على باركلي اغتنام الفرصة في تشيلسي قبل فوات الأوان

الفريق اللندني حقق صفقة قياسية بالتعاقد بمبلغ زهيد مع نجم إيفرتون

تجربة جديدة تنتظر باركلي في تشيلسي  -  جماهير إيفرتون أدركت رحيل باركلي آجلا أم عاجلا
تجربة جديدة تنتظر باركلي في تشيلسي - جماهير إيفرتون أدركت رحيل باركلي آجلا أم عاجلا
TT

على باركلي اغتنام الفرصة في تشيلسي قبل فوات الأوان

تجربة جديدة تنتظر باركلي في تشيلسي  -  جماهير إيفرتون أدركت رحيل باركلي آجلا أم عاجلا
تجربة جديدة تنتظر باركلي في تشيلسي - جماهير إيفرتون أدركت رحيل باركلي آجلا أم عاجلا

قبل بضع سنوات من الآن، كان نادي إيفرتون يصور لاعبه الشاب روس باركلي على أنه لاعب مختلف تماما عما نراه الآن. ولو سألت المدير الفني الاسكوتلندي ديفيد مويز عن باركلي فسوف يخبرك بأنه عندما كان في الخامسة عشرة من عمره كان أقرب لاعب من حيث القدرات والإمكانات للنجم السابق لمانشستر يونايتد ومنتخب آيرلندا الشمالية نورمان وايتسايد. فقد كان باركلي لا يتوقف عن الركض بطول الملعب وعرضه، ولم يكن يخاف من التدخلات القوية لاستخلاص الكرة. وكان مويز ومدربو فريق الشباب بنادي إيفرتون يضعون أيديهم على قلوبهم عندما يتدخل باركلي بقوة على لاعبي الفرق المنافسة لاستخلاص الكرات بسبب قوته الشديدة في التدخل.
لكن هذه الطريقة التي كان يعتمد عليها باركلي في اللعب قد تغيرت تماما وهو في السادسة عشرة من عمره عندما أصيب بكسر مضاعف في منطقتين مختلفتين بقدمه في إحدى مباريات المنتخب الإنجليزي تحت 19 عاما أمام بلجيكا. وعندما عاد باركلي للملاعب بعد تعافيه من تلك الإصابة لاحظ مدربوه أنه لم يعد يتدخل بنفس القوة والشراسة وأنه بدأ يعتمد بصورة أكبر على مهارته، بالشكل الذي جعل كثيرون يشبهونه بالنجم الإنجليزي السابق بول غاسكوين. وعندما تم تصعيد باركلي للعب في صفوف الفريق الأول بنادي إيفرتون وسط مديح كبير من المدير الفني للنادي آنذاك روبرتو مارتينيز، كان هناك شعور بأنه سيكون محور أداء الفريق وإحدى الأساطير الذين سيقترن اسمه طويلا بنادي إيفرتون.
لكن باركلي انتقل الآن إلى صفوف تشيلسي في العام الذي تقام فيه نهائيات كأس العالم من أجل إثبات أحقيته في الانضمام لتشكيلة المنتخب الإنجليزي المشاركة في المونديال. وقد أبرم تشيلسي هذه الصفقة بمقابل مادي زهيد للغاية، إذا ما وضعنا في الاعتبار أنه كان سيتعاقد مع اللاعب في أغسطس (آب) الماضي مقابل 35 مليون جنيه إسترليني، قبل أن يتعرض لتمزق في أوتار الركبة. وبعد هذه الإصابة، استمر إيفرتون في دفع الراتب الأسبوعي للاعب والذي يصل إلى 60 ألف جنيه إسترليني، فضلا عن تحمل تكاليف العلاج والإشراف على البرنامج التأهيلي. وبعدما استعاد اللاعب عافيته وفتحت فترة الانتقالات الشتوية الحالية، عاد نادي تشيلسي للتفاوض مرة أخرى ونجح في ضم اللاعب بأقل من 20 مليون جنيه إسترليني، وقد وافق إيفرتون على العرض لأنه لا يتبقى في عقد اللاعب مع النادي سوى ستة أشهر فقط وبعدها يحق للاعب الانتقال لأي ناد في صفقة انتقال حر.
وفي نفس الوقت، تعاقد إيفرتون مع لاعبي خط الوسط الهولندي دافي كلاسين والآيسلندي غيلفي سيغوردسون مقابل 79 مليون جنيه إسترليني، كما تعاقد مع واين روني ومنحه راتبا قياسيا في تاريخ النادي، من أجل سد الفراغ الذي سيتركه باركلي. ورغم ذلك، لم ينجح أي من هؤلاء اللاعبين في اللعب بنفس قوة ومهارة باركلي، وهناك شعور أيضا بأن عودة كيران دويل، الذي يلعب على سبيل الإعارة لنادي نوتنغهام فورست، لن ينجح أيضا في سد الفراغ الذي سيتركه باركلي، وهو ما سيجعل مالك النادي فارهاد موشيري مجبرا على إنفاق المزيد من أجل إيجاد اللاعب القادر على القيام بالدور الذي كان يقوم به باركلي. لقد تعاقد تشيلسي مع باركلي مقابل 15 مليون جنيه إسترليني - وهو مبلغ زهيد يدفع الآن في مهاجم سجل 15 هدفا في الموسم في دوري الدرجة الأولى الإنجليزي - ولذا فمن المؤكد أن إيفرتون يخدع نفسه لو أعتقد بأنه قد قام بعمل جديد في هذه الصفقة!
ومع ذلك، فهذه هي الطريقة التي تُعقد بها الصفقات في بعض الأحيان، ومن المغري أن نعرف أن عمدة ليفربول، جو أندرسون، رغم كل مسؤولياته قد أعلن على حسابه الخاص على موقع «تويتر» يوم الجمعة أنه سوف يطلب من الدوري الإنجليزي الممتاز والاتحاد الإنجليزي لكرة القدم التحقيق في الطريقة التي «ينهار» بها إيفرتون. قد يحتاج أندرسون، وهو أحد مشجعي نادي إيفرتون، إلى الاطلاع على قانون بوسمان والطريقة التي تنخفض بها أسعار اللاعبين في العام الأخير من عقودهم. ولن يكون أندرسون هو الوحيد الذي يعتقد أن إيفرتون قد خسر كثيرا في هذه الصفقة لكن هل لو كان هناك أي شيء غير قانوني أو خطأ في الصفقة يستدعي فتح تحقيق على أعلى المستويات، ألم يكن ينبغي على النادي نفسه أن يتقدم بشكوى؟ لكن الحقيقة تكمن أن إيفرتون قد وافق على الصفقة وليس لديه أي خطط لتقدم أي شكاوى.
ودائما ما يكون هناك شعور بالحزن والألم عندما يقرر لاعب عاش حياته كلها في ناد معين أن يرحل إلى ناد آخر، وخاصة في حالة باركلي الذي رحل دون أن يتحدث عن سبب ذلك. ربما تكمن الأسباب في حصوله على راتب أعلى في تشيلسي، بالإضافة إلى مشاركته في دوري أبطال أوروبا. لكن ربما كان يتعين على اللاعب أن يخرج ويقول بعض الكلمات لمواساة جمهور إيفرتون الذي دائما ما كان يسانده وينظر إليه على أنه أحد أبناء النادي المخلصين.
بالتأكيد، كان هناك شعور بالغضب بين عدد من جمهور النادي خلال الفترة التي انخفض فيها مستوى اللاعب، لكن مباراة الفريق أمام بيرنلي قبل نهاية الموسم الماضي كانت بمثابة مقياس دقيق للعلاقة بين اللاعب والجمهور. فقبل أيام قليلة من تلك المباراة، تم تسريب صور لباركلي وهو في إحدى الحانات بمدينة ليفربول، وهتف الجمهور في ملعب إيفرتون غوديسون بارك ضد باركلي. لكنه لعب بشكل جيد في تلك المباراة ونال تحية حارة من الجمهور عند استبداله بعد ذلك. وبالتالي، ليس صحيحا أن جمهور إيفرتون قد انقلب على اللاعب.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: هل يتمكن باركلي من العودة مرة أخرى لقائمة المنتخب الإنجليزي؟ لقد كان باركلي ضمن قائمة المنتخب الإنجليزي المشارك في نهائيات كأس الأمم الأوروبية 2016 بقيادة المدير الفني روي هودجسون، لكنه لم يشارك في أي مباراة في البطولة ولو لدقيقة واحدة. واستبعده سام ألاردايس من المباراة الوحيدة التي تولى خلالها قيادة المنتخب الإنجليزي، وحتى في المرة الوحيدة التي استدعاه بها مدرب المنتخب الحالي غاريث ساوثغيت، استعدادا لمباراتي ألمانيا وليتوانيا في مارس (آذار) الماضي، كان باركلي واحدا من لاعبين اثنين فقط لم يشاركا في أي دقيقة.
لم يلعب باركلي أي مباراة مع المنتخب الإنجليزي منذ مايو (أيار) 2016، ولم يشارك لمدة 90 دقيقة سوى في ثلاث مباريات فقط خلال 22 مباراة، منها 14 مباراة كبديل، منذ مشاركته في صفوف المنتخب الإنجليزي للمرة الأولى وهو في التاسعة عشرة من عمره. وفي آخر سبعة استدعاءات لصفوف المنتخب الإنجليزي، ظل باركلي حبيسا لمقاعد البدلاء، وإذا لم يكن باركلي حذرا فقد تبقى مسيرته الدولية على هذا المنوال ويفشل في حجز مكان له في التشكيلة الأساسية لصفوف المنتخب الإنجليزي ويكتفي فقط بالانضمام من وقت لآخر والجلوس على مقاعد البدلاء. ومع ذلك، فقد أظهر ساوثغيت بالفعل أنه مستعد لضم لاعبين جدد، ولا يزال من الممكن أن يعود باركلي لصفوف المنتخب الإنجليزي قبل انطلاق كأس العالم في روسيا، إذا لم يتأثر كثيرا بإصابة أوتار الركبة التي تعرض لها (أي شخص يقلل من خطورة هذه الإصابة، يجب عليه أن يرى الندبة التي يصل طولها إلى تسع بوصات خلف ساقه)، وإذا جعله أنطونيو كونتي، مديره الفني الجديد في تشيلسي، يؤمن بأنه قادر على اللعب في أعلى المستويات.
دعونا نتفق على أن أداء باركلي يتأثر كثيرا بمدى ثقته في نفسه وفي قدراته. وتكمن المشكلة في أن ثقة باركلي في نفسه قد اهتزت كثيرا عندما تولى المدير الفني الهولندي رونالد كومان القيادة الفنية لنادي إيفرتون واعتقد خطأ أن باركلي من نوعية اللاعبين الذين يتحسن أداؤهم في حال انتقادهم على الملأ، على عكس مارتينيز الذي كان لديه قدرة كبيرة على رفع معنويات اللاعب وثقته بنفسه. وكان باركلي حساسا للغاية تجاه كلمات كومان لدرجة أنه في مرحلة معينة سأل المدير الفني الهولندي عن السبب الذي يجعله يتحدث عنه كثيرا في المؤتمرات الصحافية. لقد تألم باركلي كثيرا بسبب تصريحات كومان في وسائل الإعلام، وعقد النية على الرحيل مجانا، حتى لو كان ما قاله كومان بحقه صحيحا.
وهناك جانب آخر في شخصية باركلي يتضح بالعودة إلى مباراة الدور نصف النهائي لكأس الاتحاد الإنجليزي ضد مانشستر يونايتد في أبريل (نيسان) 2016، وبالتحديد في الأسابيع الأخيرة من ولاية مارتينيز، عندما نزل اللاعبون إلى أرض الملعب قبل بداية الشوط الثاني وكانت النتيجة تشير إلى تأخر إيفرتون بهدف دون رد. كانت هناك صافرات استهجان من جانب جمهور إيفرتون واعتقد باركلي خطأ أن تلك الصافرات كانت موجهة ضده هو شخصيا. وقد حاول لاعبون آخرون، بقيادة فيل جاغيلكا، أن يقنعوه بأن الجمهور لا يستهدفه هو بالتحديد. في الحقيقة، يتعين على لاعب موهوب مثل باركلي وهو في الرابعة والعشرين من عمره أن يثبت أنه قد وصل لمرحلة من النضج تجعله ينتقل من مجرد لاعب موهوب وجديد، بل وجيد جدا في بعض الأحيان، إلى لاعب مؤثر يعتمد عليه الفريق بشكل كبير.
وخلاصة القول تكمن في أن الناس يتحدثون كثيرا ويكتبون كثيرا عن باركلي، لأنه من نوعية اللاعبين اللذين يمتلكون الإمكانات والقدرات التي تجعل الآخرين ينتظرون منهم الكثير. وما يتعين على باركلي القيام به الآن هو ألا يدع الناس تواصل الحديث عن الإمكانات والقدرات التي لم يتمكن من استغلالها حتى يصل إلى أواخر العشرينات من عمره، بمعنى أنه يتعين عليه أن يستغل تلك القدرات والفنيات الآن وليس غدا. لكن الإحصائيات تشير إلى أن باركلي كان أفضل لاعب في إيفرتون من حيث صناعة الأهداف وخلق أكبر عدد من فرص التهديف والمراوغات خلال المواسم الثلاثة الماضية، وهو ما يعني أنه لاعب صاحب قدرات كبيرة وأن تشيلسي قد حصل على صفقة ممتازة بمبلغ زهيد في ضوء أسعار اللاعبين في الوقت الحالي.


مقالات ذات صلة


مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.