العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

العود... عبق شرقي لا يغيب عن صناعة العطور

نُدرته وغلاؤه يزيدان من غموضه والرغبة فيه
الخميس - 17 شهر ربيع الثاني 1439 هـ - 04 يناير 2018 مـ رقم العدد [ 14282]
لندن: «الشرق الأوسط»
تحظى رائحة العود بتبجيل بالغ على امتداد قرون، لما تتمتع به من أريج ثري وراتينجي مدخن. لا يختلف اثنان على أن مكانته تنامت في السنوات القليلة الماضية، لدرجة جعلته مهيمناً على صناعة العطور العالمية باعتباره أحد المكونات الأساسية فيها. فمن كان يتصور أن الغرب الذي كان يعتبره قويا ونفاذا لا يطاق أصبح يستحليه وأقبل عليه. الفضل طبعا يعود إلى أن الكثير من العطارين الكبار أدلوا بدلوهم فيه وخلطوه مع مكونات أخرى جعلته مقبولا للذائقة العالمية.

الآن يوصف العود بـ«الذهب السائل». سبب التسمية يعود إلى نُدرته وغلاء ثمنه. وإذا كان الغرب قد اكتشفه في السنوات الأخيرة من العقد الأخير فقط، فإن شعبيته في بلدان الشرق الأوسط تعود إلى قرون ولم تخف قوتها مع الزمن. فالعرب كانوا يستعملونه حتى في تعطير البيوت والملابس، إلى جانب تقطيره في زيوت كانت تستعمل لتعطير البشرة والجسم.

في العقد الأخير، ومع تنامي الاهتمام بالشرق الأوسط كسوق مؤثرة، فضلا أن أهمية الزبون العربي في الغرب، بالنظر إلى أنه يُحرك عجلة البيع فيه، كان لا بد أن يعمل الغرب جُهده لإرضائه وجذبه. من بين الوسائل التي اكتشف أن هذا الزبون لا يقاومها هي العطور التي يدخل فيها العود كمكون أساسي أو ثانوي. المهم أن يدغدغ حواسه بشكل أو بآخر. وهكذا انتقل هذا المكون إلى معامل باريس ليخرج لنا بأسماء عالمية. قد يعود فضل كبير في هذا إلى المصمم توم فورد. لم يكن الأول الذي انتبه إلى جمالياته، إذ إن شركة «غيرلان» الفرنسية سبقته إلى ذلك منذ نحو القرن تقريبا، لكنه كان أكثر من جذب انتباه جيل كامل إليه. فقد كان حينها مصمما فنيا في دار «غوتشي»، أي أنه كان من أهم المصممين العالميين الذين يريد الرجل الحصول على إبداعاتهم بأي ثمن. من لم يستطع إلى بدلة مفصلة بمقصه سبيلا وجد ضالته في عطوره. وحتى عندما ترك فورد دار «غوتشي» في عام 2004، لم ينس أو يتجاهل هذا المكون، وعاد إليه في عطور كثيرة حققت له أرباحا لا يستهان بها، كما فتحت عيون منافسيه على أهمية العود وضرورة استعماله لمواكبة العصر. ما نجح فيه «توم فورد» و«كوم دي غارسون» وفريدريك مال وأمثالهم أنهم وظفوه بلغة عصرية واستعملوا أنواعا جيدة منه. أما الذين ركبوا الموجة من أجل الربح فقط فإنهم اكتفوا بأنواع أقل جودة وبنسب قليلة جدا منه لتخفيض تكاليف صناعته، ولم يحققوا نفس النجاح. فالزبون العربي ليس سهلا عندما يتعلق الأمر بالعطور تحديدا. وهذا ما أكده العطار العالمي فريديريك مال بقوله إن أغلب العطور التي يدعي صناعها بأنها مصنوعة من العود لا تستعمل منه في الحقيقة سوى نسبة قليلة حتى تُروج له.



ما هو العود؟

كما هو حال غالبية المنتجات الزيتية المشهورة، يتسم العود بارتفاع أسعاره، لكنها غالباً ما تكون مبرّرة بالنظر إلى عملية إنتاجه التي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين. قصة استخراجه معقّدة جداً، وفي ذلك، يشرح روجا دوف خبير العطور البريطاني الشهير بإبداعاته الغنية بالعود قائلاً: يُستخلص من مادة راتينجية توجد في خشب القلب بجذع شجرة العود الآسيوية وهي مادة بالغة الندرة». ويتابع: «تنبع الرائحة المميزة التي يشتهر بها العود من خشب جذع شجرة العود عندما تصاب بتسمم محدد، يتركها داكنة اللون وتكتسب قواماً زيتياً وتصبح شديدة الكثافة. في الحقيقة، تصل لدرجة من الكثافة تجعلها تطفو على سطح الماء».

وتضفي هذه الولادة المثيرة على العود سحراً إضافياً. وبهذا الشأن يقول جيمس كريفين، خبير العطور لدى شركة «لي سونتور»: «تشبه عملية تكوين العود عملية التجديد أو الولادة الذي تشهدها الطبيعة بين الفينة والأخرى. إنه عطر غريب لكن رائع ولد من رحم المرض والتلف والموت».



العود والعطور

ما يمنحه مكانته كعنصر مهم في صناعة العطور - إضافة إلى أن النوع الرفيع الجودة منه قد يكون أغلى من الذهب، ما يتميز به من «عُمق مُذهل»، حسب رأي دوف: «بالنسبة للمبتدئين في هذه الصناعة، فهو يقبع في قاع تركيب العطر، وبالتالي يبقى طويلاً على الجلد، فضلا عن قدرته على تثبيت العناصر الأخرى، مما يجعل منه عنصرا مثبتا ممتازاً». وعلى خلاف الحال مع العناصر الشائعة التي تدخل في تركيبة العطور الرّجالية المعاصرة، كخشب الصندل والفانيلا وشجر الرغموت والفيتيفر، فإن الطابع المتميز للعود يجعله أشبه بوعاء جامع للعطور. وتأكيدا على هذا الرأي يوضح كريفين: «إنّه، أي العود، متطرف للغاية وقوي ويترك بصمة كبيرة، وهذا ما خض الذوق الغربي.. فهو لم يكن مألوفا أبدا من قبل».

قوته وما يتركه من انطباع قوي، عنصران يستدعيان أن يكون الرجل الذي يستخدمه واثقاً من نفسه وجريئا بعض الشيء. فرغم أنه مناسب للنهار أو المساء إلا أن القليل منه كثير إذا كان العطر جيدا. وحسب رأي دوف فإن «العود الجيد يتميز برائحة قوية، لذا من المفضل تجنب وضع كمية كبيرة منه، خصوصا وأنه يدوم لفترة طويلة وتأثيره السحري يستمر لساعات.»

الكل يُجمعون أن عشاق «العود» يُقدرون فخامته ولا يتأثرون بسعره الباهظ عندما يتعلق الأمر بنوعيات جيدة منه.

على سبيل المثال، يوفر لك العود من إنتاج «روجا دوف» عطرا ثريا وجذابا مقابل 375 دولاراً لزجاجة عطر بحجم 30 ميليمتراً (أمّا نسخة «أبسولوت» فيصل سعرها إلى 795 دولاراً). وعلى الرجل أن يتذكّر جيداً لدى وضعه عطر عود من الأسماء الكبرى، مثل «عود» و«بيور عود» من «كيليان» و«رويال عود» من «كريد»، أنّه كلما كانت الكمية التي يضعها أقل، كان ذلك أفضل.

وتشتهر معظم عطور العود التي يطرحها المصممون والعطارون المتخصصون على حد سواء - مثل «عود وود» من «توم فورد» و«توباكو عود» و«كوم دي غارسون» و«بوتلد عود» من «بوس» - بأنّها تعمد إلى تقليص مستوى كثافة العطر بخلطه بمكونات أخرى تقل قوة لكن لا تقل ترفا حتى تُقربه من الذائقة الغربية.

ويعتبر الخبير في مجال صناعة العطور فرانسيس كوركدجيان من أفضل المبدعين بهذا المجال، لأنه يستخدم العود على نحو يحافظ على طابعه الدرامي مع العمل على التخفيف من قوته عبر خلطه بعناصر أخرى، مثل عطر «فيلفيت عود» الذي ينمّ عن الثقة بالنفس رغم أنه قوي للغاية بحيث يعطي الإحساس وكأنّه ينتمي لقرون غابرة».

فرانسيس كوركدجيان ترجم أيضا رؤية المصمم إيلي صعب عندما أراد هذا الأخير أن يهدي المرأة عطرا فخما من مكونات شرقية. وجاءت الترجمة تحمل كل بصمات المصمم الرومانسية في مجموعة «لاكوليكسيون ديز إيسانس» La collection Des Essences التي تتكون من أربعة عطور أغناه كان «إيسانس رقم 4 عود». ورغم أن كوركدجيان استلهم الكثير من أسلوب المصمم بدءا من التطريزات الغنية إلى الأقمشة المترفة وعلى رأسها الدانتيل والتصاميم الأنثوية، فإن العود كان أساسيا لخلق ديناميكية شرقية غامضة.

من جهته اعترف إيلي صعب أنه لم يكن يميل إلى العود على المستوى الشخصي، لكنه ما إن تعرف على خصائصه وكيف يمكن تطويعه بسهولة بالتخفيف منه حتى أدمن عليه.

قد يكون توم فورد الذي كان من أوائل المصممين الذين أعربوا عن فضولهم وشغفهم به من خلال عطور ناجحة أكثر من استفادوا منه. فقد قدم عبر السنوات عدة إصدارات مثل «برايفت بليند عود مينيرال» و«أكوا دي بارما عود» الذي جمع فيه العود والليمون والخشب بالعود، لخلق عطر ثري ومدخن يلبي كل الأذواق تقريبا. وهكذا حقق الربح وحصل على رضا زبائنه في الوقت ذاته.

بدورها طرحت علامة EX NIHILO أربع مجموعات من العطور الراقية، منها عطر OUD VENDÔME الذي يتألف من توليفة معاصرة تحتوي على خشب العود بلمسات باريسية 100 في المائة، حيث يستهلّ العطر بنفحات الزعفران الممزوجة بالزنجبيل والقرفة، تمنحه أريجاً نضراً وحديثاً، لتعلو فيما بعد النفحات الوسطى، التي تشمل خشب العود المعزّز بالبارزد وخشب الأزر. وبما أن عطرا واحدا لا يكفي، فقد أتبعته بمجموعة «سيبليم إيسانس عود»، وهي مجموعة من العطور الشرقية الأصيلة من وجهة نظر باريسية مُعاصرة. أهم مكوناته هي البخور وخشب الأغار والكهرمان يمدّان العطر بلمسة مُشرقة تفتح الأبواب لخلطه بزيت العود على الطريقة العربية في مزج العطور واستعمالها على شكل طبقات.

دار العطور الكويتية TFK أيضا استعملته في عطر Merry Poplin الذي يتميز بتركيبة عطرة من الزنبق والورد والياسمين والناردين مع نفحات من خشب الأرز والباتشولي. العود هنا يستقرّ على نغمات خشب الصندل والمسك. واللافت أن العطارين العرب، لا سيما من الشباب، باتوا هم الآخرون يريدون التخفيف منه حتى يخرجوا من المحلية. فالعالم انفتح على مصراعيه وأصبح قرية صغيرة تتلاقى فيها الكثير من الحضارات والثقافات. وبما أن الغرب يريد أن يصدر للشرق عطورا من مكونات تدخل في صميم ثقافته فلم لا يحاول هو أيضا أن يخترق الغرب بتقديمه نسخة شرقية منقحة تحافظ على شخصيته الأصلية وفي الوقت ذاته تروق لزبون اكتشفه مؤخرا ولا يزال يجهل عنه الكثير؟. بالنظر إلى محاولات بعض العطارين العرب الشباب، ونذكر منهم السعودي باسل بن جابر الذي تتوفر ماركته «ثمين» في محلات «سيلفريدجز» بلندن ومدى ما يحققه من نجاح، فإن الفكرة وصلت.
الخليج العربي لمسات

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة