العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

نُدرته وغلاؤه يزيدان من غموضه والرغبة فيه

TT

العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

تحظى رائحة العود بتبجيل بالغ على امتداد قرون، لما تتمتع به من أريج ثري وراتينجي مدخن. لا يختلف اثنان على أن مكانته تنامت في السنوات القليلة الماضية، لدرجة جعلته مهيمناً على صناعة العطور العالمية باعتباره أحد المكونات الأساسية فيها. فمن كان يتصور أن الغرب الذي كان يعتبره قويا ونفاذا لا يطاق أصبح يستحليه وأقبل عليه. الفضل طبعا يعود إلى أن الكثير من العطارين الكبار أدلوا بدلوهم فيه وخلطوه مع مكونات أخرى جعلته مقبولا للذائقة العالمية.
الآن يوصف العود بـ«الذهب السائل». سبب التسمية يعود إلى نُدرته وغلاء ثمنه. وإذا كان الغرب قد اكتشفه في السنوات الأخيرة من العقد الأخير فقط، فإن شعبيته في بلدان الشرق الأوسط تعود إلى قرون ولم تخف قوتها مع الزمن. فالعرب كانوا يستعملونه حتى في تعطير البيوت والملابس، إلى جانب تقطيره في زيوت كانت تستعمل لتعطير البشرة والجسم.
في العقد الأخير، ومع تنامي الاهتمام بالشرق الأوسط كسوق مؤثرة، فضلا أن أهمية الزبون العربي في الغرب، بالنظر إلى أنه يُحرك عجلة البيع فيه، كان لا بد أن يعمل الغرب جُهده لإرضائه وجذبه. من بين الوسائل التي اكتشف أن هذا الزبون لا يقاومها هي العطور التي يدخل فيها العود كمكون أساسي أو ثانوي. المهم أن يدغدغ حواسه بشكل أو بآخر. وهكذا انتقل هذا المكون إلى معامل باريس ليخرج لنا بأسماء عالمية. قد يعود فضل كبير في هذا إلى المصمم توم فورد. لم يكن الأول الذي انتبه إلى جمالياته، إذ إن شركة «غيرلان» الفرنسية سبقته إلى ذلك منذ نحو القرن تقريبا، لكنه كان أكثر من جذب انتباه جيل كامل إليه. فقد كان حينها مصمما فنيا في دار «غوتشي»، أي أنه كان من أهم المصممين العالميين الذين يريد الرجل الحصول على إبداعاتهم بأي ثمن. من لم يستطع إلى بدلة مفصلة بمقصه سبيلا وجد ضالته في عطوره. وحتى عندما ترك فورد دار «غوتشي» في عام 2004، لم ينس أو يتجاهل هذا المكون، وعاد إليه في عطور كثيرة حققت له أرباحا لا يستهان بها، كما فتحت عيون منافسيه على أهمية العود وضرورة استعماله لمواكبة العصر. ما نجح فيه «توم فورد» و«كوم دي غارسون» وفريدريك مال وأمثالهم أنهم وظفوه بلغة عصرية واستعملوا أنواعا جيدة منه. أما الذين ركبوا الموجة من أجل الربح فقط فإنهم اكتفوا بأنواع أقل جودة وبنسب قليلة جدا منه لتخفيض تكاليف صناعته، ولم يحققوا نفس النجاح. فالزبون العربي ليس سهلا عندما يتعلق الأمر بالعطور تحديدا. وهذا ما أكده العطار العالمي فريديريك مال بقوله إن أغلب العطور التي يدعي صناعها بأنها مصنوعة من العود لا تستعمل منه في الحقيقة سوى نسبة قليلة حتى تُروج له.

ما هو العود؟
كما هو حال غالبية المنتجات الزيتية المشهورة، يتسم العود بارتفاع أسعاره، لكنها غالباً ما تكون مبرّرة بالنظر إلى عملية إنتاجه التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. قصة استخراجه معقّدة جداً، وفي ذلك، يشرح روجا دوف خبير العطور البريطاني الشهير بإبداعاته الغنية بالعود قائلاً: يُستخلص من مادة راتينجية توجد في خشب القلب بجذع شجرة العود الآسيوية وهي مادة بالغة الندرة». ويتابع: «تنبع الرائحة المميزة التي يشتهر بها العود من خشب جذع شجرة العود عندما تصاب بتسمم محدد، يتركها داكنة اللون وتكتسب قواماً زيتياً وتصبح شديدة الكثافة. في الحقيقة، تصل لدرجة من الكثافة تجعلها تطفو على سطح الماء».
وتضفي هذه الولادة المثيرة على العود سحراً إضافياً. وبهذا الشأن يقول جيمس كريفين، خبير العطور لدى شركة «لي سونتور»: «تشبه عملية تكوين العود عملية التجديد أو الولادة الذي تشهدها الطبيعة بين الفينة والأخرى. إنه عطر غريب لكن رائع ولد من رحم المرض والتلف والموت».

