العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

نُدرته وغلاؤه يزيدان من غموضه والرغبة فيه

TT

العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

تحظى رائحة العود بتبجيل بالغ على امتداد قرون، لما تتمتع به من أريج ثري وراتينجي مدخن. لا يختلف اثنان على أن مكانته تنامت في السنوات القليلة الماضية، لدرجة جعلته مهيمناً على صناعة العطور العالمية باعتباره أحد المكونات الأساسية فيها. فمن كان يتصور أن الغرب الذي كان يعتبره قويا ونفاذا لا يطاق أصبح يستحليه وأقبل عليه. الفضل طبعا يعود إلى أن الكثير من العطارين الكبار أدلوا بدلوهم فيه وخلطوه مع مكونات أخرى جعلته مقبولا للذائقة العالمية.
الآن يوصف العود بـ«الذهب السائل». سبب التسمية يعود إلى نُدرته وغلاء ثمنه. وإذا كان الغرب قد اكتشفه في السنوات الأخيرة من العقد الأخير فقط، فإن شعبيته في بلدان الشرق الأوسط تعود إلى قرون ولم تخف قوتها مع الزمن. فالعرب كانوا يستعملونه حتى في تعطير البيوت والملابس، إلى جانب تقطيره في زيوت كانت تستعمل لتعطير البشرة والجسم.
في العقد الأخير، ومع تنامي الاهتمام بالشرق الأوسط كسوق مؤثرة، فضلا أن أهمية الزبون العربي في الغرب، بالنظر إلى أنه يُحرك عجلة البيع فيه، كان لا بد أن يعمل الغرب جُهده لإرضائه وجذبه. من بين الوسائل التي اكتشف أن هذا الزبون لا يقاومها هي العطور التي يدخل فيها العود كمكون أساسي أو ثانوي. المهم أن يدغدغ حواسه بشكل أو بآخر. وهكذا انتقل هذا المكون إلى معامل باريس ليخرج لنا بأسماء عالمية. قد يعود فضل كبير في هذا إلى المصمم توم فورد. لم يكن الأول الذي انتبه إلى جمالياته، إذ إن شركة «غيرلان» الفرنسية سبقته إلى ذلك منذ نحو القرن تقريبا، لكنه كان أكثر من جذب انتباه جيل كامل إليه. فقد كان حينها مصمما فنيا في دار «غوتشي»، أي أنه كان من أهم المصممين العالميين الذين يريد الرجل الحصول على إبداعاتهم بأي ثمن. من لم يستطع إلى بدلة مفصلة بمقصه سبيلا وجد ضالته في عطوره. وحتى عندما ترك فورد دار «غوتشي» في عام 2004، لم ينس أو يتجاهل هذا المكون، وعاد إليه في عطور كثيرة حققت له أرباحا لا يستهان بها، كما فتحت عيون منافسيه على أهمية العود وضرورة استعماله لمواكبة العصر. ما نجح فيه «توم فورد» و«كوم دي غارسون» وفريدريك مال وأمثالهم أنهم وظفوه بلغة عصرية واستعملوا أنواعا جيدة منه. أما الذين ركبوا الموجة من أجل الربح فقط فإنهم اكتفوا بأنواع أقل جودة وبنسب قليلة جدا منه لتخفيض تكاليف صناعته، ولم يحققوا نفس النجاح. فالزبون العربي ليس سهلا عندما يتعلق الأمر بالعطور تحديدا. وهذا ما أكده العطار العالمي فريديريك مال بقوله إن أغلب العطور التي يدعي صناعها بأنها مصنوعة من العود لا تستعمل منه في الحقيقة سوى نسبة قليلة حتى تُروج له.

ما هو العود؟
كما هو حال غالبية المنتجات الزيتية المشهورة، يتسم العود بارتفاع أسعاره، لكنها غالباً ما تكون مبرّرة بالنظر إلى عملية إنتاجه التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. قصة استخراجه معقّدة جداً، وفي ذلك، يشرح روجا دوف خبير العطور البريطاني الشهير بإبداعاته الغنية بالعود قائلاً: يُستخلص من مادة راتينجية توجد في خشب القلب بجذع شجرة العود الآسيوية وهي مادة بالغة الندرة». ويتابع: «تنبع الرائحة المميزة التي يشتهر بها العود من خشب جذع شجرة العود عندما تصاب بتسمم محدد، يتركها داكنة اللون وتكتسب قواماً زيتياً وتصبح شديدة الكثافة. في الحقيقة، تصل لدرجة من الكثافة تجعلها تطفو على سطح الماء».
وتضفي هذه الولادة المثيرة على العود سحراً إضافياً. وبهذا الشأن يقول جيمس كريفين، خبير العطور لدى شركة «لي سونتور»: «تشبه عملية تكوين العود عملية التجديد أو الولادة الذي تشهدها الطبيعة بين الفينة والأخرى. إنه عطر غريب لكن رائع ولد من رحم المرض والتلف والموت».

العود والعطور
ما يمنحه مكانته كعنصر مهم في صناعة العطور - إضافة إلى أن النوع الرفيع الجودة منه قد يكون أغلى من الذهب، ما يتميز به من «عُمق مُذهل»، حسب رأي دوف: «بالنسبة للمبتدئين في هذه الصناعة، فهو يقبع في قاع تركيب العطر، وبالتالي يبقى طويلاً على الجلد، فضلا عن قدرته على تثبيت العناصر الأخرى، مما يجعل منه عنصرا مثبتا ممتازاً». وعلى خلاف الحال مع العناصر الشائعة التي تدخل في تركيبة العطور الرّجالية المعاصرة، كخشب الصندل والفانيلا وشجر الرغموت والفيتيفر، فإن الطابع المتميز للعود يجعله أشبه بوعاء جامع للعطور. وتأكيدا على هذا الرأي يوضح كريفين: «إنّه، أي العود، متطرف للغاية وقوي ويترك بصمة كبيرة، وهذا ما خض الذوق الغربي.. فهو لم يكن مألوفا أبدا من قبل».
قوته وما يتركه من انطباع قوي، عنصران يستدعيان أن يكون الرجل الذي يستخدمه واثقاً من نفسه وجريئا بعض الشيء. فرغم أنه مناسب للنهار أو المساء إلا أن القليل منه كثير إذا كان العطر جيدا. وحسب رأي دوف فإن «العود الجيد يتميز برائحة قوية، لذا من المفضل تجنب وضع كمية كبيرة منه، خصوصا وأنه يدوم لفترة طويلة وتأثيره السحري يستمر لساعات.»
الكل يُجمعون أن عشاق «العود» يُقدرون فخامته ولا يتأثرون بسعره الباهظ عندما يتعلق الأمر بنوعيات جيدة منه.
على سبيل المثال، يوفر لك العود من إنتاج «روجا دوف» عطرا ثريا وجذابا مقابل 375 دولاراً لزجاجة عطر بحجم 30 ميليمتراً (أمّا نسخة «أبسولوت» فيصل سعرها إلى 795 دولاراً). وعلى الرجل أن يتذكّر جيداً لدى وضعه عطر عود من الأسماء الكبرى، مثل «عود» و«بيور عود» من «كيليان» و«رويال عود» من «كريد»، أنّه كلما كانت الكمية التي يضعها أقل، كان ذلك أفضل.
وتشتهر معظم عطور العود التي يطرحها المصممون والعطارون المتخصصون على حد سواء - مثل «عود وود» من «توم فورد» و«توباكو عود» و«كوم دي غارسون» و«بوتلد عود» من «بوس» - بأنّها تعمد إلى تقليص مستوى كثافة العطر بخلطه بمكونات أخرى تقل قوة لكن لا تقل ترفا حتى تُقربه من الذائقة الغربية.
ويعتبر الخبير في مجال صناعة العطور فرانسيس كوركدجيان من أفضل المبدعين بهذا المجال، لأنه يستخدم العود على نحو يحافظ على طابعه الدرامي مع العمل على التخفيف من قوته عبر خلطه بعناصر أخرى، مثل عطر «فيلفيت عود» الذي ينمّ عن الثقة بالنفس رغم أنه قوي للغاية بحيث يعطي الإحساس وكأنّه ينتمي لقرون غابرة».
فرانسيس كوركدجيان ترجم أيضا رؤية المصمم إيلي صعب عندما أراد هذا الأخير أن يهدي المرأة عطرا فخما من مكونات شرقية. وجاءت الترجمة تحمل كل بصمات المصمم الرومانسية في مجموعة «لاكوليكسيون ديز إيسانس» La collection Des Essences التي تتكون من أربعة عطور أغناه كان «إيسانس رقم 4 عود». ورغم أن كوركدجيان استلهم الكثير من أسلوب المصمم بدءا من التطريزات الغنية إلى الأقمشة المترفة وعلى رأسها الدانتيل والتصاميم الأنثوية، فإن العود كان أساسيا لخلق ديناميكية شرقية غامضة.
من جهته اعترف إيلي صعب أنه لم يكن يميل إلى العود على المستوى الشخصي، لكنه ما إن تعرف على خصائصه وكيف يمكن تطويعه بسهولة بالتخفيف منه حتى أدمن عليه.
قد يكون توم فورد الذي كان من أوائل المصممين الذين أعربوا عن فضولهم وشغفهم به من خلال عطور ناجحة أكثر من استفادوا منه. فقد قدم عبر السنوات عدة إصدارات مثل «برايفت بليند عود مينيرال» و«أكوا دي بارما عود» الذي جمع فيه العود والليمون والخشب بالعود، لخلق عطر ثري ومدخن يلبي كل الأذواق تقريبا. وهكذا حقق الربح وحصل على رضا زبائنه في الوقت ذاته.
بدورها طرحت علامة EX NIHILO أربع مجموعات من العطور الراقية، منها عطر OUD VENDÔME الذي يتألف من توليفة معاصرة تحتوي على خشب العود بلمسات باريسية 100 في المائة، حيث يستهلّ العطر بنفحات الزعفران الممزوجة بالزنجبيل والقرفة، تمنحه أريجاً نضراً وحديثاً، لتعلو فيما بعد النفحات الوسطى، التي تشمل خشب العود المعزّز بالبارزد وخشب الأزر. وبما أن عطرا واحدا لا يكفي، فقد أتبعته بمجموعة «سيبليم إيسانس عود»، وهي مجموعة من العطور الشرقية الأصيلة من وجهة نظر باريسية مُعاصرة. أهم مكوناته هي البخور وخشب الأغار والكهرمان يمدّان العطر بلمسة مُشرقة تفتح الأبواب لخلطه بزيت العود على الطريقة العربية في مزج العطور واستعمالها على شكل طبقات.
دار العطور الكويتية TFK أيضا استعملته في عطر Merry Poplin الذي يتميز بتركيبة عطرة من الزنبق والورد والياسمين والناردين مع نفحات من خشب الأرز والباتشولي. العود هنا يستقرّ على نغمات خشب الصندل والمسك. واللافت أن العطارين العرب، لا سيما من الشباب، باتوا هم الآخرون يريدون التخفيف منه حتى يخرجوا من المحلية. فالعالم انفتح على مصراعيه وأصبح قرية صغيرة تتلاقى فيها الكثير من الحضارات والثقافات. وبما أن الغرب يريد أن يصدر للشرق عطورا من مكونات تدخل في صميم ثقافته فلم لا يحاول هو أيضا أن يخترق الغرب بتقديمه نسخة شرقية منقحة تحافظ على شخصيته الأصلية وفي الوقت ذاته تروق لزبون اكتشفه مؤخرا ولا يزال يجهل عنه الكثير؟. بالنظر إلى محاولات بعض العطارين العرب الشباب، ونذكر منهم السعودي باسل بن جابر الذي تتوفر ماركته «ثمين» في محلات «سيلفريدجز» بلندن ومدى ما يحققه من نجاح، فإن الفكرة وصلت.


مقالات ذات صلة

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

لمسات الموضة عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

«هنري جاك» تكشف عن عطر ديمبيلي المفضل

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

بعد أن كان يقتصر على فساتين الزفاف وعلى العروس وحدها، تمدد وتوسَّع بهدوء ليشمل كل المناسبات والمدعوات

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

ناومي أوساكا: صراع التنس والموضة على الأضواء

إطلالات أوساكا تجاوزٌ لقواعد التنس الكلاسيكية والراقية، في كل تفاصيل اللعبة، أم انعكاسٌ لثقافة العصر وروح العصرنة بوصف الرياضة ترفيهاً...

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة من عرض «غوتشي» في «تايمز سكوير» (رويترز)

عروض «الكروز» لـ2027... بين الحلم والربح

لا يبدو أن «غوتشي» تحت إدارة ديمنا تبحث عن الرومانسية والنخبوية؛ بقدر ما تبحث عن التأثير الجماهيري الواسع وتحقيق الربح الذي يراوغها منذ سنوات...

جميلة حلفيشي (لندن)

عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
TT

عثمان ديمبيلي... بين ملاعب الكرة ومزارع الورد

عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)
عثمان في مزارع الورود بعيداً عن ملاعب كرة القدم (هنري جاك)

مع اقتراب بطولة كأس العالم، وبينما تتجه أنظار عشاق كرة القدم إلى المستطيل الأخضر، تدور منافسة أخرى خارج الملاعب بين دور الرفاهية العالية للفوز بأسماء قادرة على تمثيل إرثها وتعزيز صورتها أمام الجمهور الكروي. والمنافسة هنا على نجوم كرة القدم لم تعد تقتصر على الأندية والرعاة الرياضيين، بل امتدت إلى دور الأزياء والساعات والعطور الفاخرة.

عدد من اللاعبين وقّعوا عقوداً للظهور في حملات إعلانية أو للعمل سفراء لعلامات عالمية، ويأتي عثمان ديمبيلي، نجم سان جيرمان الفرنسي، في مقدمة هؤلاء. فقد أصبح وجهاً لعدد من العلامات الفاخرة، من بينها دار «زينيا» للأزياء، وانضم أخيراً إلى دار العطور الفرنسية «هنري جاك» المتخصصة في صناعة العطور حسب الطلب.

أظهرت الحملة أن المهارات البدنية والمشاعر المرهفة لا تتعارضان مع بعضهما (هنري جاك)

في الحملة التي أطلقتها الدار، يظهر ديمبيلي في صور ذات طابع سينمائي التُقطت له وسط مزارع الورود مستمتعاً بأجوائها والروائح المنبعثة منها. كان فيها هو البطل إلى جانب المناظر الطبيعية المحيطة به. فليس هناك أي قارورة عطر ترويجية واحدة كما هي الحال في هذه الحملات. ربما يكون السبب أن «هنري جاك» متخصصة في ابتكار عطورها حسب الطلب وليس من استراتيجية تجارية واسعة.

وهذا ما يجعل الشراكة للوهلة الأولى بين رياضة شعبية ودار متخصصة في صناعة العطور الراقية للنخبة بعيدة عن المنطق، غير أن «هنري جاك» ترى نقاط التقاء واضحة بين المجالين، أبرزها السعي إلى التميز والقدرة على تجاوز التوقعات، والتمسك بالاختيارات الشخصية. يشير البيان الصادر عنها بهذا الشأن «أن ما لا يعرفه كثيرون عن عثمان هو حساسيته المرهفة، ونضجه داخل الملعب وخارجه. فهو بطبعه متحفّظ، لكنه أيضاً ذو شخصية قيادية اكتسبها من المثابرة والانضباط وروح الفريق».

يبدو اللاعب منسجماً مع الطبيعة في الحملة (هنري جاك)

كما كشفت الدار في بيان صحافي أن هذه العلاقة التي تربط بينهما حالياً، لها ما يُبرّرها، وأن اهتمامه بالعطور ليس وليد هذه الشراكة، بل يعود إلى سنوات طويلة، إذ يُعرف بين المقربين منه بشغفه بالاقتناء، وتقديره للأشياء المصنوعة يدوياً بعناية ودقة، وهو ما ترى فيه انسجاماً طبيعياً مع فلسفتها القائمة على الحرفية والإتقان. وتتابع الدار أن اهتمامه بالعطور يشمل كل جوانب حياته، بما في ذلك «غرفة الملابس في الملاعب، حيث يثير فضول زملائه بعطور يحملها معه باستمرار، كما نادراً ما يسافر من دون مجموعة من القوارير الصغيرة، أو حقيبته العطرية الخاصة» .

يمثل عثمان ديمبيلي فن العيش بكل تجلياته (هنري جاك)

ديمبيلي بالنسبة للدار الفرنسية يُجسد مفهوم فنّ العيش الذي تتبناه منذ تأسيسها في عام 1975. فالعطر في نظرها ليس مجرد منتج فاخر، بل هو جزء من أسلوب حياة يرافق الإنسان في لحظاته اليومية ويعكس خياراته الشخصية. ومن هذه الزاوية، لا يبدو الانتقال من ملاعب كرة القدم إلى مزارع الورد أقل غرابة مما قد يبدو للوهلة الأولى. وإذا كان ديمبيلي يحيط عالمه الخاص بكثير من الخصوصية، فإن الدار تكشف عن اسم العطر الأقرب إليه: «كيك كلاك» Clic-Clac.


الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
TT

الأبيض... اللون الذي يُجمِّل ولا يُجامل

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)
العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

عندما يُذكر اللون الأبيض، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن صفاؤه وانتعاشه وخفته في فصل الصيف، من دون أن ننسى الأفراح. لكن ما تعرفه كل امرأة جرّبته، أن خفّته لا تعني الاستخفاف به وبساطته الظاهرة تُخفي وراءها تعقيدات لا بد من الانتباه إليها. فهو من أكثر الألوان صراحة وابتعاداً عن المجاملة إن لم يتم التعامل معه بحذر.

العارضة ناعومي كامبل وإطلالة ناصعة البياض (أ.ب)

فهو لا يفضح مدى جودة القماش، ودقة الخياطة فحسب بل يختبر توازن القَصَّة، وبالنتيجة لا يتساهل في أي من هذه الأمور عندما يتعلَّق الأمر بالتمويه عن تضاريس الجسم. وما علينا سوى أن نتذكر فستان زفاف ميغان ماركل، دوقة ساسيكس وما أثاره فستانها من انتقادات رغم أنه كان مفصلاً على مقاسها. فهو في كل الأحوال، يبقى صادقاً لا يجامل، لكن هذا لا يعني أنه لم يتغيَر. فقد تخفَّف كثيراً من صرامته بعد خضوعه لتقنيات متطورة من ناحية الأقمشة والقصَّات. وهذا ما يجعله في الصدارة كواحد من الألوان التي لا تستغني عنها الأنيقات.

ظهر أيضاً في عرض «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

المنافسة بين نقيضين

تسلّله الواضح في عروض الأزياء الأخيرة وتكرره في مناسبات السجاد الأحمر يطرح السؤال ما إذا كان الأسود يواجه منافساً أقوى منه، وهو الذي إئتمنته المرأة لعقود طويلة على أناقتها باعتباره رحيما بها؟. ربما يكون السؤال مبالغاً فيه، لكنه وجيه. فالمشهد على أرض الواقع يوحي بأن قواعد اللعبة تغيَرت.

العارضة آشلي غراهام أيضاً اعتمدته في حفل توزيع الموضة الأميركية (أ.ب)

مشهد الموضة يقول إن الأسود لم يغب تماماً، إلا أنه يواجه منافسة شرسة من نقيضه: الأبيض. فهو الآن ليس مجرد لون يقتصر على فساتين الزفاف وعلى العروس. فإلى جانب أن درجة «السحابي» هي لون العام، فإنه بكل درجاته، خرج من إطاره الضيق وتمدد بهدوء ليشمل كل المناسبات، بل والمدعوات أيضاً، وهو ما تؤكده إطلالات النجمات في حفلات «غولدن غلوب» وتوزيع جوائر الأوسكار وافتتاحات الأفلام.

العارضة كايا غيربر وإطلالة أقرب إلى فساتين الزفاف من جيفنشي (أ.ف.ب)

فبعد أن كُنَ يتجنَبنه إما خوفاً من «صراحته» أو من إيحاءاته المرتبطة بفساتين العرائس، وصلت جُرأتهن إلى اختياره حتى بقماش الدانتيل المرتبط ارتباطاً وثيقاً بفساتين الزفاف، كما تُظهر إطلالة للعارضة الشابة كايا غيربر، بفستان أبيض تصميم سارة بيرتون مصممة دار «جيفنشي» لدى حضورها حفل متحف الأكاديمية السنوي الخامس في العام الماضي.

فستان يليق بعروس، لكن الموضة المعاصرة أذابت الفوارق وجعلته مقبولاً لكل المناسبات والفصول والمواسم.

اقترحته المصممة إليزابيثا فرانجي منسدلاً بخطوط بسيطة (إليزابيثا فرانجي)

إضافة إلى هذا، فإن فساتين الزفاف أصبحت أكثر بساطة، بعد أن تخلّصت نسبة عالية من العرائس من حُلم العروس الأميرة. تجسّدت هذه البساطة في الابتعاد عن الكشاكش والتنورات الفخمة والزخرفات السخية التي كانت تحصر الفستان في ليلة واحدة. أما اليوم، فالعروس ترغب في فستان يمكنها ارتداؤه في مناسبات أخرى.

الممثلة كايت هادسون في إحدى المناسبات المهمة (أ.ف.ب)

كان من الطبيعي أن ينعكس هذا التحول في الذائقة العامة على طريقة تعامل المصممين مع الأبيض، رغم إدراكهم أنه صعب من الناحية التقنية مقارنة بالأسود، وأن أي خطأ في التصميم، أو في نوعية القماش أو الحياكة، يُمكن أن يُبرز التصميم بشكل لا يرحم. فحتى عهد قريب، كانوا يستخدمونه في النماذج الأولية، لمساعدتهم على كشف أي خطأ أو عيب بوضوح. الآن، وبعد أن فهموه، عملوا على تفكيكه من تفاصيله السخية، التي كانت تضاف إليه لإخراجه من حياده مما أكسبه مرونة وحداثة.

الممثلة باميلا أندرسون على السجاد الأحمر بإطلالة عصرية (إ.ب.أ)

بين الماضي والحاضر

البحث في تاريخه وتطوره في عالم الموضة يكشف لنا أنه كان ولا يزال يحمل دلالات متعددة ومثيرة تتراوح بين النقاء والسلطة والنعومة والتمرد والأفراح وأحياناً الحداد. له في كل سياق قصَة وقِصَة.

أما قصته مع الموضة، فتبدأ في صيف 1938، عندما كان حلّاً موفقاً لمأزق ديبلوماسي. فقبل أيام من زيارة رسمية للملك جورج السادس والملكة إليزابيث إلى باريس، توفيت والدة إليزابيث ما دعى لتأجيل الزيارة لمدة ثلاثة أسابيع. استغل نورمان هارتنيل، مصممة أزياء الملكة، هذا الوقت ليعيد التفكير بينما يتناسب مع الوضع. لم يكن اللون الأسود خياراً عملياً لصيف باريس ولا لكسب ود الحكومة والشعب الفرنسيين.

أميرة موناكو تشارلين في زي أنيق (أ.ب)

وجد الحل في الأبيض على أساس أن الملكات الفرنسيات، وحتى القرن السابع عشر، كن يرتدينه في الحداد. وبالفعل في أواخر يوليو (تموز)، غادرت الملكة قصر باكنهام وهي ترتدي الأسود، لكنها قبل النزول من القطار الملكي استبدلت به الأبيض. راقت الصورة للشعب الفرنسي ووصل الإعجاب بالمصمم هارتنيل إلى تعيينه ضابطاً في الأكاديمية الفرنسية.

من القصور إلى منصات الأزياء

الممثلة دافني زونيغ وإطلالة متألقة (أ.ف.ب)

من اقتراحات «ديور» لربيع وصيف 2026 (ديور)

فما نجح فيه هارتنيل أنه أخرج الأبيض من حياديته ووضعه في الصدارة.

وتدريجياً، بدأ حضوره يتسلل إلى مجموعات المصممين الفرنسيين الكبار بدرجاته المختلفة. في البداية بحذر وبجرعات خفيفة، ثم بثقة زادت في بداية الألفية. ففي هذه الحقبة كشف للنجمات على ميزة كنَ في أمس الحاجة إليها، أنه تحت أضواء الكاميرات، يعكس الضوء. الأسود في المقابل، لا ينتقص من أناقتهن. فقط يمنح الإطلالة عُمقاً من نوع آخر لأنه يمتصُ الضوء.

كما قدَّمته دار «جيورجيو أرماني» في خط «بريفيه» (جيورجيو أرماني)

ورغم أن الأبيض من الألوان التي تعكس الضوء وتُضفي على البشرة إشراقاً وألقاً، فإنه يحتاج إلى مهارة في التنسيق، للاستفادة من هالته وجاذبيته، سواء كان عبارة عن قطعة بسيطة من القطن أو الكتان أو فستان سهرة الحرير أو الموسلين أو الدانتيل. لا يهم إن كانت للنهار أو المساء، فكل تفصيلة فيه لا تقبل المساومة.

فستان بسيط يناسب النهار والمساء (كارولينا هيريرا)

يكفي أن يأتي على شكل أي قطعة لكي يرتقي بالإطلالة ككل. قميص أبيض بسيط من القطن مثلاً يمكن أن يجعل بنطلون جينز عملي وعادي في غاية الأناقة، كما يمكن أن يُحوِل تنورة من الحرير أو التول أو الجلد إلى خيار مسائي مفعم بالرومانسية. فهو لا يصل إلى هذه المرحلة من الجمال من دون خامة جيدة وطريقة تنسيق ذكية. فهو لا يمنح أناقته مجاناً. بالعكس، بقدر ما تعطيه من اهتمام وعناية يمنحك من أناقة وحضور.


قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
TT

قَصّة «البوب» بين أسلوبين: فرنسي وياباني

ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)
ناعومي واتس ونسخة ناعمة من القَصَّة (رويترز)

بين الحين والآخر، تتصدّر تسريحات شعر بعينها مشهد الموضة. تتحوّل من مجرد اختيارات فردية إلى صيحات عالمية تُشعل فتيلها دور الأزياء والمشاهير ومنصات التواصل الاجتماعي؛ مثل «إنستغرام» و«تيك توك».

وفي هذا السياق، تبرز حالياً قَصَّة «البوب اليابانية». قَصَّة تعتمد على تقنيات قصّ دقيقة وهندسية، بطول يتراوح غالباً بين خط الفك وعظمة الترقوة، مع طبقات خفيفة أو شبه معدومة. وعلى خلاف أنماط «البوب» الغربية، والفرنسية تحديداً، التي ربّما تكون أكثر مرونة وعفوية، يقوم هذا الأسلوب على الخطوط الحادة والتناسق الصارم.

ظهرت هذه القَصَّة أول مرة في طوكيو ثم انتشرت في العالم (بيربري)

وانطلقت هذه الصيحة من قلب طوكيو، حيث تتقاطع الموضة مع ثقافة الشباب المتأثرين بأسلوب فناني جي_بوب J-pop الذين رسخوها بأسلوب يجمع بين البساطة والهوية. وسرعان ما تحوّلت من مجرد صيحة عابرة إلى تسريحة وجدت هوى لدى كثير من الشابات، ما جعلها تنتشر عالمياً. ووفق ما تشير إليه بيانات بحث حديثة، فإنها تُسجِّل عمليات بحث عنها وعن مواصفاتها بـ«اهتمام متصاعد»، وفق قول دانييل لويس، وهي مصففة شعر.

إيما لايرد وقَصَّة «بوب» أنيقة (لوي فويتون)

وتقول إن «هذا الإقبال يعكس تحولاً في الذوق العام، يبتعد عن التسريحات العفوية والمعقدة نحو قصات أكثر دقة وصقلاً». وتضيف: «هذه ليست قصة تعتمد على الحجم أو التمويج لإخفاء التفاصيل. كل جزء فيها محسوب بدقة، لهذا تبدو مصقولة بشكل واضح». يوافقها الرأي مصففو شعر وخبراء آخرون على أساس أن انتشار «البوب» الياباني تحديداً، يأتي في وقت تميل فيه صناعة الجمال إلى أساليب أقل تعقيداً وأكثر ثباتاً تنسجم مع إيقاع الحياة السريع.

الانتشار السريع

تجاوزها الحدود اليابانية إلى العالم كان مسألة وقت فقط، حسب الخبراء، لا سيما أن بساطتها المصقولة وروحها الشبابية لمستا وتراً حساساً لدى كثير من الفتيات.

جيسيكا تشاستين واحدة ممن تبنوا هذه القَصَّة مؤخراً (أ.ف.ب)

ووفق رأيهم، هي تطور طبيعي لقَصَّة «البوب» التقليدية التي ظهرت بها نجمات عديدات؛ مثل جيسيكا تشاستين التي ظهرت بها مؤخراً بطول قصير مُستمد من الطابع الكلاسيكي الدقيق لهذا الأسلوب، وريهانا التي ظهرت بها أطول غير متماثلة، بينما اعتمدتها ناعومي واتس بأسلوب ناعم ومحدد عند خط الفك، كذلك كيرا نايتلي التي ارتبطت منذ سنوات بنسخ متعددة من هذه القَصَّة.

وتقول لويس: «إنها من القصات التي تحتفظ بشكلها من دون جهد يومي، على شرط قصها بانتظام كل 6 أو 8 أسابيع لتحافظ على توازنها».

الممثلة هبة بناني وقَصَّة «بوب» على الطريقة الفرنسية (أ.ف.ب)

لكن لا بد من الإشارة إلى أن نُسختها اليابانية تحديداً، تناسب بشكل خاص الشعر الناعم إلى المموج بشكل خفيف. وهذا يعني أنها أقل انسجاماً مع الشعر الأجعد أو الشديد التموج؛ إذ يتطلب هذا النوع من الشعر درجات أعلى من العناية والتصفيف اليومي للحصول على النتيجة نفسها، وهو ما يتعارض مع فكرة البساطة والعملية التي تقوم عليها هذه القَصَّة في الأساس.