جيل ما بعد 2003 في المشهد الشعري العراقي

ظهر من دون أن تسعفه المؤسسات أو الأشخاص أو الأحزاب

جيل ما بعد 2003 في المشهد الشعري العراقي
TT

جيل ما بعد 2003 في المشهد الشعري العراقي

جيل ما بعد 2003 في المشهد الشعري العراقي

ذات مرة، قلت لأحد الأصدقاء إني أطلقت اسم «الجيل السادس» على الشعراء الشباب الذين ظهروا بعد 2003، فضحك الصديق وقال: إن شركة «آبل» طرحت في السوق مؤخراً «آي فون 6»، أي الجيل السادس لهواتفها النقالة، فضحكتُ وقلتُ له: كذلك هذا الجيل، أكثر حداثة منا، نحن شعراء التسعينات، جيل التليفون الأرضي.
أسوق هذه المقدمة لأتحدث عن جيل شعري عراقي أُغفل الحديث عنه، ذلك أن مصطلح الأجيال يكاد يختفي من الحافظة النقدية، ليقترن بالنصف الثاني من القرن العشرين فقط، دون أنْ يمتد لها بعد سنوات الألفين.
إن فكرة الأجيال لم يختم النقد حكايته عنها، وما زال الحديث طويلاً عن الجيل وإشكالياته، فهل هو جيل عمري، أي أنه يتشكل كل عشر سنوات؟ أم جيل فني يشكل ظاهرة فنية، أو مدرسة أدبية؟
على أن ما تعارف عليه النقد الحديث في العراق، هو أن الجيل الشعري، ذلك الذي يخرج كل عشر سنوات، والملاحظ، أنه غالباً ما يشكل زاوية نظر مختلفة عن الجيل الذي يسبقه، كما اختلف -مثلاً- جيل الستينيين عن جيل الريادة الأول.
حين نتحدث اليوم عن الجيل الشعري الذي ظهر في العراق ما بعد 2003، فإننا إزاء خلطة لم يُفضّ الاشتباك حولها، فبعد أكثر من 14 عاماً اشتبكت أجيال واتجاهات شعرية، كما أن فكرة الصراع الجيلي خفّت حدتها كثيراً، ذلك أن أغلب الأجيال السابقة ارتبطت بشكل أو بآخر بمهيمنات الآيديولوجيا وتداعياتها. ويمكن القول من دون كثير من الحذر إن معظم الأجيال التي ظهرت في العراق، وعلى الرغم من اشتغالها الفني على الشكل الشعري، بقيت في حلبة الصراع السياسي والآيديولوجي الذي غطى الفضاء العراقي لعقود.
أما اليوم، وحين نتناول بالحديث الجيل الذي ظهر بعد 2003، يمكننا القول بقليل من التوجس، إنه جيل عابر لفكرة الأدلجة أو الرقيب أو الأخ الأكبر، جيل ظهر دون أن تسعفه المؤسسات، أو الأشخاص، أو الأحزاب، فتيةٌ لم يكن في أيديهم غير الشعر ليواجهوا به مد الأجيال التي سبقتهم.
لكن المهم أن يشار هنا، إلى أن هذا الجيل في حقيقته عبارة عن «مجموعة أجيال»، بمعنى أن منهم من كتب قبل 2003 واكتمل عوده بعد ذلك التاريخ ونضج وطبع أعماله، مثل الشعراء: عمر السراي، وياس السعيدي، وجاسم بديوي، ورضا البلداوي، وأحمد عبد السادة، وحسام السراي، وآخرين، وتلاهم جيل آخر بعد سنوات منهم: خالد الحسن، وزاهر موسى، وميثم الحربي، وعلي محمود خضير، وعلي وجيه، وصفاء خلف، وأفياء الأسدي، وعلياء المالكي، وآخرون كثر في مختلف المحافظات، ثم تسلل بعد هؤلاء جيل آخر ظهر بعد عام 2010، ومن أبرز وجوهه: مهند الخيكاني، ومؤيد الخفاجي، وحسين الأسدي، وعلي نفل، وزين العابدين يونس، وبالتأكيد هناك أسماء أخرى لا يتسع المكان لذكرها.
لقد أسهم اتحاد الأدباء في العراق ولدورتين متتاليتين من مهرجان «جواهريون» (2015 - 2016) في إشراك عدد من الشعراء الشباب تجاوز الأربعين شاعراً من كل الأطياف والأجناس الكتابية موزَّعين على خريطة المحافظات العراقية.
اللافت أن شعراء «الجيل السادس» المشتركين في مهرجان الجواهري، كانوا من عمر واحد، وهذا يحيلنا إلى مقولة، لا أتذكر قائلها، مغزاها أن «المبدعين دائماً من عمر واحد»، إذ راوحت أعمار الشعراء المذكورين آنفاً ما بين العشرين والخامسة والعشرين، وهي أعمار التشكل، والخطوات، والأحلام.
ربما لا يعي هؤلاء الشعراء اليوم، أن ملتقياتهم هذه تعد خطوة مهمة في تحديد ملامح جيل شعري ناهض ومتميز، وله ملامح جمالية محددة، أول هذه الملامح أن الأشكال الشعرية التي كنا نتطاحن حولها في التسعينات ها هي متصالحة الآن، كما أن هذا الجيل لا يهتم كثيراً أن يكون جيلاً له ملامح محددة بعد أنْ خفت الحديث عن الأجيال الشعرية كثيراً، ذلك أن جيلنا «جيل التسعينات» يُعدُّ آخر الأجيال جدلاً وحديثاً عن صراع الأشكال وتجاورها في الوقت نفسه، كما أن دخولنا الألفية الثانية قطع على الجميع إيقاع التسمية، فمن الستينات وإلى السبعينات ومروراً بالثمانينات ووصولاً إلى التسعينات. ثم بعد ذلك، انقطع هذا التواصل الإيقاعي، كما أن ملامح الجيل الفنية بعد التسعينات لم تتشكل أو على الأقل تتبلور ويعلن عنها أصحابها. وفي تقديري المتواضع، فإن ذلك ناجم عن أن مزاج الحياة اختلف، وشكل الصراعات الشعرية أخذ منحى آخر، وما مر به العراق أنتج صخباً كبيراً، أسهم في صناعة مناخ لا يهتم كثيراً بالحديث عن وجود جيل شعري متميز وواضح له الطموحات والأحلام بالتجاوز والتنظير.
يبدو أن الساحة الثقافية العراقية لم تستطع تحمل فكرة غياب الأجيال عنها، والعراق يصدّر النفط والشعراء في وقت واحد، لذلك حضرت الظاهرة هذه المرة وبقوة وهي تدفع أكثر من أربعين شاعراً شاباً ناضجاً ليشكلوا إضافة إلى المشهد الشعري.
حرصتُ منذ سنوات على سماع معظم هؤلاء الشعراء، ولاحظت -وياللمفارقة- أنهم انقسموا بين عموديين ونثريين، وقد اختفت المنطقة الوسطى التي زرعها السياب «قصيدة التفعيلة» للأسف إلا نادراً، الأمر الذي قد يشي بأننا حيال مستقبل شعري صاخب ومتطرف، يشبه البلاد التي وُلد وتبلور فيها.
قبل أكثر من 18 عاماً كنا حين نقرأ شعراً عمودياً لا يكاد يبقى أحد في القاعة، وهذا ما صنعه البعض مع شعراء جيلنا في ملتقى «السينما والمسرح» أيام الشاعر والناقد فاروق سلوم حين غادر القاعة عدد من الشعراء بمجرد سماعهم أحد زملائنا يقرأ شعراً موزوناً، أما الآن فالأمر مختلف تماماً، فقد وجد هؤلاء الشعراء مناخاً سمحاً يسمح لهم باللعب في أي منطقة يشاؤون، والكتابة على أي شكل يشعرون أنهم يجيدون السباحة فيه، دون خجل أو تردد في أن ما يكتبونه قد يواجَه بالطرد، أو الاستهزاء، أو التخلف، كما واجهناها أيام التسعينات، الحق أنني اليوم أغبطهم على ذلك.
في تقديري أن ما يحتاج إليه هذا الجيل هو المتابعة النقدية الجادة والعمل الدؤوب على صناعة مشهد شعري يشكل خيطاً ما بين الحداثة والأصالة، ولعلهم يفعلون خيراً إن قاموا بتدوين لحظتهم المهمة، من خلال الخروج بمجموعة شعرية مشتركة، ربما يستطيع اتحاد الأدباء المساعدة في طباعتها، أو أنْ يشتركوا هم في طباعتها، فالتدوين هو العامل الوحيد لحفظ اللحظة الزمنية وتأطيرها.
أظن أن التسمية ضرورية لملامح الجيل القادم، ومقترحي يتعلق بتسمية «الجيل السادس»، ذلك أن الجيل الأول بدأ بالرواد، والثاني جيل الستينات، بعده السبعينيون وهم الجيل الثالث، والثمانينيون الرابع، والتسعينيون الخامس، إلى أن وصلت قاطرة الشعر العراقي إلى اللحظة التي ظهر فيها الشعراء الشباب الجدد في مهرجان «جواهريون» ليشكلوا بذلك جيلاً سادساً يضاف إلى لائحة الأجيال الشعرية العراقية.