العود والعطور
ما يمنحه مكانته كعنصر مهم في صناعة العطور - إضافة إلى أن النوع الرفيع الجودة منه قد يكون أغلى من الذهب، ما يتميز به من «عُمق مُذهل»، حسب رأي دوف: «بالنسبة للمبتدئين في هذه الصناعة، فهو يقبع في قاع تركيب العطر، وبالتالي يبقى طويلاً على الجلد، فضلا عن قدرته على تثبيت العناصر الأخرى، مما يجعل منه عنصرا مثبتا ممتازاً». وعلى خلاف الحال مع العناصر الشائعة التي تدخل في تركيبة العطور الرّجالية المعاصرة، كخشب الصندل والفانيلا وشجر الرغموت والفيتيفر، فإن الطابع المتميز للعود يجعله أشبه بوعاء جامع للعطور. وتأكيدا على هذا الرأي يوضح كريفين: «إنّه، أي العود، متطرف للغاية وقوي ويترك بصمة كبيرة، وهذا ما خض الذوق الغربي.. فهو لم يكن مألوفا أبدا من قبل».
قوته وما يتركه من انطباع قوي، عنصران يستدعيان أن يكون الرجل الذي يستخدمه واثقاً من نفسه وجريئا بعض الشيء. فرغم أنه مناسب للنهار أو المساء إلا أن القليل منه كثير إذا كان العطر جيدا. وحسب رأي دوف فإن «العود الجيد يتميز برائحة قوية، لذا من المفضل تجنب وضع كمية كبيرة منه، خصوصا وأنه يدوم لفترة طويلة وتأثيره السحري يستمر لساعات.»
الكل يُجمعون أن عشاق «العود» يُقدرون فخامته ولا يتأثرون بسعره الباهظ عندما يتعلق الأمر بنوعيات جيدة منه.
على سبيل المثال، يوفر لك العود من إنتاج «روجا دوف» عطرا ثريا وجذابا مقابل 375 دولاراً لزجاجة عطر بحجم 30 ميليمتراً (أمّا نسخة «أبسولوت» فيصل سعرها إلى 795 دولاراً). وعلى الرجل أن يتذكّر جيداً لدى وضعه عطر عود من الأسماء الكبرى، مثل «عود» و«بيور عود» من «كيليان» و«رويال عود» من «كريد»، أنّه كلما كانت الكمية التي يضعها أقل، كان ذلك أفضل.
وتشتهر معظم عطور العود التي يطرحها المصممون والعطارون المتخصصون على حد سواء - مثل «عود وود» من «توم فورد» و«توباكو عود» و«كوم دي غارسون» و«بوتلد عود» من «بوس» - بأنّها تعمد إلى تقليص مستوى كثافة العطر بخلطه بمكونات أخرى تقل قوة لكن لا تقل ترفا حتى تُقربه من الذائقة الغربية.
ويعتبر الخبير في مجال صناعة العطور فرانسيس كوركدجيان من أفضل المبدعين بهذا المجال، لأنه يستخدم العود على نحو يحافظ على طابعه الدرامي مع العمل على التخفيف من قوته عبر خلطه بعناصر أخرى، مثل عطر «فيلفيت عود» الذي ينمّ عن الثقة بالنفس رغم أنه قوي للغاية بحيث يعطي الإحساس وكأنّه ينتمي لقرون غابرة».
فرانسيس كوركدجيان ترجم أيضا رؤية المصمم إيلي صعب عندما أراد هذا الأخير أن يهدي المرأة عطرا فخما من مكونات شرقية. وجاءت الترجمة تحمل كل بصمات المصمم الرومانسية في مجموعة «لاكوليكسيون ديز إيسانس» La collection Des Essences التي تتكون من أربعة عطور أغناه كان «إيسانس رقم 4 عود». ورغم أن كوركدجيان استلهم الكثير من أسلوب المصمم بدءا من التطريزات الغنية إلى الأقمشة المترفة وعلى رأسها الدانتيل والتصاميم الأنثوية، فإن العود كان أساسيا لخلق ديناميكية شرقية غامضة.
من جهته اعترف إيلي صعب أنه لم يكن يميل إلى العود على المستوى الشخصي، لكنه ما إن تعرف على خصائصه وكيف يمكن تطويعه بسهولة بالتخفيف منه حتى أدمن عليه.
قد يكون توم فورد الذي كان من أوائل المصممين الذين أعربوا عن فضولهم وشغفهم به من خلال عطور ناجحة أكثر من استفادوا منه. فقد قدم عبر السنوات عدة إصدارات مثل «برايفت بليند عود مينيرال» و«أكوا دي بارما عود» الذي جمع فيه العود والليمون والخشب بالعود، لخلق عطر ثري ومدخن يلبي كل الأذواق تقريبا. وهكذا حقق الربح وحصل على رضا زبائنه في الوقت ذاته.
بدورها طرحت علامة EX NIHILO أربع مجموعات من العطور الراقية، منها عطر OUD VENDÔME الذي يتألف من توليفة معاصرة تحتوي على خشب العود بلمسات باريسية 100 في المائة، حيث يستهلّ العطر بنفحات الزعفران الممزوجة بالزنجبيل والقرفة، تمنحه أريجاً نضراً وحديثاً، لتعلو فيما بعد النفحات الوسطى، التي تشمل خشب العود المعزّز بالبارزد وخشب الأزر. وبما أن عطرا واحدا لا يكفي، فقد أتبعته بمجموعة «سيبليم إيسانس عود»، وهي مجموعة من العطور الشرقية الأصيلة من وجهة نظر باريسية مُعاصرة. أهم مكوناته هي البخور وخشب الأغار والكهرمان يمدّان العطر بلمسة مُشرقة تفتح الأبواب لخلطه بزيت العود على الطريقة العربية في مزج العطور واستعمالها على شكل طبقات.
دار العطور الكويتية TFK أيضا استعملته في عطر Merry Poplin الذي يتميز بتركيبة عطرة من الزنبق والورد والياسمين والناردين مع نفحات من خشب الأرز والباتشولي. العود هنا يستقرّ على نغمات خشب الصندل والمسك. واللافت أن العطارين العرب، لا سيما من الشباب، باتوا هم الآخرون يريدون التخفيف منه حتى يخرجوا من المحلية. فالعالم انفتح على مصراعيه وأصبح قرية صغيرة تتلاقى فيها الكثير من الحضارات والثقافات. وبما أن الغرب يريد أن يصدر للشرق عطورا من مكونات تدخل في صميم ثقافته فلم لا يحاول هو أيضا أن يخترق الغرب بتقديمه نسخة شرقية منقحة تحافظ على شخصيته الأصلية وفي الوقت ذاته تروق لزبون اكتشفه مؤخرا ولا يزال يجهل عنه الكثير؟. بالنظر إلى محاولات بعض العطارين العرب الشباب، ونذكر منهم السعودي باسل بن جابر الذي تتوفر ماركته «ثمين» في محلات «سيلفريدجز» بلندن ومدى ما يحققه من نجاح، فإن الفكرة وصلت.


مقالات ذات صلة

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

لمسات الموضة أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

دليل عملي لإطلالات العمل بعد الأربعين: خزانة ذكية، وتنسيق بسيط، وتحضير مسبق يمنحك أناقةً يوميةً، وثقةً دون عناءٍ أو حيرةٍ كل صباح.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

بينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها، ما يجعلها سيفاً ذا حدين.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كريستوفر كاين، المدير الإبداعي الجديد لدار «مالبوري» (غيتي)

كريستوفر كاين يعود مديراً إبداعياً لدار «مالبوري» بعد غياب

يمثل هذا التعيين فصلاً جديداً في مسيرة واحد من أبرز المصممين البريطانيين المعاصرين، وفي الوقت ذاته فرصة للدار لأن تحيي قسم الأزياء الجاهزة، بعد غياب سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لقاء الفن والموضة وجهان لعملة واحدة في الدار منذ تأسيسها ورقته الرابحة كانت ولا تزال أنه لم يُقدس الماضي فيتقيد به بل حاوره بلغة معاصرة وواقعية

«سكياباريللي» تتجلَّى في متحف «فيكتوريا وألبرت» بلندن

أخيراً أصبح بإمكان زوار لندن الاستمتاع بدعابات وإبداعات إلسا سكياباريلي الفنية، أو بالأحرى التعرف عن قرب على معنى «الفنون جنون» في مجال التصميم.

جميلة حلفيشي (لندن)

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟
TT

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

أناقة العمل بعد الأربعين: كيف تتخلصين من حيرة كل صباح؟

في ظل إيقاع الحياة المتسارع، وتبدّل الفصول، تجد كثيرٌ من النساء أنفسهنّ أمام سؤال يتكرر كل صباح: ماذا أرتدي اليوم؟ وتزيد الحيرة في ظل ضغوطات العمل وما يحتاجه من أزياء، وإكسسوارات تُوازن العملي بالأنيق. ورغم أن هذه الأسئلة تبدو بسيطة، فإنها تختصر حالة من الحيرة تتكرر كل يوم، وتزيد تعقيداً في المواسم الانتقالية. أي حين يتقلب الطقس بين برودة الشتاء واعتدال الربيع.

تحتاج المرأة بعد الأربعين للتعبير عن ثقتها ونجاحها من خلال أزياء متوازنة (هوكرتي)

كل هذا يجعل الحاجة إلى خزانة تجمع بين الأناقة والراحة من دون عناء أمراً مهماً في الحياة المعاصرة. وربما تكون المرأة الأربعينية أكثر ما يحتاج إلى هذه الخزانة. فبعد الأربعين تتغير متطلباتها كما تتغيَر نظرة الناس إليها، وبالتالي تحتاج إلى مظهرٍ متوازنٍ يجمع بين النضج والأناقة المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعكس الثقة التي اكتسبتها، وتريد التعبير عنها من خلال إطلالاتها.

الخبراء حلّوا هذه الحيرة ولخصوها لها في قطع أساسية يمكنها تنسيقها مع بعض بسهولة. في هذا السياق، تشير خبيرة تنسيق الأزياء جيما روز بريجر إلى أن التحضير المسبق هو الخطوة الأولى لصباحٍ هادئٍ ومنظم، موضحةً أن ترك الأمور للحظات الأخيرة غالباً ما يخلق توتراً، وتأخيراً.

