النمساوي برودل يخشى سيطرة التجارة على الكرة الإنجليزية

مدافع واتفورد المنتمي إلى عائلة كروية تعشق العمل في تصنيع الأثاث

برودل يحتفل بأحد أهدافه مع واتفورد في الدوري الإنجليزي  -  برودل قلق على مستقبل الكرة الإنجليزية
برودل يحتفل بأحد أهدافه مع واتفورد في الدوري الإنجليزي - برودل قلق على مستقبل الكرة الإنجليزية
TT

النمساوي برودل يخشى سيطرة التجارة على الكرة الإنجليزية

برودل يحتفل بأحد أهدافه مع واتفورد في الدوري الإنجليزي  -  برودل قلق على مستقبل الكرة الإنجليزية
برودل يحتفل بأحد أهدافه مع واتفورد في الدوري الإنجليزي - برودل قلق على مستقبل الكرة الإنجليزية

تشتهر عائلة المدافع النمساوي سيباستيان برودل بالعمل في مجالين مختلفين تماماً. يتمثل الأول، والذي بدأ في سوريا قبل جيلين عن طريق جوزيف برودل، في تصميم المطابخ الراقية وإنتاجها، أما المجال الآخر فهو كرة القدم. يعد سيباستيان برودل هو أفضل لاعبي نادي واتفورد الإنجليزي خلال الموسم الحالي، كما لعب شقيقه ماتياس في الدوريات الأقل من الدوري الممتاز في النمسا، قبل أن يعتزل العام الماضي، وتلعب ابنة عمه، فيكتوريا شنادربيك، لنادي بايرن ميونيخ ومنتخب النمسا للسيدات. وهناك أيضاً ابن عمه جيسون كيكر، الذي يبلغ من العمر 20 عاماً، ويلعب في مركز حراسة المرمى ويحاول احتراف كرة القدم، إضافة إلى ابن عم ثالث كان يلعب بفريق الشباب بأحد أندية الدوري النمساوي الممتاز، لكن الإصابة وضعت حداً لمسيرته في عالم كرة القدم.
يقول برودل: «في حقيقة الأمر، أنا لا أعرف كيف حدث ذلك، لكننا نفكر دائماً في كرة القدم ولا نتوقف عن الحديث عنها. ربما عندما كنا صغاراً كنا نلعب معاً، ومن هنا بدأ عشقنا للعبة».
وعلى عكس كثير من لاعبي كرة القدم، لا يمثل اعتزال اللعبة هاجساً كبيراً لبرودل، أو يجعله يشعر بالخوف والقلق من المستقبل؛ لأنه سيتجه مباشرة إلى المجال الآخر الذي تعمل به العائلة وهو صناعة المطابخ. يقول برودل: «كنت سأعمل بالفعل في هذا المجال لو لم أحترف كرة القدم، وأنا أفكر بالطبع فيما سيحدث عندما أعتزل. لقد نشأت مع هذه الصناعة وعائلتي بالكامل تعمل في هذه الشركة؛ ولذا فأنا أهتم كثيراً بصناعة الأثاث والتصميمات الداخلية للمنازل، وبخاصة المطابخ، وأفكر في الانضمام إلى الشركة. أنا لا أعرف على وجه التحديد طبيعة عملي في هذه المهنة، لكني أشعر بأنني أريد أن أكون جزءاً منها».
ويضيف برودل: «عندما أشتري شقة، فأنا أسعى لأن أكون جزءاً منها. لا أريد أن أستعين بمصمم ديكور وأطلب منه القيام بهذا أو ذاك. أنا أريد أن أتعلم مثل هذه الأشياء، وأن أشعر بها؛ ولذا أتصفح مجلة «ديزاين ويك» لكي أرى قطع الأثاث الجديدة، لكنني أهتم أيضاً بالتصميمات الكلاسيكية ومصممي الأشياء الكلاسيكية. أنا أعشق أيضاً تجميع قطع الأثاث التي تنال إعجابي، وأريد أن أقضي وقتي في ذلك عندما أعتزل كرة القدم. وفي الوقت الحالي، أقوم بتجميع اللوحات الفنية وليس قطع الأثاث؛ لأنه من السهل تجميع اللوحات والصور والأشياء المتعلقة بموسيقى البوب».
ولد برودل في ريف سوريا قبل ثلاثين عاماً، وانضم إلى نادي شتورم غراتس النمساوي، وقضى سبع سنوات مع نادي فيردر بريمن الألماني قبل أن ينتقل إلى نادي واتفورد في صفقة انتقال حر عام 2015، ويقيم الآن في ضاحية هامستيد بالعاصمة لندن بالقرب من صديقة وزميله السابق في فيردر بريمن، بير ميرتساكر. يقول برودل: «لم يسبق لي العيش في مدينة كبرى؛ ولذا كنت أتمنى حدوث ذلك، وقلت لنفسي إنه لو أتيحت لي فرصة العيش في مدينة كبرى فسوف أفعل ذلك. وجاءتني الفرصة وقمت بذلك بالفعل. غالباً ما يقول الناس إن العيش في المدن الكبرى يجعلهم يشعرون بالتعب، لكنني أحصل على قدر كبير من الطاقة والحيوية من العيش في مثل هذه المدن. نحن نذهب إلى الكثير من المتاحف والمعارض. ولو أقيم حفل جيد في المدينة فأنا أحب الذهاب إليه. إنه شيء رائع بالنسبة لي».
ويضيف: «هذه مدينة عالمية ومنفتحة للغاية. لدينا رؤية مختلفة للحياة، وهذه هي الأشياء التي ربما سأفتقدها عندما أعود إلى النمسا. أنا أفتقد لهذا الانفتاح، ولوجهة النظر العالمية والرغبة في العمل الجماعي والتفاعل والتواصل بطريقة مختلفة والتقارب بطريقة مختلفة مع الأجانب والثقافات والأديان الأخرى. هذه هي الأشياء التي تجعلني أستمتع بالمعيشة هنا في حقيقة الأمر».
ومن الواضح أن برودل لا يرى العالم من حوله على أنه شيء يجب التعامل معه فحسب، لكنه يرى أنه يجب التأمل به، ويفعل ذلك بالفعل بكثير من التركيز والتأمل والذكاء الذي قلما نراه في مدافع قوي البنية مثله. وإذا كان برودل يعشق كل تفاصيل الحياة خارج الملعب، فهناك بعض الأشياء في كرة القدم الإنجليزية التي لا يشعر تجاهها بحماس كبير. يقول برودل: «أعتقد أن كرة القدم الإنجليزية سوف تواجه مشكلة يوماً ما، وأعتقد أن هذا لن يحدث قريباً، وهذه المشكلة تكمن في أنهم يبيعون كل شيء، ليس فقط كرة القدم، ولكن كل شيء يتعلق بها. لقد أصبح كل لاعب يمثل علامة تجارية في حد ذاته، وأنا لا أقرأ كل الأخبار لأنه يوجد قليل من الأخبار والكثير من الشائعات، والكثير من الأشياء الأخرى التي لا تتعلق حتى بكرة القدم. وهناك احتمال لأن يؤدي ذلك إلى شعور الناس بالغضب. أتمنى ألا يحدث ذلك؛ لأنني أحب كرة القدم، وأنا جزء منها، لكن ربما يحدث ذلك».
ويضيف: «في بعض الأحيان تجلس في المدرجات وتشعر بأن الشخص الذي يجلس بجانبك لا يعرف شيئاً عن اللعبة. يسافر الناس إلى إنجلترا ويشاهدون المباريات، لا بدافع حبهم لكرة القدم، لكن ليظهروا أنهم مهتمون باللعبة. ولذلك؛ قد ترى في بعض الأحيان في الملاعب الكبيرة للأندية الكبرى أن الأجواء ليست على قدر المتوقع. وفي سوق انتقالات اللاعبين، ربما كان انتقال نيمار الموسم الماضي هو الصفقة الوحيدة التي يمكنك أن تفهم السبب وراء ارتفاع قيمتها، لكن الكثير من الصفقات الأخرى تمت بمقابل مادي كبير للغاية. لقد أصيبت سوق الانتقالات بالجنون، وأصبح الأمر صعباً على الفرق الصغيرة وسوف يكون أكثر صعوبة عليها في الفترة المقبلة، ولا أعلم إلى أين يتجه هذا الأمر».
لقد كان عشق برودل للندن هو السبب الذي دفعه للانتقال إلى واتفورد وليس إلى ليستر سيتي، الذي كان يسعى للحصول على خدماته. ويقول برودل عن ذلك: «دائماً ما أجعل إحساسي هو الذي يحسم اختيار الأندية التي ألعب لها. وبدا أن واتفورد هو الخيار المناسب بالنسبة لي». لكن ذلك الاختيار ربما حرمه من الفوز بلقب الدوري الإنجليزي الممتاز مع ليستر سيتي بعد ذلك.
وفيما يتعلق بعلاقته بالمدير الفني الحالي لنادي واتفورد، ماركو سيلفا، يقول برودل: «إنه يختلف تماماً عن آخر مديرين فنيين للفريق؛ فهو لديه رأي واضح للغاية فيما يتعلق بالطريقة التي يريدنا أن نلعب بها. إنه دائماً ما يطلب منا الكثير من الأمور، كما يطالبنا بكثير من الالتزام، ليس داخل الملعب فحسب، لكن خارجه أيضاً، وهو ما يعني الالتزام بتطبيق كل القواعد خارج الملعب والالتزام بالمواعيد، وأشياء أخرى من هذا القبيل. أما داخل الملعب، فلديه وجهة نظر واضحة ويتمتع بالتركيز الشديد على أدق التفاصيل. إنه يهتم بكل ثانية في المباريات وفي الحصص التدريبية، ويعمل على إعدادنا بشكل جيد للمباريات، ويمكنك أن تشعر بحبه لعمله من هذا التركيز».
ولم تؤدِ التقارير الصحافية، التي تشير إلى اهتمام إيفرتون بالحصول على خدمات سيلفا، إلى تشتيت تركيزه. يقول برودل عن ذلك: «لقد تابعنا كل شيء كان يكتب في هذا الأمر، لكن لم يكن لهذا تأثير على الفريق أو عليه هو شخصياً، كما نرى حتى الآن. لم نناقش هذا الأمر مطلقاً، ولا نعرف ما الذي يدور خلف الكواليس. وبالنسبة لنا، لا يتجاوز الأمر كونه أخباراً تنشر في الصحف».
لقد قضى برودل معظم البداية الرائعة لواتفورد هذا الموسم بعيداً عن الفريق بسبب إصابته في أوتار الركبة، وعندما عاد كانت نتائج الفريق أقل من ذي قبل، حيث تعرض واتفورد للهزيمة في أربع مباريات من مبارياته الخمس الأخيرة، بما في ذلك الهزيمة على ملعبه بأربعة أهداف مقابل هدف وحيد أمام هيدرسفيلد. يقول برودل عن تلك المباراة: «لقد كانت أمسية سيئة جداً بالنسبة لنا». وقد عودنا واتفورد على مسيرة معينة هنا، حيث يبدأ الموسم بكل قوة قبل أن تتراجع النتائج في الشتاء؛ ففي عام 2015 كان الفريق يحتل المركز السابع في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز قبل أعياد الميلاد، وفي عام 2016، كما هو الحال خلال العام الحالي، وصل الفريق إلى شهر ديسمبر (كانون الأول) وهو في المركز الثامن. وتحت قيادة سيلفا، بدأ الفريق يعاني مرة أخرى مما وصفه برودل بـ«العفاريت».
يقول برودل: «ما زلنا نتحلى بالثقة اللازمة. يتعين علينا ألا نرتكب الأخطاء نفسها التي وقعنا فيها خلال أول موسمين، عندما كنا نقدم أداء قوياً للغاية في النصف الأول من الموسم ثم يهبط مستوانا في النصف الثاني. يتعين علينا أن نواصل التقدم، وأن نتأكد من استمرار تحلينا بالثقة اللازمة، وأن نكون على قدر المنافسة في كل مباراة. لم نلعب بشكل سيئ سوى في مباراتين فقط خلال الموسم الحالي، أمام مانشستر سيتي وهيدرسفيلد».
وأضاف: «لعبنا بشكل قوي في 16 مباراة. ولو واصلنا اللعب بهذا الشكل، فلن نشعر بالقلق من إمكانية الحفاظ على المستوى نفسه. لكن لو هبط مستوانا بعض الشيء، فسنواجه خطر أن نمر بالموقف نفسه الذي واجهناه في الموسمين الماضيين. أتمنى ألا نقوم بذلك، وأعتقد أن هذا لن يحدث. إننا نحاول أن نستمر بالقوة نفسها وألا نواجه العفاريت نفسها التي واجهناها الموسم الماضي».
وقد وقّع برودل على عقد جديد في سبتمبر (أيلول) الماضي يبقى بمقتضاه مع نادي واتفورد لأربع سنوات أخرى. يقول اللاعب النمساوي: «دائماً كنت أحلم باللعب في الدوري الإنجليزي الممتاز. وعندما وصلت هنا كان ذلك يعني أنني حققت حلمي من جهة، لكن من جهة أخرى أرى أنه يمكنني المنافسة بقوة في هذا المستوى. ومن يدري ما إذا كنت قد وصلت لأعلى السلم الآن، أم أنني ما زلت قادراً على الصعود وتقديم مستويات أفضل!».


مقالات ذات صلة

«مونديال 2026»: أزمة لموشي تشعل بعثة نسور قرطاج في المكسيك

رياضة عربية هل تتم إقالة صبري لموشي من تدريب تونس؟ (د.ب.أ)

«مونديال 2026»: أزمة لموشي تشعل بعثة نسور قرطاج في المكسيك

تتواصل في مدينة مونتيري المكسيكية تداعيات الهزيمة الثقيلة التي مني بها المنتخب التونسي أمام نظيره السويدي بنتيجة 1 - 5.

«الشرق الأوسط» (مونتيري)
رياضة عالمية فرحة مصرية بهدف عاشور (أ.ب)

مصر «المونديال»: عاشور أسعدها... وهاني أحبطها

حرم هدف عكسي مصر من تحقيق أول انتصار لها في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم بعدما تعادلت 1 - 1 مع منتخب بلجيكا في مستهل مشوارهما بالمجموعة السابعة.

«الشرق الأوسط» (سياتل)
رياضة عالمية منتخب إيران يؤدي تدريباته في لوس أنجليس (أ.ف.ب)

«مونديال 2026»: إيران في دائرة الضوء

ستكون إيران في دائرة الضوء في كأس العالم لكرة القدم، الاثنين، بعد وصولها إلى الولايات المتحدة وسط أجواء من عدم اليقين بسبب الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو (رويترز)

ثياو مدرب السنغال: كأس أمم أفريقيا أصبحت من الماضي

أكد مدرب منتخب السنغال لكرة القدم باب ثياو، الاثنين، أن مسألة كأس أمم أفريقيا 2025 أصبحت من الماضي.

«الشرق الأوسط» (إيست راذرفورد)
رياضة عالمية يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (أ.ف.ب)

كلوب معتذراً لناغلسمان: «أنا أحمق»

اعتذر يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، ليوليان ناغلسمان مدرب ألمانيا، بسبب تعليقه على تشكيلة الفريق.

«الشرق الأوسط» (بوسطن )

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.