* شاعر عراقي، وأستاذ للأدب العربي في الجامعة المستنصرية.



اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.


أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
TT

أصوات «دولة التلاوة» تصدح في المساجد المصرية الكبرى برمضان

المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)
المساجد الكبرى في مصر تستضيف قراء جدداً ( وزارة الأوقاف المصرية)

عبر عذوبة الصوت وخشوع القلب ورهافة الإحساس الصادق، يصدح جيل جديد من المقرئين في المساجد المصرية الكبرى مثل جوامع «الإمام الحسين» و«عمرو بن العاص» و«السيدة زينب» و«السيدة نفيسة» وهم يؤمون المصلين ويتلون القرآن في صلوات «المغرب» و«التراويح» و«الفجر» منذ بداية شهر رمضان.

وتشهد تلك المساجد إقبالاً كثيفاً من المصلين يقدر بالآلاف يومياً في طقس روحاني لافت يجمع بين عبق الطابع التاريخي الأثري للمكان أو المنطقة، وتصدي أسماء شهيرة من المقرئين والخطباء كى يؤموا الجموع الغفيرة في مختلف الشعائر والمواقيت.

وبرز اسم هؤلاء «المقرئين الجدد» من خلال برنامج المسابقات الشهير «دولة التلاوة» الذي انطلقت فعالياته في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بهدف اكتشاف جيل جديد من الموهوبين في قراءة آيات الذكر الحكيم ضمن تقاليد «المدرسة المصرية في فن التلاوة» التي قدمت للعالم الإسلامي قمماً شامخة في هذا السياق مثل الشيوخ مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، ومحمد رفعت، ومحمد صديق المنشاوي، ومحمود علي البنا، ومحمود خليل الحصري.

أصوات جديدة شابة في المساجد المصرية خلال رمضان (وزارة الأوقاف المصرية)

ومن أبرز القراء الجدد محمد وفيق ومحمود السيد وأبو بكر سيد وخالد عطية، فضلاً عن الخمسة المؤهلين إلى الحلقة النهائية من البرنامج، والتي تذاع في ليلة السابع والعشرين من رمضان، وهم أحمد محمد وأشرف سيف ومحمد أحمد عبد الحليم ومحمد محمد كامل ومحمد القلاجى.

وعدّ الدكتور حازم مبروك عطية، الباحث بهيئة كبار العلماء بالأزهر، مشاركة نجوم «دولة التلاوة» في إمامة المساجد الكبرى في رمضان «خطوة رائعة تجمع قلوب المصلين حول الأصوات العذبة في نهج يستلهم السيرة النبوية في اكتشاف من يتمتعون بحلاوة الصوت ويمنحهم الفرصة للتعبير عما يتمتعون به من نعمة وموهبة».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «مسابقة (دولة التلاوة) أعادت إلى الأذهان أمجاد سير أعلام هذا الإبداع المصري الخالص الذي قدّم أسماء تختلف تماماً عن مثيلاتها في العالمين العربي والإسلامي، لأن القرآن كما يقولون نزل في مكة وفُسّر في العراق وقُرئ في مصر، وبالتالي فالقرّاء المصريون لا يكاد يباريهم أحد في هذا المجال ولا بد أن يكون هناك امتداد لجيل العمالقة الذين تربينا على أصواتهم».

ويأتي برنامج «دولة التلاوة» كنتيجة لتعاون مثمر بين وزارة الأوقاف و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، حيث أذيع عبر قنوات «cbc» و«الحياة» و«الناس» وسط تفاعل جماهيري لافت، متصدراً اهتمام الرأي العام، كما كسر حاجز الملياري مشاهدة عبر مختلف المنصات، بحسب تصريح سابق للدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم «الأوقاف».

الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى (وزارة الأوقاف المصرية)

وأضاف رسلان أن «الوزارة مستمرة في تقديم نجوم دولة التلاوة ليؤموا المصلين في مختلف المساجد الكبرى عبر محافظات الجمهورية، وليس القاهرة فقط، طوال شهر رمضان تعزيزاً للأجواء الروحانية والمفاهيم الإيمانية».

وقال الدكتور حازم مبروك عطية إن «التفاعل الجماهيري اللافت مع مسابقة (دولة التلاوة) يثبت أن الشعب المصري يميل إلى القيمة، كما يميل إلى كل ذي قدر في كل فن، فما شهدناه من الإجماع والإقبال غير المسبوق يجعلنا نثق في هذا الشعب الكريم الذي يشيع البعض عنه بين الحين والآخر أنه يهتم بالأشياء البسيطة والسريعة والعابرة، لكنه يثبت عبر هذه المسابقة أنه شعب يحب القيمة ويحب الالتفاف حول الجمال وينحاز للمبدأ الصحيح».