست مجرد قطعة أزياء ترتفع وتنخفض على مستوى الركبة وفق المزاج، بل هي مرآة للمجتمع و«ترمومتر» للتذبذبات الاقتصادية. هذا ما وضّحه الاقتصادي جورج تايلور منذ قرن تماماً عندما وضع، في عام 1926، نظرية تُعرف بـ«مؤشر طول التنورة»، ربط فيها طول الفساتين بالأداء الاقتصادي العالمي: عندما ينتعش ترتفع بجُرأة إلى أعلى الركبة، وعندما يصاب بالركود والانكماش تنخفض لتغطي نصف الساق.

تنورة لمصمم «ديور» جوناثان أندرسون استوحاها من التنورة المستديرة التي تشتهر بها الدار (ديور)

التنورة القصيرة «الميني، مثلاً ظهرت في العشرينات وانتشرت أكثر في الستينات من القرن الماضي، وهما حقبتان شهدتا طفرة اقتصادية. في الأربعينات، أدت الحرب العالمية الثانية إلى تطويلها لتغطي الركبة حتى تكتسب عملية كانت المرأة تحتاج إليها بعد دخولها مجالات عمل ذكورية. ربما تكون نهاية الحرب العالمية الثانية حقبة استثنائية كسَر فيها كريستيان ديور قواعد اللعب عندما قرر أن ينتقم للمرأة ويعيد لها أنوثتها، من خلال تنورات مستديرة بخصور ضيقة وأمتار سخية من الأقمشة المترفة. أصبحت هذه التنورة معياراً للأناقة الراقية، لكنها بقيت محصورة بالمناسبات المهمة. في أواخر الستينات، أخرجها المصمم أوسي كلارك من هذه الخانة بتقديمه نسخة مرنة وعصرية مناسبة للحياة اليومية.

الموضة المعاصرة

بيوت أزياء مهمة مثل «شانيل» وغيرها طرحتها بخامات مختلفة ما جعلها أكثر جاذبية (لاكوست، شانيل، رالف لورين)

في عروض الأزياء لخريف وشتاء 2025، تصدَّر التصميم المستقيم المشهد، ونجح تجارياً، مما شجَّع على التوسع لأشكالٍ أكثر جرأة من باب التنويع. وربّما هذا ما أسهم في ظهور التنورة الهجينة في عروض كل من «شانيل» و«ديور» و«أكني استوديو» و«بوتيغا فينيتا» و«عز الدين علايا»، أسماء أكسبتها مصداقية، وفتحت عيون المحلات الشعبية مثل «مانغو» و«زارا» و«إتش أند إم» عليها، التي التقطت إشاراتها وطرحت فساتين ومعاطف وتنورات بطول «الميدي»، تخاطب شرائح واسعة بأسعار معقولة. لم تكتفِ بتصميماتها، واستعانت بمؤثرات السوشيال ميديا للترويج لها باستعراض طرق مُثيرة لتنسيقها مع باقي القطع والاكسسوارات، على صفحاتهن.

كيف تختارينها؟

أصبحت متوفرة بشتى الألوان والأشكال لهذا الصيف (موقع زارا)

ورغم أن الألوان الكلاسيكية والأحادية مضمونة أكثر، فلا تترددي في تجربة ألوان زاهية بنقشات صارخة على شرط تنسيقها مع قطعة علوية بلون أحادي؛ حتى لا يحصل أي تضارب بينهما. ويفضل أيضاً أن تكون القطعة العلوية محددة لإبراز نحول الخصر والتنورة. في الصيف ومع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن الاستعاضة عن القميص ببلوزة قصيرة عند الخصر أو فوقه بقليل.

اختيار الخامات لا يقل أهمية عن التصميم نفسه. فالأقمشة الخفيفة مثل الحرير أو الموسلين تمنحها انسيابية وتضفي نعومة على صاحبتها، بينما تضيف الأقمشة الثقيلة مثل التويد طابعاً أكثر رسمية.

كما يلعب الحذاء دوراً حاسماً في إنجاح هذه الإطلالة أو العكس. فبينما يمنحها الكعب العالي أناقة أنثوية، والحذاء الرياضي أو الصندل دون كعب شبابية، يُفضل تجنب الحذاء الرياضي السميك، ولا سيما إذا كُنت ناعمة.

التوازن ثم التوازن

بعد ظهورها على منصات عروض الأزياء التقطت محلات شعبية إشاراتها وطرحتها بألوان وأشكال متنوعة (موقع زارا)

في النهاية، ورغم أهمية التصميم والخامة والألوان والاكسسوارات، يبقى العامل الأهم في منح هذه القطعة جاذبيتها وأناقتها، هو أنت، وذلك بأن تأخذي في الحسبان النسبة والتناسب. فبعض النساء يفضّلنها أطول ببعض السنتيمترات عن نصف الساق أو أقصر بقليل، وهذا يعتمد على طول وحجم الجسم. فسنتيمترات قليلة جداً، زائدة كانت أم ناقصة، يمكن أن تُغير الإطلالة تماماً: ترتقي بها أو تُفسدها.


حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
TT

حقائب اليد هذا الموسم... تصاميم تجمع بين الإبداع والهوية

تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)
تأتي حقيبة «مانتا» من دار «ماكوين» بتصميم مستوحى من شكل سمكة المانتا (ماكوين)

عندما أعلنت دار «مالبوري» مؤخراً تعيين الاسكوتلندي كريستوفر كاين، مديراً إبداعياً لها، ركَزت في بيانها وتصريحات مسؤوليها على دوره في إعادة إحياء خط الأزياء الجاهزة المتوقف منذ عام 2017. غير أن ما يُدركه المتابعون والعارفون لخبايا صناعة الموضة، أن التحدي الحقيقي الذي سيواجهه المصمم، لا يكمن فقط في إبداعه أزياء مفعمة بالأناقة والجمال، بل في ابتكار حقيبة يد قادرة على تحقيق النجاح التجاري. فهذا الإكسسوار هو الترمومتر الذي يرفع من أسهم أي مصمم في السوق أو يؤثر على سمعته بالقدر نفسه. وهو أيضاً الورقة التي تراهن عليها بيوت الأزياء لزيادة الأرباح.

حقيبة «مانتا» بتصميم هندسي مستوحى من شكل سمكة المانتا تحصل على أول حملة مصورة في مشهد مائي مثير (ماكوين)

ولعل ما نشهده اليوم من سباق محموم بين بيوت الأزياء لإعادة طرح تصاميم مستلهمة من أرشيفها، يؤكد هذه الحقيقة، وكأنها بها تحاول استعادة «سحر» نجاحات سابقة، يعينها على مواجهة التراجع الذي تعيشه. فالأزمات الاقتصادية المتتالية زادت حجم الضغوط، كما جعلت المستهلك أكثر انتقائية وتطلباً، ولم تعد الخامات المترفة وحدها تكفيه، ولا التصاميم الموسمية قادرة على إقناعه.

عناصر أخرى أصبحت ضرورية، مثل كيفية تقديم هذه الحقائب للسوق، سواء من خلال التصوير والترويج والقصص السردية. دار «ماكوين» مثلاً، كشفت مؤخراً عن حقيبتها «مانتا» مُطلقة، ولأول مرة، حملة مصورة مُخصَّصة لها. صوَّرتها عدسة البريطاني تيم ووكر، في مشهد مائي حالم يستلهم قوة الطبيعة وجمالها. وتجدر الإشارة إلى أن التصميم نفسه ليس جديداً بالكامل، فهو استعادة لتصميم «دي مانتا» الذي قُدِّم ضمن مجموعة أزياء ربيع وصيف 2010 أطلقت عليها الدار تحت عنوان «Plato’s Atlantis».

«أختين» والتفصيل الخاص

هذا التحول والاهتمام بأدق التفاصيل يتجلّى بوضوح في كيفية تقديم معظم حقائب هذا الموسم. انتبه الكل إلى أنها لم تعد مجرد إكسسوار مكمل للإطلالة بقدر ما أصبحت قطعاً تُعبِّر عن شخصية صاحبتها وذوقها الخاص، وبالتالي يُفضَّل أن تحمل في طيَّاتها قصة عندما تُروى، تزيد جاذبيتها.

توفر «أختين» كل ما تحتاج إليه المرأة لتصميم حقيبة مُطرَزة ببصماتها الخاصة (أختين)

ما قدّمته علامة «أختين» المصرية، بإدارة الشقيقتين آية وموناز عبد الرؤوف، مؤخراً، خير دليل على هذا التحول. فقد أدخلتا المرأة عالمهما بإطلاق خدمة تفصيل في الإمارات والسعودية تتيح لها تصميم حقيبتها وفق رؤيتها وذوقها الخاص. تُوفِران لها الأقمشة المطرزة يدوياً، والزخارف وكل التفاصيل من أحجار كريستال وغيرها، لتختار منها ما يروق لها ويُعبِّر عنها. بعد انتهائها من وضع لمساتها عليها، تضع الأحرف الأولى من اسمها داخل الحقيبة، وهكذا تتحول التجربة من مجرد احتفاء بالحرفية ومفهوم «صُنع باليد» إلى قطعة تحمل طابعاً شخصياً خاصاً، يبقى معها طول العمر، تُورِّثه للبنات وتحكيه للحفيدات.

موسكينو... بين الدعابة والفن

حقائب مستوحاة من الـ«بوب آرت» (موسكينو)

على طرف آخر من الإبداع الفني، تقف دار «موسكينو» وفية لأسلوبها المفعم بروح الدعابة. قدّمت خلال عرضها الأخير حقائب تنبض بروح الـ«بوب آرت» تمزج الجريء بالفني المبتكر في تودّد صريح لامرأة لا تكتفي بالتميز فحسب، بل تسعى للفت الأنظار بخفة الظل. فقد استلهمت الدار أشكالها من عناصر يومية غير متوقعة، مثل قطع حلوى وحصالات نقود وهواتف كلاسيكية من الخمسينات وغيرها من الأشكال التي من شأنها أن تخلق نقاشات فنية وفكرية حول مفهوم الحقيبة في عصرنا الحالي.

«كارولينا هيريرا»... الكلاسيكية الأنثوية

حقيبة «ميمي» مستوحاة من علبة أحمر شفاه (كارولينا هيريرا)

حقائب دار «كارولينا هيريرا» في المقابل تعيدنا إلى الكلاسيكي المعاصر. استوحت تصاميمها من فن العمارة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، مع تركيز واضح على نقاء الخطوط الهندسية وعلى بُعدها النحتي، كما تَصوَّره مديرها الإبداعي ويس غوردن.

غير أن تفاصيلها المستوحاة من عالم الأزياء هي ما يمنحها فرادتها: نقشة «البولكا» تتحول إلى أقفال، والشرابات تعيد تشكيل الأحزمة فيما تضيف السلاسل الذهبية لمسة بريق. لم يكتف المصمم بهذا، بل جعل كل حقيبة تحمل اسم امرأة تركت بصمتها في الدار أو حياة كارولينا هيريرا، المؤسسة. حقيبة «ميمي بوكس» مثلاً تستحضر ذكرى والدة زوجها، التي كانت لا تستغني عن صندوق صغير خاص بأحمر الشفاه تحمله معها أينما كانت.

تستمدّ حقيبة «كونسويلو فان» شكلها من مراوح يدوية قابلة للطي اعتادت كونسويلو كريسبي وهي صديقة مقرَبة لكارولينا حملها (كارولينا هيريرا)

وتستمر هذه اللغة الشعرية في حقائب أخرى مثل «فيغا» المستوحاة من انعكاسات ضوء القمر على نوافير مزرعة «هاسيندا» التابعة لعائلة هيريرا. تأتي بشكل هلال يعكس ملمسها الضوء. هناك أيضاً حقائب «بيا» و«كونسيلو» وغيرها من التصاميم التي تُوازن بين الفن والوظيفة.

«ديور كرنشي»... العملية الأنيقة

حقيبة كرنشي الجديدة من تصميم جوناثان أندرسون (ديور)

من جهتها، قدمت دار «ديور» حقيبة «ديور كرنشي»، موضحة أن مديرها الإبداعي الجديد جوناثان أندرسون أعاد فيها تفسير نمط «كاناج» الأيقوني بأسلوب معاصر. أكثر ما يُميزها تفاصيل ثلاثية الأبعاد، وجلد مُجعّد يضفي عليها عمقاً بصرياً وملمساً غنياً، إضافة إلى كثافة «الكرانش» ومرونة الجلد، تتمتع الحقيبة بالعملية بفضل حجمها ومقابضها التي تتيح حملها بطرق متعددة تلائم إيقاع الحياة اليومية.


جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.