رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة ونال 13 ميدالية وتكريماً وله 19 كتاباً

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
TT

رحيل آدم داريوس... آخر أساطير الإيماء في العالم

آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته
آدم داريوس يتوسط ملصقات بعض مسرحياته

تنطوي برحيل فنان الإيماء الأميركي آدم داريوس الصفحة الأخيرة من سجل فن الإيماء في العالم. لن يتوقف هذا الفن عن الاستمرار طبعاً، فهو أقدم الفنون قاطبة منذ أدى الإنسان البدائي في العصر الحجري بالتعبير الجسدي لأفراد أسرته أو لقبيلته ما صادفه خلال يومه من أحداث ومغامرات. لكن رحيل آدم داريوس - الذي قضى الجزء الأكبر من حياته خارج الولايات المتحدة الأميركية يجول في القارات الست - هو آخر أسطورة شهيرة لهذا الفن العريق. لا شك أن للإيماء جذوراً مسرحية قديمة عند الإغريق، وازدهر على الأخص عند الرومان فأطلقوا عليه اسم «بانتومايم» Pantomime. لكن أول من اخترع فن الإيماء الإيهامي الحديث الذي أطلق عليه اسم Mime هو الفرنسي جان - غاسبار ديبورو (1796 - 1845)، واتسم باقتصاد التعبير الجسدي لإيهام باستخدام المؤدي أشياء غير موجودة، لذلك أطلق على فن الإيماء الإيهامي اسم «الإيماء الفرنسي الكلاسيكي». تسلم ريادة فن الإيماء المسرحي الفرنسي جاك كوبو عبر مدرسته «برج الحمام القديم»، ومنها تخرج إيتيان ديكرو (1898 - 1991)، أبو الإيماء الحديث من خلال مدرسته الرائدة عالمياً في مدينة ستراسبورغ، التي تخرج فيها أيقونتا الإيماء مارسيل مارسو وجان - لوي بارو. كان ديكرو فناناً يطمح لخلق مسرح شعائري يتسم التعبير الجسدي فيه بالقداسة. لذلك، لم يكن ديكرو راضياً عن الشهرة المدوية التي سرعان ما حققها تلميذه السابق مارسيل مارسو، واعتبر تحويله الإيماء إلى كوميديا امتهاناً لهذا الفن كسلعة تجارية، بينما ظلت نظرته شبه مقدسة له. جدير بالذكر، أن «استوديو الممثلين» في نيويورك اشتهر بابتداع «المنهج» المستقى من تعاليم الروسي كونستانتين ستانسلافسكي تحت قيادة لي ستراسبورغ قام باستدعاء ديكرو ليعلِّم فيه أسلوبه المختلف، حيث ترجم له وساعده طيلة ذلك العام خريج مدرسته السابق مارك إيبستين. أما مارسو، فمضى قدماً وأسس مدرسته الشهيرة للإيماء، متميزاً بمهارته الإيهامية، ومقدماً مسرحيات كاملة مثل «هاملت» و«المعطف»، فضلاً عن لوحاته ذات الطابع الكوميدي. حظيت عروض مارسو في الولايات المتحدة بإقبال جماهيري كثيف، وقد أتيح لي مشاهدته مرتين يؤدي على مسارح كاليفورنيا. وما زال مارسو يعتبر حتى بعد رحيله عن عالمنا أشهر رموز الإيماء في العالم. ننصح كل من يود التعرف إلى بدايات فن الإيماء بمشاهدة فيلم «أطفال الجنة» (1945) من إخراج مارسيل كارنيه، وفيه نرى بداية ظهور الشخصية الإيمائية الشهيرة «بييرو» بزيها المعروف، وقد مثل في هذا الفيلم الكلاسيكي الفريد كل من جان - لوي بارو وإيتيان ديكرو. بدوره، جاء المسرحي جاك لوكوك ليطور فن الإيماء عبر استخدام القناع المحايد في مدرسته الشهيرة التي أسسها في باريس، وأدارتها زوجته الاسكوتلندية سنين طويلة عقب وفاته. أنجبت هذه المدرسة في كثيرا من الفرق البريطانية التجريبية الرائعة، ومنها «فرانتيك أسمبلي» و«موفينغ بكشتر مايم شو» و«ثياتر دو كومبليسيتي»، كما تخرج فيها الفنان التونسي المعروف محمد إدريس. جدير بالذكر أن الإيماء البريطاني بدأ بإبداع جون ويفر (1673 - 1760)، واستمر مع جوزيف