أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

{الشرق الأوسط} تنشر شهادات عن حياة 400 ألف شخص شرق العاصمة السورية

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)
TT

أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)

«أحياء، لكننا أموات» عبارة يقولها أهالي الغوطة الشرقية لدمشق عن الوضع الإنساني المرير الذي وصلوا إليه، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه قوات النظام منذ نحو أربع سنوات وقصفه المتواصل لهم.
أبو حسين، وهو أب لثلاثة أولاد، يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاقم معاناته بعد لجوئه إلى بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، إثر سيطرة النظام قبل أكثر من عام على بلدته، ويقول: «منذ أن سيطر النظام على بلدتنا وتهجيرنا لم أستطع أن أعمل أي عمل بسبب عدم وجود فرص عمل في المنطقة، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية حرمنا النظام منها، وكنا نعيش على بعض المساعدات التي كانت تقدمها لنا الجمعيات الإغاثية، ولكن الآن توقفت معظم هذه المساعدات بسبب تشديد الحصار علينا».
ألم ووجع أبو حسين، يزداد بسبب «بقاء أطفاله على وجبة واحدة خلال ثلاثة أيام، ونومه على صوت بكائهم من شدة الجوع»، ويؤكد: «معظم طعامهم هو الفجل والملفوف حتى ربطة الخبز أو الرز والبرغل والتي تعتبر من المواد الأساسية لا يستطع تأمينها بسبب الأسعار المرتفعة».
وتعتبر غوطة دمشق الشرقية من أوائل المناطق التي شهدت حراكا مناهضا للنظام قبل نحو سبع سنوات، وتشكلت فيها فصائل معارضة مسلحة أبرزها «جيش الإسلام»، وتمكنت من طرد قوات النظام منها بعد معارك عنيفة مستمرة حتى اليوم.
وفي مقابل عجزه عن استعادة السيطرة على المنطقة، عمد جيش النظام وميليشياته إلى استهدافها بشتى أنواع الأسلحة، وفرض حصار على نحو 400 ألف مدني يعيشون فيها منذ عام 2013 وعمد إلى تشديده مؤخرا في إطار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها إزاء المناطق الخارجة عن سيطرته.
محمد، وهو ناشط في مجال الإغاثة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تشديد النظام للحصار المفروض على الغوطة الشرقية خلال المرحلة الماضية، ويوضح: «حتى المعبر الوحيد (معبر مخيم الوافدين) الذي كان النظام يسمح للتاجر المنفوش بإدخال مواد غذائية منه قام بإغلاقه»، قبل أن يلفت إلى أن النظام عندما سمح لشخص موال لدمشق بإدخال مواد غذائية من المعبر فرض إتاوة على تلك المواد التي يتم إدخالها تصل إلى 5 دولارات أميركية على الكيلوغرام الواحد، الأمر الذي أسهم تدريجيا برفع أسعار المواد الغذائية، ووصل سعر الكيلو الواحد من المواد الأساسية بين 7 - 8 دولارات، في حين لا يتجاوز دخل العائلة 75 دولارا شهريا، كما توجد عائلات لا يوجد لديها أي دخل شهري.
تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بسبب الحرب، ويصل حاليا إلى 470 ليرة، بعد أن كان نحو 50 ليرة قبل الحرب، بينما بقيت المرتبات الشهرية للموظفين تراوح مكانها ما بين 50 إلى 75 دولارا، على حين تحتاج الأسرة المؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 800 دولار لتعيش على الكفاف.
وما يزيد من طين مأساة الأهالي في الغوطة الشرقية بلة، بحسب محمد هو «إحجام وتوقف الجمعيات والمشاريع الإغاثية والداعمين عن دعم تلك المشاريع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار»، ويوضح: «معظم الداعمين أو المتعاطفين مع القضية السورية أصبحوا يركزون على المناطق المحررة في جنوب وشمال البلاد كون الأسعار ما زالت على حالها وهي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الغوطة الشرقية».
ويبدو الفرق شاسعا بين الأسعار في مناطق سيطرة النظام وما هي عليه في الغوطة الشرقية، ذلك أن سعر الكيلوغرام الواحد من كل من الرز، السكر، البرغل في الأولى لا يتجاوز نصف دولار على حين يصل في الثانية إلى ما بين 7 إلى 8 دولارات.

فتات... وموت بطيء وسريع
بلهجة غلب عليها السخرية، يصف محمد المساعدات الأممية التي تدخل بين فترات متباعدة وبكميات قليلة إلى الغوطة الشرقية، بأنها «مجرد فتات». ويضيف: «لم تؤثر على الوضع المعيشي للعائلات كونها لا تصل إلى حد جزء بسيط من حجم اسم الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية»، ويلفت إلى أنه «في الغوطة يوجد 75 ألف عائلة محاصرة، بينما يتم إدخال مساعدات أممية لا تتجاوز الخمسة آلاف سلة في كل عملية دخول أممي للغوطة».
بدوره عبد الله، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «استنفاد العائلات لمخزونها النقدي جراء الحصار والمعاناة الكبيرة جدا التي تمر بها لتأمين الدخل مع الازدياد الكبير للمصاريف وفشل المشاريع التنموية في تحقيق أي أرباح وانعدام أي فرص عمل بسبب فقدان المواد الأولية وارتفاع أسعارها جراء الحصار».
وبحسب عبد الله، فإن «كل هذا الحال يبدو مجرد كلمات تعجز عن توصيف الواقع كما هو»، مؤكدا أن ما يجري هو «إبادة ممنهجة يتبعها النظام بحق الأهالي في الغوطة الشرقية»، ويعتبر أن «من يعيشون في داخل الغوطة أحياء في الشكل ولكنهم في الحقيقة أموات».
ومع مواصلة النظام وحلفائه استهداف الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة، فقدت الكثير من الأسر معيلها، ليأخذ هذا الدور الأطفال والنساء، فالطفل دياب شادي جمال الدين ابن العشرة أعوام متسرب من الدراسة بسبب الفقر وانعدام الإمكانيات وهو الأخ التوأم لعبد الرحمن المتسرب من المدرسة أيضاً والشقيق الحنون للطفلة هويدا التي لا يتجاوز عمرها السبع سنوات. ورغم صغر سن دياب، بات معيلا لأسرته إلى جانب أمه، ذلك أنه يضطر في معظم الأحيان رغم مرضه للعمل كأجير لدى أحد الباعة من أجل مساعدة والدته بتأمين معيشة الأسرة بعد أن قضى والده في بداية الحرب، ويبدو أن شدة المعاناة أطلقت لسانه بعبارات يعجز الكبار عنها، ويقول: «أمي باتت تهيم على وجهها مع لهاثها المتواصل لجلب الدواء وفي معظم الأحيان لا تتمكن من ذلك، لأن الأهم تأمين وجبة الطعام البسيطة والوحيدة في اليوم والتي حصرت موعدها بالساعة الرابعة مساءً وغالبا ما تكون من الأصناف المتوفرة بالسوق الشعبية مثل الملفوف المسلوق أو القرنبيط وبعيدة كل البعد عن الرز والبرغل» اللذين من الاستحالة تأمينهما في ظل الغلاء الفاحش، بينما توضح والدته أن دخل العائلة الوحيد هو ما تتقاضاه من كفالة الأيتام وهو غير قابل للزيادة ويبلغ 75 دولارا موزعة على الأطفال الثلاثة لكل منهم 25، لا تكاد تكفي ثمن الدواء الذي يتعاطونه بشكل مستمر.
ويعاني دياب من فشل كلوي منذ ولادته وخاصة كليته اليسرى، وهو بحاجة لرعاية طبية خاصة وتناول الدواء بشكل مستمر وتصل تكلفته ما يقارب 20 دولارا شهرياً، كما يحتاج إلى تغذية مستمرة من قبيل تناول الحليب والبيض والفواكه والبروتينات الحيوانية مثل اللحوم، الأمر الذي تقدر تكلفته بـ200 دولار شهريا ليصبح المجموع 220 شهريا، في حين كفالته الشهرية الحالية لا تتعدى 25 دولارا ما يدفع العائلة إلى العمل والتسول للحفاظ على حياتها بأقل الإمكانيات المتاحة.
شقيقته هويدا وهي من مواليد 2011 وبالصف الأول ومتفوقة بدراستها، ورغم صغر سنها إلا أنها تعاني من مرض السكري الذي أصيبت به منذ عامها الأول نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له بسبب رمي عمها لها على الأرض أثناء هروبه من إحدى المداهمات التي كانت تشنها قوات النظام، وهي أيضا مثل أخيها بحاجة لتعاطي الدواء بشكل مستمر وهو عبارة عن إبرة أنسولين كل خمسة عشر يوماً.

هياكل عظمية
وتسبب منع قوات النظام دخول المواد الإغاثية والطبية إلى الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 104 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 10 كيلومترات فقط، عن مركز العاصمة دمشق، في قائمة لا تنتهي من الأمراض والآفات، وضحاياها غالبا من الأطفال والعجزة.
الطبيب أيمن يعمل في أحد المراكز الطبية يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحصار أثر سلبا بشكل كبير على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي، وأدى إلى فقدان معظم الأدوية الطبية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكري وبعض الإصابات الذي سببها القصف الهمجي على الغوطة. ويقول: «تسوق بعض المنظمات الأممية إلى ضرورة إخلاء بعض الحالات الطبية الحرجة بينما في حقيقة الأمر نحتاج إلى فك الحصار وإدخال المواد الطبية باستمرار»، ويؤكد أنه «حتى عندما تقوم الأمم المتحدة بإدخال مساعدات للغوطة فالمواد الطبية التي تدخلها لا تكفي لبضعة أيام وتكون خاضعة لشروط النظام بمنع بعض الأنواع من الدخول».
ويضيف أيمن: «إننا أحيانا نقف عاجزين على فعل أي شيء أمام بعض الحالات الحرجة، كما أن قسما كبيرا من أطفال الغوطة يعانون من سوء التغذية وخاصة عند الأطفال حديثي الولادة حيث إن كثيرا من الأمهات هن في الأساس يعانين من سوء التغذية بسبب الحصار».
ولعل صورة الطفلة روان التي تزن 8 كيلوغرامات وهي في الثامنة من العمر وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وموت الرضيعة سحر وهي في شهرها الأول، دليل واضح على معاناة أطفال الغوطة.
وحذرت منظمة «يونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من أن هناك نحو 1200 طفل في الغوطة الشرقية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أعلى مستوى سجل في سوريا منذ بدء الحرب. وتداول ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة رضيعة بدت أشبه بهيكل عظمي وقالوا إن «صحتها تدهورت كثيرا ما استدعى نقلها إلى العناية المشددة لكنها فارقت الحياة بسبب سوء التغذية».
هذه الأوضاع دفعت الناشطين في المنطقة إلى إطلاق حملة «الأسد يحاصر الغوطة» على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام المختلفة وذلك في أكتوبر الماضي. وتهدف هذه الحملة إلى نقل معاناة الغوطة وانعكاسات الحصار والتأكيد أن العالم يجب أن يقف أمام مسؤولياته تجاه نظام الأسد الذي يحاصر المدنيين.

وجبات النفايات
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير له، أن سكان الغوطة الشرقية المحاصرين يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويجبرون أطفالهم على التناوب في تناول الطعام. وأشار البرنامج إلى أن السكان تناولوا طعاما منتهي الصلاحية إضافة إلى علف الحيوانات والنفايات، وبقوا أياما من دون طعام وقاموا بأنشطة شديدة الخطورة للحصول عليه.
ولفت إلى حدوث الكثير من حالات الإغماء بين طلاب المدارس والمدرسين جراء الجوع، متوقعا أن يزداد الوضع سوءا خلال الأيام المقبلة مع نفاد الغذاء وتقلص استراتيجيات التكيف. وقال: إنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي اضطر نحو 175 ألف شخص في مدينة دوما على اتباع استراتيجيات للتكيف مع الوضع الطارئ، ويشمل ذلك البقاء لأيام دون غذاء، منوها إلى أنه رغم أن المنطقة زراعية، فإن الأراضي التي تصلح للزراعة على مشارف الغوطة الشرقية إما على خطوط القتال أو مستهدفة من قناصة قوات النظام والميليشيات الداعمة له. وأضاف التقرير أن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم من الجوع بما في ذلك طفل في دوما انتحر بسبب شح الطعام.
وما يفاقم من معاناة الأهالي حلول فصل الشتاء، بالتزامن مع سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وصعوبة الحصول على مصادر تدفئة، رغم بحث الأهالي عنها مع تواصل قصف قوات النظام للمنطقة بشكل يومي. ويقول نشطاء معارضون من المنطقة إن «الحالة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية زادت سوءاً مع قدوم فصل الشتاء، حيث تسبب القصف بدمار أجزاء كبيرة من الأحياء السكنية، وفقدت عشرات الأسر مأواها، كما لا يمكن للمدنيين البحث عن مصادر بديلة للتدفئة من قمامة أو بلاستك أو حطب، خوفاً من عمليات القصف والقنص المتكررة التي تنفذها قوات النظام». وتوضح مصادر، أن ارتفاع أسعار المحروقات ومصادر التدفئة في الغوطة، يمنع المدنيين من شرائها، ما دفع الكثير منهم إلى إحراق أثاث منازلهم ومقتنياتهم للحصول على القليل من الدفء الذي لا يكفي لعدة أيام.

خفض توتر شكلي
وفي مايو (أيار) الماضي دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق «خفض التوتر»، لتكون واحدة من أربع مناطق يفترض أن تتوقف فيها المعارك وتفتح إليها المعابر الإنسانية لإدخال المواد الغذائية والطبية وإخراج الحالات التي تحتاج إلى العلاج، وذلك وفق اتفاق ثلاثي أبرم بين روسيا وتركيا وإيران. غير أن ستة أشهر مضت والوضع في الغوطة الشرقية على ما هو عليه، بل ربما أسوأ، فالأهالي يهددهم الجوع والمرض نتيجة إطباق فكي حصار النظام على بلداتهم وقراهم.
أبو محمد، وهو قائد عسكري يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول الغوطة ضمن مناطق «خفض التوتر» لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني فيها، حيث لم يلتزم النظام بالاتفاق وارتكبت قواته وحلفاؤها عدة مجازر منذ بدء سريان الاتفاق. ويضيف: «حتى الطائرات الروسية شاركت بالقصف الذي طال الغوطة رغم أن روسيا كانت الضامن لهذا الاتفاق، كما استخدم النظام وحلفاؤه أسلحة محرمة دوليا في القصف منها القنابل العنقودية والقنابل الارتجاجية والتي أدت إلى موت العشرات لا بل المئات من المدنيين، وقد لاحق القصف المدنيين ضمن الأقبية والملاجئ»، ليختم بالقول: «خفض التصعيد كان فرصة ليستغلها النظام من أجل التقدم على الأرض وليحقق مكاسب سياسية بتقدمه».
ولم يتوقف النظام وحلفاؤه عن قصف الأهالي في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة منذ بداية الأحداث، وأقدم على قصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس (آب) عام 2013، ما أودى بحياة ألف شخص و400 شخص.
وتحول الرضيع كريم عبد الله الذي فقد عينه جراء قصف جوي لقوات النظام في أكتوبر الماضي لبلدة حمورية، إلى رمز لمعاناة سكان الغوطة الشرقية، بعد انطلاق حملة تضامنية معه على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر خلالها كثيرون صورهم وهم يغطون عينهم في إشارة إلى إصابته. ووصلت الحملة إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث نشر سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت صورة له على موقع «تويتر» وهو يغطي عينه بيده. وعلق رايكروفت على الصورة بقوله: «حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر من أن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال... فهذا هو ما نعنيه»، مضيفا: «يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية».
ونشر متضامنون مع كريم صوراً لهم ولأطفال يغطون أعينهم. وشارك في الحملة متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مناطق المعارضة، فضلاً عن عاملين في منظمات دولية وناشطين وصحافيين بينهم فريق التحرير في جريدة «بيلد» الألمانية اليومية.
وبحسب تقارير ونشطاء ومصادر طبية بريف دمشق، فإنّ 527 رضيعاً فقدوا حياتهم منذ عام 2014 بسبب المجاعة ونقص الأدوية الناجمة عن الحصار. وذكرت المصادر الطبية أنّ عدد الوفيات بسبب المجاعة قبل عام 2015 كانت 15 حالة، بينما وصل عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع خلال الأشهر العشرة الأولى من 2017 إلى 227 حالة وفاة. وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن 16 شخصاً على الأقل قضوا أثناء انتظارهم عمليات إخلاء طبي من منطقة الغوطة الشرقية. وقال يان إيغلاند، رئيس مجموعة العمل الإنساني التابعة للأمم المتحدة في سوريا إن «لائحة وُضِعَت قبل أشهر عدة تتضمن نحو 500 شخص في حاجة ماسَّة إلى إجلاء، يتقلص عددها بسرعة». وتابع: «الرقم ينخفض، ليس لأننا نقوم بإخلاء الناس، بل لأنهم يموتون»، وأضاف: «لدينا تأكيدات بوفاة 16 شخصاً من تلك اللوائح منذ إعادة تقديمها في نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما يكون العدد أعلى»، مسلِّطاً الضوء على وفاة طفل في 14 من الشهر الماضي وسط فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وقال: «أخشى أن يكون هناك المزيد. خلال فترة أعياد الميلاد هذه، سيكون هناك المزيد من الوفيات ما لم نبدأ عمليات الإخلاء». ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق أحد آخر معاقل الفصائل المسلحة التي تحاصرها قوات الرئيس بشار الأسد.
وقال إيغلاند إن «عمليات الإجلاء والجهود لإدخال مساعدات إلى المنطقة متوقفة لعدم الحصول على موافقة السلطات السورية»، وأكد: «هذا يجب أن يتوقف». وقال: «كيف نشعر بالأمان والسلام في أعياد الميلاد... في حين أكثر الناس براءة في هذا النزاع يموتون؟!». وتابع أنهم «يموتون ليس لعدم وجود مواد إغاثة، أو لأنه لا أحد يرغب في التوجه إلى هناك... بل لأنهم جزء من لعبة نفوذ».
ولم تستثنِ قوات النظام في غاراتها المرافق الحيوية والخدمية بالغوطة، حيث استهدف المدارس والمراكز الصحية، واضطر الطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم اعتباراً من نوفمبر الماضي. وأدّت غارة نفذتها مقاتلات النظام في 31 أكتوبر الماضي، على مدرسة في بلدة جسرين، إلى مقتل 5 مدنيين بينهم 3 طلاب، وبعدها في 25 نوفمبر استهدف حديقة لدار أيتام.



هل تواجه مصر أزمة غاز بعد غلق الحقول الإسرائيلية؟

اجتماع مجلس الوزراء المصري لبحث الاستعدادات لتوفير الطاقة في ظل الحرب على إيران (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري لبحث الاستعدادات لتوفير الطاقة في ظل الحرب على إيران (مجلس الوزراء)
TT

هل تواجه مصر أزمة غاز بعد غلق الحقول الإسرائيلية؟

اجتماع مجلس الوزراء المصري لبحث الاستعدادات لتوفير الطاقة في ظل الحرب على إيران (مجلس الوزراء)
اجتماع مجلس الوزراء المصري لبحث الاستعدادات لتوفير الطاقة في ظل الحرب على إيران (مجلس الوزراء)

أثار إعلان إسرائيل إغلاق حقول الغاز وإيقاف صادراتها إلى مصر تساؤلات بشأن إمكانية مواجهة القاهرة أزمة، وسط توجيهات حكومية مصرية بضمان «أرصدة استراتيجية آمنة» لجميع المنتجات البترولية.

وبينما أكد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر اعتمدت منذ سنوات «استراتيجيات بديلة» لتوفير الغاز، حذروا من طول أمد الحرب، وما قد يستتبعه من تداعيات على سوق النفط العالمية.

وأعلن المتحدث باسم وزارة الطاقة الإسرائيلية، السبت، أن بلاده أوقفت صادرات الغاز إلى مصر. كما وجهت وزارة الطاقة الإسرائيلية بإغلاق مؤقت لأجزاء من خزانات الغاز الطبيعي في البلاد، شملت إغلاق حقل ليفياثان للغاز قبالة سواحل إسرائيل، الذي تديره شركة «شيفرون».

ولبحث موقف استعدادات قطاع الطاقة خلال المرحلة المقبلة في ضوء التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة والحرب على إيران، وتأمين إمدادات السوق المحلية من الغاز والمنتجات البترولية، عقد رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماعاً مع وزراء المالية والكهرباء والبترول.

وشدد مدبولي خلال اللقاء على «الأهمية القصوى للحفاظ على أرصدة استراتيجية آمنة من المنتجات البترولية لمختلف الاستخدامات، وتوفير التمويل والاعتمادات المالية اللازمة لاستكمال المشروعات في قطاع الطاقة، باعتبار أمن الطاقة من الركائز الأساسية للأمن القومي»، بحسب إفادة رسمية لرئاسة الوزراء.

«خطوات استباقية»

وخلال الاجتماع، عرض وزير البترول والثروة المعدنية كريم بدوي ما وصفه بـ«الخطوات الاستباقية» التي نفذتها وزارة البترول بالتنسيق مع الوزارات ومؤسسات الدولة المعنية لـ«ضمان تلبية مختلف الاحتياجات، وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات».

وأكد بدوي وجود تنوع في مصادر الإمداد من الغاز إلى جانب الإنتاج المحلي، وقدرات بديلة جاهزة من خلال التعاقد على شحنات من الغاز الطبيعي المسال من مصادر متنوعة، وإبرام اتفاقيات طويلة الأجل، واتفاقات توريد مع شركات عالمية»؛ فضلاً عن «تأسيس وتجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات من الغاز المسال، واستقدام وتشغيل سفن التغييز، بالتوازي مع مواصلة دعم زيادة الإنتاج المحلي من خلال انتظام سداد مُستحقات الشركاء بما يُعزز أنشطة الاستكشاف والإنتاج»، وفق البيان.

وشدد بدوي على «الجاهزية الكاملة لتأمين إمدادات الغاز اللازمة لقطاع الكهرباء بالكميات المطلوبة، سواء لاستخدامات المواطنين او احتياجات القطاعات الإنتاجية». وقال إن «الوزارة تعمل كذلك على زيادة الكميات المتاحة من المنتجات البترولية، والحفاظ دوماً على أرصدة استراتيجية بمستويات آمنة من البنزين والسولار والبوتاجاز وغيرها من المنتجات».

سفينة الحفر «STENA ICEMAX» عقب وصولها إلى مصر لبدء تنفيذ برنامج شل لحفر 4 آبار جديدة للغاز بالبحر المتوسط (أرشيفية - وزارة البترول)

وعانت مصر أزمة في إمدادات الغاز في صيف 2024 دفعتها لتنفيذ خطة لـ«تخفيف استهلاك الكهرباء» بقطع التيار ساعتين يومياً على الأقل في معظم المحافظات، قبل أن تحل الأزمة عام 2025.

تنويع المصادر

ويرى خبير الاقتصاد والطاقة المصري جمال القليوبي أن الاتفاق مع إسرائيل اتفاق تجاري قابل للتوقف في أي لحظة لا سيما مع التصعيد المستمر، مشيراً في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن مصر بعد تراجع إنتاج الغاز عامي 2023 و2024 بدأت اعتماد استراتيجية لتنويع مصادر الغاز، وأبرمت تعاقدات عدة، العام الماضي، واستقدمت سفناً للتغييز بهدف ضمان تلبية احتياجات السوق المحلية وعدم تأثرها بأي مستجدات.

وتستورد مصر الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم تعديله في الآونة الأخيرة لينص على توريد 130 مليار متر مكعبة من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040، بمعدل يومي قدره 1.8 مليار قدم مكعبة.

وفي رأي الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة، فإن إغلاق حقوق الغاز الإسرائيلية لن يؤثر على مصر على المدى القصير. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «مصر نوعت مصادر الغاز، وتعاقدت على شحنات من دول عدة لضمان تلبية احتياجات السوق».

والشهر الماضي، أعلنت «قطر للطاقة» التوصل لاتفاقية مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» لتوريد 24 شحنة من الغاز الطبيعي المسال لمصر خلال صيف عام 2026.

تعزيز الجاهزية

تبلغ احتياجات مصر اليومية من الغاز الطبيعي نحو 6.2 مليار قدم مكعبة، ويقدر الإنتاج حالياً بنحو 4.2 مليار قدم مكعبة يومياً. وتوقع رئيس الوزراء المصري، في تصريحات صحافية، أن يصل إنتاج الغاز في البلاد إلى 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2027.

ومع بدء التصعيد العسكري ضد إيران أثيرت تساؤلات بشأن قدرة مصر على الوفاء باحتياجاتها من الغاز والمنتجات البترولية، لتعلن وزارة الدولة للإعلام، السبت، عن بيان مرتقب لوزارة البترول «يوضح بدقة وشفافية انعكاسات الأزمة الإقليمية الحالية على أوضاع البترول والغاز في مصر ومصادرها».

وبالفعل، أشارت وزارة البترول في بيانها إلى «حزمة من الخطوات الاستباقية نفذتها الوزارة لتأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية»، بما يضمن تلبية الاحتياجات وتعزيز الجاهزية للتعامل مع أي مستجدات، خصوصاً في ظل التطورات الجيوسياسية والإقليمية المتسارعة.

لكن هذه الإجراءات ربما لن تكون كافية حال طالت الحرب، وحذر القليوبي وبدرة من تداعيات إطالة أمد الحرب على سوق النفط في العالم.

وقال القليوبي: «السيناريو الأكثر تشاؤماً هو توقف إمدادات النفط في العالم بسبب تأثر حركة الملاحة العالمية بالتصعيد العسكري الحالي». بينما أبدى بدرة تخوفه من تأثير ذلك على الأسعار، متوقعاً «زيادة أسعار النفط عالمياً؛ ما سيؤدي بالتبعية إلى ارتفاع فاتورة استيراد النفط والغاز في مصر».


ملك الأردن: «الاعتداء الإيراني» على دول عربية ينذر بتوسيع دائرة الصراع

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)
TT

ملك الأردن: «الاعتداء الإيراني» على دول عربية ينذر بتوسيع دائرة الصراع

العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)
العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني (رويترز)

حذّر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الأحد، من أن «الاعتداء الإيراني» على بلاده وسلطنة عُمان وعدد من الدول العربية «ينذر بتوسيع دائرة الصراع» في المنطقة، في ظل الهجوم الذي تشنّه الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وقال بيان صادر عن الديوان الملكي إن الملك شدّد خلال اتصال هاتفي مع سلطان عُمان هيثم بن طارق على أن «الاعتداء الإيراني على أراضي المملكة وسلطنة عُمان وعدد من الدول العربية ينذر بتوسيع دائرة الصراع».

كما حذّر الملك في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر من «تداعيات هذه الاعتداءات على أمن المنطقة واستقرارها»، مؤكداً أن «التطورات الإقليمية الراهنة تتطلب تحركاً فاعلاً من المجتمع الدولي لخفض التصعيد»، بحسب بيان ثانٍ للديوان الملكي.

وجدد الملك عبد الله الثاني موقف بلاده الرافض لأن يكون الأردن «ساحة حرب لأي صراع»، بعدما أعلنت القوات المسلحة تصدي الدفاعات الجوية لعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وكان الجيش الأردني أعلن، السبت، أن دفاعاته الجوية تعاملت مع 49 صاروخاً باليستياً وطائرة مسيّرة، تصدّت لـ13 منها وأسقطت مسيّرات منذ بدء الهجوم، مشيراً إلى أضرار مادية من دون تسجيل إصابات بشرية، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

كما أفادت مديرية الأمن العام بسقوط 54 جسماً وشظية في محافظات عمّان والزرقاء وجرش ومأدبا وإربد وغرب البلقاء، من دون وقوع إصابات.


مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية
TT

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

مصر تتضامن مع دول عربية تعرّضت لضربات إيرانية

أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالات هاتفية مع قادة وزعماء دول عربية تعرضت لضربات إيرانية السبت، مؤكداً موقف مصر الرافض لأي اعتداء على سيادة الدول العربية، ومشدداً على تضامن بلاده الكامل مع «الدول الشقيقة التي تعرضت للاعتداءات».

وحسب المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، فإن السيسي «جدد التأكيد على ضرورة تكثيف الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء التوتر»، مشدداً على «أن الحلول السياسية والدبلوماسية هي السبيل الأمثل لتجاوز الأزمات».

كما أجرى السيسي اتصالاً هاتفياً بالعاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، على ضوء الهجوم الإيراني على أراضي الأردن، وعبر عن تضامن مصر مع المملكة الأردنية، مشدداً على «رفض مصر وإدانتها البالغة التعدي على سيادة وأمن واستقرار الدول العربية». كما أكّد السيسي «خطورة هذه الانتهاكات التي تُهدد بزعزعة أمن واستقرار المنطقة بأسرها، وبانزلاق المنطقة نحو حالة من الفوضى».

وكذلك، أجرى السيسي اتصالاً هاتفياً بالملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك مملكة البحرين، عبّر فيه عن تضامن مصر مع المملكة في أعقاب الاعتداء الإيراني الذي استهدف أراضيها.

من جانبه، شدد الملك حمد بن عيسى آل خليفة «على أهمية التنسيق العربي المشترك لمواجهة التحديات الراهنة وصون الأمن القومي العربي».

وأجرى السيسي اتصالاً مع الشيخ محمد بن زايد، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، أكد خلاله تضامن مصر مع دولة الإمارات، وطالب «بضرورة العودة للاحتكام للحوار والدبلوماسية للتوصل إلى حلول سياسية للأزمة الراهنة»، مشدداً على أن الحلول العسكرية «لن تُحقق مصالح أي طرف، وتنذر بإدخال المنطقة في دائرة مفرغة من العنف وعدم الاستقرار وإراقة الدماء، وهو ما يتعارض مع تطلعات شعوب المنطقة».

كما تابع السيسي تداعيات الضربات الإيرانية التي طالت دولة قطر خلال اتصال هاتفي مع الأمير تميم بن حمد، ودعا إلى ضرورة تكثيف التحرك الدولي والإقليمي لاحتواء التوتر.

وكانت مصر قد أدانت، السبت، استهداف إيران «وحدة وسلامة أراضي دول عربية وانتهاك سيادتها»، وحذّرت من انزلاق المنطقة بأسرها إلى «حالة الفوضى الشاملة».

وأعربت «الخارجية المصرية»، في بيان لها، عن قلقها من «التصعيد العسكري الخطير الذي تشهده المنطقة، وما ينطوي عليه من مخاطر توسيع رقعة الصراع وانزلاق المنطقة بأسرها إلى حالة من الفوضى الشاملة التي ستكون لها، دون شك، تداعيات كارثية على الأمن والاستقرار والسلم الإقليمي والدولي».