بعد الأربعين تحتاج المرأة إلى خلق توازن بين الأناقة المعاصرة والراحة (هوكرتي-زارا-ماسيمو دوتي)

وتنصح بريجر بتخصيص وقتٍ لتنظيم خزانة الملابس، إذ إن الاكتظاظ يُعيق رؤية الخيارات المتاحة. وتشير إلى أن القاعدة الأساسية بسيطة: الاحتفاظ فقط بما يُستخدم فعلاً، وما يمنح شعوراً بالثقة. كما تنصح بتقسيم الملابس إلى فئات واضحة، فساتين، سراويل، تنانير، وقطع محبوكة، ما يسهّل عملية الاختيار اليومي.

أما التخطيط المسبق للإطلالات، سواء لليوم التالي أو لأسبوعٍ كاملٍ، فيُعدّ، بحسبها، وسيلةً فعالةً للتخفيف من حيرة كل صباح، وذلك بتنسيق القطع مع الإكسسوارات، والأحذية، والحقائب مسبقاً، بما يتيح ارتداءها سريعاً عند ضيق الوقت.

تنسيق الألوان الداكنة مع ألوان صارخة في الإكسسوارات من النصائح التي أدلى بها الخبراء (فيرساتشي_نوماساي- ماسيمو دوتي)

التنسيق اللوني أيضاً يعد حلاً عملياً آخر يمنح الإطلالة تماسكاً وأناقةً؛ فاختيار درجات متقاربة من لونٍ واحد، كالبني والبيج والجملي، يخلق مظهراً متناغماً أقرب إلى الفخامة. أما في الحالات الطارئة، فالإطلالة السوداء تظل خياراً آمناً وسريعاً، يمكن إضافة بعض الحيوية على اللون بإكسسوارات ملونة، أو أحمر شفاه جريء.

راحة وأناقة... لمختلف البيئات والميزانيات

عند اختيار إطلالات العمل، لا تقل الراحة أهميةً عن المظهر. فالملابس الضيقة أو الأحذية غير المريحة لا مكان لها في يوم عمل طويل. لذلك تبرز السراويل الواسعة والأحذية ذات الكعب المتوسط كخياراتٍ عمليةٍ تجمع بين الأناقة والراحة.

كما أن تنوّع بيئات العمل بين مكاتب رسمية وأخرى مرنة يفرض تنوعاً في الخيارات، يجب أن يُناسب مختلف الأذواق. ويشمل ذلك أيضاً اختلاف الميزانيات؛ فبعض النساء يفضلن التسوق بأسلوبٍ اقتصاديٍ ذكي، فيما تميل أخريات إلى الاستثمار في قطعٍ عالية الجودة تدوم طويلاً.

خزانة مصغّرة... فكرة رائجة لتنظيم الخيارات

أسلوب الطبقات مناسب لكل الأعمار (مانغو)

ومن بين الأفكار التي لاقت رواجاً واسعاً أخيراً، تبرز قاعدة 3-3-3 لخزانة عمل مصغّرة يُمكن ارتداؤها على مدى ثلاثة أشهر. وتهدف هذه القاعدة إلى تبسيط القرارات اليومية، وتعزيز الاستدامة، وتشجيع اعتماد أسلوبٍ أكثر وعياً في اختيار الملابس.

وقد انتشرت هذه الفكرة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وجدت صدىً لدى كثيرٍ من النساء الباحثات عن حلولٍ عمليةٍ تُخفف عبء الاختيار اليومي.

التصاميم الكلاسيكية أصبحت عصرية تناسب كل الأعمار (هوكرتي)

في نهاية المطاف، تبقى الأناقة الحقيقية في البساطة، والقدرة على اختيار ما يعكس الشخصية دون تكلّف. فسواء كانت بيئة العمل رسميةً أو مرنةً، يمكن لكل امرأة أن تبني خزانةً ذكيةً تمنحها إطلالاتٍ متجددةً، وتبدأ يومها بثقةٍ وهدوءٍ، وهو ما يُعد، في حد ذاته، استثماراً يومياً في الراحة النفسية قبل المظهر الخارجي.


نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
TT

نقشات جلود الحيوانات... موضة تتراقص على خيط رفيع بين الأناقة والابتذال

حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)
حملات كثيرة من بينها حملة «هارفي نيكولز» احتفلت بهذه الموضة بطرق مبتكرة (هارفي نيكولز)

شوارع الموضة والمحال في كل أنحاء العالم تصرخ هذه الأيام بأن طبول الغابة تدق عالياً. فطبعات الفهد والنمر وخطوط الحمار الوحشي وجلود الثعابين، تتصدر المشهد. نقوش قوية وجريئة، لافتة ومثيرة، لكنها في الوقت ذاته امتحان دقيق للذوق العام، فبين الأناقة والابتذال خيط رفيع، وبيدك أنت أن تخلقي المعادلة الصعبة بين إثارتها ورسالتها، من خلال طريقة تنسيقك، ونوعية الأقمشة التي تختارينها بما يتناغم مع أسلوبك الشخصي.

كل المحال تقريباً توفر تصاميم متنوعة من هذه النقشات يمكن تنسيقها حسب أسلوبك بسهولة (موقعا «مانغو» و«زارا»)

المهم أن تنتبهي؛ فطريقة تنسيقها سيف ذو حدين. فبينما تضفي هذه النقشات طاقة وقوة، هناك أيضاً اعتقاد قديم بأنها تنقل شيئاً من خصائص الحيوان الذي تُمثِّله إلى من ترتديها. وربما هنا تكمن جاذبيتها التي تلمس شيئاً بدائياً بداخلنا.

تطورها الفني والجمالي

رغم إجماع الأغلبية على أن هذه النقشات واحدة من أهم توجهات الموضة لهذا الموسم، فإنها لم تغب عن الرادار منذ أكثر من قرن، بل إن جذورها بالنسبة للبعض، ومنهم الكاتبة جو ويلدون، مؤلفة كتاب بعنوان Fierce: The History of Leopard Print تمتد إلى العصر الفرعوني؛ حيث تستشهد الكاتبة برسمة على جدران المعابد لـ«سشات»، إلهة الحكمة والمعرفة والكتابة في مصر القديمة، وهي ترتدي ثوباً بنقوش النمر في دلالة مبكرة على ارتباط القوة بالأنوثة.

وفي القرن الثامن عشر ظهرت في ملابس الطبقات الأرستقراطية رمزاً للفخامة، وأيضاً السلطة، قبل أن تنتعش أكثر في عشرينات القرن الماضي. أما حضورها الرسمي على منصات عروض الأزياء فجاء في عام 1947 في مجموعة المصمم كريستيان ديور لربيع وصيف ذلك العام. كان من خلال فستان سهرة وحيد إلا أنه كان مفعماً بالأنوثة والترف. فالطريف أن السيد ديور كان يرى أن نقشة النمر تتمتع بجاذبية حسية لا تقاوم، وبالتالي لا يناسب امرأة تتسم بالهدوء والنعومة، حسب ما كتبه في «القاموس الصغير للموضة» الذي أصدره عام 1954.

من اقتراحات دار «سيلين» لخريف 2025 (سيلين)

بيد أنها وقبل أن تدخل عالم الموضة وعروض الأزياء الباريسية والإيطالية في منتصف القرن الماضي، حملت في طياتها كثيراً من الرموز في ثقافات بعيدة. في أفريقيا مثلاً، ارتبط جلد الفهد بالقوة والسلطة، وفي آسيا، كان الحمار الوحشي رمزاً للتفرد، أما في الموضة، فإن لكل نقشة حيوان تأثيرها، فخطوط الحمار الوحشي مثلاً أقل قوة وأسهل من ناحية تنسيقها من نقشات النمر أو الفهد، ربما لأنها غالباً بالأبيض والأسود.

