دعا رئيس ديوان المحاسبة في العاصمة الليبية طرابلس، خالد شكشك، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني والمصرف المركزي ووزير الاقتصاد بـ«إجراء إصلاحات اقتصادية جادة لمعالجة الآثار الناجمة عن اختلال سعر الصرف، وتخفيف المعاناة عن المواطنين»، مهدداً بـ«وقف التصرف في حسابات الدولة وأرصدتها في الخارج، وإخضاعها للمراجعة، إن لم يتم ذلك سريعاً»، في وقت اتهم فيه من سماهم «أصحاب المصالح من رجال أعمال وشركات، بتدخلهم في ملف الموازنة الاستيرادية للبلاد، وتوجيه القرارات بما يخدم مصالحهم».
ورأى ديوان المحاسبة أن «أرصدة الدولة واحتياطاتها بالخارج لحقت بها أضرار، فضلا عن وجود تشوه بالاقتصاد الوطني، وذلك بسبب التراخي في اتخاذ إجراءات جادة لمعالجة الآثار الناتجة عن اختلال سعر الصرف، وإهمال المقترحات التي من شأنها تحسين الأوضاع الاقتصادية، وارتكاب ذات الأخطاء التي تسببت في إهدار الأرصدة النقدية بالعملة الأجنبية، وخلق بيئة مصرفية موازية تقوم على المضاربة بالنقد المحلي والأجنبي».
غير أن مطالبات ديوان المحاسبة، التي ضمنها في بيان وجهه أيضاً إلى سبع جهات في أنحاء البلاد من (الشرق إلى الغرب)، أقر بها اقتصاديون ليبيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، لكنهم اختلفوا مع تحذيراته، وحول مدى قدرته على وقف التعامل على الاحتياطي النقدي، متسائلين «عن كيفية تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، في ظل العجز عن تنفيذ قرار مجلس النواب بتعيين محافظ جديد للمصرف المركزي».
وزاد الديوان من سرد الـ«تجاوزات»، وقال إن «هناك من يعرقل الجهات المسؤولة عن توفير الاحتياجات الأساسية من السلع الغذائية والأدوية، ما ساهم في احتكار البعض لتلك السلع والمضاربة بها»، فضلا عن «غياب الشفافية، وحجب المعلومات المتعلقة بالاعتمادات والتحويلات الخارجية عن الأجهزة الرقابية والرأي العام»، ورأى أن «البعض يهيمن على أعمال اللجنة الفنية المعنية بتنفيذ الموازنة الاستيرادية وتفشي مظاهر الوساطة والمحسوبية».
ونبّه ديوان المحاسبة المسؤولين في الدولة إلى «ضرورة تحمل مسؤولياتهم بسرعة، للقيام بالإصلاحات الاقتصادية التي تقع ضمن اختصاصهم، حتى لا يضطر إلى إيقاف التصرف بحسابات الدولة وأرصدتها في الخارج، وإخضاعها للمراجعة المصاحبة وفقا للمادة 20 من القانون رقم (13) للعام 2013».
وتنص المادة (20) المتعلقة بإعادة تنظيم ديوان المحاسبة وتعديلاته، بأن لرئيس الديوان - إذا ما ثبت له تصرفات تلحق الضرر بالمال العام - أن يوقف التصرف في حسابات الجهات التي لحقها الضرر لدى المصارف، ويجوز له وضعها تحت الفحص والمراجعة؛ لحين زوال الأسباب والضرر.
ووسط تضارب في الأرقام في ليبيا، قال محافظ المصرف المركزي في مدينة البيضاء (شرق البلاد)، على الحبري، مع بداية عام 2017. إن احتياطيات ليبيا من النقد الأجنبي تبلغ 80 مليار دولار، مضيفاً في جلسة سابقة أمام مجلس النواب «إن غطاء العملة المحلية يشمل 30 في المائة من الذهب، إضافة إلى حقوق السحب الخاصة، وأذونات الخزانة التي تصدرها وزارة المالية»، لكن في 29 أغسطس (آب) من نفس العام الماضي أفاد تقرير للبعثة الأممية في ليبيا أن «الاحتياطي من العملات الأجنبية تراجع إلى 44.6 مليار دولار بنهاية العام، مقابل 53.5 مليار دولار قبل عام» أي بتراجع نسبته 16.6 في المائة.
وأضافت البعثة في تقريرها أنه «رغم الزيادة في إنتاج النفط، فإن عجز الميزانية أصبح أكبر بكثير مما كان متوقعاً في السابق»، مشيرة إلى أنه «في 13 يوليو (تموز) الماضي أفاد المصرف المركزي بأن العجز في الميزانية بالنسبة للنصف الأول من سنة 2017 بلغ 6.7 مليارات دينار، ومع أن هذا العجز أقل بشكل طفيف عما كان عليه في عام 2016. إلا أن المصرف المركزي ما زال يغطي العجز باحتياطياته من العملات الأجنبية الآخذة في التناقص بسرعة».
وانتهي التقرير متحدثاً عن ارتفاع مستويات إنتاج النفط إلى أكثر من مليون برميل يومياً، وفق ما أعلنه رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مصطفى صنع الله في 30 يونيو (حزيران) 2017.
وأمام هذا التفاوت في أرقام الاحتياطي الليبي، توقع الدكتور سليمان الشحومي الخبير الاقتصاد الليبي مؤسس سوق الأوراق المالية، أن يكون حجم الاحتياطي النقدي للبلاد أكبر من 80 مليار دولار، مستدركاً: «لا توجد أرقام دقيقة في هذا الأمر، بسبب الانقسام الحاد في البلاد».
وأضاف الشحومي لـ«الشرق الأوسط» أن الإصلاحات الاقتصادية التي يطالب بها رئيس ديوان المحاسبة ترتبط بمدى الاستقرار السياسي في البلاد، لافتاً إلى أن العلاقة بين المصرف المركزي والديوان شهدت الأيام الماضية سجلاً ومراسلات عدة حول سعر الصرف، في ظل تمسك كل منهما برأيه ووجهة نظره.
وبحسب آخر بيان للمصرف المركزي، فإن السعر الرسمي للدولار هو 1.356 دينار ليبي، إلا أن متوسط سعر التعاملات في السوق السوداء (الموازية) يبلغ حاليا نحو 9.25 دينارا للدولار، ما يعني أن الفجوة السعرية تتجاوز 685 في المائة.
وأرجع الشحومي سبب القفزات في سعر صرف الدينار أمام الدولار بالسوق السوداء (الموازية) إلى «حالة الارتباك التي تشهدها عمليات الاعتمادات المستندية بسبب شبهات الفساد»، فضلا عن استمرار الانقسام بالمصرف المركزي، خاصة بعد رفض رئيس المصرف في طرابلس الصديق الكبير قرار مجلس النواب في طبرق، بتعيين محمد عبد السلام الشكري محافظاً جديداً لـ«المركزي»، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
ويستمر الانقسام داخل مصرف ليبيا المركزي، حيث يتولى شخصان منصب محافظ المصرف، أحدهما يمارس مهامه من طرابلس، الصديق الكبير، والثاني في البيضاء، علي الحبري، الأمر الذي وصفه الشحومي بأنه من بين أسباب تشوهات الاقتصاد في البلاد.
وانتهى الشحومي قائلاً إنه «بدون العمل بمؤسسات موحدة، سيظل الاقتصاد الليبي يعاني، ما يؤثر بشكل مباشر على سعر الصرف، وبالتالي فإن الأوضاع المعيشية للمواطنين ستزداد سوءاً، في ظل تمدد السوق السوداء».
وسبق للمبعوث الأممي لدي ليبيا غسان سلامة، القول في نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إن «ما يحدث في ليبيا ليس فسادًا، بل هو نهب ممنهج لمالية الدولة تنفذها أطرافا دولية»، مضيفاً: «هناك مَن يقول إن ليبيا بلد غني لكن الفقراء يزدادون يوميا، فنحو مليون ليبي بحاجة إلى مساعدة إنسانية».
ويعترض المجلس الأعلى للدولة على عملية انتخاب الشكري محافظاً جديداً للمصرف المركزي، مستنداً في ذلك إلى نص المادة 15 من الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية، التي تنص على أن اختيار المناصب السيادية يكون بالشراكة بين المجلسين.
وأقر الدكتور عطية الفيتوري أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي «بوجود فساد مالي كبير في بلاده»، وقال إن «الفساد زاد عما قبل، وأصبح لدينا شركات وهمية لاستيراد مواد غذائية، وتتلاعب في الاعتمادات والحوالات».
ومضى الفيتوري يقول لـ«الشرق الأوسط»: «توجد محاباة ورشاوى لكبار التجار والموردين، بل تجاوز الأمر إلى التشاور معهم في السياسات الاقتصادية المتعلقة بسعر الصرف والدعم السلعي والميزانية وأسلوب تنفيذها»، لافتاً إلى أن هذه «الإجراءات يجب ألاّ يشترك في تحديدها التجار لأنهم أصحاب مصلحة».
وذهب إلى أن ديوان المحاسبة كان يصدر تقارير سنوية يوضح فيها المخالفات والتجاوزات لدوائر الدولة جميعاً، «لكنه لم يتخذ إجراءات بوقف أي مسؤول عن العمل». وعلى عكس ما ذهب الشحومي، قدّر الفيتوري احتياطي النقدي من 60 إلى 70 مليار دولار، وقال إن «المصرف المركزي كان ينشر البيانات بشكل منتظم على مدار سنوات، إلا أنه توقف عن ذلك منذ سنتين».
وقلل الفيتوري من قدرة ديوان المحاسبة على إيقاف حسابات الدولة، وشل حركتها، وقال: «لا يستطيع ذلك، وكان أولى به وقف المسؤولين المخالفين وتحويلهم للقضاء»، مستطرداً: «المصارف الخارجية تلتزم بأمر من له حق التصرف في الحسابات والتوقيع عليها».
وفي 27 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، قال مصرف ليبيا المركزي في طرابلس (غرب)، إن الدين العام في البلاد وصل «حداً خطيراً» زاد عن 71 مليار دينار ليبي، حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وأضاف المصرف، في بيان نشره على موقعه الإلكتروني، أن ذلك «عدا حوالي 20 مليار دينار تم صرفها من قبل المصرف المركزي بالبيضاء (شرق)، إضافة إلى عجز مستمر في ميزان المدفوعات منذ عام 2013. إلى يومنا هذا».
وانتهى الفيتوري قائلاً: «رغم أن ليبيا تتصدر قائمة البلدان الأكثر فساداً في العالم، إلاً أن معالجة ذلك الخلل أمر سهل، ويتطلب في المقام الأول حكومة وطنية واحدة، ومجلس نواب يستطيع إصدار التشريعات المناسبة ومحاسبة السلطة التنفيذية».
ونتج عن الانقسام السياسي والانفلات الأمني، والإغلاق القسري للموانئ النفطية منذ 2014. في البلد العربي الغني بالنفط، تدنٍ حاد في الإيرادات النفطية التي تعد المصدر الوحيد لتمويل الميزانية العامة.
أرصدة ليبيا في الخارج تدفع ثمن الفساد والانقسام وتشوهات الاقتصاد
تراجعت إلى 44.6 مليار دولار نهاية العام... وخبراء يؤكدون عدم قدرة ديوان المحاسبة على وقف التعامل عليها
رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك
أرصدة ليبيا في الخارج تدفع ثمن الفساد والانقسام وتشوهات الاقتصاد
رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج ورئيس ديوان المحاسبة خالد شكشك
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