غريمالدي (1778 - 1837). كما ظهر في العصر الحديث فنانون بريطانيون متمكنون من الفن الإيهامي الكلاسيكي الفرنسي، نذكر منهم ديزموند جونز، وديفيد غلاس، ونولا راي وجيف هويل. أما في الولايات المتحدة، فلا تُنسى جهود بول ج. كورتيس الرائدة مع فرقة «الإيماء الأميركي» التي أسسها وبقيت تعمل في نيويورك طويلاً بعد وفاته، وكذلك ريتشموند شيبرد، كلود كيبنز، وكلاهما ألف كتاباً قيماً عن فن الإيماء. لا بد أن نذكر أيضاً «فرقة سان فرانسيسكو الإيمائية» التي التقيت مؤسسها ر. جي ديفيز في أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وحدثني عن بدايات الفرقة ثم تحوله إلى المسرح السياسي المتأثر بنظريات برتولد برشت، وهي فرقة اشتهرت بطراز الكوميديا السياسية اللاذعة، ما زالت مستمرة حتى الآن بإدارة فنانين آخرين. لكن طرزاً مجددة أخرى منافسة من الإيماء انبثقت في بلدان مختلفة من العالم، وبالأخص تجربة توماشيفسكي في بولندا، الذي جمع ما بين فن الباليه وفن الإيماء.
بعد هذه المقدمة عن تاريخ فن الإيماء، من الملاحظ أن الإضافة الكبرى جاءت من خلال الشهرة العالمية التي أحرزها الفنان الأميركي آدم داريوس، متميزاً عن باقي الرواد والأقران في أنه استحدث منهجاً متكاملاً في تدريب الأداء، ولا نقول الأداء الإيمائي فحسب، بل مختلف أنواع الأداء. إنه منهج لا يعني بالإيهام بوجود أشياء غير موجودة بقدر ما يعني بالتعبير الجسدي عن قضايا إنسانية وروحانية متباينة وصلت أحياناً إلى إدانة وشجب النازية والعنصرية. أطلق آدم داريوس على منهجه اسم «الإيماء التعبيري»، وكان سفيراً لهذا الطراز من المسرح في العالم أجمع، إذ ظهر على مسارح أكثر من 85 دولة، ونال 13 ميدالية وتكريماً، نشر 19 كتاباً تراوحت بين مذكرات، كتب عن إعداد الممثل وعن الكوميديا - دي - لارتي وفن الباليه، فضلاً عن عدة روايات وديوان شعر واحد، واثنتين وعشرين مسرحية، ولعل أهم كتاب بين مؤلفاته هو «منهج آدم داريوس»، الذي تضمن كثيراً من تمارينه العملية في إعداد المؤدين، وصدر في عام 1984.
وُلِد آدم داريوس في نيويورك عام 1930، وهو ينحدر من أسرة ذات أصول روسية وتركية مختلطة. في عام 1945، تدرب آدم دايوس وعمره لا يتجاوز آنذاك 14 عاماً على فن الباليه، وظهر راقصاً مع فرقة «متروبوليتان أوبرا»، ثم مع فرق عالمية متعددة خارج الولايات المتحدة. كما تلقى دروساً في التمثيل على يدي جاكوب بن - آمي، أحد المهاجرين الروس من مسرح ستانسلافسكي. بسبب إصابة مبكرة، اضطر آدم للتحول من شغفه الشديد بالباليه إلى تصميم الرقصات، ثم إلى إبداع منهج «الإيماء التعبيري» الذي اشتهر به عالمياً. كان أول ظهور إيمائي قام به آدم داريوس في عام 1967 في مهرجان «سبوليتو» في إيطاليا، حيث مزج لمهارة استثنائية بين الإيماء وفن الباليه. أتبع ذلك بظهوره في لندن، وما لبث أن أسس مع ماريتا كراولي مدرسته «مركز الإيماء» في لندن، التي دأب أن يدرس فيها مع فنان الإيماء كازمير لوليسنيك، الذي آمن بفنه ورافقه طيلة حياته المهنية في «فن الإيماء». لكن آدم كان منفتح الذهن بحيث نظم دورات للإيماء الكلاسيكي الإيهامي الفرنسي، ولفن التهريج النابع من الكوميديا - دي - لارتي أيضاً. كان فناناً شديد الوساوس، بحيث اعتاد أن ينصح طلابه أن يتفقدوا كل تفصيل صغير في العرض ليس مرة أو مرتين، بل أربع مرات على الأقل. ذات يوم في لندن، دعاني آدم بشكل استثنائي لحضور جلسة تدريبه اليومي بعد انتهاء دروسه، وكان يقوم به برفقة زميله الأكثر شباباً كازمير.
كان تدريباً مرهقاً جداً لمدة ساعة كاملة على مزيج من حركات الباليه الصعبة والإيماء، وأخبرني أنه لم ينقطع عن هذا التدريب يوماً واحداً طيلة سنوات كثيرة، حتى ولو أصيب بزكام أو تعرض لوعكة، لأن على الفنان أن يمرِّن جسده ليكون جاهزاً تماماً. كان آدم يعتني عناية فائقة بماكياجه الذي يرسمه بنفسه بأناةٍ ودقة، وهو وجه المهرج الحزين. وكان ينتهج منهجاً غذائياً صارماً، إذ كان نباتياً لا يتناول أي نوعٍ من اللحوم، وشديد العناية بالحمية والامتناع عن كل ما يمكن أن يضر بجسد الإنسان. حتى في مدرسته في لندن، حظر بيع أي منتجات غير عضوية للطلاب في الاستراحة. لقن آدم داريوس فنه في «مركز الإيماء» في لندن إلى عدد ممن نالوا الشهرة الفنية فيما بعد، ومنهم النجمة السينمائية كيت بيكنسيل، ومغنية الروك كيت بوش، والممثل المسرحي البريطاني وارين ميتشل، وذلك قبل أن ينتقل للإقامة في العاصمة الفنلندية هلسنكي، ويجعلها منطلقاً لجولاته التي لم تنقطع حتى أواخر حياته الحافلة في دول العالم أجمع.
أخرج آدم داريوس وصمم كثيراً من العروض المسرحية، أبرزها «بييرو الجوال» (1955)، «باليه آن فرانك» (1967)، باليه «مارلين» (1975) عن النجمة الراحلة مارلين مونرو، «يوكيو ميشيما» (1991) عن الأديب الياباني الكبير الذي انتحر على طريقة الساموراي، «رامبو وفرلين» (1992) عن الشاعرين المعروفين، «برج بابل» (1993)، وقدم عدة عروض منها بإسهام من زميله كازمير كوليسنيك، إضافة إلى عرضهما المشترك «أفعى في العشب» (2001)، الذي افتتح في عمان، الأردن، بتمويل ورعاية «مؤسسة نور الحسين»، التي منحته جائزتيها للإبداع في عامين متباينين. ظهر آدم داريوس على مسارح دمشق ثلاث مرات في الأعوام 1976، 20014 و2005، وكانت المرة الأولى باستضافة «المركز الثقافي الأميركي»، حيث استضفته في لقاء تلفزيوني، بينما كانت المرتان الباقيتان بدعوة من وزارة الثقافة السورية. كما زار أيضاً لبنان والمغرب كفنان إيمائي مرة واحدة، وزار عدة مرات مصر والأردن والكويت ليمثل إيمائياً ويقوم بورشات عمل تدريبية. أثناء الحرب الباردة، كان آدم داريوس من الفنانين الأميركيين النادرين الذين لم يترددوا عن الظهور على مسارح الاتحاد السوفياتي، وكوبا، وفنزويلا، والبوسنة، وكوسوفو، وأفغانستان، وذلك بين أكثر من 85 دولة زارها وظهر على مسرحها كفنان إيمائي، كما قام بورشات عمل مكثفة لفرقها وفنانيها، ليس لأي سبب سوى اعتقاده الراسخ أن الإيماء رسالة محبة وسلام، وأن لغة الصمت أصدق من لغة الكلام للتواصل بين البشر. يُذكر أنه في مطلع شبابه حين ظهر آدم داريوس في فرنسا، قدمه هناك على المسرح أحد أعظم رواد الإيماء المخرج والممثل الكبير جان - لوي بارو. كان آخر ظهور فني للراحل آدم داريوس ثلاثة عروض في روسيا خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) من عام 2015. بعدها، اكتشف إصابته بمرض السرطان، وخضع للعلاج في هلسنكي إلى أن توفي في المستشفى عن عمر يناهز 87 عاماً بتاريخ 3 ديسمبر 2017.
سيبقى تراث آدم داريوس من بعده ملهماً لكثير من الفنانين الذين عرفوه عن كثب، تدربوا معه، أو اطلعوا على مؤلفاته المتعددة كماً وكيفاً. لا شك أن نظريته حول «ضرورة أن يتمتع المؤدي بأقصى سيطرة على الجسد، وأن يطلق العنان واسعاً لخياله»، ستظل نظرة ملهمة لفنان معطاء التزم بفنه وأخلص له طيلة حياته كناسك متصوف، بحيث سيذكره التاريخ طويلاً في المستقبل.



«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«مجمع الأديان» إلى الواجهة السياحية بمصر وسط اهتمام دولي

كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)
كنيسة أبي سرجة في مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

يشهد مجمع الأديان في منطقة مصر القديمة (جنوب القاهرة) اهتماماً دولياً يتمثّل في الزيارات المتتالية لمعالمه من كبار الشخصيات التي تزور مصر، وكانت أحدثها زيارة المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، نيك آدمز، على هامش مشاركته في الفعالية الدولية للمجلس العالمي للسياحة والسفر (WTTC)، التي استضافتها مصر تحت رعاية رئيس مجلس الوزراء.

وأجرى المبعوث الخاص لرئيس الولايات المتحدة الأميركية لشؤون السياحة، جولة في منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، برفقة مصطفى صبحي مدير عام منطقة آثار مصر القديمة والفسطاط، شملت زيارة الكنيسة المعلّقة، إحدى أقدم وأشهر الكنائس القبطية في مصر، التي شُيّدت فوق حصن بابليون، بالإضافة إلى كنيسة مار جرجس التي تضم المغارة التي احتمت فيها العائلة المقدسة خلال رحلتها إلى مصر.

واستعرض مسؤولو المنطقة الأثرية القيمة التاريخية والدينية والأثرية لمجمع الأديان، وما يعكسه من تنوع حضاري وثقافي فريد تتميز به مصر.

الكنيسة المعلّقة في مجمع الأديان (وزارة السياحة والآثار)

ويضم مجمع الأديان في مصر القديمة الكنيسة المعلّقة وكنيسة أبي سرجة التي تُعدّ من نقاط رحلة العائلة المقدسة إلى مصر، بالإضافة إلى المتحف القبطي، ومسجد عمرو بن العاص، ومعبد بن عزرا، ومجموعة من المقابر التراثية.

ويرى المتخصص في الآثار والتراث القبطي، الدكتور إبراهيم ساويرس، أن «منطقة مصر القديمة وما بها من آثار تراثية تنبع أهميتها مما تضمه من معالم أثرية مهمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هذه المنطقة تُعدّ قلب القاهرة النابض، بجوار حصن بابليون الذي كان مدخل القاهرة من مئات السنين، وهي منطقة (كوزموبوليتانية) كما تُوصف، كانت منفتحة الثقافة وترحّب بجنسيات وأديان مختلفة».

وفي وقت سابق نظّمت وزارة السياحة والآثار جولة لوفد من زوجات سفراء 20 دولة أجنبية معتمدة بالقاهرة إلى منطقة مجمع الأديان بمصر القديمة، في إطار الترويج للمقاصد السياحية المصرية المتنوعة وتعريفهن بالحضارة المصرية العريقة والأماكن السياحية الموجودة بها.

جانب من زيارة المبعوث الأميركي للسياحة لمعالم مصر القديمة (وزارة السياحة والآثار)

وأشار ساويرس إلى مكونات منطقة «مجمع الأديان» التي تضم وفق قوله: «كنيسة تحولت إلى كنيس يهودي، وجامع عمرو بن العاص، ثم الآثار القبطية التي تشغل غالبية مساحة هذه المنطقة، من بينها الكنيسة المعلقة، وكنيسة أبي سرجة التي تضم المغارة التي لجأت إليها العائلة المقدسة لفترة ليست قصيرة، والمغارة موجودة تحت الهيكل».

وأكد أن المنطقة حظيت باهتمام كبير من العصر العثماني إلى أسرة محمد علي وحتى العصر الحديث، لأن مقر البطريرك كان موجوداً في هذا المكان، وبالتالي كان يحظى باهتمام كبير، وعلى بُعد خطوات من المنطقة توجد كنيسة أبو سيفين الأثرية التي كانت مقراً بطريركياً مهماً، وتتميز بالفخامة ولا تزال تضم رسوماً جدارية من القرون المسيحية الأولى.

وتابع المتخصص في الآثار والتراث القبطي: «يشهد هذا المكان زخماً حضارياً كبيراً يؤهله إلى أن يصبح مزاراً سياحياً عالمياً جاذباً للسياح من كل أنحاء العالم لما به من مميزات حضارية وأثرية كبيرة، فيكفي أن الزائر يمكن أن يزور أكثر من مسجد وكنيسة أثرية في وقت واحد تنتمي إلى عصور مختلفة، ويمكنه المشي في شوارع المنطقة الأثرية الضيقة المذهلة، ويمكن أيضاً التعرف على التراث المسيحي والقبطي من خلال المتحف القبطي الذي يضم مقتنيات قديمة نادرة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
TT

عزيز الشافعي لـ«الشرق الأوسط»: «تباعاً تباعاً» تمزج الروح المصرية بالخليجية

الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)
الملحن والمؤلف عزيز الشافعي (حسابه على فيسبوك)

أكد الملحن والمؤلف المصري، عزيز الشافعي، أن غياب المطربة شيرين عبد الوهاب عن الغناء خلال الفترة الماضية ترك فراغاً كبيراً؛ لأنها لا تشبه أحداً صوتاً وأداءً وروحاً، ونفى خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هو من أعادها للساحة، مؤكداً أن شيرين هي صاحبة قرار وتوقيت وشكل العودة، وأنها اختارت أغنية «الحضن شوك» للعودة؛ لأنها تلامس ما مرت به، لافتاً إلى أن اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» يمثل شجاعة كبيرة منها كمطربة؛ كونها تعتمد سرداً مغايراً ولغة تجمع بين الفصحى والعامية، ولحناً يمزج بين الروحين المصرية والخليجية في الموسيقى.

ولاقت عودة المطربة المصرية إلى الساحة الغنائية بعد فترة غياب اهتماماً لافتاً، خصوصاً مع طرحها أغنيتين جديدتين شكلاً ومضموناً، عبرت فيهما عن حالتين مختلفتين بين الألم والشجن والغضب في «الحض شوك» وبين الحب والابتهاج والحيوية في «تباعاً تباعاً» التي صدرت الجمعة لتتصدر منصات الأغاني بمصر، والسعودية، ولبنان، وقطر والكويت، وتحتل المركز الثامن في قوائم الاستماع عالمياً، كما احتلت المركز الأول على «يوتيوب» بعد ساعات قليلة من طرحها.

وعلق متابعون عبر مواقع «السوشيال ميديا» على عودة شيرين للساحة الغنائية التي افتقدتها طويلاً، وأشادوا بأغنيات عزيز الشافعي الذي تصدر اسمه «الترند» عبر منصة «إكس»، السبت، كما أشادوا بوقفته مع شيرين في عز أزمتها وتقديمه لها بشكل جديد يليق بعودتها.

وكانت شيرين قد أصدرت قبل أسبوعين أغنيتها «الحضن شوك»، وقالت في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب عبر برنامج «الحكاية» بقناة «إم بي سي» إنها ستطرح كل أسبوعين أغنية من ألبومها الغنائي الجديد.

وتحدث عزيز الشافعي عن كواليس عودة شيرين، قائلاً: «إنها تركت فراغاً كبيراً بغيابها خلال الفترة الماضية»، واصفاً إياها بأنها «مطربة من نوع خاص لا أحد يشبهها صوتاً وروحاً وأسلوب أداء في الوطن العربي كله، وأنها تضيف للغناء بحضورها، كما أن الغناء وحده الذي يُخرجها من عزلتها»، لافتاً إلى أنها «تهتم بردود الفعل كثيراً ويُفرق معها جداً في حالتها النفسية»، على حد تعبيره.

شيرين عادت للتألق مجدداً مع أغنيات عزيز الشافعي (حسابها على إنستغرام)

وعن عودة شيرين للغناء بعد فترة انقطاع، نفى الشافعي أن يكون هو وراء قراراها بالعودة للساحة، وقال ضاحكاً: «لم أقنع شيرين بالعودة ولا أحد يستطيع أن يقنعها بشيء، هي لديها الإصرار لذلك، ودائماً إيقاعها أسرع وقراراتها فورية، ولا أحد يحدد لها توقيت ولا شكل عودتها، في هذه الجزئية لا تسمع شيرين أحداً، ولو أن هناك من نصحها بشيء تفعل عكسه، فهي شخصية عنيدة للغاية ورأيها -كما يقولون- من دماغها».

ويواصل الشافعي: «شيرين لديها حماس كبير لطرح الأغنيات، وقد تعجلت الموزع الموسيقي توما لسرعة الانتهاء من مهمته، كما استدعت المصور اللبناني محمد سيف الذي جاء خصيصاً ليلتقط لها صوراً جديدة، فهي التي اختارت توقيت وشكل عودتها».

وشهدت أجواء البروفات وتسجيل الأغنيات حماساً لافتاً من شيرين، حسبما يقول الشافعي: «صوَّرت الأغنيتين في يوم واحد، وكانت في قمة تركيزها وحضورها».

وعن أغنية «تباعاً تباعاً» يقول الشافعي: «أكتب عادة أغنياتي في ظل حالة شعورية معينة، ثم أُسمعها للمطربين الذين سيعبّرون عنها بشكل جيد، وقد نالت إعجاب شيرين، ولم يكن هناك من سيغنيها أفضل منها».

وعَدّ عزيز الشافعي اختيار شيرين لأغنية «تباعاً تباعاً» شجاعة منها، قائلاً: «هي بالفعل شجاعة من شيرين أن تختار هذه الأغنية المكتوبة بلهجة بيضاء بين الفصحى والعامية، والمعتمدة شكلاً سردياً مختلفاً، ولحناً مزيجاً من المصري والخليجي، ولا بد أن يكون الملحن شجاعاً والمطرب أيضاً في التعامل مع هذا التغيير».

شيرين وعزيز حقَّقا نجاحاً لافتاً معاً (حساب عزيز الشافعي على فيسبوك)

ويضيف الشافعي: «لا أحب أن أستكين في منطقة مريحة، بل أقدم أفكاراً جديدة في كتابة الأغنيات وأرسم طريقاً جديداً»، لافتاً إلى أن الجديد يُعدّ دائماً سلاحاً ذا حدين؛ لأن البعض قد لا يستوعبه، مستدركاً: «لكن لو لم يُغير الكبار فمن سيملك الشجاعة إذن؟»، مشيراً إلى أن «الأغنية تعبّر عن شخصية شيرين فهي قد تضحك في عز بكائها، وفي ظل ضحكها قد تتذكر ما يُبكيها»، وفق قوله.

وحول أغنية «الحضن شوك» التي استهلت بها شيرين عودتها للغناء، قال الملحن المصري: «لقد أحبت شيرين أن تكون أول أغنية تعود بها ليست بعيدة عما مرت به في الفترة الماضي، فقررت أن تكون هي أول أغنية تطرحها لتعبّر عن حالة مرت بها ووجدت أن الأغنية قريبة جداً لما تريد أن تقوله في عودتها، وقد تكون مستوحاة من واقعة واجهتها شيرين ومن وقائع لناس أخرى شعروا بأن القريبين منهم ليسوا بالحنو والاستيعاب المأمول منهم».

وبدت شيرين في أدائها لأغنية «الحضن شوك» كما لو كانت تحاول أن تُخرِج شحنة انفعالية لتستعيد ذاتها؛ ما يفسره الشافعي قائلاً: «بناء الأغنية غير تقليدي، حينما يتحدث إنسان في حالة ثورة يتكلم بطريقة انفعالية، وهذا ظهر في أداء شيرين فكانت بمثابة صرخة تطلب فيها ممن حولها أن يرحموها، في ظل إحساس بالغضب انتابها».

وعانقت كلمات وألحان عزيز الشافعي صوت شيرين في أعمال عدة، من بينها أغنية «بتمنى أنساك» التي لاقت نجاحاً كبيرا ًوتصدرت قوائم الأغاني عام 2025.

ويكاد يكون الشافعي هو الملحن الوحيد الذي يكتب أيضاً أغنياته، فأغلب الأغنيات التي قدمها لكبار نجوم الغناء هي من كلماته وألحانه.

ويُعدّ الموزع توما الجناح الثالث في أغنيات شيرين وعزيز الشافعي الذي يقول عنه الأخير: «توما وزَّع الأغنيتين بطريقة رائعة جداً وأنا وشيرين نحب العمل معه، وكان قد وزَّع أيضاً أغنية (بتمنى أنساك)».


«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
TT

«على مدد الشوف»... معرض قاهري يعيد اكتشاف جماليات العشوائيات

المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)
المعرض تضمن العديد من التيمات الفنية (الشرق الأوسط)

مستعيناً بنظرة الطائر، يحلق الفنان المصري وائل حمدان فوق مشاهد بانورامية للقاهرة التاريخية، راصداً الزخم المتمثل في تكدس البيوت والشرفات والبنايات والمساجد ومعالم المدينة المختلفة، التي اعتاد أن يرسمها في أعماله بطريقة تمزج بين التصوير والتجريد.

وفي معرضه الأحدث «على مدد الشوف» بغاليري «أوديسي» في الزمالك (وسط القاهرة)، يقدم وائل حمدان مجموعة من لوحاته التي يقول عنها إنها نابعة من هوايته الوقوف في الأماكن المرتفعة لمشاهدة مناظر كاملة وعامة للمدن في كل مكان يزوره، وهو ما فعله في القاهرة أيضاً حيث يعيش منذ طفولته.

ويضيف لـ«الشرق الأوسط»، أنه يواصل تقديم تجربته الفنية في هذا الإطار الذي عالجه من قبل في أكثر من معرض منذ سنوات، مشيراً إلى تعامله مع بيوت القاهرة وزخمها السكاني كمناظر طبيعية، ثم بالتدريج كلوحات تجريدية، والسعي لتقديم ثيمات مختلفة مرتبطة بالتاريخ المصري القديم والفنون الشعبية من خلال بعض اللوحات.

القاهرة التاريخية حاضرة بقوة في المعرض (الشرق الأوسط)

ويقدم من خلال هذه التجربة رؤية مغايرة للبنايات المتلاصقة وما فيها من حكايات وقصص مخفية، ويحاول التعبير عن هذا الأمر بالألوان وبالتناغم بين الكتل التي تقدم إيقاعاً وسياقاً مميزاً، وعن هذا الأمر يقول: «أحاول رصد الهدوء والصخب الكامن في هذه البنايات، التي رغم ما يبدو عليها من قبح ظاهري فإن بها لمسات جمالية، حتى في أكثر الأماكن عشوائية يمكننا أن نرى ستائر مبهجة يطيرها الهواء من نوافذ نصف مفتوحة، وثياباً ملونة ترفرف على الحبال والمناشر، ورغم الضيق الذي تتسم به شرفات المنازل فإنها مصبوغة بدهانات فاقعة تشي بالفرح».

ويضم المعرض المستمر حتى 22 مايو (أيار) الحالي، أكثر من 20 لوحة تمتزج فيها الألوان والأشكال والقباب الإسلامية في مشاهد بانورامية تشير إلى الزخم الذي تتميز به القاهرة، خصوصاً منطقة وسط البلد والمناطق الشعبية، وتبدو الألوان بطلاً رئيسياً في تقديم رؤية جمالية مميزة لفكرة تلاصق البيوت وحكاياتها المخفية.

تكدس البنايات وزحام القاهرة بين التصوير والتجريد (الشرق الأوسط)

يضيف حمدان: «عمدت في بعض اللوحات إلى إضافة موتيفات شعبية أو بعض لمسات تنتمي لفن الحروفية، إلى جانب أعمال أخرى ربما يكون بها تأثيرات من الوجوه والفن المصري القديم، لكن تظل التجربة الأساسية والرئيسية مرتبطة بفكرة البيوت والزحام والصخب الذي يشع من منازل القاهرة، والهدوء الذي يخيم عليها من منظور أفقي، ما يضعني أمام نوع من المفارقات قدمتها في اللوحات».

موتيفات شعبية وفن الحروفية في إحدى اللوحات (الشرق الأوسط)

ويتابع: «حاولت الخروج بعض الشيء من سيطرة فكرة البيوت والمنازل على أعمالي رغم الشغف الشديد بها، فقدمت وجوهاً قريبة من الوجوه المصرية القديمة أو الوجوه النوبية، كما سعيت لتطعيم بعض اللوحات بموتيفات شعبية مثل فن الموزاييك أو المشربيات». وفق الفنان الذي يواصل شرح فلسفة معرضه قائلاً: «نشأت وسط القاهرة، في أحياء عابدين وباب اللوق، ولدي حنين دائم للبنايات الشعبية والدكاكين القديمة والقاهرة الفاطمية ومعالمها الإسلامية التي انعكست بشكل كبير في أعمالي».

الفنان وائل حمدان في معرضه (الشرق الأوسط)

والذي يدور وراء الحجار الصلبة والطوب الأحمر والحوائط والجدران السميكة، وماذا تخفي هذه التكوينات الإسمنتية المتجاورة في أنحاء المدينة، هو السر الذي بحث عنه الفنان وائل حمدان في معرضه، وحاول فك شفرته بأعماله المتنوعة، ساعياً لتحليل العلاقة بين زخم البيوت وجغرافية المكان والتناغم مع الطبيعة من حولها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended