إيمانويل ماكرون: الثورة الناعمة

إيمانويل ماكرون: الثورة الناعمة
TT

إيمانويل ماكرون: الثورة الناعمة

إيمانويل ماكرون: الثورة الناعمة

لم يمضِ عام على وجود إيمانويل ماكرون في قصر الإليزيه الذي وصل إليه في شهر مايو (أيار) الماضي في انتخابات رئاسية فريدة من نوعها في تاريخ الجمهورية الفرنسية الخامسة. رئيس تحت سن الأربعين. لا حزب وراءه ولا خبرات سياسية متراكمة يتمتع بها. فقط، حركة سياسية «إلى الأمام» رأت النور قبل أقل من عام. لا من اليمين ولا من اليسار. ورغم ذلك كله وبعد أن اتهمته الأطراف الأخرى المتحالفة ضده بأنه «فقاعة إعلامية»، كذّب ماكرون كافة التوقعات والتنبؤات ليتأهب للجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، وليطرح منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبان أرضاً وليصبح ثامن رئيس للجمهورية. وإذا استمر ماكرون على انطلاقته الحالية وفي وضع سياسي مرتبك، فإن الرهان على إعادة انتخابه لولاية ثانية في عام 2022 سيكون رابحاً.
في أكثر من مناسبة، شرح ماكرون رؤيته للرئاسة ودور الرئيس غارفا من الميثولوجيا الرومانية ليستعيد صورة الإله جوبيتير «إله الآلهة والمتحكم بكل شيء على الأرض وفي السماء». والترجمة السياسية لهذه الرؤية، أن رئيس الجمهورية هو الآمر الناهي، وصاحب الكلمة الفصل في سياسات الدولة في الداخل والخارج. وبالفعل، فإن ماكرون فرض نفسه مرجعاً لكل شيء. وفي حين رفع الرئيس السابق فرنسوا هولاند شعار «الرئيس العادي» الذي لا يختلف عن أي مواطن بشيء، فإن ماكرون اعتمد خطاً مغايراً تماماً. وما ساعده على ذلك أنه أحدث ثورة «جوبيتيرية» في المشهد السياسي الفرنسي. انتخابه قلب الموازين وشكّل بداية لعصر «جديد». الأحزاب التقليدية من اليمين واليسار أقرب إلى الموت السريري. اليسار الاشتراكي تشظى بعد أن فشل مرشحه الرئاسي الرسمي بونوا هامون في اجتياز اختبار الجولة الرئاسية الأولى. كذلك حال مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون. وجاءت الهزيمة المزدوجة للحزبين اللذين تعاقبا على رئاسة فرنسا منذ نحو ستين عاماً لتوجد واقعاً سياسياً جديداً. الحزب الاشتراكي المنطوي على ذاته اضطر إلى بيع مقره الرئيسي في الدائرة السابعة من باريس. أما الحزب اليمين، فهو غير قادر حتى الآن على النهوض من كبوته رغم انتخاب رئيس جديد له هو لوران فوكييز الذي يمثل الجناح اليميني للحزب الأمر الذي لا ينال رضا عدد من باروناته ومحازبيه. كانت «ضربة المعلم» التي لعبها ماكرون أنه عيّن رئيس حكومة من اليمين «إدوارد فيليب» كما عيّن وزيري الاقتصاد والمال من اليمين أيضاً. وهذا «الابتكار» أدى إلى انقسام داخل صفوفه فكيف له أن يعارض رئيس حكومة خارج من صفوفه ويطبق خططاً إصلاحية اقتصادية واجتماعية عجز اليمين نفسه عن وضعها موضوع التنفيذ عندما كان ممسكاً بمفاتيح السلطة كلها وقت كان الرئيس السابق نيكولا ساركوزي في قصر الإليزيه. وما زاد من انقسامات اليمين بعد الزلزال الانتخابي الذي ضربه الربيع الماضي غياب الرؤية السياسية الموحدة و«الزعيم» الذي يجسدها كما كان الأمر سابقاً مع نيكولا ساركوزي أو قبله الرئيس جاك شيراك. فبين تيار «وسطي» متمسك بالقيم الإنسانية وراغب في العمل مع الرئيس الجديد، وآخر يميل إلى اليمين المتشدد، بل يقترب في طروحاته من اليمين المتطرف الممثل بالجبهة الوطنية، ثمة حرب مفتوحة تمنعه من أن يكون معارضاً جدياً يتحلى بالصدقية. وعلى المقلب الثاني من الخريطة السياسية، يحاكي الحزب الاشتراكي صورة الديناصورات المنقرضة: لا صوت يسمع له ولا قدرة له على مقاومة «البولدوزر» ماكرون. ومأساة الاشتراكيين أنها بعد أن سيطروا على مقدرات البلاد بكاملها مع فرنسوا هولاند، هم اليوم تائهون. فلا أمين عاماً للحزب الاشتراكي صلب العود ومسموع الصوت. ولا طروحات سياسية مختلفة عما فعلوه في السلطة طيلة خمسة أعوام. والمفارقة أن التدابير والإجراءات الاقتصادية التي قاموا بها أخذت اليوم تعطي ثمارها، لكن لا أحد يريد أن يتبناها أو حتى الدفاع عنها. وبين وقت وآخر، يذكر فرنسوا هولاند بأنه ما زال حياً يرزق من خلال انتقادات خافتة لعمل ماكرون على الصعيد الاجتماعي. لكن هذه الظهور المتقطع لا يشكل سياسة ولا يحمل أي وعود للمستقبل.
ما أصاب اليمين واليسار الكلاسيكيين لم «يوفر» اليمين المتطرف الذي يعيش أزمة وجودية بعد هزيمة مارين لوبان الرئاسية. وجاءت استقالة نائب رئيسة الحزب ومنظّره الآيديولوجي فلوريان فيليبو لتبين كم أن الأزمة عميقة. كذلك، تركت الباخرة التي تغرق النائبة السابقة ماريون لوبان ــ مارشال، حفيدة المؤسس وابنة أخت مارين. والمأساة أن هذه الأخيرة التي فقدت السيطرة المطلقة على حزبها كانت تعتبر أن الوقت قد حان لتتبوأ المنصب الرئاسي بعد فشلها الأول قبل خمس سنوات وفشل والدها قبل 15 عاماً. ولذا؛ فإنها تجهد منذ مايو الماضي، لإعادة الُلحمة إلى تنظيمها السياسي؛ ما يعني أنها أصبحت «مؤقتاً» خارج الجدل السياسي. أما اليسار المتطرف ممثلاً بالمرشح الرئاسي جان لوك ميلونشون الذي يطرح نفسه وتنظيمه «فرنسا المتمردة» على أنهما «المعارض الأول» لماكرون، فإنه لم يعد يلقى آذاناً صاغية بسبب التطرف في طروحاته ورغبة الفرنسيين في إعطاء فرصة للرئيس الشاب للسير ببرنامجه الاقتصادي والسياسي بعد فشل من سبقه إلى المنصب.
يمكن القول إن ماكرون قد أوجد حالة من «انعدام الوزن» السياسي حوله، ليس فقط بسبب وضع المعارضة، بل أيضاً لأنه جاء بـ«مجهولين» إلى الحكومة باستثناء وزيرين أو ثلاثة لهم حيثية سياسية كوزير الخارجية جان إيف لودريان، الذي شغل لخمس سنوات سابقة منصب وزير الدفاع في حكومات هولاند المتعاقبة أو وزير البيئة نيكولا هولو المعروف بدفاعه المستميت عنها، أو أيضاً وزير الاقتصاد اليمين برونو لومير. وباستثناء هؤلاء، فإن وزراء ماكرون أقرب إلى كونهم موظفين يستمدون شرعيتهم منه. أما الأكثرية النيابية التي تدعمه في مجلس النواب، فهي مكونة في غالبيتها من المجتمع المدني. والأغلبية الساحقة منهم لم تحتك سابقاً بالسياسة ولم تخض أي انتخابات. ولذا؛ فإنها أصواتها تصب كما يريد الإليزيه الذي وضع على رأسها رجل يثق به هو ريشار فران، كما وضع على رأس حزبه «الجمهورية إلى الأمام» أحد أقرب الوزراء إليه، وهو الناطق السابق باسم الحكومة كريستوف كاستانير.
بفضل هذا الوضع، وجد ماكرون الساحة مفتوحة أمامه للقيام بالإصلاحات التي وعد بها. وفي أكثر من مناسبة أعلن الرئيس الفرنسي أن ما يميزه عن سابقيه في الرئاسة أنه «ينفذ ما وعد به» ولا يهمه في ذلك أن يتهم بأنه «رئيس الأغنياء» بسبب التدابير المالية والضريبية التي فرضها، ولعل أبرزها وضع حد للضريبة على الثروة واستبدالها بنظام يراعي مصالح أصحاب الثروات. وبالمقابل، فإنه عمد إلى تخفيض التقديمات الاجتماعية الخاصة بالمساعدة للسكن مقتطعاً منها 5 يوروات في الشهر، وهو مبلغ مضحك بالنظر للوفر الضئيل الذي يفضي إليه مقارنة مع ما تخسره خزينة الدولة من التخلي عن الضريبة على الثروة. ولا تتوقف الأمور عند الإصلاحات الضريبية والمالية والوصول إلى ميزانية تراعي ما تفرضه معايير الاتحاد الأوروبي. ذلك أن الإصلاح الرئيسي الذي كان الجميع يتخوف منه، ومن أنه سيصيب البلاد بحالة من الشلل مقرونة بالغليان الاجتماعي، وينزل مئات الآلاف من الموظفين والعمال والطلاب إلى الشوارع يتمثل بتعديل قانون العمل بمراسيم. والحال أن ماكرون نجح في تمريره والتسويق له بحد أدنى من التململ الاجتماعي. إضافة إلى ذلك، عمل ماكرون على ملف الأمن من خلال إقرار قانون جديد بالغ التشدد مكن الحكومة من وضع حدٍ لحالة الطوارئ المعمول بها منذ خريف عام 2015. وقبل ذلك كله، نجحت حكومته في فرض قانون حول «الشفافية السياسية» وإصلاح الممارسات النيابية. ولم يبق قطاع من التربية والثقافة وحتى الإعلام والأمن والدفاع من غير أن تطاله الإصلاحات الماكرونية.
أما على الصعيد الخارجي، فقد أعاد ماكرون فرنسا إلى واسطة العقد، إن من خلال مبادراته بخصوص إعادة إطلاق الاتحاد الأوروبي، أو تواصله مع الرئيسين الأميركي والروسي، فضلاً عن «مبادراته» بخصوص أزمات الشرق الأوسط، أكان ذلك في ليبيا أو لبنان وسوريا والملف الكردي العراقي، ناهيك عن أفريقيا، وتحديداً منطقة الساحل.
وبعد، فإن ماكرون الذي يصح عليه القول عن الشاعر المتنبي «مالئ الدنيا وشاغل الناس» موجود في كل مكان وحول الملفات كافة. ففي الخارج، أعاد للدبلوماسية الفرنسية حضورها الدولي. وهو طامح لأن يكون «الزعيم» الأوروبي، مستفيداً من «ضعف» المستشارة الألمانية ميركل ومن صعوبات رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي. ومع ملف المناخ الذي نظم له قمة في باريس في ديسمبر (كانون الأول)، يريد أن يتحول إلى المدافع عن الأرض وعن الإنسانية. وبين ماكرون الداخل والخارج، تتكامل صورة رجل طموح ليس من المستبعد أن يكون «رجل العام» 2017 بعد أن رشحت مجلة « إيكونوميست» البريطانية فرنسا، في عددها الصادر بتاريخ 21 ديسمبر لأن تكون «بلد العام» بسبب الإصلاحات التي أقرها ماكرون وصورتها النمطية التي نجح في تغييرها.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.