معرض «النور» الإسلامي حدث متميز في متحف دالاس

ليلة الجمعة: سهرة عربية حتى منتصف الليل

صبيحة الخمير المسؤولة عن المعرض  -  نافذة تاريخية من مصر ضمن مقتنيات المتحف
صبيحة الخمير المسؤولة عن المعرض - نافذة تاريخية من مصر ضمن مقتنيات المتحف
TT

معرض «النور» الإسلامي حدث متميز في متحف دالاس

صبيحة الخمير المسؤولة عن المعرض  -  نافذة تاريخية من مصر ضمن مقتنيات المتحف
صبيحة الخمير المسؤولة عن المعرض - نافذة تاريخية من مصر ضمن مقتنيات المتحف

لأنه يريد جذب مزيد من الزوار، خصوصا الجيل الجديد، بدأ متحف دالاس (ولاية تكساس الأميركية) للفنون تقليد «فرايداي ليت نايت» (ليلة الجمعة المتأخرة) من السادسة مساء وحتى منتصف الليل، يدخل الناس المتحف مجانا، ويأكلون ويشربون، وأيضا يشاهدون العروض والمهرجانات واللوحات والتماثيل والأعمال الفنية. من بين هذه الليالي «معرض النور: فنون وعلوم من العالم الإسلامي»
والمعروف أن متحف دالاس من أكثر المتاحف الأميركية اهتماما بالتراث الإسلامي، وبدأ هذا التقليد قبل ثلاثة أشهر، وسينتهي مع نهاية هذا الشهر.
في ليلة جمعة قبل شهرين، لم يكتف فقط بتقديم «معرض النور» مجانا، ولكن، أيضا، قدم مجموعة من العروض الفنية العربية والإسلامية، من بينها عرض لفرقة «أميركان بدوين» (البدوي الأميركي)، بقيادة بادي محمد، وعضوية عازفة الغيتار دانا ساذورو، والطبال ديفيد شلوز، وعازف الناي هانتر هولمز. وفرقة «بلدي» الفلسطينية للزفة والدبكة. وتتكون من شبان وشابات من الجيل الثاني من المهاجرين الفلسطينيين.
كما عرض أيضا فيلم «بابا عزيز: الأمير الذي تأمل في روحه»، الذي أخرجه التونسي نصير الخمير عام 2005. ويتلخص في رحلة صوفي (مع حفيدته) عبر الصحراء في الشرق الأوسط.
كما عرضت خلال السهرات حفلة غنائية للمغني «فيز مغني»، الذي وصف نفسه بأنه «مغن مسلم، ولد في باكستان، وتربى في دبي، ويعمل في الولايات المتحدة»، بالإضافة إلى جولة خاصة في «معرض النور». خلال الأشهر القليلة الماضية، صار «معرض النور» حديث متخصصين ومتابعين للتراث الإسلامي في الولايات المتحدة. وفي مارس (آذار) الماضي، كتبت عنه صحيفة «نيويورك تايمز» نصف صفحة، وأبرزت صورة ودور المسؤولة عنه؛ التونسية صبيحة الخمير. قبل أن تأتي إلى الولايات المتحدة، كانت الخمير مديرة المتحف الإسلامي في قطر، وهناك عرضت أجزاء من معرض «النور»، ثم وسعته، ونقلته إلى دول أوروبية، قبل أن يصل إلى متحف دالاس للفنون.
من بين المدن الأوروبية التي عرض فيها، إشبيلية في إسبانيا، وكان عرض خلال احتفالات خلدت قرون الحكم الإسلامي لبلاد الأندلس.
يوغل المعرض في أكثر من عشرة قرون، ويتضمن فنونا قديمة تنتمي إلى العالم الإسلامي ويعكس الحضارة الإسلامية، ومن هنا، جاء اسم المعرض: «النور»، ليس فقط الضوء المرئي، ولكن، أيضا، الضوء الغيبي.
يتضمن المعرض 150 مجموعة عامة وخاصة من المعروضات في أوروبا، وشمال أفريقيا، والشرق الأوسط، والولايات المتحدة وبريطانيا. وتغطي المعروضات الفترة ما بين القرن التاسع وأوائل القرن العشرين، وتشمل مخطوطات، وجواهر، وأدوات جراحية، وأثاثا، وخزفا، وأعمالا ذهبية مرصعة، وساعات شمسية، وإسطرلابات.
يهدف المعرض إلى إبراز تأثير العالم الإسلامي على عصر النهضة والتفكير العلمي في أوروبا، واختارت المجموعة المنسقة صبيحة الخمير، واستفادت من خبرتها في الفن الإسلامي، ومن وظيفتها مديرة سابقة لمتحف قطر الإسلامي، أضف إلى هذا، أنها صارت مستشارة بمتحف «متروبوليتان» في نيويورك، ومستشارة بمتحف دالاس للفنون نفسه.
وقالت: «لا تصور الأحد عشر قرنا، ولا تصور الأربعة عشر بلدا، الممثلة في متحف (النور) فقط الأعمال الغنية في العالم الإسلامي، ولكنها تصور، أيضا، الجمال الخالص الناتج عن الثقافة الإسلامية، وتصور المساهمة التي قدمتها هذه الحضارة إلى الثقافة الإنسانية جمعاء».
واشتهرت الخمير، أيضا، بسبب روايتها «المخطوط الأزرق»، وهي عن الوصول إلى «المصحف الأزرق» الأصلي.. هل هو موجود؟ وإذا كان موجودا، فأين؟
في الرواية، يبحث الناس عنه، وتصير الأحداث أكثر إثارة مع ارتفاع قيمة مخطوط أو اكتشاف يعثرون عليه، ويعتقدون أنه هو. وتتوجه مجموعات من أخصائيي الآثار إلى مناطق آثار مصرية نائية، ويعملون جنبا إلى جنب مع القرويين. وتربط الرواية بين مصر القرن العاشر، ومصر القرن العشرين.
في تقريرها عن متحف دالاس، وعن معرض «النور»، قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إن الخمير، بانتقالها من متحف قطر إلى متحف دالاس، ربطت المتحفين كليهما مع الآخر، وربطت جهود إثراء الفن التراثي الأميركي بالفن التراثي العربي والإسلامي. وقبل ثلاثة أشهر، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»، قالت الخمير: «عندنا كثير من الخطط لإثراء الفن الإسلامي في متحف دالاس للفنون».
وذكر ماكسويل آندرسون، مدير المتحف: «حتى الآن فقط، حققت (الخمير) أكثر مما كنت أتوقع منها».



ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».