الثمانينات... زمن الماكسيماليزم

الثمانينات كانت بلا شك العصر الذهبي لهذه النقشات. في هذه الحقبة وجدت مساحتها وفرصتها للتوسع مع تبني الموضة حينها شعار «الكثير قليل»، التي احتفت بكل ما هو صارخ وجريء. عشقها مصممون كبار مثل روبرتو كافالي، والثنائي دولتشي آند غابانا وجياني فيرساتشي وغيرهم، ممن قدموها بلمسات حسية وإثارة أنثوية. وكانت تلك الفترة ترجمة حرفية للجمال الوحشي بمعناه الإيجابي؛ حيث تلتقي الثقة بالإثارة في توازن دقيق. فتحت المجال للمرأة أيضاً أن تتعامل معها حسب ذوقها الخاص، وما تريد أن تعبر عنه من خلال إطلالاتها.

من عرض «فندي» لخريف وشتاء 2025 (فندي)

وكون ثقافة الموضة تقوم على مفهوم التغيير، جعل أسهم هذه النقشات تنخفض تارة وترتفع تارة أخرى. لكنها لم تختفِ تماماً في أي حقبة تلت الثمانينات، فحتى الآن لا تزال لصيقة بدار «روبرتو كافالي»، وتدخل في جيناتها مثلاً.

كانت دائماً تنتظر في الظل مَن يبث فيها الحياة من جديد لتعود أكثر قوة وجمالاً. في عروض الأزياء الأخيرة، ظهر هذا التوجه أكثر إثارة من الناحية البصرية، ولا سيما بعد أن نجح المصممون في تخليصها من أي إيحاءات سلبية يمكن أن ترتبط بها. استعملوها في الجلود كما في أقمشة خفيفة وناعمة مثل الموسلين والمخمل والحرير. كان طبيعياً أن تباركها نجمات وشخصيات لهن تأثير، اعتمدنها في حياتهن اليومية ومناسباتهن الخاصة، وفي كل إطلالة يقدمن لنا صورة معاصرة مفعمة بالجاذبية.

دار «سالفاتوري فيراغامو» خففت من صراخ هذه النقشات في أقمشة منسدلة في عرضها لخريف وشتاء 2025 (سالفاتوري فيراغامو)

ومع تصاعد الوعي البيئي وارتفاع أصوات المعارضين لاستخدام الجلود الطبيعية، اتجهت دور الأزياء العالمية نحو البدائل الصناعية وأبدعت في تصميمها، حتى باتت تتمتع بجاذبية لا تُقاوَم بسهولة. فهي اليوم تمثل موضةً وموقفاً أخلاقياً في آنٍ واحد، ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن فيها بحد ذاتها، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصلها عن الابتذال، والذي يظهر جلياً في الأسواق الشعبية التي تطرحها بخامات رديئة وتصاميم متدنية لا تخدم الذوق العام بقدر ما تُؤذي العين.

كيف تحققين التناغم؟

من هذا المنظور، يبقى أهم عنصر يجب الانتباه له عند اختيارها، جودة خامتها قبل التصميم، فالقماش الرديء يعكس مظهراً رخيصاً، والعكس صحيح. بعد ذلك تأتي عملية التنسيق الذكي مع الألوان؛ إما لتُهدئها وتخفف من صراخها، وإما لتبث فيها الحياة، سواء جاءت في معطف أو حذاء أو حقيبة اليد، أو حتى فستان سهرة. يفضل دائماً تنسيقها مع ألوان حيادية وداكنة، وإن كان العديد من الخبراء يقولون إنها تتناغم أيضاً مع الأزرق والأحمر، لكن على شرط أن تكون بجرعات خفيفة.

أكسسوارات بهذه النقشات يمكن أن تكون الحل بالنسبة للمرأة المترددة من هذه الموضة (موقع «زارا»)

أما إذا كنت ما زلت مترددة وتخافين من قوتها، فإن الأكسسوارات قد تكون طريقك لمواكبة هذه الموضة من دون أن تغرقي فيها، وذلك بالاكتفاء بحزام أو إيشارب أو حذاء أو حقيبة يد.


جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
TT

جُرعة الجرأة تزيد في صيحات المجوهرات

أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)
أقراط لافتة في عرض «ميو ميو» (أ.ف.ب)

في عالم الأناقة، ظلّت الإكسسوارات والمجوهرات تلعب دوراً أشبه بالكومبارس في مسرح الأزياء. لكن في عروض الأزياء الأخير، يبدو أنها اقتنصت لنفسها دوراً أكبر. لم تعد مجرد تفصيلة نهائية تضاف إلى الإطلالة، بل عنصر أساسي قادر على تغييرها بالكامل، سواء كانت من خلال قلادة أو أقراط أو أساور. المثير فيها أنها ازدادت جرأة ووضوحاً بفضل أحجامها الكبيرة وألوانها الزاهية. حتى إن بعضها بات يلامس الأكتاف أحياناً. فضل كبير في هذا التصدر يعود إلى دار «سكياباريلي» التي تواصل إتحافنا بأشكال مبتكرة منها، ليلتقط خيطها باقي المصممين من «برادا» و«ميوميو» إلى «فالنتينو» و«إيترو» وغيرهم.

ماكياج شاحب وشعر أبيض مع أقراط نابضة وغير متناظرة (أ.ف.ب)

وما يزيد من جاذبيتها أنها لم تعد حكراً على السهرات والمناسبات المسائية، فارتداؤها مع فستان بسيط، أو كنزة بياقة عالية أو مع قميص أبيض من القطن في النهار لا يجعلها تبدو نشازاً أو خارج إطار الأناقة المتعارف عليه. الشرط الوحيد أن تتم عملية التنسيق بقدر من الحذر، بحيث يُستغنى عن أي من التفاصيل الأخرى كالقلادة أو التطريزات المبالغ فيها، لتبقى هي المحور.

إلى جانب الأحجام الكبيرة، ظهرت على منصات العرض صيحات أخرى لا تقل إثارة، مثل الأقراط غير المتناظرة، أو الاكتفاء بقرط واحد يمنح الإطلالة طابعاً معاصراً وشبابياً.

يمكن لقلادة مبتكرة أن تُغني عن كل الإكسسوارات والارتقاء بأي إطلالة مهما كانت بساطتها (أ.ف.ب)

وينطبق الشيء نفسه على القلادات التي أخذت هذا الموسم أشكالاً هندسية ونحتية، من شأنها أن ترتقي بأبسط الأزياء إلى مستوى أكثر أناقة. ولم تقتصر هذه الموجة على بيوت الأزياء الكبيرة ودور المجوهرات الفاخرة، فقد سارعت العلامات التجارية المتوسطة والمحال الشعبية إلى تبنيها، مقدمة تصاميم مبتكرة بأسعار مُغرية تتيح لعدد أكبر من النساء مواكبة هذه الصيحة.

تباينت الإكسسوارات بين الطويلة والهندسية هذا الموسم (أ.ف.ب)

في نهاية المطاف، ورغم أن هذا الاتجاه يبدو جريئاً، فإن القاعدة التي يكررها الخبراء تقضي بالحفاظ على بساطة الأزياء، حتى تنال المجوهرات والإكسسوارات حقها من البروز. ويزداد هذا التأثير عندما تأتي الألوان نابضة بالحيوية، وكأنها تعويض عن سنوات طويلة من الدرجات الترابية التي سادت عالم الأزياء والمجوهرات على حد سواء. فألوان مثل الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر وغيرها قادرة دائماً على ضخ المظهر بجرعة من الديناميكية. وعندما تتجسد هذه الألوان في أحجار كريمة مثل البيريدوت والياقوت والسفير والتوباز أو الزمرد، فإنها لا تكتفي بإضفاء الانتعاش على المظهر، بل تمنحه أيضًا قدراً من الرقي ونوعاً من الطاقة الإيجابية.