أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

{الشرق الأوسط} تنشر شهادات عن حياة 400 ألف شخص شرق العاصمة السورية

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)
TT

أهالي غوطة دمشق «أحياء وأموات» بسبب الحصار... والقصف

بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس  (أ ف ب)
بعد غارة على عربين في غوطة دمشق امس (أ ف ب)

«أحياء، لكننا أموات» عبارة يقولها أهالي الغوطة الشرقية لدمشق عن الوضع الإنساني المرير الذي وصلوا إليه، جراء الحصار المطبق الذي تفرضه قوات النظام منذ نحو أربع سنوات وقصفه المتواصل لهم.
أبو حسين، وهو أب لثلاثة أولاد، يروي لـ«الشرق الأوسط» تفاقم معاناته بعد لجوئه إلى بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، إثر سيطرة النظام قبل أكثر من عام على بلدته، ويقول: «منذ أن سيطر النظام على بلدتنا وتهجيرنا لم أستطع أن أعمل أي عمل بسبب عدم وجود فرص عمل في المنطقة، خاصة أن معظم الأراضي الزراعية حرمنا النظام منها، وكنا نعيش على بعض المساعدات التي كانت تقدمها لنا الجمعيات الإغاثية، ولكن الآن توقفت معظم هذه المساعدات بسبب تشديد الحصار علينا».
ألم ووجع أبو حسين، يزداد بسبب «بقاء أطفاله على وجبة واحدة خلال ثلاثة أيام، ونومه على صوت بكائهم من شدة الجوع»، ويؤكد: «معظم طعامهم هو الفجل والملفوف حتى ربطة الخبز أو الرز والبرغل والتي تعتبر من المواد الأساسية لا يستطع تأمينها بسبب الأسعار المرتفعة».
وتعتبر غوطة دمشق الشرقية من أوائل المناطق التي شهدت حراكا مناهضا للنظام قبل نحو سبع سنوات، وتشكلت فيها فصائل معارضة مسلحة أبرزها «جيش الإسلام»، وتمكنت من طرد قوات النظام منها بعد معارك عنيفة مستمرة حتى اليوم.
وفي مقابل عجزه عن استعادة السيطرة على المنطقة، عمد جيش النظام وميليشياته إلى استهدافها بشتى أنواع الأسلحة، وفرض حصار على نحو 400 ألف مدني يعيشون فيها منذ عام 2013 وعمد إلى تشديده مؤخرا في إطار سياسة «الجوع أو الركوع» التي يتبعها إزاء المناطق الخارجة عن سيطرته.
محمد، وهو ناشط في مجال الإغاثة يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تشديد النظام للحصار المفروض على الغوطة الشرقية خلال المرحلة الماضية، ويوضح: «حتى المعبر الوحيد (معبر مخيم الوافدين) الذي كان النظام يسمح للتاجر المنفوش بإدخال مواد غذائية منه قام بإغلاقه»، قبل أن يلفت إلى أن النظام عندما سمح لشخص موال لدمشق بإدخال مواد غذائية من المعبر فرض إتاوة على تلك المواد التي يتم إدخالها تصل إلى 5 دولارات أميركية على الكيلوغرام الواحد، الأمر الذي أسهم تدريجيا برفع أسعار المواد الغذائية، ووصل سعر الكيلو الواحد من المواد الأساسية بين 7 - 8 دولارات، في حين لا يتجاوز دخل العائلة 75 دولارا شهريا، كما توجد عائلات لا يوجد لديها أي دخل شهري.
تدهور سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار بسبب الحرب، ويصل حاليا إلى 470 ليرة، بعد أن كان نحو 50 ليرة قبل الحرب، بينما بقيت المرتبات الشهرية للموظفين تراوح مكانها ما بين 50 إلى 75 دولارا، على حين تحتاج الأسرة المؤلفة من 5 أشخاص إلى نحو 800 دولار لتعيش على الكفاف.
وما يزيد من طين مأساة الأهالي في الغوطة الشرقية بلة، بحسب محمد هو «إحجام وتوقف الجمعيات والمشاريع الإغاثية والداعمين عن دعم تلك المشاريع بسبب الارتفاع الجنوني للأسعار»، ويوضح: «معظم الداعمين أو المتعاطفين مع القضية السورية أصبحوا يركزون على المناطق المحررة في جنوب وشمال البلاد كون الأسعار ما زالت على حالها وهي أقل بعشرة أضعاف عما هي عليه في الغوطة الشرقية».
ويبدو الفرق شاسعا بين الأسعار في مناطق سيطرة النظام وما هي عليه في الغوطة الشرقية، ذلك أن سعر الكيلوغرام الواحد من كل من الرز، السكر، البرغل في الأولى لا يتجاوز نصف دولار على حين يصل في الثانية إلى ما بين 7 إلى 8 دولارات.

فتات... وموت بطيء وسريع
بلهجة غلب عليها السخرية، يصف محمد المساعدات الأممية التي تدخل بين فترات متباعدة وبكميات قليلة إلى الغوطة الشرقية، بأنها «مجرد فتات». ويضيف: «لم تؤثر على الوضع المعيشي للعائلات كونها لا تصل إلى حد جزء بسيط من حجم اسم الأمم المتحدة ومنظماتها الإنسانية»، ويلفت إلى أنه «في الغوطة يوجد 75 ألف عائلة محاصرة، بينما يتم إدخال مساعدات أممية لا تتجاوز الخمسة آلاف سلة في كل عملية دخول أممي للغوطة».
بدوره عبد الله، وهو أحد نشطاء المجتمع المدني، يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «استنفاد العائلات لمخزونها النقدي جراء الحصار والمعاناة الكبيرة جدا التي تمر بها لتأمين الدخل مع الازدياد الكبير للمصاريف وفشل المشاريع التنموية في تحقيق أي أرباح وانعدام أي فرص عمل بسبب فقدان المواد الأولية وارتفاع أسعارها جراء الحصار».
وبحسب عبد الله، فإن «كل هذا الحال يبدو مجرد كلمات تعجز عن توصيف الواقع كما هو»، مؤكدا أن ما يجري هو «إبادة ممنهجة يتبعها النظام بحق الأهالي في الغوطة الشرقية»، ويعتبر أن «من يعيشون في داخل الغوطة أحياء في الشكل ولكنهم في الحقيقة أموات».
ومع مواصلة النظام وحلفائه استهداف الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة، فقدت الكثير من الأسر معيلها، ليأخذ هذا الدور الأطفال والنساء، فالطفل دياب شادي جمال الدين ابن العشرة أعوام متسرب من الدراسة بسبب الفقر وانعدام الإمكانيات وهو الأخ التوأم لعبد الرحمن المتسرب من المدرسة أيضاً والشقيق الحنون للطفلة هويدا التي لا يتجاوز عمرها السبع سنوات. ورغم صغر سن دياب، بات معيلا لأسرته إلى جانب أمه، ذلك أنه يضطر في معظم الأحيان رغم مرضه للعمل كأجير لدى أحد الباعة من أجل مساعدة والدته بتأمين معيشة الأسرة بعد أن قضى والده في بداية الحرب، ويبدو أن شدة المعاناة أطلقت لسانه بعبارات يعجز الكبار عنها، ويقول: «أمي باتت تهيم على وجهها مع لهاثها المتواصل لجلب الدواء وفي معظم الأحيان لا تتمكن من ذلك، لأن الأهم تأمين وجبة الطعام البسيطة والوحيدة في اليوم والتي حصرت موعدها بالساعة الرابعة مساءً وغالبا ما تكون من الأصناف المتوفرة بالسوق الشعبية مثل الملفوف المسلوق أو القرنبيط وبعيدة كل البعد عن الرز والبرغل» اللذين من الاستحالة تأمينهما في ظل الغلاء الفاحش، بينما توضح والدته أن دخل العائلة الوحيد هو ما تتقاضاه من كفالة الأيتام وهو غير قابل للزيادة ويبلغ 75 دولارا موزعة على الأطفال الثلاثة لكل منهم 25، لا تكاد تكفي ثمن الدواء الذي يتعاطونه بشكل مستمر.
ويعاني دياب من فشل كلوي منذ ولادته وخاصة كليته اليسرى، وهو بحاجة لرعاية طبية خاصة وتناول الدواء بشكل مستمر وتصل تكلفته ما يقارب 20 دولارا شهرياً، كما يحتاج إلى تغذية مستمرة من قبيل تناول الحليب والبيض والفواكه والبروتينات الحيوانية مثل اللحوم، الأمر الذي تقدر تكلفته بـ200 دولار شهريا ليصبح المجموع 220 شهريا، في حين كفالته الشهرية الحالية لا تتعدى 25 دولارا ما يدفع العائلة إلى العمل والتسول للحفاظ على حياتها بأقل الإمكانيات المتاحة.
شقيقته هويدا وهي من مواليد 2011 وبالصف الأول ومتفوقة بدراستها، ورغم صغر سنها إلا أنها تعاني من مرض السكري الذي أصيبت به منذ عامها الأول نتيجة الخوف الشديد الذي تعرضت له بسبب رمي عمها لها على الأرض أثناء هروبه من إحدى المداهمات التي كانت تشنها قوات النظام، وهي أيضا مثل أخيها بحاجة لتعاطي الدواء بشكل مستمر وهو عبارة عن إبرة أنسولين كل خمسة عشر يوماً.

هياكل عظمية
وتسبب منع قوات النظام دخول المواد الإغاثية والطبية إلى الغوطة الشرقية التي تبلغ مساحتها 104 كيلومترات مربعة، وتبعد نحو 10 كيلومترات فقط، عن مركز العاصمة دمشق، في قائمة لا تنتهي من الأمراض والآفات، وضحاياها غالبا من الأطفال والعجزة.
الطبيب أيمن يعمل في أحد المراكز الطبية يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن الحصار أثر سلبا بشكل كبير على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي، وأدى إلى فقدان معظم الأدوية الطبية وخاصة أدوية الأمراض المستعصية مثل السرطان والسكري وبعض الإصابات الذي سببها القصف الهمجي على الغوطة. ويقول: «تسوق بعض المنظمات الأممية إلى ضرورة إخلاء بعض الحالات الطبية الحرجة بينما في حقيقة الأمر نحتاج إلى فك الحصار وإدخال المواد الطبية باستمرار»، ويؤكد أنه «حتى عندما تقوم الأمم المتحدة بإدخال مساعدات للغوطة فالمواد الطبية التي تدخلها لا تكفي لبضعة أيام وتكون خاضعة لشروط النظام بمنع بعض الأنواع من الدخول».
ويضيف أيمن: «إننا أحيانا نقف عاجزين على فعل أي شيء أمام بعض الحالات الحرجة، كما أن قسما كبيرا من أطفال الغوطة يعانون من سوء التغذية وخاصة عند الأطفال حديثي الولادة حيث إن كثيرا من الأمهات هن في الأساس يعانين من سوء التغذية بسبب الحصار».
ولعل صورة الطفلة روان التي تزن 8 كيلوغرامات وهي في الثامنة من العمر وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، وموت الرضيعة سحر وهي في شهرها الأول، دليل واضح على معاناة أطفال الغوطة.
وحذرت منظمة «يونيسيف» التابعة للأمم المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي من أن هناك نحو 1200 طفل في الغوطة الشرقية يعانون من سوء التغذية الحاد، وهو أعلى مستوى سجل في سوريا منذ بدء الحرب. وتداول ناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي صورة رضيعة بدت أشبه بهيكل عظمي وقالوا إن «صحتها تدهورت كثيرا ما استدعى نقلها إلى العناية المشددة لكنها فارقت الحياة بسبب سوء التغذية».
هذه الأوضاع دفعت الناشطين في المنطقة إلى إطلاق حملة «الأسد يحاصر الغوطة» على مواقع التواصل الاجتماعي وعبر وسائل الإعلام المختلفة وذلك في أكتوبر الماضي. وتهدف هذه الحملة إلى نقل معاناة الغوطة وانعكاسات الحصار والتأكيد أن العالم يجب أن يقف أمام مسؤولياته تجاه نظام الأسد الذي يحاصر المدنيين.

وجبات النفايات
وأكد برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة في تقرير له، أن سكان الغوطة الشرقية المحاصرين يعانون من نقص شديد في الغذاء لدرجة أنهم يأكلون القمامة ويجبرون أطفالهم على التناوب في تناول الطعام. وأشار البرنامج إلى أن السكان تناولوا طعاما منتهي الصلاحية إضافة إلى علف الحيوانات والنفايات، وبقوا أياما من دون طعام وقاموا بأنشطة شديدة الخطورة للحصول عليه.
ولفت إلى حدوث الكثير من حالات الإغماء بين طلاب المدارس والمدرسين جراء الجوع، متوقعا أن يزداد الوضع سوءا خلال الأيام المقبلة مع نفاد الغذاء وتقلص استراتيجيات التكيف. وقال: إنه منذ سبتمبر (أيلول) الماضي اضطر نحو 175 ألف شخص في مدينة دوما على اتباع استراتيجيات للتكيف مع الوضع الطارئ، ويشمل ذلك البقاء لأيام دون غذاء، منوها إلى أنه رغم أن المنطقة زراعية، فإن الأراضي التي تصلح للزراعة على مشارف الغوطة الشرقية إما على خطوط القتال أو مستهدفة من قناصة قوات النظام والميليشيات الداعمة له. وأضاف التقرير أن 4 أشخاص على الأقل لقوا حتفهم من الجوع بما في ذلك طفل في دوما انتحر بسبب شح الطعام.
وما يفاقم من معاناة الأهالي حلول فصل الشتاء، بالتزامن مع سوء الأوضاع الإنسانية في المنطقة، وصعوبة الحصول على مصادر تدفئة، رغم بحث الأهالي عنها مع تواصل قصف قوات النظام للمنطقة بشكل يومي. ويقول نشطاء معارضون من المنطقة إن «الحالة المعيشية للمدنيين في الغوطة الشرقية زادت سوءاً مع قدوم فصل الشتاء، حيث تسبب القصف بدمار أجزاء كبيرة من الأحياء السكنية، وفقدت عشرات الأسر مأواها، كما لا يمكن للمدنيين البحث عن مصادر بديلة للتدفئة من قمامة أو بلاستك أو حطب، خوفاً من عمليات القصف والقنص المتكررة التي تنفذها قوات النظام». وتوضح مصادر، أن ارتفاع أسعار المحروقات ومصادر التدفئة في الغوطة، يمنع المدنيين من شرائها، ما دفع الكثير منهم إلى إحراق أثاث منازلهم ومقتنياتهم للحصول على القليل من الدفء الذي لا يكفي لعدة أيام.

خفض توتر شكلي
وفي مايو (أيار) الماضي دخلت الغوطة الشرقية ضمن اتفاق «خفض التوتر»، لتكون واحدة من أربع مناطق يفترض أن تتوقف فيها المعارك وتفتح إليها المعابر الإنسانية لإدخال المواد الغذائية والطبية وإخراج الحالات التي تحتاج إلى العلاج، وذلك وفق اتفاق ثلاثي أبرم بين روسيا وتركيا وإيران. غير أن ستة أشهر مضت والوضع في الغوطة الشرقية على ما هو عليه، بل ربما أسوأ، فالأهالي يهددهم الجوع والمرض نتيجة إطباق فكي حصار النظام على بلداتهم وقراهم.
أبو محمد، وهو قائد عسكري يؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أن دخول الغوطة ضمن مناطق «خفض التوتر» لم ينعكس إيجابا على الوضع الأمني فيها، حيث لم يلتزم النظام بالاتفاق وارتكبت قواته وحلفاؤها عدة مجازر منذ بدء سريان الاتفاق. ويضيف: «حتى الطائرات الروسية شاركت بالقصف الذي طال الغوطة رغم أن روسيا كانت الضامن لهذا الاتفاق، كما استخدم النظام وحلفاؤه أسلحة محرمة دوليا في القصف منها القنابل العنقودية والقنابل الارتجاجية والتي أدت إلى موت العشرات لا بل المئات من المدنيين، وقد لاحق القصف المدنيين ضمن الأقبية والملاجئ»، ليختم بالقول: «خفض التصعيد كان فرصة ليستغلها النظام من أجل التقدم على الأرض وليحقق مكاسب سياسية بتقدمه».
ولم يتوقف النظام وحلفاؤه عن قصف الأهالي في مدن وبلدات الغوطة الشرقية بشتى أنواع الأسلحة منذ بداية الأحداث، وأقدم على قصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية في 21 أغسطس (آب) عام 2013، ما أودى بحياة ألف شخص و400 شخص.
وتحول الرضيع كريم عبد الله الذي فقد عينه جراء قصف جوي لقوات النظام في أكتوبر الماضي لبلدة حمورية، إلى رمز لمعاناة سكان الغوطة الشرقية، بعد انطلاق حملة تضامنية معه على مواقع التواصل الاجتماعي، نشر خلالها كثيرون صورهم وهم يغطون عينهم في إشارة إلى إصابته. ووصلت الحملة إلى قاعة مجلس الأمن الدولي، حيث نشر سفير بريطانيا لدى الأمم المتحدة ماثيو رايكروفت صورة له على موقع «تويتر» وهو يغطي عينه بيده. وعلق رايكروفت على الصورة بقوله: «حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر من أن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال... فهذا هو ما نعنيه»، مضيفا: «يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية».
ونشر متضامنون مع كريم صوراً لهم ولأطفال يغطون أعينهم. وشارك في الحملة متطوعون من الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) في مناطق المعارضة، فضلاً عن عاملين في منظمات دولية وناشطين وصحافيين بينهم فريق التحرير في جريدة «بيلد» الألمانية اليومية.
وبحسب تقارير ونشطاء ومصادر طبية بريف دمشق، فإنّ 527 رضيعاً فقدوا حياتهم منذ عام 2014 بسبب المجاعة ونقص الأدوية الناجمة عن الحصار. وذكرت المصادر الطبية أنّ عدد الوفيات بسبب المجاعة قبل عام 2015 كانت 15 حالة، بينما وصل عدد الأطفال الذين ماتوا بسبب الجوع خلال الأشهر العشرة الأولى من 2017 إلى 227 حالة وفاة. وكانت الأمم المتحدة أعلنت أن 16 شخصاً على الأقل قضوا أثناء انتظارهم عمليات إخلاء طبي من منطقة الغوطة الشرقية. وقال يان إيغلاند، رئيس مجموعة العمل الإنساني التابعة للأمم المتحدة في سوريا إن «لائحة وُضِعَت قبل أشهر عدة تتضمن نحو 500 شخص في حاجة ماسَّة إلى إجلاء، يتقلص عددها بسرعة». وتابع: «الرقم ينخفض، ليس لأننا نقوم بإخلاء الناس، بل لأنهم يموتون»، وأضاف: «لدينا تأكيدات بوفاة 16 شخصاً من تلك اللوائح منذ إعادة تقديمها في نوفمبر (تشرين الثاني)، وربما يكون العدد أعلى»، مسلِّطاً الضوء على وفاة طفل في 14 من الشهر الماضي وسط فشل الجولة الأخيرة من مفاوضات جنيف. وقال: «أخشى أن يكون هناك المزيد. خلال فترة أعياد الميلاد هذه، سيكون هناك المزيد من الوفيات ما لم نبدأ عمليات الإخلاء». ومنطقة الغوطة الشرقية قرب دمشق أحد آخر معاقل الفصائل المسلحة التي تحاصرها قوات الرئيس بشار الأسد.
وقال إيغلاند إن «عمليات الإجلاء والجهود لإدخال مساعدات إلى المنطقة متوقفة لعدم الحصول على موافقة السلطات السورية»، وأكد: «هذا يجب أن يتوقف». وقال: «كيف نشعر بالأمان والسلام في أعياد الميلاد... في حين أكثر الناس براءة في هذا النزاع يموتون؟!». وتابع أنهم «يموتون ليس لعدم وجود مواد إغاثة، أو لأنه لا أحد يرغب في التوجه إلى هناك... بل لأنهم جزء من لعبة نفوذ».
ولم تستثنِ قوات النظام في غاراتها المرافق الحيوية والخدمية بالغوطة، حيث استهدف المدارس والمراكز الصحية، واضطر الطلاب إلى التوقف عن الذهاب إلى مدارسهم اعتباراً من نوفمبر الماضي. وأدّت غارة نفذتها مقاتلات النظام في 31 أكتوبر الماضي، على مدرسة في بلدة جسرين، إلى مقتل 5 مدنيين بينهم 3 طلاب، وبعدها في 25 نوفمبر استهدف حديقة لدار أيتام.



لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
TT

لماذا تريث الحوثيون رغم احتدام الحرب على إيران؟

عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)
عنصر حوثي في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء يقبل صورة خامنئي (أ.ف.ب)

في 28 فبراير (شباط) 2026، دخلت المنطقة فصلاً جديداً من التاريخ، فبينما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مفتوحة على إيران، كانت الضربة الأولى استثنائية بكل المقاييس، إذ تمت تصفية المرشد الإيراني علي خامنئي، مع العشرات من كبار قادته العسكريين.

لم تشهد الحرب التي شنتها أميركا وإسرائيل كثيراً من المفاجآت؛ فمنذ أول أيامها 28 فبراير 2026، قضت على المرشد الإيراني علي خامنئي.

وتركت الأحداث التي دخلت أسبوعها الثاني، تساؤلاً: لماذا تريث الحوثيون في الانضمام إلى الأذرع الإيرانية الأخرى بلبنان والعراق إلى المعركة؟

يُطرح السؤال والإقليم يشهد تطوراً غير مسبوق من الصدام، تطايرت خلاله الصواريخ الإيرانية باتجاه إسرائيل ودول الخليج العربي وأماكن أخرى، كما توالت الضربات الأميركية والإسرائيلية على مدار أسبوع كامل، وسط توقعات باتساع مدة المواجهة.

وكان من اللافت أن أقوى أذرع إيران وأكثرها قدرة على إيذاء المصالح الغربية والإسرائيلية - وهي الجماعة الحوثية في اليمن - لا يزال في موقع المتفرّج حتى الآن، بخلاف «حزب الله» اللبناني وبعض الفصائل العراقية الموالية لإيران التي انخرطت في الصراع.

فبعد الهجمات الحوثية الجوية والبحرية التي استمرت نحو عامين، والتي أطلقت خلالها الجماعة أكثر من ألف مسيرة وصاروخ باتجاه إسرائيل والسفن في البحر الأحمر، اكتفى زعيمها عبد الملك الحوثي بالدعوة للتظاهر في صنعاء وإدانة مقتل خامنئي، والتلويح بأن أيادي جماعته «على الزناد» بحسب مقتضيات التطورات، وفق تعبيره.

الحوثيون دخلوا في حسابات صعبة حالت دون دخولهم حتى الآن في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ومع تزاحم الأسئلة في الأوساط السياسية والشعبية باليمن، بل وفي الأوساط الدولية حول طبيعة هذا الموقف الحوثي، تتباين التفسيرات حول أسباب موقف الجماعة التي جاءت سمعتها في الأساس على أنها «اليد الإيرانية» في جنوب الجزيرة العربية.

الصدمة وقنوات الاتصال

أول الأسباب يرجعه محللون إلى الارتباك وليس التكتيك في إدارة المعركة.

يقول الباحث والأكاديمي اليمني فارس البيل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «عدم دخول الحوثيين إلى الحرب حتى اللحظة، ليس تكتيكاً في تقديري بقدر ما هو ارتباك في إدارة المعركة، من جهة النظام الإيراني، نتيجة الضربة المفاجئة والكبيرة التي أصابت النظام باستهداف المرشد في أول لحظة، وقيادات كبرى، واستهداف القدرات العسكرية والعملياتية في الساعات الأولى».

ويستدل الباحث بسير المعركة لدى النظام الإيراني نفسه، الذي يرى أنه بدا في حالة فوضى وردات فعل غير مدروسة، واصفاً إطلاق الصواريخ بأنه «نوع من الفوضى العملياتية المنفلتة، ما يعني أن العصب العسكري والهيكلية العسكرية تعرضا للخلخلة وافتقاد زمام المبادرة والتماسك».

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء خلال مظاهرة داعمة لإيران (إ.ب.أ)

يؤكد هذا الطرح الباحث اليمني في مركز صنعاء للدراسات توفيق الجند، مشيراً إلى مشكلة تنظيمية قد تكون السبب الرئيسي في الصمت الحوثي، ويقول: «يبدو أن قنوات الاتصال التنسيقية الحوثية قد فقدت الاتصال بطهران لتلقي التوجيهات العاجلة بناء على تطورات القصف الأميركي - الإسرائيلي».

ويتفق معهما الباحث اليمني عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، موضحاً أن «انخراط الجماعة الحوثية تحكمه عدة عوامل تخضع للنقاش والتقييم المستمر بشكل يومي ضمن غرفة عمليات المحور وقنوات الاتصال العسكرية».

ومن بين هذه العوامل، بحسب الجبرني، إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على إسقاط النظام في إيران.

ويعود البيل بالقول إن «الأوضح هو موقف وتردد الحوثيين حتى الآن. ضبابية التصرف تسيطر عليهم، لا يعرفون ما يقولونه بشكل واضح. بدا هذا التعثر والارتباك حتى في بيانات الحوثي، بلا موقف واضح ولا حتى اتضاح خطط مقبلة، ما يعني أنه لم يتلقَّ التعليمات الكاملة حتى الآن، وأن حلقات تواصل وتوجيه قد فقدت، فبدا الحوثي كما لو أنه لا يعرف ماذا يفعل».

اختلاف الأجنحة والضغوط الداخلية

من زاوية مختلفة، يذهب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض صالح البيضاني، إلى الحديث عن معركة موازية تدور داخل أروقة الجماعة الحوثية. ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن هناك تياراً يدفع باتجاه الانخراط المباشر في المواجهة واستئناف العمليات بالبحر الأحمر.

ويستدل على ذلك بأنه «قد جرى بالفعل تسريب خبر يفيد باستئناف الهجمات قبل أن يسارع جناح آخر داخل الجماعة إلى نفيه، في مشهد يعكس حالة من التخبط والارتباك».

ويشير البيضاني إلى وجود عامل خارجي مؤثر، إذ يعتقد أن الحوثيين «تلقوا نصائح إقليمية من وسطاء إقليميين بعدم التدخل في هذه المرحلة، وانتظار نتائج المواجهة خلال الأيام المقبلة».

زعيم الحوثيين اكتفى بالتعزية في خامنئي والمساندة الإعلامية والدعوة للتظاهر (إ.ب.أ)

من جهته، يرى الباحث اليمني في شؤون الإعلام والاتصال صادق الوصابي، أن الحوثيين يدركون أن «توقيت الانخراط الكامل في هذه الحرب ليس في صالحهم، وقد يفتح عليهم أبواباً يصعب إغلاقها».

وأوضح الوصابي لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة «تعيش أصلاً في ظل هشاشة اقتصادية كبيرة بمناطق سيطرتها، وتعاني من آثار الضربات التي تلقتها مؤخراً، سواء على مستوى القدرات العسكرية أو البنية التحتية».

وأضاف أن أحد أبرز عناصر قوة الجماعة، وهو الدعم الإيراني العسكري والمالي واللوجيستي، «لم يعد بالحجم نفسه»، في ظل الضغوط التي تواجهها طهران نتيجة الضربات والأزمات المتسارعة التي تمر بها.

حسابات البقاء

يقدم توفيق الجند قراءة تربط الموقف الحوثي بحسابات وجودية، إذ يرى أن الرد الحوثي بدأ نظرياً وكلامياً عبر خطابات زعيم الجماعة، لكنه يستدرك بالقول إن «الموقف هذه المرة مختلف لعدة أسباب؛ منها أن الحوثي لا يريد الظهور مدافعاً عن إيران، حتى لا يخسر سردية دفاعه عن غزة التي كانت أصلاً دعماً لطهران في إطار محور المقاومة»، وفق تقديره.

ويقرأ الجند مفارقة لافتة، ولا يستبعد أن الحوثيين قد يرون أنفسهم «رأسمال جوهرياً» يُبنى عليه مستقبلاً، «ربما بوصفه حاضنة لمحور المقاومة إن تعرضت إيران و(الحرس الثوري) لضربات لا تسمح باستئناف نشاط مبكر من إطارها الجغرافي، والتحول إلى ميليشيات إقليمية قد تكون جبال اليمن مقراً لها».

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ف.ب)

ويخلص إلى احتمال أنه «إذا فكرت الجماعة بطريقة نفعية، ونظراً لحجم الهجمات التي تتلقاها طهران، فالجماعة قد لا تفكر سوى بحبل النجاة، واستثمار خسائر طهران لرفد قدراتهم البشرية والتسليحية بوصف ذلك ملاذاً لبقايا قوة الدولة المارقة، ليرى عبد الملك الحوثي نفسه (خامنئي) جديداً على المذهب الزيدي هذه المرة».

ويضيف الجند بالقول إن «الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران كان قوياً، والحوثيون خائفون على أنفسهم أكثر من أي وقت مضى بالنظر إلى ما حدث للمرشد الإيراني وكبار قادته، ومن قبله ما حدث لحسن نصر الله وكبار قادة حزبه، ناهيك بالضربات الموجعة التي تعرضت لها الجماعة نفسها».

التقدير الاستراتيجي

بين هذه القراءات، يرى المحللون أن الحوثيين يخضعون لتقييم يومي داخل «غرفة عمليات المحور». يقول عدنان الجبرني إن الجماعة «جاهزة للتدخل منذ اليوم الأول»، مشيراً إلى أن تأخرها يعود إلى تقديرات إيرانية تتعلق بتطور الحرب وضرورة ضمان استدامة العمليات العسكرية، من دون استنفاد جميع أوراق الضغط دفعة واحدة.

ويضيف أن الموقف قد يتغير في حال تعرض «حزب الله» لضربة قاسية نتيجة انخراطه في إسناد إيران، أو إذا تعرض الحوثيون أنفسهم لضربة استباقية، مؤكداً أنه «حتى في حال لم يتحقق أي من هذه العوامل، وطلبت إيران تدخل الحوثي، فلن يتردد».

ويرى الباحث والاستشاري في شؤون الأمن الإقليمي والدفاع والحرب والسلام، إبراهيم جلال، أن السياق الاستراتيجي للحرب يجعل انخراط الحوثيين في صف إيران احتمالاً قائماً بقوة.

موالون للجماعة الحوثية في صنعاء يرفعون صور خامنئي خلال مظاهرة دعا إليها زعيمهم (رويترز)

وقال جلال لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران أنشأت ما يُعرف بمحور المقاومة «لهذه اللحظة التاريخية بالذات، لحمايتها حين تتهاوى عقيدة الدفاع المتقدم ويتفكك طوق الميليشيات الممتد من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر».

وأضاف أن الحوثيين «ليسوا حالة خاصة خارج هذا المسار»، مرجحاً أن ينضموا إلى المواجهة بعد انخراط «حزب الله» اللبناني وبعض الميليشيات العراقية. وتساءل: «هل يمكن أن يكون هؤلاء أوفى لطهران من الحوثيين؟».

هل يُتّخذ قرار الحرب؟

يرى جلال أن التطورات الحالية تمثل «لحظة فارقة في مسار الحركة الحوثية العابرة للحدود، فإما أن يؤكد الحوثيون عمقهم الآيديولوجي ضمن المحور، أو يختاروا التنازل عن إيران التي أنهكت فعلاً خلال الجولة الأخيرة».

ويرجح فارس البيل أن دخول الحوثيين في الحرب سيعتمد على ما تبقى من قدرة لدى النظام الإيراني في إدارة المعركة في الأيام المقبلة، مشدداً على أن «الحوثي سيدفع به إلى ممارسة أي عمل عسكري، باعتباره استثماراً طويلاً ومكلفاً لدى النظام الإيراني، ولن يوفره في لحظات نزعه الأخير».

عنصر أمن حوثي في صنعاء يحمل العلم الإيراني (رويترز)

من جهته، يشير البيضاني إلى أن الكفة تميل حتى الآن لصالح الجناح الحوثي المطالب بالمشاركة في المواجهة، خصوصاً بعد تجاوز الصدمة، ويقول: «مع شروع كل من (حزب الله) العراقي و(حزب الله) اللبناني في الانخراط في القتال، لا يستبعد أن يعلن الحوثيون مشاركتهم ما لم تطرأ تطورات متسارعة في طهران، مثل اندلاع احتجاجات شعبية واسعة، أو وقوع انشقاقات كبيرة داخل (الحرس الثوري)».

ويرى صادق الوصابي أن الحوثيين قد يلجأون إلى تحركات محدودة لإظهار استمرارهم ضمن المحور؛ مثل تنفيذ هجمات في البحر الأحمر أو إطلاق مسيّرات باتجاه إسرائيل، محذراً من أن أي تورط قد يغير حسابات الأطراف الأخرى.

ويقول: «الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها، قد يجدان في ذلك فرصة للضغط على الجماعة سياسياً وعسكرياً، خصوصاً إذا ارتبطت تحركات الحوثيين بشكل مباشر بتهديد الملاحة الدولية، أو أمن المنطقة».

لكنه يقرّ بأن «أي خطوة من هذا النوع قد تكون لها تبعات خطيرة على اليمن، خصوصاً في ظل الوضع الإنساني والاقتصادي المأساوي الذي يعيشه السكان».

وكان المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، شدد على أهمية حماية البلاد من الانجرار إلى دورة جديدة من المواجهات الإقليمية، محذراً من أنه «ليس من حق أي طرف جرّ اليمن إلى صراع أوسع يعرّض اليمنيين لمزيد من المعاناة».

وفي وسط هذه التحليلات، يرجح المراقبون للشأنين اليمني والإقليمي، أن الحوثيين في حال قرروا استئناف هجماتهم البحرية، أو شن صواريخ باتجاه إسرائيل، فإن الرد الأميركي والإسرائيلي سيكون أكثر عنفاً هذه المرة، وبخاصة أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرب وجود مع إيران نفسها، فضلاً عن تعقيدات الداخل اليمني نفسه والمحيط الإقليمي وردود الفعل المتوقعة.


مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.