رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة ونال 13 ميدالية وتكريماً وله 19 كتاباً

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
TT

رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته

تنطوي برحيل فنان الإيماء الأميركي آدم داريوس الصفحة الأخيرة من سجل فن الإيماء في العالم. لن يتوقف هذا الفن عن الاستمرار طبعاً، فهو أقدم الفنون قاطبة منذ أدى الإنسان البدائي في العصر الحجري بالتعبير الجسدي لأفراد أسرته أو لقبيلته ما صادفه خلال يومه من أحداث ومغامرات. لكن رحيل آدم داريوس - الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج الولايات المتحدة الأميركية يجول في القارات الست - هو آخر أسطورة شهيرة لهذا الفن العريق. لا شك أن للإيماء جذوراً مسرحية قديمة عند الإغريق، وازدهر على الأخص عند الرومان فأطلقوا عليه اسم «بانتومايم» Pantomime. لكن أول من اخترع فن الإيماء الإيهامي الحديث الذي أطلق عليه اسم Mime هو الفرنسي جان - غاسبار ديبورو (1796 - 1845)، واتسم باقتصاد التعبير الجسدي لإيهام باستخدام المؤدي أشياء غير موجودة، لذلك أطلق على فن الإيماء الإيهامي اسم «الإيماء الفرنسي الكلاسيكي». تسلم ريادة فن الإيماء المسرحي الفرنسي جاك كوبو عبر مدرسته «برج الحمام القديم»، ومنها تخرج إيتيان ديكرو (1898 - 1991)، أبو الإيماء الحديث من خلال مدرسته الرائدة عالمياً في مدينة ستراسبورغ، التي تخرج فيها أيقونتا الإيماء مارسيل مارسو وجان - لوي بارو. كان ديكرو فناناً يطمح لخلق مسرح شعائري يتسم التعبير الجسدي فيه بالقداسة. لذلك، لم يكن ديكرو راضياً عن الشهرة المدوية التي سرعان ما حققها تلميذه السابق مارسيل مارسو، واعتبر تحويله الإيماء إلى كوميديا امتهاناً لهذا الفن كسلعة تجارية، بينما ظلت نظرته شبه مقدسة له. جدير بالذكر، أن «استوديو الممثلين» في نيويورك اشتهر بابتداع «المنهج» المستقى من تعاليم الروسي كونستانتين ستانسلافسكي تحت قيادة لي ستراسبورغ قام باستدعاء ديكرو ليعلِّم فيه أسلوبه المختلف، حيث ترجم له وساعده طيلة ذلك العام خريج مدرسته السابق مارك إيبستين. أما مارسو، فمضى قدماً وأسس مدرسته الشهيرة للإيماء، متميزاً بمهارته الإيهامية، ومقدماً مسرحيات كاملة مثل «هاملت» و«المعطف»، فضلاً عن لوحاته ذات الطابع الكوميدي. حظيت عروض مارسو في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري كثيف، وقد أتيح لي مشاهدته مرتين يؤدي على مسارح كاليفورنيا. وما زال مارسو يعتبر حتى بعد رحيله عن عالمنا أشهر رموز الإيماء في العالم. ننصح كل من يود التعرف إلى بدايات فن الإيماء بمشاهدة فيلم «أطفال الجنة» (1945) من إخراج مارسيل كارنيه، وفيه نرى بداية ظهور الشخصية الإيمائية الشهيرة «بييرو» بزيها المعروف، وقد مثل في هذا الفيلم الكلاسيكي الفريد كل من جان - لوي بارو وإيتيان ديكرو. بدوره، جاء المسرحي جاك لوكوك ليطور فن الإيماء عبر استخدام القناع المحايد في مدرسته الشهيرة التي أسسها في باريس، وأدارتها زوجته الاسكوتلندية سنين طويلة عقب وفاته. أنجبت هذه المدرسة في كثيرا من الفرق البريطانية التجريبية الرائعة، ومنها «فرانتيك أسمبلي» و«موفينغ بكشتر مايم شو» و«ثياتر دو كومبليسيتي»، كما تخرج فيها الفنان التونسي المعروف محمد إدريس. جدير بالذكر أن الإيماء البريطاني بدأ بإبداع جون ويفر (1673 - 1760)، واستمر مع جوزيف غريمالدي (1778 - 1837). كما ظهر في العصر الحديث فنانون بريطانيون متمكنون من الفن الإيهامي الكلاسيكي الفرنسي، نذكر منهم ديزموند جونز، وديفيد غلاس، ونولا راي وجيف هويل. أما في الولايات المتحدة، فلا تُنسى جهود بول ج. كورتيس الرائدة مع فرقة «الإيماء الأميركي» التي أسسها وبقيت تعمل في نيويورك طويلاً بعد وفاته، وكذلك ريتشموند شيبرد، كلود كيبنز، وكلاهما ألف كتاباً قيماً عن فن الإيماء. لا بد أن نذكر أيضاً «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» التي التقيت مؤسسها ر. جي ديفيز في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وحدثني عن بدايات الفرقة ثم تحوله إلى المسرح السياسي المتأثر بنظريات برتولد برشت، وهي فرقة اشتهرت بطراز الكوميديا السياسية اللاذعة، ما زالت مستمرة حتى الآن بإدارة فنانين آخرين. لكن طرزاً مجددة أخرى منافسة من الإيماء انبثقت في بلدان مختلفة من العالم، وبالأخص تجربة توماشيفسكي في بولندا، الذي جمع ما بين فن الباليه وفن الإيماء.
