أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

{الشرق الأوسط} تنشر شهادات عن حياة 400 ألف شخص شرق العاصمة السورية

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)
TT

أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)

«أحياء، لكننا أموات» عبارة يقولها أهالي الغوطة الشرقية لدمشق عن الوضع الإنساني المرير الذي وصلوا إليه، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه قوات النظام منذ نحو أربع سنوات وقصفه المتواصل لهم.
أبو حسين، وهو أب لثلاثة أولاد، يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاقم معاناته بعد لجوئه إلى بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، إثر سيطرة النظام قبل أكثر من عام على بلدته، ويقول: «منذ أن سيطر النظام على بلدتنا وتهجيرنا لم أستطع أن أعمل أي عمل بسبب عدم وجود فرص عمل في المنطقة، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية حرمنا النظام منها، وكنا نعيش على بعض المساعدات التي كانت تقدمها لنا الجمعيات الإغاثية، ولكن الآن توقفت معظم هذه المساعدات بسبب تشديد الحصار علينا».
ألم ووجع أبو حسين، يزداد بسبب «بقاء أطفاله على وجبة واحدة خلال ثلاثة أيام، ونومه على صوت بكائهم من شدة الجوع»، ويؤكد: «معظم طعامهم هو الفجل والملفوف حتى ربطة الخبز أو الرز والبرغل والتي تعتبر من المواد الأساسية لا يستطع تأمينها بسبب الأسعار المرتفعة».
وتعتبر غوطة دمشق الشرقية من أوائل المناطق التي شهدت حراكا مناهضا للنظام قبل نحو سبع سنوات، وتشكلت فيها فصائل معارضة مسلحة أبرزها «جيش الإسلام»، وتمكنت من طرد قوات النظام منها بعد معارك عنيفة مستمرة حتى اليوم.
وفي مقابل عجزه عن استعادة السيطرة على المنطقة، عمد جيش النظام وميليشياته إلى استهدافها بشتى أنواع الأسلحة، وفرض حصار على نحو 400 ألف مدني يعيشون فيها منذ عام 2013 وعمد إلى تشديده مؤخرا في إطار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها إزاء المناطق الخارجة عن سيطرته.
محمد، وهو ناشط في مجال الإغاثة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تشديد النظام للحصار المفروض على الغوطة الشرقية خلال المرحلة الماضية، ويوضح: «حتى المعبر الوحيد (معبر مخيم الوافدين) الذي كان النظام يسمح للتاجر المنفوش بإدخال مواد غذائية منه قام بإغلاقه»، قبل أن يلفت إلى أن النظام عندما سمح لشخص موال لدمشق بإدخال مواد غذائية من المعبر فرض إتاوة على تلك المواد التي يتم إدخالها تصل إلى 5 دولارات أميركية على الكيلوغرام الواحد، الأمر الذي أسهم تدريجيا برفع أسعار المواد الغذائية، ووصل سعر الكيلو الواحد من المواد الأساسية بين 7 - 8 دولارات، في حين لا يتجاوز دخل العائلة 75 دولارا شهريا، كما توجد عائلات لا يوجد لديها أي دخل شهري.
تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بسبب الحرب، ويصل حاليا إلى 470 ليرة، بعد أن كان نحو 50 ليرة قبل الحرب، بينما بقيت المرتبات الشهرية للموظفين تراوح مكانها ما بين 50 إلى 75 دولارا، على حين تحتاج الأسرة المؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 800 دولار لتعيش على الكفاف.
وما يزيد من طين مأساة الأهالي في الغوطة الشرقية بلة، بحسب محمد هو «إحجام وتوقف الجمعيات والمشاريع الإغاثية والداعمين عن دعم تلك المشاريع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار»، ويوضح: «معظم الداعمين أو المتعاطفين مع القضية السورية أصبحوا يركزون على المناطق المحررة في جنوب وشمال البلاد كون الأسعار ما زالت على حالها وهي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الغوطة الشرقية».
ويبدو الفرق شاسعا بين الأسعار في مناطق سيطرة النظام وما هي عليه في الغوطة الشرقية، ذلك أن سعر الكيلوغرام الواحد من كل من الرز، السكر، البرغل في الأولى لا يتجاوز نصف دولار على حين يصل في الثانية إلى ما بين 7 إلى 8 دولارات.

فتات... وموت بطيء وسريع
بلهجة غلب عليها السخرية، يصف محمد المساعدات الأممية التي تدخل بين فترات متباعدة وبكميات قليلة إلى الغوطة الشرقية، بأنها «مجرد فتات». ويضيف: «لم تؤثر على الوضع المعيشي للعائلات كونها لا تصل إلى حد جزء بسيط من حجم اسم الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية»، ويلفت إلى أنه «في الغوطة يوجد 75 ألف عائلة محاصرة، بينما يتم إدخال مساعدات أممية لا تتجاوز الخمسة آلاف سلة في كل عملية دخول أممي للغوطة».
بدوره عبد الله، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «استنفاد العائلات لمخزونها النقدي جراء الحصار والمعاناة الكبيرة جدا التي تمر بها لتأمين الدخل مع الازدياد الكبير للمصاريف وفشل المشاريع التنموية في تحقيق أي أرباح وانعدام أي فرص عمل بسبب فقدان المواد الأولية وارتفاع أسعارها جراء الحصار».
وبحسب عبد الله، فإن «كل هذا الحال يبدو مجرد كلمات تعجز عن توصيف الواقع كما هو»، مؤكدا أن ما يجري هو «إبادة ممنهجة يتبعها النظام بحق الأهالي في الغوطة الشرقية»، ويعتبر أن «من يعيشون في داخل الغوطة أحياء في الشكل ولكنهم في الحقيقة أموات».
ومع مواصلة النظام وحلفائه استهداف الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة، فقدت الكثير من الأسر معيلها، ليأخذ هذا الدور الأطفال والنساء، فالطفل دياب شادي جمال الدين ابن العشرة أعوام متسرب من الدراسة بسبب الفقر وانعدام الإمكانيات وهو الأخ التوأم لعبد الرحمن المتسرب من المدرسة أيضاً والشقيق الحنون للطفلة هويدا التي لا يتجاوز عمرها السبع سنوات. ورغم صغر سن دياب، بات معيلا لأسرته إلى جانب أمه، ذلك أنه يضطر في معظم الأحيان رغم مرضه للعمل كأجير لدى أحد الباعة من أجل مساعدة والدته بتأمين معيشة الأسرة بعد أن قضى والده في بداية الحرب، ويبدو أن شدة المعاناة أطلقت لسانه بعبارات يعجز الكبار عنها، ويقول: «أمي باتت تهيم على وجهها مع لهاثها المتواصل لجلب الدواء وفي معظم الأحيان لا تتمكن من ذلك، لأن الأهم تأمين وجبة الطعام البسيطة والوحيدة في اليوم والتي حصرت موعدها بالساعة الرابعة مساءً وغالبا ما تكون من الأصناف المتوفرة بالسوق الشعبية مثل الملفوف المسلوق أو القرنبيط وبعيدة كل البعد عن الرز والبرغل» اللذين من الاستحالة تأمينهما في ظل الغلاء الفاحش، بينما توضح والدته أن دخل العائلة الوحيد هو ما تتقاضاه من كفالة الأيتام وهو غير قابل للزيادة ويبلغ 75 دولارا موزعة على الأطفال الثلاثة لكل منهم 25، لا تكاد تكفي ثمن الدواء الذي يتعاطونه بشكل مستمر.
ويعاني دياب من فشل كلوي منذ ولادته وخاصة كليته اليسرى، وهو بحاجة لرعاية طبية خاصة وتناول الدواء بشكل مستمر وتصل تكلفته ما يقارب 20 دولارا شهرياً، كما يحتاج إلى تغذية مستمرة من قبيل تناول الحليب والبيض والفواكه والبروتينات الحيوانية مثل اللحوم، الأمر الذي تقدر تكلفته بـ200 دولار شهريا ليصبح المجموع 220 شهريا، في حين كفالته الشهرية الحالية لا تتعدى 25 دولارا ما يدفع العائلة إلى العمل والتسول للحفاظ على حياتها بأقل الإمكانيات المتاحة.
شقيقته هويدا وهي من مواليد 2011 وبالصف الأول ومتفوقة بدراستها، ورغم صغر سنها إلا أنها تعاني من مرض السكري الذي أصيبت به منذ عامها الأول نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له بسبب رمي عمها لها على الأرض أثناء هروبه من إحدى المداهمات التي كانت تشنها قوات النظام، وهي أيضا مثل أخيها بحاجة لتعاطي الدواء بشكل مستمر وهو عبارة عن إبرة أنسولين كل خمسة عشر يوماً.

هياكل عظمية
وتسبب منع قوات النظام دخول المواد الإغاثية والطبية إلى الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 104 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 10 كيلومترات فقط، عن مركز العاصمة دمشق، في قائمة لا تنتهي من الأمراض والآفات، وضحاياها غالبا من الأطفال والعجزة.
الطبيب أيمن يعمل في أحد المراكز الطبية يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحصار أثر سلبا بشكل كبير على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي، وأدى إلى فقدان معظم الأدوية الطبية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكري وبعض الإصابات الذي سببها القصف الهمجي على الغوطة. ويقول: «تسوق بعض المنظمات الأممية إلى ضرورة إخلاء بعض الحالات الطبية الحرجة بينما في حقيقة الأمر نحتاج إلى فك الحصار وإدخال المواد الطبية باستمرار»، ويؤكد أنه «حتى عندما تقوم الأمم المتحدة بإدخال مساعدات للغوطة فالمواد الطبية التي تدخلها لا تكفي لبضعة أيام وتكون خاضعة لشروط النظام بمنع بعض الأنواع من الدخول».
ويضيف أيمن: «إننا أحيانا نقف عاجزين على فعل أي شيء أمام بعض الحالات الحرجة، كما أن قسما كبيرا من أطفال الغوطة يعانون من سوء التغذية وخاصة عند الأطفال حديثي الولادة حيث إن كثيرا من الأمهات هن في الأساس يعانين من سوء التغذية بسبب الحصار».
ولعل صورة الطفلة روان التي تزن 8 كيلوغرامات وهي في الثامنة من العمر وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وموت الرضيعة سحر وهي في شهرها الأول، دليل واضح على معاناة أطفال الغوطة.
وحذرت منظمة «يونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من أن هناك نحو 1200 طفل في الغوطة الشرقية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أعلى مستوى سجل في سوريا منذ بدء الحرب. وتداول ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة رضيعة بدت أشبه بهيكل عظمي وقالوا إن «صحتها تدهورت كثيرا ما استدعى نقلها إلى العناية المشددة لكنها فارقت الحياة بسبب سوء التغذية».
هذه الأوضاع دفعت الناشطين في المنطقة إلى إطلاق حملة «الأسد يحاصر الغوطة» على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام المختلفة وذلك في أكتوبر الماضي. وتهدف هذه الحملة إلى نقل معاناة الغوطة وانعكاسات الحصار والتأكيد أن العالم يجب أن يقف أمام مسؤولياته تجاه نظام الأسد الذي يحاصر المدنيين.

وجبات النفايات
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير له، أن سكان الغوطة الشرقية المحاصرين يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويجبرون أطفالهم على التناوب في تناول الطعام. وأشار البرنامج إلى أن السكان تناولوا طعاما منتهي الصلاحية إضافة إلى علف الحيوانات والنفايات، وبقوا أياما من دون طعام وقاموا بأنشطة شديدة الخطورة للحصول عليه.
ولفت إلى حدوث الكثير من حالات الإغماء بين طلاب المدارس والمدرسين جراء الجوع، متوقعا أن يزداد الوضع سوءا خلال الأيام المقبلة مع نفاد الغذاء وتقلص استراتيجيات التكيف. وقال: إنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي اضطر نحو 175 ألف شخص في مدينة دوما على اتباع استراتيجيات للتكيف مع الوضع الطارئ، ويشمل ذلك البقاء لأيام دون غذاء، منوها إلى أنه رغم أن المنطقة زراعية، فإن الأراضي التي تصلح للزراعة على مشارف الغوطة الشرقية إما على خطوط القتال أو مستهدفة من قناصة قوات النظام والميليشيات الداعمة له. وأضاف التقرير أن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم من الجوع بما في ذلك طفل في دوما انتحر بسبب شح الطعام.
وما يفاقم من معاناة الأهالي حلول فصل الشتاء، بالتزامن مع سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وصعوبة الحصول على مصادر تدفئة، رغم بحث الأهالي عنها مع تواصل قصف قوات النظام للمنطقة بشكل يومي. ويقول نشطاء معارضون من المنطقة إن «الحالة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية زادت سوءاً مع قدوم فصل الشتاء، حيث تسبب القصف بدمار أجزاء كبيرة من الأحياء السكنية، وفقدت عشرات الأسر مأواها، كما لا يمكن للمدنيين البحث عن مصادر بديلة للتدفئة من قمامة أو بلاستك أو حطب، خوفاً من عمليات القصف والقنص المتكررة التي تنفذها قوات النظام». وتوضح مصادر، أن ارتفاع أسعار المحروقات ومصادر التدفئة في الغوطة، يمنع المدنيين من شرائها، ما دفع الكثير منهم إلى إحراق أثاث منازلهم ومقتنياتهم للحصول على القليل من الدفء الذي لا يكفي لعدة أيام.

خفض توتر شكلي
وفي مايو (أيار) الماضي دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق «خفض التوتر»، لتكون واحدة من أربع مناطق يفترض أن تتوقف فيها المعارك وتفتح إليها المعابر الإنسانية لإدخال المواد الغذائية والطبية وإخراج الحالات التي تحتاج إلى العلاج، وذلك وفق اتفاق ثلاثي أبرم بين روسيا وتركيا وإيران. غير أن ستة أشهر مضت والوضع في الغوطة الشرقية على ما هو عليه، بل ربما أسوأ، فالأهالي يهددهم الجوع والمرض نتيجة إطباق فكي حصار النظام على بلداتهم وقراهم.
أبو محمد، وهو قائد عسكري يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول الغوطة ضمن مناطق «خفض التوتر» لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني فيها، حيث لم يلتزم النظام بالاتفاق وارتكبت قواته وحلفاؤها عدة مجازر منذ بدء سريان الاتفاق. ويضيف: «حتى الطائرات الروسية شاركت بالقصف الذي طال الغوطة رغم أن روسيا كانت الضامن لهذا الاتفاق، كما استخدم النظام وحلفاؤه أسلحة محرمة دوليا في القصف منها القنابل العنقودية والقنابل الارتجاجية والتي أدت إلى موت العشرات لا بل المئات من المدنيين، وقد لاحق القصف المدنيين ضمن الأقبية والملاجئ»، ليختم بالقول: «خفض التصعيد كان فرصة ليستغلها النظام من أجل التقدم على الأرض وليحقق مكاسب سياسية بتقدمه».
ولم يتوقف النظام وحلفاؤه عن قصف الأهالي في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة منذ بداية الأحداث، وأقدم على قصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس (آب) عام 2013، ما أودى بحياة ألف شخص و400 شخص.
وتحول الرضيع كريم عبد الله الذي فقد عينه جراء قصف جوي لقوات النظام في أكتوبر الماضي لبلدة حمورية، إلى رمز لمعاناة سكان الغوطة الشرقية، بعد انطلاق حملة تضامنية معه على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر خلالها كثيرون صورهم وهم يغطون عينهم في إشارة إلى إصابته. ووصلت الحملة إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث نشر سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت صورة له على موقع «تويتر» وهو يغطي عينه بيده. وعلق رايكروفت على الصورة بقوله: «حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر من أن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال... فهذا هو ما نعنيه»، مضيفا: «يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية».
ونشر متضامنون مع كريم صوراً لهم ولأطفال يغطون أعينهم. وشارك في الحملة متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مناطق المعارضة، فضلاً عن عاملين في منظمات دولية وناشطين وصحافيين بينهم فريق التحرير في جريدة «بيلد» الألمانية اليومية.
وبحسب تقارير ونشطاء ومصادر طبية بريف دمشق، فإنّ 527 رضيعاً فقدوا حياتهم منذ عام 2014 بسبب المجاعة ونقص الأدوية الناجمة عن الحصار. وذكرت المصادر الطبية أنّ عدد الوفيات بسبب المجاعة قبل عام 2015 كانت 15 حالة، بينما وصل عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع خلال الأشهر العشرة الأولى من 2017 إلى 227 حالة وفاة. وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن 16 شخصاً على الأقل قضوا أثناء انتظارهم عمليات إخلاء طبي من منطقة الغوطة الشرقية. وقال يان إيغلاند، رئيس مجموعة العمل الإنساني التابعة للأمم المتحدة في سوريا إن «لائحة وُضِعَت قبل أشهر عدة تتضمن نحو 500 شخص في حاجة ماسَّة إلى إجلاء، يتقلص عددها بسرعة». وتابع: «الرقم ينخفض، ليس لأننا نقوم بإخلاء الناس، بل لأنهم يموتون»، وأضاف: «لدينا تأكيدات بوفاة 16 شخصاً من تلك اللوائح منذ إعادة تقديمها في نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما يكون العدد أعلى»، مسلِّطاً الضوء على وفاة طفل في 14 من الشهر الماضي وسط فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وقال: «أخشى أن يكون هناك المزيد. خلال فترة أعياد الميلاد هذه، سيكون هناك المزيد من الوفيات ما لم نبدأ عمليات الإخلاء». ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق أحد آخر معاقل الفصائل المسلحة التي تحاصرها قوات الرئيس بشار الأسد.
وقال إيغلاند إن «عمليات الإجلاء والجهود لإدخال مساعدات إلى المنطقة متوقفة لعدم الحصول على موافقة السلطات السورية»، وأكد: «هذا يجب أن يتوقف». وقال: «كيف نشعر بالأمان والسلام في أعياد الميلاد... في حين أكثر الناس براءة في هذا النزاع يموتون؟!». وتابع أنهم «يموتون ليس لعدم وجود مواد إغاثة، أو لأنه لا أحد يرغب في التوجه إلى هناك... بل لأنهم جزء من لعبة نفوذ».
ولم تستثنِ قوات النظام في غاراتها المرافق الحيوية والخدمية بالغوطة، حيث استهدف المدارس والمراكز الصحية، واضطر الطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم اعتباراً من نوفمبر الماضي. وأدّت غارة نفذتها مقاتلات النظام في 31 أكتوبر الماضي، على مدرسة في بلدة جسرين، إلى مقتل 5 مدنيين بينهم 3 طلاب، وبعدها في 25 نوفمبر استهدف حديقة لدار أيتام.



«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
TT

«يوم الولاية»... ثقب حوثي موسمي لاستنزاف اليمنيين

الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)
الحوثيون يستخدمون وسائل الترهيب لجمع الأموال لإنفاقها على مناسباتهم العقائدية (أ.ف.ب)

فرضت الجماعة الحوثية أعباء مالية جديدة على السكان والتجار في مناطق سيطرتها، تحت مبررات مرتبطة بالتحضير لإحياء ما تسميها «ذكرى يوم الولاية»، في وقت تعيش فيه غالبية الأسر اليمنية أوضاعاً معيشية صعبة نتيجة الانهيار الاقتصادي المستمر وتداعيات الحرب الممتدة منذ سنوات.

وأكدت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة صعّدت خلال الأيام الماضية حملات التحصيل المالي في العاصمة المختطفة صنعاء وعدد من المناطق الخاضعة لسيطرتها، مستهدفةً التجار وأصحاب الشركات والمنشآت الاقتصادية، إلى جانب إلزام مؤسسات حكومية بالمساهمة في تمويل الأنشطة والفعاليات المرتبطة بالمناسبة ذات الطابع العقائدي.

وحسب المصادر، تُنفذ هذه الحملات عبر ضغوط مباشرة وغير مباشرة، تتراوح بين التهديد بفرض عقوبات إدارية أو مالية وبين التعرض لمضايقات متكررة من المشرفين الحوثيين، مما يدفع كثيرين إلى الامتثال خشية التعرض لإجراءات تعسفية قد تؤثر في أعمالهم أو مصادر دخلهم.

وأفاد شهود بانتشار فرق ميدانية تابعة للجماعة في عدد من الشوارع والأسواق والأحياء السكنية في صنعاء وضواحيها، حيث تتولى جمع ما تصفها الجماعة بـ«المساهمات» أو «التبرعات» لدعم فعاليات «يوم الولاية»، بينما يؤكد السكان أن تلك الأموال تُفرض عليهم بصورة إلزامية.

وتحدث تجار وسكان عن فرض مبالغ مالية متفاوتة حسب حجم النشاط التجاري أو طبيعة الجهة المستهدفة، فضلاً عن إلزام بعض أصحاب المحال التجارية بالمشاركة في الفعاليات والأنشطة التعبوية المصاحبة للمناسبة، بما في ذلك تعليق الشعارات واللافتات وتقديم دعم لوجستي أو مالي للحشود المنظمة.

ويرى مراقبون أن هذه الممارسات أصبحت جزءاً من سياسة متكررة تعتمدها الجماعة لتمويل أنشطتها العقائدية والإعلامية، مستفيدةً من ضعف الرقابة وغياب المؤسسات الرسمية القادرة على حماية القطاع الخاص أو الحد من عمليات الجباية التي تتكرر مع كل مناسبة دينية أو سياسية تتبناها الجماعة.

ويشير هؤلاء إلى أن المناسبات الحوثية تحولت خلال الأعوام الأخيرة إلى مواسم موسمية لفرض الإتاوات واستنزاف ما تبقى من السيولة المالية لدى المواطنين والتجار، في ظل تراجع النشاط الاقتصادي وانكماش الأسواق وارتفاع معدلات الفقر والبطالة.

ازدياد الأعباء المعيشية

أعرب عدد من التجار اليمنيين عن استيائهم من تكرار فرض المساهمات المالية عليهم لمصلحة قادة الجماعة الحوثية، مؤكدين أن قدرتهم على الاستمرار في أعمالهم باتت مهدَّدة نتيجة تداخل عوامل عديدة، من بينها الركود الاقتصادي وارتفاع تكاليف التشغيل وتراجع القوة الشرائية للمواطنين.

وقال أحد أصحاب المحال التجارية في صنعاء، فضّل استخدام اسم مستعار لأسباب أمنية، إن الجماعة تعود في كل مناسبة لفرض رسوم أو مساهمات جديدة، موضحاً أن الحركة التجارية تشهد تراجعاً كبيراً، في حين تزداد الالتزامات المالية المفروضة على التجار بشكل مستمر.

وأضاف أن رفض الدفع لم يعد خياراً متاحاً للكثيرين، نظراً لما قد يترتب عليه من زيارات متكررة للمشرفين الحوثيين أو مضايقات قد تعطِّل النشاط التجاري وتؤثر في سير العمل.

ولا تقتصر الشكاوى على التجار، إذ يقول موظفون في القطاع الحكومي إنهم يتعرضون أيضاً لضغوط للمساهمة في تمويل بعض الفعاليات، رغم استمرار أزمة الرواتب التي تعاني منها شريحة واسعة من الموظفين منذ سنوات.

في السياق ذاته، تؤكد أسر يمنية أن ازدياد الجبايات يفاقم معاناتها اليومية في ظل الارتفاع المستمر لأسعار المواد الغذائية والدوائية والخدمات الأساسية، الأمر الذي يجعل توفير الاحتياجات الضرورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

تكلفة اقتصادية مرتفعة

تُعد مناسبة ما يسمى «يوم الولاية» من أبرز المناسبات التي تحرص الجماعة الحوثية على إحيائها سنوياً، حيث تنظم خلالها فعاليات جماهيرية واسعة وحملات دعائية وإعلامية مكثفة، تتطلب إنفاقاً مالياً كبيراً.

ويؤكد منتقدون للجماعة أن جزءاً كبيراً من هذه النفقات يجري توفيره عبر جبايات تُفرض على المواطنين والقطاع الخاص تحت مسميات مختلفة، في وقت تشهد فيه مناطق سيطرة الحوثيين تراجعاً حاداً في النشاط الاقتصادي وضعفاً في فرص العمل ومصادر الدخل.

ويُحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار هذه السياسات يؤدي إلى تعميق حالة الركود الاقتصادي، وإضعاف قدرة القطاع الخاص على الاستمرار، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على الأسعار وفرص التوظيف ومستويات المعيشة.

ويرى هؤلاء أن أي تعافٍ اقتصادي محتمل سيظل محدوداً ما دامت الأنشطة التجارية والاستثمارية تواجه بيئة غير مستقرة تتسم بفرض القيود والإتاوات والتدخلات المتكررة في عمل الأسواق.

ويزعم الحوثيون أن «يوم الولاية» هو اليوم الذي عهد فيه الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بالولاية لعلي بن أبي طالب ولمن ينتسبون إلى ذريته من بعده، والذي يوافق الثامن عشر من شهر ذي الحجة كل عام، وهو ما يعني -حسب عقيدتهم- الأحقية الدينية والسياسية لزعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في الحكم والسلطة استناداً إلى مزاعم انتسابه إلى ذرية علي بن أبي طالب.

الطوارئ الغذائية

بالتوازي مع هذه التطورات، أطلقت منظمات دولية تحذيرات جديدة بشأن مستقبل الأمن الغذائي في اليمن، متوقعةً استمرار الأوضاع الحرجة في عدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة الحوثية خلال الأشهر المقبلة.

وأفادت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة بأن مستويات الطوارئ الغذائية، المصنفة ضمن المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، مرشحة للاستمرار حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل في محافظات الحديدة وحجة وتعز الواقعة تحت سيطرة الجماعة، بينما تسود حالة الأزمة الغذائية في معظم المناطق الأخرى الخاضعة لها.

وأرجع التقرير استمرار الأزمة إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، من أبرزها تدهور بيئة الأعمال، وفرض قيود على الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية، وتراجع فرص كسب الدخل، إلى جانب استمرار تداعيات الصراع وتدهور الأوضاع الاقتصادية العامة.

وتوقعت الشبكة أن يؤدي استمرار هذه الظروف إلى مزيد من التراجع في القدرة الشرائية للأسر اليمنية واتساع فجوات الاستهلاك الغذائي، مما سيدفع أعداداً أكبر من السكان إلى تبني آليات تكيف قاسية وغير مستدامة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، الأمر الذي يُنذر بإطالة أمد الأزمة الإنسانية في واحدة من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي.


تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
TT

تقلّبات المناخ تُفاقم هشاشة الزراعة والغذاء في اليمن

ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)
ندرة المطر وارتفاع درجات الحرارة يؤثران على الإنتاج الزراعي باليمن (الأمم المتحدة)

على الرغم من أن التوقعات المناخية تشير إلى احتمال تسجيل اليمن خلال الأسابيع المقبلة معدلات أمطار أعلى من المعتاد، فإن المخاوف من التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على القطاع الزراعي تزايدت مع الغياب شبه الكامل للأمطار في ذروة الموسم المطري مطلع الشهر الحالي.

وتوقعت تقارير مناخية وزراعية دولية أن تشهد أجزاء واسعة من اليمن خلال يونيو (حزيران) الحالي هطول أمطار أعلى من المعدلات الطبيعية، بالتزامن مع استمرار موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة في عدد من المناطق؛ وهو ما يثير مخاوف من انعكاسات متباينة على القطاع الزراعي والثروة الحيوانية، في ظل أزمة إنسانية متنامية ناجمة عن تراجع تمويل خطة الاستجابة الإنسانية التي تقودها الأمم المتحدة.

ومع تأكيد منظمات الإغاثة أن أكثر من 18 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية خلال العام الحالي، أوضحت التقديرات المناخية أن يونيو يمثل عادة بداية موسم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية، حيث تشهد المرتفعات الغربية والسهول الساحلية أمطاراً متفرقة تتراوح بين الخفيفة والمتوسطة، في حين تبقى المناطق الصحراوية في الشرق والوسط أكثر جفافاً.

وأشار تقرير مناخي حديث إلى أن الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي شهدت غياباً شبه كامل للأمطار أو هطولات محدودة للغاية في معظم المحافظات اليمنية؛ الأمر الذي أوجد ظروفاً غير مواتية لزراعة المحاصيل البعلية وتعافي المراعي الطبيعية.

نحو 73 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة (الأمم المتحدة)

وفي المقابل، سجلت أجزاء من محافظة إب أمطاراً غزيرة تراوحت بين 40 و60 مليمتراً؛ وهو ما أسهم بصورة مؤقتة في تحسين توفر المياه وتعزيز تغذية بعض المصادر المائية المحلية.

ورغم المخاوف المرتبطة باستمرار الجفاف في مناطق واسعة، أبرز التقرير الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) توقعات المعهد الدولي لأبحاث المناخ والمجتمع التي تشير إلى احتمال هطول أمطار فوق المعدلات الطبيعية في أجزاء كبيرة من البلاد خلال الفترة المقبلة؛ وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الإنتاج الزراعي وتغذية المياه الجوفية إذا استمرت الأمطار بوتيرة منتظمة.

ضغط موجات الحر

في المقابل، حذَّر التقرير الأممي من استمرار الارتفاع الحاد في درجات الحرارة، لا سيما في المناطق الصحراوية الداخلية بمحافظتي حضرموت والمهرة، حيث قد تتجاوز درجات الحرارة 42 درجة مئوية، في حين يُتوقع أن تسجل المناطق الساحلية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن درجات حرارة تتراوح بين 35 و40 درجة مئوية.

وأوضح أن موجات الحر المتواصلة قد تؤدي إلى تسارع فقدان رطوبة التربة نتيجة زيادة معدلات التبخر والنتح؛ ما يقلل من الاستفادة الفعلية من مياه الأمطار ويؤثر سلباً في الزراعة البعلية والمراعي الطبيعية وإنتاج الثروة الحيوانية.

كما رجح التقرير أن تتسبب الظروف الجافة في تعطيل أو تأخير عمليات الزراعة في عدد من المناطق الزراعية الرئيسية، إضافة إلى الحد من نمو المحاصيل وخفض الإنتاجية الزراعية.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يرفع الطلب على مياه الري، ويؤدي إلى استنزاف أسرع لرطوبة التربة؛ ما يزيد تكاليف الإنتاج على المزارعين ويضاعف التحديات الاقتصادية التي يواجهها القطاع الزراعي.

تأخر هطول الأمطار يثير مخاوف قطاع الزراعة في اليمن (الأمم المتحدة)

وتوقع معدّو التقرير أن يبقى تعافي المراعي محدوداً خلال الفترة المقبلة؛ الأمر الذي سيؤدي إلى تراجع توفر المراعي الطبيعية وزيادة الضغوط على سبل عيش الرعاة في مناطق واسعة من البلاد.

كما حذَّروا من أن الثروة الحيوانية قد تواجه مستويات أعلى من الإجهاد الحراري ونقصاً في مصادر المياه؛ وهو ما قد ينعكس على صحة الحيوانات وإنتاجيتها، خصوصاً في المناطق الأكثر تعرضاً للجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

ودعا التقرير إلى تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتكثيف الإرشادات الزراعية والمناخية للمزارعين والرعاة، ودعم استخدام تقنيات الري الحديثة والطاقة الشمسية، إلى جانب التوسع في زراعة الأصناف المقاومة للجفاف وتحسين إدارة الموارد المائية.

وشدَّد على أهمية تخزين المدخلات الزراعية الأساسية والإمدادات البيطرية وأعلاف الطوارئ مسبقاً في المناطق عالية المخاطر؛ لضمان سرعة الاستجابة في حال تفاقمت الظروف المناخية أو تدهورت الأوضاع الإنسانية.

فجوات التمويل

على صعيد متصل، أكد برنامج الأغذية العالمي وجود فجوات تمويلية كبيرة تعيق قدرته على تلبية الاحتياجات الإنسانية المتزايدة وتوسيع نطاق الاستجابة الطارئة في محافظة مأرب، التي تستضيف أكبر تجمع للنازحين في اليمن.

التوسع في بناء الحواجز المائية باليمن للاستفادة منها خلال موسم الجفاف (الأمم المتحدة)

وقال القائم بأعمال رئيس مكتب البرنامج في مأرب، هابي غود جون، خلال لقائه وكيل المحافظة عبد ربه مفتاح، إن نقص التمويل بات يشكل عائقاً رئيسياً أمام استمرارية البرامج الإنسانية وتوسيع قوائم المستفيدين، خصوصاً بين النازحين داخلياً.

ودعا المسؤول الأممي المجتمع الدولي إلى حشد موارد إضافية لدعم العمليات الإنسانية وضمان استمرار تقديم المساعدات الغذائية والخدمات الأساسية للفئات الأكثر احتياجاً، محذّراً من أن اتساع الفجوة التمويلية قد يفاقم من معاناة ملايين اليمنيين في ظل التحديات المناخية والاقتصادية المتزايدة.


الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.