العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

نُدرته وغلاؤه يزيدان من غموضه والرغبة فيه

TT

العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

تحظى رائحة العود بتبجيل بالغ على امتداد قرون، لما تتمتع به من أريج ثري وراتينجي مدخن. لا يختلف اثنان على أن مكانته تنامت في السنوات القليلة الماضية، لدرجة جعلته مهيمناً على صناعة العطور العالمية باعتباره أحد المكونات الأساسية فيها. فمن كان يتصور أن الغرب الذي كان يعتبره قويا ونفاذا لا يطاق أصبح يستحليه وأقبل عليه. الفضل طبعا يعود إلى أن الكثير من العطارين الكبار أدلوا بدلوهم فيه وخلطوه مع مكونات أخرى جعلته مقبولا للذائقة العالمية.
الآن يوصف العود بـ«الذهب السائل». سبب التسمية يعود إلى نُدرته وغلاء ثمنه. وإذا كان الغرب قد اكتشفه في السنوات الأخيرة من العقد الأخير فقط، فإن شعبيته في بلدان الشرق الأوسط تعود إلى قرون ولم تخف قوتها مع الزمن. فالعرب كانوا يستعملونه حتى في تعطير البيوت والملابس، إلى جانب تقطيره في زيوت كانت تستعمل لتعطير البشرة والجسم.
في العقد الأخير، ومع تنامي الاهتمام بالشرق الأوسط كسوق مؤثرة، فضلا أن أهمية الزبون العربي في الغرب، بالنظر إلى أنه يُحرك عجلة البيع فيه، كان لا بد أن يعمل الغرب جُهده لإرضائه وجذبه. من بين الوسائل التي اكتشف أن هذا الزبون لا يقاومها هي العطور التي يدخل فيها العود كمكون أساسي أو ثانوي. المهم أن يدغدغ حواسه بشكل أو بآخر. وهكذا انتقل هذا المكون إلى معامل باريس ليخرج لنا بأسماء عالمية. قد يعود فضل كبير في هذا إلى المصمم توم فورد. لم يكن الأول الذي انتبه إلى جمالياته، إذ إن شركة «غيرلان» الفرنسية سبقته إلى ذلك منذ نحو القرن تقريبا، لكنه كان أكثر من جذب انتباه جيل كامل إليه. فقد كان حينها مصمما فنيا في دار «غوتشي»، أي أنه كان من أهم المصممين العالميين الذين يريد الرجل الحصول على إبداعاتهم بأي ثمن. من لم يستطع إلى بدلة مفصلة بمقصه سبيلا وجد ضالته في عطوره. وحتى عندما ترك فورد دار «غوتشي» في عام 2004، لم ينس أو يتجاهل هذا المكون، وعاد إليه في عطور كثيرة حققت له أرباحا لا يستهان بها، كما فتحت عيون منافسيه على أهمية العود وضرورة استعماله لمواكبة العصر. ما نجح فيه «توم فورد» و«كوم دي غارسون» وفريدريك مال وأمثالهم أنهم وظفوه بلغة عصرية واستعملوا أنواعا جيدة منه. أما الذين ركبوا الموجة من أجل الربح فقط فإنهم اكتفوا بأنواع أقل جودة وبنسب قليلة جدا منه لتخفيض تكاليف صناعته، ولم يحققوا نفس النجاح. فالزبون العربي ليس سهلا عندما يتعلق الأمر بالعطور تحديدا. وهذا ما أكده العطار العالمي فريديريك مال بقوله إن أغلب العطور التي يدعي صناعها بأنها مصنوعة من العود لا تستعمل منه في الحقيقة سوى نسبة قليلة حتى تُروج له.

ما هو العود؟
كما هو حال غالبية المنتجات الزيتية المشهورة، يتسم العود بارتفاع أسعاره، لكنها غالباً ما تكون مبرّرة بالنظر إلى عملية إنتاجه التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. قصة استخراجه معقّدة جداً، وفي ذلك، يشرح روجا دوف خبير العطور البريطاني الشهير بإبداعاته الغنية بالعود قائلاً: يُستخلص من مادة راتينجية توجد في خشب القلب بجذع شجرة العود الآسيوية وهي مادة بالغة الندرة». ويتابع: «تنبع الرائحة المميزة التي يشتهر بها العود من خشب جذع شجرة العود عندما تصاب بتسمم محدد، يتركها داكنة اللون وتكتسب قواماً زيتياً وتصبح شديدة الكثافة. في الحقيقة، تصل لدرجة من الكثافة تجعلها تطفو على سطح الماء».
وتضفي هذه الولادة المثيرة على العود سحراً إضافياً. وبهذا الشأن يقول جيمس كريفين، خبير العطور لدى شركة «لي سونتور»: «تشبه عملية تكوين العود عملية التجديد أو الولادة الذي تشهدها الطبيعة بين الفينة والأخرى. إنه عطر غريب لكن رائع ولد من رحم المرض والتلف والموت».

العود والعطور
ما يمنحه مكانته كعنصر مهم في صناعة العطور - إضافة إلى أن النوع الرفيع الجودة منه قد يكون أغلى من الذهب، ما يتميز به من «عُمق مُذهل»، حسب رأي دوف: «بالنسبة للمبتدئين في هذه الصناعة، فهو يقبع في قاع تركيب العطر، وبالتالي يبقى طويلاً على الجلد، فضلا عن قدرته على تثبيت العناصر الأخرى، مما يجعل منه عنصرا مثبتا ممتازاً». وعلى خلاف الحال مع العناصر الشائعة التي تدخل في تركيبة العطور الرّجالية المعاصرة، كخشب الصندل والفانيلا وشجر الرغموت والفيتيفر، فإن الطابع المتميز للعود يجعله أشبه بوعاء جامع للعطور. وتأكيدا على هذا الرأي يوضح كريفين: «إنّه، أي العود، متطرف للغاية وقوي ويترك بصمة كبيرة، وهذا ما خض الذوق الغربي.. فهو لم يكن مألوفا أبدا من قبل».
قوته وما يتركه من انطباع قوي، عنصران يستدعيان أن يكون الرجل الذي يستخدمه واثقاً من نفسه وجريئا بعض الشيء. فرغم أنه مناسب للنهار أو المساء إلا أن القليل منه كثير إذا كان العطر جيدا. وحسب رأي دوف فإن «العود الجيد يتميز برائحة قوية، لذا من المفضل تجنب وضع كمية كبيرة منه، خصوصا وأنه يدوم لفترة طويلة وتأثيره السحري يستمر لساعات.»
الكل يُجمعون أن عشاق «العود» يُقدرون فخامته ولا يتأثرون بسعره الباهظ عندما يتعلق الأمر بنوعيات جيدة منه.
على سبيل المثال، يوفر لك العود من إنتاج «روجا دوف» عطرا ثريا وجذابا مقابل 375 دولاراً لزجاجة عطر بحجم 30 ميليمتراً (أمّا نسخة «أبسولوت» فيصل سعرها إلى 795 دولاراً). وعلى الرجل أن يتذكّر جيداً لدى وضعه عطر عود من الأسماء الكبرى، مثل «عود» و«بيور عود» من «كيليان» و«رويال عود» من «كريد»، أنّه كلما كانت الكمية التي يضعها أقل، كان ذلك أفضل.
وتشتهر معظم عطور العود التي يطرحها المصممون والعطارون المتخصصون على حد سواء - مثل «عود وود» من «توم فورد» و«توباكو عود» و«كوم دي غارسون» و«بوتلد عود» من «بوس» - بأنّها تعمد إلى تقليص مستوى كثافة العطر بخلطه بمكونات أخرى تقل قوة لكن لا تقل ترفا حتى تُقربه من الذائقة الغربية.
ويعتبر الخبير في مجال صناعة العطور فرانسيس كوركدجيان من أفضل المبدعين بهذا المجال، لأنه يستخدم العود على نحو يحافظ على طابعه الدرامي مع العمل على التخفيف من قوته عبر خلطه بعناصر أخرى، مثل عطر «فيلفيت عود» الذي ينمّ عن الثقة بالنفس رغم أنه قوي للغاية بحيث يعطي الإحساس وكأنّه ينتمي لقرون غابرة».
فرانسيس كوركدجيان ترجم أيضا رؤية المصمم إيلي صعب عندما أراد هذا الأخير أن يهدي المرأة عطرا فخما من مكونات شرقية. وجاءت الترجمة تحمل كل بصمات المصمم الرومانسية في مجموعة «لاكوليكسيون ديز إيسانس» La collection Des Essences التي تتكون من أربعة عطور أغناه كان «إيسانس رقم 4 عود». ورغم أن كوركدجيان استلهم الكثير من أسلوب المصمم بدءا من التطريزات الغنية إلى الأقمشة المترفة وعلى رأسها الدانتيل والتصاميم الأنثوية، فإن العود كان أساسيا لخلق ديناميكية شرقية غامضة.
من جهته اعترف إيلي صعب أنه لم يكن يميل إلى العود على المستوى الشخصي، لكنه ما إن تعرف على خصائصه وكيف يمكن تطويعه بسهولة بالتخفيف منه حتى أدمن عليه.
قد يكون توم فورد الذي كان من أوائل المصممين الذين أعربوا عن فضولهم وشغفهم به من خلال عطور ناجحة أكثر من استفادوا منه. فقد قدم عبر السنوات عدة إصدارات مثل «برايفت بليند عود مينيرال» و«أكوا دي بارما عود» الذي جمع فيه العود والليمون والخشب بالعود، لخلق عطر ثري ومدخن يلبي كل الأذواق تقريبا. وهكذا حقق الربح وحصل على رضا زبائنه في الوقت ذاته.
بدورها طرحت علامة EX NIHILO أربع مجموعات من العطور الراقية، منها عطر OUD VENDÔME الذي يتألف من توليفة معاصرة تحتوي على خشب العود بلمسات باريسية 100 في المائة، حيث يستهلّ العطر بنفحات الزعفران الممزوجة بالزنجبيل والقرفة، تمنحه أريجاً نضراً وحديثاً، لتعلو فيما بعد النفحات الوسطى، التي تشمل خشب العود المعزّز بالبارزد وخشب الأزر. وبما أن عطرا واحدا لا يكفي، فقد أتبعته بمجموعة «سيبليم إيسانس عود»، وهي مجموعة من العطور الشرقية الأصيلة من وجهة نظر باريسية مُعاصرة. أهم مكوناته هي البخور وخشب الأغار والكهرمان يمدّان العطر بلمسة مُشرقة تفتح الأبواب لخلطه بزيت العود على الطريقة العربية في مزج العطور واستعمالها على شكل طبقات.
دار العطور الكويتية TFK أيضا استعملته في عطر Merry Poplin الذي يتميز بتركيبة عطرة من الزنبق والورد والياسمين والناردين مع نفحات من خشب الأرز والباتشولي. العود هنا يستقرّ على نغمات خشب الصندل والمسك. واللافت أن العطارين العرب، لا سيما من الشباب، باتوا هم الآخرون يريدون التخفيف منه حتى يخرجوا من المحلية. فالعالم انفتح على مصراعيه وأصبح قرية صغيرة تتلاقى فيها الكثير من الحضارات والثقافات. وبما أن الغرب يريد أن يصدر للشرق عطورا من مكونات تدخل في صميم ثقافته فلم لا يحاول هو أيضا أن يخترق الغرب بتقديمه نسخة شرقية منقحة تحافظ على شخصيته الأصلية وفي الوقت ذاته تروق لزبون اكتشفه مؤخرا ولا يزال يجهل عنه الكثير؟. بالنظر إلى محاولات بعض العطارين العرب الشباب، ونذكر منهم السعودي باسل بن جابر الذي تتوفر ماركته «ثمين» في محلات «سيلفريدجز» بلندن ومدى ما يحققه من نجاح، فإن الفكرة وصلت.


مقالات ذات صلة

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

لمسات الموضة تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)

أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

انتهى أسبوع الموضة المصري (Egypt Fashion Week) في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، مخلفاً وراءه أصداء طيبة لأسماء مصممين واعدين.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
لمسات الموضة الفنانة سلوى محمد علي بفستان من «التلي» و«الشيفون» (المصمم محمد سامي)

«التلي الأسيوطي» من صعيد مصر إلى «السجادة الحمراء»

كان «التلي» يُصنع من الفضة والذهب في بداية القرن الثامن عشر، وزاد انتشاره في زمن محمد علي، بعد ذلك مرَّ بمراحل كثيرة وثّقها الفنان زغلول للمحافظة عليه وإحيائه.

حمدي عابدين (القاهرة)
لمسات الموضة تصميم مبتكر متعدد الاستخدام حاصل على براءة اختراع (الشرق الأوسط)

«نجد» تروي حكاية المجوهرات السعودية للعالم

في قلب نيويورك والرياض؛ حيث يلتقي الذوق الرفيع بالهوية الثقافية، انبثقت مجموعة «نجد» العلامة السعودية الفاخرة التي أسستها خبيرة الأحجار الكريمة حنين القنيبط.

أسماء الغابري (جدة)
لمسات الموضة من أول عرض لـ«ديور» قدّمه جوناثان أندرسون (ديور)

2025... صعود جيل جديد من المصممين يعيد صياغة مفهوم الموضة

هل الصناعة، التي أطلقت جيل سان لوران، وكريستيان ديور، ولاغرفيلد، ثم أرماني، وجياني فيرساتشي، وبعدهم جون غاليانو، وألكسندر ماكوين، قادرة على إطلاق جيل جديد؟

جميلة حلفيشي (لندن)

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
TT

«الأبيض السحابي» لون عام 2026 الرسمي... الدلالات والاتجاهات

تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026
تألقت به نجمات وشخصيات مهمة في مناسبات مهمة مثل الأميرة شارلين (رويترز) ونيكول ريتشي (أ.ف.ب) وإيفا لانغوريا (أ.ب) حتى قبل إعلانه لوناً رسمياً لعام 2026

تلعب الألوان دوراً أساسياً في عالم الموضة، فإلى جانب أنها من أسهل الطرق لتجديد الإطلالة، فإنها تظل ثابتة لفترة أطول من اتجاهات التصميم والأقمشة.

ومع بدايات عام 2026 يشهد عالم الموضة تحولاً في هذا الجانب، يعكس تنوع المناخ الثقافي، واتساع التغيرات المجتمعية؛ لذلك لا تندهش أن تلاحظ أن ألواناً تعكس التأثير العاطفي والحاجة إلى السكون والسلام، من الاتجاهات التي تبرز أكثر، سواء كانت من الدرجات الهادئة، أو الدرجات التي تُعبِر عن الدفء مثل الحمضيات الزاهية وألوان الطبيعة المتفتحة.

كما اقترحته دار «رالف لورين» لربيع وصيف 2026 (رالف لورين)

لكن بالرغم من هذه التناقضات، بين الهادئ والمتوهج، فإن اختيار لون العام يخضع لقيم الاستدامة وتطلعات المستهلك وتفضيلاته الجمالية.

وسواء كنت تستعرض ما لديك في خزانة ملابسك، أو تبحث عن قطع جديدة، فإن هذا العام يفتح المجال للاستمتاع بكل الألوان وإن كان بعضها يُهمين على عالم الموضة أكثر خلال هذا العام، مثل الأبيض الذي يمكن القول إن معهد بانتون اقترحه كأساس لبناء لوحة فنية هادئة:

الأبيض السحابي

مما لا شك فيه أن عام 2026 قرر أن يطل علينا بفتح صفحة بيضاء جديدة عندما اختار معهد «بانتون» درجة تراقص السحاب نعومة وخفة، لوناً رسمياً له. ما يُميِزه أنه ليس بياضاً ثلجياً ناصعاً، إنما هو أكثر نعومة وهدوءاً، وبالتالي يعكس السكينة والراحة النفسية.

كما العادة، فإن هذا الاختيار لم يأتِ مصادفة؛ إنما يُعد نتاجاً للتأثير العاطفي الذي استشعره الباحثون والخبراء في معهد «بانتون» من خلال إقبال واضح في كل المناسبات على كل درجات اللون الأبيض. ومهما تنوعت المناسبات، ينجح في أن يعكس الأناقة الفخمة البسيطة وسط عالم صادم بضجيجه وتناقضاته الاجتماعية والثقافية والسياسية.

ظهر في عروض كثيرة منها عروض «سيلين» و«بالنسياغا» و«فيكتوريا بيكهام» (رويترز)

بعض الخبراء وصفوا هذا الاختيار بـ«المتطرف» والغريب، غير أن اختياره لم يكن مفاجئاً، إذ سبقته مقدمات. على سبيل المثال في خريف عام 2020 أثناء جائحة «كورونا» العالمية، قدم بيير باولو بيتشولي، مصمم دار «فالنتينو» آنذاك، مجموعة تعكس الأمل، ضمَّنها نحو 16 زياً باللون الأبيض، وصفت بأنها رد فعل على فوضى ذلك الوقت، كما أطل علينا هذا اللون من خلال منصات عروض أزياء فيكتوريا بيكهام، وشانيل، وهيرميس وغيرهم.

وفي نفس السياق جاء في البيان الصحافي الصادر عن «بانتون» إن الأبيض السحابي لون هادئ يعد بالوضوح.

تأثيره في سياق خزانة الملابس

تقول المصممة المصرية رنا الشال إن «إحاطة أنفسنا بألوان معينة يمكن أن تؤثر على الحالة المزاجية، وفي الوقت نفسه تعكس اتجاهات المناخ الثقافي الذي تنشأ منه؛ الآن نحن في حاجة إلى التقاط الأنفاس. وهنا يبرز التأثير المنتظر لهذا اللون في عالم الموضة والتصميم؛ فهو متعدد الاستخدامات بشكل استثنائي، كونه محايداً بامتياز».

يمكن تنسيق الأبيض مع أغلب الألوان وبشتى الطرق (برونيلو كوتشينيلي)

وتتابع المصممة: «بعد سنوات من التصاميم المليئة بالضجيج وصراخ الألوان الزاهية، يأتي هذا الخيار بمثابة بداية لعالم يسوده الهدوء والسلام النفسي. إضافة إلى كل هذا، فهو يثري خزانة ملابسك بشكل لا يصدق؛ حيث يسهل تنسيقه مع ألوان أخرى. وسواء تم تنسيقه في إطلالة أحادية من الرأس إلى القدمين، أو مع لون متباين، ينجح في تجسيد الجمال بمفهومه الراقي دون بذل الكثير من الجهد».

الأزرق المخضر

من اقتراحات إيلي صعب في مجموعة البريفول (إيلي صعب)

لكن هل سيستحوذ الأبيض على ساحة الموضة كلياً؟ الجواب طبعاً هو لا، لأن طابع الموضة هو التنوع، وبالتالي اختارت شركات أخرى مثل WGSN وColoro اللون «الأزرق المخضر التحولي»، وهو مزيج بين الأزرق الداكن والأخضر المائي يضفي إحساساً بالانتعاش والهدوء.

هو أيضاً مواجهة من نوع آخر للتحديات الحالية؛ لكنها هذه المرة ضد أزمة المناخ؛ حيث يجسد نهجاً استشرافياً للاستدامة، ويعكس توازناً بين العناصر الطبيعية والصناعية.

وبعد أن كان يقدم على استحياء، وكان المصممون يقدمونه كلون ثانوي فإنه في 2026 أصبح لوناً أساسياً في العديد من العروض، مثل الملابس الرياضية التي قدمتها علامة «كازابلانكا» أو أزياء السهرة الفخمة من إيلي صعب.

الألوان الترابية

الألوان الترابية لم تغب بل تظهر قوية أحياناً وناعمة أحياناً أخرى (برونيلو كوتشينيلي)

تبدو هذه الدرجات متمسكة بمكانتها في عالم الموضة. حضورها لسنوات وحجم الإقبال عليها يؤكدان أنها ليست مجرد صيحة عابرة. تصفها المصممة المصرية نيها حتا «بأنها ألوان الطبيعة في أبهى صورها».

يعود الفضل في صمودها في وجه التغيرات أنها تناسب مختلف أنواع البشرة، ومختلف المناسبات أيضاً، فمن التسوق صباحاً أو التنزه بعد الظهر، أو اجتماعات العمل إلى غداء نهاية الأسبوع يبرز اللون العسلي الفاتح، ودرجات الطين الدافئة، والقمح المشعة بشكل رائع ومريح في الوقت ذاته.


الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
TT

الغرة في عام 2026 من تفصيلة جمالية إلى تعبير شخصي

تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)
تايلور سويفت وغرة تغطي الجبين تماماً وتبرز جمال العيون (أ.ب)

إذا كان الأبيض السحابي هو اللون الرسمي لعام 2026، فإن الغرة هي تسريحة الشعر التي لم تتزحزح عن مكانتها منذ سنوات، بعد أن أكدت مرونتها في تغيير إطلالة صاحبتها بعيداً عن أي تدخلات تجميلية، فهي قادرة على إخفاء تجاعيد الوجه أو إيجاد توازن فيه إذا كان طويلاً أو مكتنزاً أو نحيلاً.

الممثلة لورا ديرن مثال على استعمال المرأة الغرة لتأطير الوجه وإخفاء التجاعيد (إ.ب.أ)

بيد أن بروزها هذا العام يتعدى الدور الجمالي التقليدي إلى حالة مزاجية خاصة، فهي هذه المرة تُعيد تعريف الأنوثة بوصفها خياراً ذكياً يجمع الرقة والنعومة بالتمرد والاستقلالية. خصلة واحدة على الجبين، أو أخرى تلتف حول الوجه، كفيلة بأن تُغيّر الصورة بأكملها: تمنحها إما نعومة ورقّة وإما أنوثة طاغية.

وفي كل الحالات، أكّدت أن جُرأتها لا تعني الصخب أو الرغبة في إحداث الصدمة والاستعراض، بل تعني الثقة. وفي بعض الإطلالات يمكن القول إن جُرأتها تكمن في انضباطها وصرامتها، في حين تعكس التحرر من القيود وخفة الروح والحركة عندما تكون غير متساوية أو متنافرة عن قصد.

المغنية مايلي سايروس وغرة منسدلة مع باقي الشعر بعفوية (إ.ب.أ)

الجميل فيها أيضاً أنها متنوعة، فمنها ما يُؤطر الوجه من الجانبين، وهذه تكون عادة طويلة تلامس عظمة الخد فتمنح الوجه نعومة. جديدها مؤخراً أنها لم تعد تتطلب تناسقاً محسوباً أو تماثلاً من الجانبين، بل يمكن أن تُقص بطريقة تجعلها تنسدل بحرية أقرب إلى العشوائية.

خبراء تصفيف الشعر يرونها الأضمن، كونها تناسب معظم أشكال الوجوه، وتمنح صاحبتها حرية في تصفيف شعرها عالياً أو تركه منسدلاً حسب المناسبة، وهذا يعني أنها تناسب امرأة تحب التغيير الهادئ والدائم، وتتعامل مع الموضة من دون تكلّف.

المغنية تايلور سويفت جرّبت كل الأنواع وفي كل مرة تبدو أجمل من سابقتها (د.ب.أ)

الغُرّة القصيرة في المقابل لها حضور أقوى، ربما لأنها خيار غير تقليدي، فهي لا تُخفي الجبين كله، بل تكشف جزءاً لا بأس منه لتُبرز العينين والحاجبين، وهو ما يتطلب جرأة حتى في الماكياج. المأخذ عليها ألا تُناسب جميع أشكال الوجوه، ويصعب العناية بها. أما عندما تنتهي فوق الحاجبين، فهي أقل جرأة والأكثر استعمالاً. مغنية الجيل تايلور سويفت أكثر مَن تعتمد هذا الشكل، مع العلم بأنها جرَّبت كل الأنواع لحد الآن.

عارضة الأزياء راين جادج وغرة مجعدة (غيتي)

وللمرة الأولى منذ سنوات، تحظى الغرة المجعدة، أو المتماوجة بمكانة بارزة، في إعلان صريح عن تقبّل الذات كما هي، فهذه الخصلات الملتوية التي تُحيط بالوجه كفيلة بأن تُضفي عليه حيوية ومرحاً، لا سيما إذا ترافقت مع ماكياج بلمسات دافئة تُضفي على البشرة ألقاً وإشراقاً.

هذا التنوع، وما يمنحه من حرية في الاختيار، لا يأتي بمعزل عما يجري في ساحة الموضة عموماً، فمع تصدّر البدلات المستوحاة من خزانة الرجل توجهات هذا العام، تُضيف الغرة الطويلة، التي تؤطر الوجه من الجانبين، لمسة أنثوية ناعمة على الإطلالة ككل. في حالة الأزياء الرومانسية المنسدلة، فإن الغرة القصيرة على الجبين تخلق بصرامتها توازناً يضفي على الإطلالة ديناميكية أكبر.

زوي كرافيتز وغرة جريئة للغاية (غيتي)

هذا التنوع هو أيضاً من أهم الأسباب التي ذوَّبت مخاوف المرأة منها، وتزيد من إقبالها عليها، منذ سنوات. لم يعد قصها بأطوال مختلفة، قراراً مصيرياً كما كان في السابق. كما لم يعد تصفيفها مهمة صعبة تحتاج إلى عناية كبيرة، أو تنميق مبالغ فيه، فالهدف منها حالياً أن تُشبه صاحبتها، وتعبر عن هويتها ونظرتها للحياة.

وربما تختصر غرة دوجا ممداني، سيدة نيويورك الحالية هذه الفكرة، رغم أن غُرتها جزء لا يتجزأ من قصة شعرها القصيرة، فإن طريقتها في تصفيفها تجعلها أكثر من مجرد موضة بعد أن حوَّلتها إلى قرار فني وتوقيع شخصي.


أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)
مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري (أسبوع الأزياء المصرية)
TT

أسبوع الموضة المصري ينسج خيوط الأناقة من تراثه

مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري  (أسبوع الأزياء المصرية)
مجموعة من الأزياء التي تم عرضها وتحتفي بالتراث والحرفية بأسلوب عصري (أسبوع الأزياء المصرية)

انتهى أسبوع الموضة المصري (Egypt Fashion Week) في أواخر شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2025، مخلفاً وراءه أصداء طيبة لأسماء مصممين واعدين، دمجوا التراث والاستدامة بأسلوب معاصر لا يعترف في الكثير من الأحيان بزمن.

العديد من المصممين استوحوا من حضارات مصرية قديمة خيوطاً نسجوا منها أزياء معاصرة (أسبوع الأزياء المصرية)

تخرج بعد متابعة الأسبوع في نسخته الثانية، والذي انطلق تحت شعار «Evolution» بانطباع قوي بأن المزج بين الهوية والتوق للعالمية وجهان لعملة واحدة.

نحو 50 مصمماً شاركوا في الأسبوع. أملهم التعريف بمواهبهم وقدراتهم لكن أقدامهم راسخة في تاريخ مصر. لم يكن الأمر صدفة، بل هو قرار تم اتخاذه منذ انطلاق الأسبوع في عام 2023، وفق ما صرحت به خبيرة الأزياء سوزان ثابت، وهي أيضاً واحدة من مؤسسيه لـ«الشرق الأوسط» آنذاك، قائلة إن «ثقافة مصر من كل الأزمنة ستكون هي التيمة الغالبة لكن بطريقة عصرية».

من اقتراحات المصممة سلمى خليل (أسبوع الأزياء المصرية)

في هذه النسخة تجسّدت كلمتها على أرض الواقع من خلال أزياء استلهمت خطوطها من حضارات مصر المتتالية.

وتضيف سوزان ثابت: «أصبحت مصر تهتم بتراثها وإرثها الثقافي العظيم، والممتد عبر آلاف السنين أكثر من أي حقبة زمنية سابقة؛ وهذا يلهم المبدعين في كل المجالات، ومنها التصميم والموضة».

هذا الأمر لم يغب عن كل من حضر وتابع العروض والفعاليات. كانت الأجواء في وسط البلد، حيث أقيم الحدث، تتنفس الطابع المصري، سواء من حيث اعتماد الأقمشة المحلية مثل الكتان والقطن، أو دعم الحرفية المصرية الواسعة أو الاحتفاء بصوغ هوية تصميم مصرية تُعنى بالاستدامة والأصالة».

ورش وجلسات مهمة

كان جدول أسبوع الموضة المصري حافلاً، من شأنه إنعاش هذه الصناعة؛ فلم يقتصر الحدث على العروض ـ التي نظمتها خبيرة الموضة أمينة شلباية ـ فقط، بل امتد ليمنح الزوار تجربة ثرية تجمع بين التصميم والصناعة والحرف والتعليم المتخصص، والنقاشات التي فتحت الحوار والجدل حول موضوعات وأبعاد مختلفة.

وكان من أبرز نشاطات الأسبوع فعالية «Room Service» التي أقيمت طوال انعقاده، وأتاحت للزوار فرصة التعرف على المصممين المشاركين وجهاً لوجه؛ ما عزز من فرص التواصل المباشر بين الجمهور والمصممين وسمح بفرص واعدة للتسويق والتصنيع، ولأول مرة تضمن الأسبوع مجموعة معارض الفن الرقمي.

الاستدامة والتراث

من تصاميم نادين شاما وجيبو (أسبوع الأزياء المصرية)

ثقة قوية غمرت العارضات والعارضين وهم يستعرضون أزياء علامات مثل «ميكس أند ماتش (Mix And Match)» لعل ذلك اعتزاز بكونها إحدى أيقونات الاستدامة بالأسبوع؛ فمنذ أسست المصممة شهيرة فهمي العلامة احتفت بالاستدامة والإنتاج المحلي، من استخدام خيوط عضوية وطبيعية إلى استعمال القطن المصري والكتان.

الأزياء التي تم عرضها جسّدت معنى اسم العلامة من ناحية احتضانها لمفهوم الدمج بين التصاميم الظلية، ولوحات الألوان والطبعات والتطريزات، والنسيج، وغيرها من التقنيات التي اعتمدت على عناصر من الملابس التقليدية. كانت هناك أيضاً قطع مفصلة متنوعة تستهدف توفير خزانة ملابس أنيقة لها هويتها وشخصيتها.

من جهتها، استكملت علامة «بوتن أب» سواء على منصة العرض أو في الـ«Room Service» إبراز سرديات ثقافية من مصر مع تكريم تراثها من خلال قطع تتكلم لغة الحاضر لكن تزدان بالرموز الفرعونية مثل «زهرة اللوتس» و«مفتاح الحياة».

من اقتراحات «ملايكا» (أسبوع الأزياء المصرية)

أما الخيامية والعناصر التراثية التي تنتمي لحقب زمنية أخرى فقد أدخلها المصممون في صيغة «أباليك» وأشكال هندسية؛ فلم تأتِ بالشكل المتعارف عليه، وبدلاً من استخدام تقنية «الباتش وورك»، شاهدناها على منصات العرض على شكل قطع منفصلة بتركيبات فنية، من ضمنها كاب ملكي مرسوم يدوياً تتحاور فيه عناصر مختلفة مثل زهرة اللوتس والأفعى المتوجة، وكذلك بنطلون بتصميم عصري يزدان بالتطريز اليدوي.

ملابس لا تعترف بزمن

أغلب الأقمشة المستعملة كانت من الكتان والقطن المصري (أسبوع الأزياء المصرية)

أناقة البساطة وملابس لا تعترف بزمن، كانت من أهم الاتجاهات التي أطلقها أسبوع الموضة المصري. على سبيل المثال سيطرت الإطلالات التي تبرز مفهوم الأناقة في أبسط صورها على عرض الأزياء لعلامة «MEROË’s mission»؛ حيث برزت قطع بلون أحادي، وهو «أوف وايت» بالكامل، في استلهام واضح من الملابس المصرية القديمة بقطنها وكتانها. لم يقتصر هذا المفهوم على الأزياء النسائية وشمل جانب الأزياء الرجالية أيضاً.

فساتين السهرة والمساء لم تغب خلال الأسبوع (أسبوع الأزياء المصرية)

في حديث جانبي مع سارا داود، مسؤولة بالعلامة، أكدت لي أن الاستدامة باتت تأخذ المكانة التي تستحقها في مصر، وهو ما يظهر جلياً خلال الأسبوع. تقول: «لا نحتفي في (MEROË’s mission) بالصرعات؛ فقد أصبح الناس يملون بسرعة من الاتجاهات الموسمية المتسارعة ويفضلون قطعاً تبقى معهم فترة طويلة لأنها بخامات جيدة وتفاصيل متميزة».

«ستريت ستايل»

الدينم المعاد تدويره كان حاضراً بقوة (أسبوع الأزياء المصرية)

احتلت ملابس الشارع سيما المصنوعة من أقمشة قديمة معاد تدويرها ومن الجينز مساحة لافتة في الأسبوع. هي الأخرى جاءت بتصاميم عصرية عملية، منها مجموعة الأزرق لعلامة «ألماه (ALMAH)» التي لا تبدأ بقماش جديد، بل بما هو موجود ومتوفر من خلال مجموعة مصنوعة من الدينم المُعاد تدويره.

الجرأة فرضت أيضاً نفسها في ملابس الشارع أو «ستريت ستايل» فيما قدمته علامة «ذا لُوقي (Thelouqii)» التي تحتفي بالطبقات المتعددة والشغل اليدوي، وكل ما يوفر الراحة وسهولة الحركة في النهار.

موضة «الكوتيدج»

إلى جانب القطع العملية كانت هناك قطع مفصلة تجمع الهندسي بالرومانسي (أسبوع الأزياء المصرية)

إذا كنتِ من مُستخدمي الإنترنت، فمن المُرجح أنك لاحظتِ الصيحة الرائجة حالياً على مواقع التواصل الاجتماعي منذ منتصف عام 2023، ألا وهي موضة «كوتيدج كور (cottagecore)»؛ التي تتميز بتصاميم أنثوية مطبوعة بالأقواس والشرائط الدانتيل والزهور وكل ما هو ورومانسي. المصممون المصريون طوعوها بأسلوبهم الخاص، خاصة «مركز التصميمات والموضة المصري» وكذلك «منطقة القاهرة للتصميم»، فقد أعادوا تعريف موضة «الكوتيدج»، وكشفوا عن مجموعة من التصاميم الشاعرية بلمسة عصرية جريئة في العروض خلال الأسبوع.