بعد هذه المقدمة عن تاريخ فن الإيماء، من الملاحظ أن الإضافة الكبرى جاءت من خلال الشهرة العالمية التي أحرزها الفنان الأميركي آدم داريوس، متميزاً عن باقي الرواد والأقران في أنه استحدث منهجاً متكاملاً في تدريب الأداء، ولا نقول الأداء الإيمائي فحسب، بل مختلف أنواع الأداء. إنه منهج لا يعني بالإيهام بوجود أشياء غير موجودة بقدر ما يعني بالتعبير الجسدي عن قضايا إنسانية وروحانية متباينة وصلت أحياناً إلى إدانة وشجب النازية والعنصرية. أطلق آدم داريوس على منهجه اسم «الإيماء التعبيري»، وكان سفيراً لهذا الطراز من المسرح في العالم أجمع، إذ ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة، ونال 13 ميدالية وتكريماً، نشر 19 كتاباً تراوحت بين مذكرات، كتب عن إعداد الممثل وعن الكوميديا - دي - لارتي وفن الباليه، فضلاً عن عدة روايات وديوان شعر واحد، واثنتين وعشرين مسرحية، ولعل أهم كتاب بين مؤلفاته هو «منهج آدم داريوس»، الذي تضمن كثيراً من تمارينه العملية في إعداد المؤدين، وصدر في عام 1984.
وُلِد آدم داريوس في نيويورك عام 1930، وهو ينحدر من أسرة ذات أصول روسية وتركية مختلطة. في عام 1945، تدرب آدم دايوس وعمره لا يتجاوز آنذاك 14 عاماً على فن الباليه، وظهر راقصاً مع فرقة «متروبوليتان أوبرا»، ثم مع فرق عالمية متعددة خارج الولايات المتحدة. كما تلقى دروساً في التمثيل على يدي جاكوب بن - آمي، أحد المهاجرين الروس من مسرح ستانسلافسكي. بسبب إصابة مبكرة، اضطر آدم للتحول من شغفه الشديد بالباليه إلى تصميم الرقصات، ثم إلى إبداع منهج «الإيماء التعبيري» الذي اشتهر به عالمياً. كان أول ظهور إيمائي قام به آدم داريوس في عام 1967 في مهرجان «سبوليتو» في إيطاليا، حيث مزج لمهارة استثنائية بين الإيماء وفن الباليه. أتبع ذلك بظهوره في لندن، وما لبث أن أسس مع ماريتا كراولي مدرسته «مركز الإيماء» في لندن، التي دأب أن يدرس فيها مع فنان الإيماء كازمير لوليسنيك، الذي آمن بفنه ورافقه طيلة حياته المهنية في «فن الإيماء». لكن آدم كان منفتح الذهن بحيث نظم دورات للإيماء الكلاسيكي الإيهامي الفرنسي، ولفن التهريج النابع من الكوميديا - دي - لارتي أيضاً. كان فناناً شديد الوساوس، بحيث اعتاد أن ينصح طلابه أن يتفقدوا كل تفصيل صغير في العرض ليس مرة أو مرتين، بل أربع مرات على الأقل. ذات يوم في لندن، دعاني آدم بشكل استثنائي لحضور جلسة تدريبه اليومي بعد انتهاء دروسه، وكان يقوم به برفقة زميله الأكثر شباباً كازمير.
كان تدريباً مرهقاً جداً لمدة ساعة كاملة على مزيج من حركات الباليه الصعبة والإيماء، وأخبرني أنه لم ينقطع عن هذا التدريب يوماً واحداً طيلة سنوات كثيرة، حتى ولو أصيب بزكام أو تعرض لوعكة، لأن على الفنان أن يمرِّن جسده ليكون جاهزاً تماماً. كان آدم يعتني عناية فائقة بماكياجه الذي يرسمه بنفسه بأناةٍ ودقة، وهو وجه المهرج الحزين. وكان ينتهج منهجاً غذائياً صارماً، إذ كان نباتياً لا يتناول أي نوعٍ من اللحوم، وشديد العناية بالحمية والامتناع عن كل ما يمكن أن يضر بجسد الإنسان. حتى في مدرسته في لندن، حظر بيع أي منتجات غير عضوية للطلاب في الاستراحة. لقن آدم داريوس فنه في «مركز الإيماء» في لندن إلى عدد ممن نالوا الشهرة الفنية فيما بعد، ومنهم النجمة السينمائية كيت بيكنسيل، ومغنية الروك كيت بوش، والممثل المسرحي البريطاني وارين ميتشل، وذلك قبل أن ينتقل للإقامة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، ويجعلها منطلقاً لجولاته التي لم تنقطع حتى أواخر حياته الحافلة في دول العالم أجمع.
أخرج آدم داريوس وصمم كثيراً من العروض المسرحية، أبرزها «بييرو الجوال» (1955)، «باليه آن فرانك» (1967)، باليه «مارلين» (1975) عن النجمة الراحلة مارلين مونرو، «يوكيو ميشيما» (1991) عن الأديب الياباني الكبير الذي انتحر على طريقة الساموراي، «رامبو وفرلين» (1992) عن الشاعرين المعروفين، «برج بابل» (1993)، وقدم عدة عروض منها بإسهام من زميله كازمير كوليسنيك، إضافة إلى عرضهما المشترك «أفعى في العشب» (2001)، الذي افتتح في عمان، الأردن، بتمويل ورعاية «مؤسسة نور الحسين»، التي منحته جائزتيها للإبداع في عامين متباينين. ظهر آدم داريوس على مسارح دمشق ثلاث مرات في الأعوام 1976، 20014 و2005، وكانت المرة الأولى باستضافة «المركز الثقافي الأميركي»، حيث استضفته في لقاء تلفزيوني، بينما كانت المرتان الباقيتان بدعوة من وزارة الثقافة السورية. كما زار أيضاً لبنان والمغرب كفنان إيمائي مرة واحدة، وزار عدة مرات مصر والأردن والكويت ليمثل إيمائياً ويقوم بورشات عمل تدريبية. أثناء الحرب الباردة، كان آدم داريوس من الفنانين الأميركيين النادرين الذين لم يترددوا عن الظهور على مسارح الاتحاد السوفياتي، وكوبا، وفنزويلا، والبوسنة، وكوسوفو، وأفغانستان، وذلك بين أكثر من 85 دولة زارها وظهر على مسرحها كفنان إيمائي، كما قام بورشات عمل مكثفة لفرقها وفنانيها، ليس لأي سبب سوى اعتقاده الراسخ أن الإيماء رسالة محبة وسلام، وأن لغة الصمت أصدق من لغة الكلام للتواصل بين البشر. يُذكر أنه في مطلع شبابه حين ظهر آدم داريوس في فرنسا، قدمه هناك على المسرح أحد أعظم رواد الإيماء المخرج والممثل الكبير جان - لوي بارو. كان آخر ظهور فني للراحل آدم داريوس ثلاثة عروض في روسيا خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015. بعدها، اكتشف إصابته بمرض السرطان، وخضع للعلاج في هلسنكي إلى أن توفي في المستشفى عن عمر يناهز 87 عاماً بتاريخ 3 ديسمبر 2017.
سيبقى تراث آدم داريوس من بعده ملهماً لكثير من الفنانين الذين عرفوه عن كثب، تدربوا معه، أو اطلعوا على مؤلفاته المتعددة كماً وكيفاً. لا شك أن نظريته حول «ضرورة أن يتمتع المؤدي بأقصى سيطرة على الجسد، وأن يطلق العنان واسعاً لخياله»، ستظل نظرة ملهمة لفنان معطاء التزم بفنه وأخلص له طيلة حياته كناسك متصوف، بحيث سيذكره التاريخ طويلاً في المستقبل.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended