العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

نُدرته وغلاؤه يزيدان من غموضه والرغبة فيه

TT

العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

تحظى رائحة العود بتبجيل بالغ على امتداد قرون، لما تتمتع به من أريج ثري وراتينجي مدخن. لا يختلف اثنان على أن مكانته تنامت في السنوات القليلة الماضية، لدرجة جعلته مهيمناً على صناعة العطور العالمية باعتباره أحد المكونات الأساسية فيها. فمن كان يتصور أن الغرب الذي كان يعتبره قويا ونفاذا لا يطاق أصبح يستحليه وأقبل عليه. الفضل طبعا يعود إلى أن الكثير من العطارين الكبار أدلوا بدلوهم فيه وخلطوه مع مكونات أخرى جعلته مقبولا للذائقة العالمية.
الآن يوصف العود بـ«الذهب السائل». سبب التسمية يعود إلى نُدرته وغلاء ثمنه. وإذا كان الغرب قد اكتشفه في السنوات الأخيرة من العقد الأخير فقط، فإن شعبيته في بلدان الشرق الأوسط تعود إلى قرون ولم تخف قوتها مع الزمن. فالعرب كانوا يستعملونه حتى في تعطير البيوت والملابس، إلى جانب تقطيره في زيوت كانت تستعمل لتعطير البشرة والجسم.
في العقد الأخير، ومع تنامي الاهتمام بالشرق الأوسط كسوق مؤثرة، فضلا أن أهمية الزبون العربي في الغرب، بالنظر إلى أنه يُحرك عجلة البيع فيه، كان لا بد أن يعمل الغرب جُهده لإرضائه وجذبه. من بين الوسائل التي اكتشف أن هذا الزبون لا يقاومها هي العطور التي يدخل فيها العود كمكون أساسي أو ثانوي. المهم أن يدغدغ حواسه بشكل أو بآخر. وهكذا انتقل هذا المكون إلى معامل باريس ليخرج لنا بأسماء عالمية. قد يعود فضل كبير في هذا إلى المصمم توم فورد. لم يكن الأول الذي انتبه إلى جمالياته، إذ إن شركة «غيرلان» الفرنسية سبقته إلى ذلك منذ نحو القرن تقريبا، لكنه كان أكثر من جذب انتباه جيل كامل إليه. فقد كان حينها مصمما فنيا في دار «غوتشي»، أي أنه كان من أهم المصممين العالميين الذين يريد الرجل الحصول على إبداعاتهم بأي ثمن. من لم يستطع إلى بدلة مفصلة بمقصه سبيلا وجد ضالته في عطوره. وحتى عندما ترك فورد دار «غوتشي» في عام 2004، لم ينس أو يتجاهل هذا المكون، وعاد إليه في عطور كثيرة حققت له أرباحا لا يستهان بها، كما فتحت عيون منافسيه على أهمية العود وضرورة استعماله لمواكبة العصر. ما نجح فيه «توم فورد» و«كوم دي غارسون» وفريدريك مال وأمثالهم أنهم وظفوه بلغة عصرية واستعملوا أنواعا جيدة منه. أما الذين ركبوا الموجة من أجل الربح فقط فإنهم اكتفوا بأنواع أقل جودة وبنسب قليلة جدا منه لتخفيض تكاليف صناعته، ولم يحققوا نفس النجاح. فالزبون العربي ليس سهلا عندما يتعلق الأمر بالعطور تحديدا. وهذا ما أكده العطار العالمي فريديريك مال بقوله إن أغلب العطور التي يدعي صناعها بأنها مصنوعة من العود لا تستعمل منه في الحقيقة سوى نسبة قليلة حتى تُروج له.

ما هو العود؟
كما هو حال غالبية المنتجات الزيتية المشهورة، يتسم العود بارتفاع أسعاره، لكنها غالباً ما تكون مبرّرة بالنظر إلى عملية إنتاجه التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. قصة استخراجه معقّدة جداً، وفي ذلك، يشرح روجا دوف خبير العطور البريطاني الشهير بإبداعاته الغنية بالعود قائلاً: يُستخلص من مادة راتينجية توجد في خشب القلب بجذع شجرة العود الآسيوية وهي مادة بالغة الندرة». ويتابع: «تنبع الرائحة المميزة التي يشتهر بها العود من خشب جذع شجرة العود عندما تصاب بتسمم محدد، يتركها داكنة اللون وتكتسب قواماً زيتياً وتصبح شديدة الكثافة. في الحقيقة، تصل لدرجة من الكثافة تجعلها تطفو على سطح الماء».
وتضفي هذه الولادة المثيرة على العود سحراً إضافياً. وبهذا الشأن يقول جيمس كريفين، خبير العطور لدى شركة «لي سونتور»: «تشبه عملية تكوين العود عملية التجديد أو الولادة الذي تشهدها الطبيعة بين الفينة والأخرى. إنه عطر غريب لكن رائع ولد من رحم المرض والتلف والموت».

العود والعطور
ما يمنحه مكانته كعنصر مهم في صناعة العطور - إضافة إلى أن النوع الرفيع الجودة منه قد يكون أغلى من الذهب، ما يتميز به من «عُمق مُذهل»، حسب رأي دوف: «بالنسبة للمبتدئين في هذه الصناعة، فهو يقبع في قاع تركيب العطر، وبالتالي يبقى طويلاً على الجلد، فضلا عن قدرته على تثبيت العناصر الأخرى، مما يجعل منه عنصرا مثبتا ممتازاً». وعلى خلاف الحال مع العناصر الشائعة التي تدخل في تركيبة العطور الرّجالية المعاصرة، كخشب الصندل والفانيلا وشجر الرغموت والفيتيفر، فإن الطابع المتميز للعود يجعله أشبه بوعاء جامع للعطور. وتأكيدا على هذا الرأي يوضح كريفين: «إنّه، أي العود، متطرف للغاية وقوي ويترك بصمة كبيرة، وهذا ما خض الذوق الغربي.. فهو لم يكن مألوفا أبدا من قبل».
قوته وما يتركه من انطباع قوي، عنصران يستدعيان أن يكون الرجل الذي يستخدمه واثقاً من نفسه وجريئا بعض الشيء. فرغم أنه مناسب للنهار أو المساء إلا أن القليل منه كثير إذا كان العطر جيدا. وحسب رأي دوف فإن «العود الجيد يتميز برائحة قوية، لذا من المفضل تجنب وضع كمية كبيرة منه، خصوصا وأنه يدوم لفترة طويلة وتأثيره السحري يستمر لساعات.»
الكل يُجمعون أن عشاق «العود» يُقدرون فخامته ولا يتأثرون بسعره الباهظ عندما يتعلق الأمر بنوعيات جيدة منه.
على سبيل المثال، يوفر لك العود من إنتاج «روجا دوف» عطرا ثريا وجذابا مقابل 375 دولاراً لزجاجة عطر بحجم 30 ميليمتراً (أمّا نسخة «أبسولوت» فيصل سعرها إلى 795 دولاراً). وعلى الرجل أن يتذكّر جيداً لدى وضعه عطر عود من الأسماء الكبرى، مثل «عود» و«بيور عود» من «كيليان» و«رويال عود» من «كريد»، أنّه كلما كانت الكمية التي يضعها أقل، كان ذلك أفضل.
وتشتهر معظم عطور العود التي يطرحها المصممون والعطارون المتخصصون على حد سواء - مثل «عود وود» من «توم فورد» و«توباكو عود» و«كوم دي غارسون» و«بوتلد عود» من «بوس» - بأنّها تعمد إلى تقليص مستوى كثافة العطر بخلطه بمكونات أخرى تقل قوة لكن لا تقل ترفا حتى تُقربه من الذائقة الغربية.
ويعتبر الخبير في مجال صناعة العطور فرانسيس كوركدجيان من أفضل المبدعين بهذا المجال، لأنه يستخدم العود على نحو يحافظ على طابعه الدرامي مع العمل على التخفيف من قوته عبر خلطه بعناصر أخرى، مثل عطر «فيلفيت عود» الذي ينمّ عن الثقة بالنفس رغم أنه قوي للغاية بحيث يعطي الإحساس وكأنّه ينتمي لقرون غابرة».
فرانسيس كوركدجيان ترجم أيضا رؤية المصمم إيلي صعب عندما أراد هذا الأخير أن يهدي المرأة عطرا فخما من مكونات شرقية. وجاءت الترجمة تحمل كل بصمات المصمم الرومانسية في مجموعة «لاكوليكسيون ديز إيسانس» La collection Des Essences التي تتكون من أربعة عطور أغناه كان «إيسانس رقم 4 عود». ورغم أن كوركدجيان استلهم الكثير من أسلوب المصمم بدءا من التطريزات الغنية إلى الأقمشة المترفة وعلى رأسها الدانتيل والتصاميم الأنثوية، فإن العود كان أساسيا لخلق ديناميكية شرقية غامضة.
من جهته اعترف إيلي صعب أنه لم يكن يميل إلى العود على المستوى الشخصي، لكنه ما إن تعرف على خصائصه وكيف يمكن تطويعه بسهولة بالتخفيف منه حتى أدمن عليه.
قد يكون توم فورد الذي كان من أوائل المصممين الذين أعربوا عن فضولهم وشغفهم به من خلال عطور ناجحة أكثر من استفادوا منه. فقد قدم عبر السنوات عدة إصدارات مثل «برايفت بليند عود مينيرال» و«أكوا دي بارما عود» الذي جمع فيه العود والليمون والخشب بالعود، لخلق عطر ثري ومدخن يلبي كل الأذواق تقريبا. وهكذا حقق الربح وحصل على رضا زبائنه في الوقت ذاته.
بدورها طرحت علامة EX NIHILO أربع مجموعات من العطور الراقية، منها عطر OUD VENDÔME الذي يتألف من توليفة معاصرة تحتوي على خشب العود بلمسات باريسية 100 في المائة، حيث يستهلّ العطر بنفحات الزعفران الممزوجة بالزنجبيل والقرفة، تمنحه أريجاً نضراً وحديثاً، لتعلو فيما بعد النفحات الوسطى، التي تشمل خشب العود المعزّز بالبارزد وخشب الأزر. وبما أن عطرا واحدا لا يكفي، فقد أتبعته بمجموعة «سيبليم إيسانس عود»، وهي مجموعة من العطور الشرقية الأصيلة من وجهة نظر باريسية مُعاصرة. أهم مكوناته هي البخور وخشب الأغار والكهرمان يمدّان العطر بلمسة مُشرقة تفتح الأبواب لخلطه بزيت العود على الطريقة العربية في مزج العطور واستعمالها على شكل طبقات.
دار العطور الكويتية TFK أيضا استعملته في عطر Merry Poplin الذي يتميز بتركيبة عطرة من الزنبق والورد والياسمين والناردين مع نفحات من خشب الأرز والباتشولي. العود هنا يستقرّ على نغمات خشب الصندل والمسك. واللافت أن العطارين العرب، لا سيما من الشباب، باتوا هم الآخرون يريدون التخفيف منه حتى يخرجوا من المحلية. فالعالم انفتح على مصراعيه وأصبح قرية صغيرة تتلاقى فيها الكثير من الحضارات والثقافات. وبما أن الغرب يريد أن يصدر للشرق عطورا من مكونات تدخل في صميم ثقافته فلم لا يحاول هو أيضا أن يخترق الغرب بتقديمه نسخة شرقية منقحة تحافظ على شخصيته الأصلية وفي الوقت ذاته تروق لزبون اكتشفه مؤخرا ولا يزال يجهل عنه الكثير؟. بالنظر إلى محاولات بعض العطارين العرب الشباب، ونذكر منهم السعودي باسل بن جابر الذي تتوفر ماركته «ثمين» في محلات «سيلفريدجز» بلندن ومدى ما يحققه من نجاح، فإن الفكرة وصلت.


مقالات ذات صلة

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

لمسات الموضة جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام.

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من…

«الشرق الأوسط» (لندن)

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.