مقاتلات كرديات في خط المواجهة

تركن حياة الرغد إلى ساحات المعارك.. من أجل الوطن وحقوق المرأة

مقاتلات كرديات في خط المواجهة
TT

مقاتلات كرديات في خط المواجهة

مقاتلات كرديات في خط المواجهة

بينما كانت شمس الشتاء توشك على الأفول خلف الأفق البعيد، أشارت المقاتلة الكردية روساير إلى كتلة بعيدة من المباني التي خيم عليها الظلام.
قالت: «هذا مكانهم». لم يبد ذلك المكان خط مواجهة، بل كان بضع أفدنة من مزارع البرتقال التي تتلألأ في حمرة ضوء الغسق الخافت. لكن الأراضي التي كنا نقف عليها، والتي تبعد نحو ربع ساعة عن رأس العين الواقعة على الطريق الذي يعانق الحدود التركية، تشهد الآن ذروة مرحلة جديدة حاسمة في الحرب الأهلية السورية، حيث يدور صراع بين الميليشيات الكردية متمثلة في قوات الحماية الشعبية (YPG وYPJ) ومقاتلين تابعين لجبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، على خط مواجهة يمتد بطول 330 كيلومترا من هنا إلى معبر اليعربية الحدودي على الحدود الشمالية الشرقية السورية مع العراق.

كان العدو الذي أشارت إليه روساير يتمركز على بعد ميلين من السهول التي تنتشر شمال سوريا. في الليلة التالية شن مقاتلو النصرة هجوما، ودخل مقاتلوهم في نطاق 50 مترا من المواقع الأمامية لقوات الحماية الشعبية قبل أن يعودوا أدراجهم مرة أخرى إلى مواقعهم السابقة.
ويضحك دليل، وهو أحد مقاتلي «الحماية الشعبية» التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، أحد أكبر الأحزاب الكردية في سوريا، وهو يعيد رواية تفاصيل الهجوم أثناء جلسة استرخاء: «في الليلة التالية نادينا عليهم، تعالوا واشربوا معنا الشاي». وأضاف مقاتل آخر: «يجب أن يشعروا بالخزي. لم يستطيعوا السيطرة على خربة البنات. لم يستطيعوا ذلك لأنهم ضعفاء».
وبالمصادفة، كانت المواقع الأمامية للأكراد في قرية خربة البنات (كان الاسم متناسبا مع الموقف بشكل كبير، ففي هذه الميليشيات الكردية تقاتل النساء والرجال بعضهم إلى جانب بعض دون تمييز)». وصاح مقاتل شاب مبتهجا: «صبايا وشباب».
وشرحت روجدا، القائدة المحلية، كيف يغير حضور النساء في الميليشيات الكردية من ديناميكياتها على الجبهة. وقالت: «نميل في الشرق الأوسط إلى التفكير في الرجال كقادة. لكن الرجال يميلون إلى التباهي نوعا ما، أما النساء فهن أكثر صبرا ودماؤهن أقل حرارة، ولا يملن إلى التصرف وفق القواعد المألوفة للحرب».
وأخبرتنا أن النساء يتلقين تدريبا مختلفا عن الرجال، فتقول: «أجسادنا تتحرك بشكل مختلف؛ فالرجال يملكون العضلات، لذا فإن تدريب النساء يستهدف بناء القوة». وأشارت إلى أن النساء أظهرن تفوقا واضحا في المراقبة والتخطيط على الجبهة. وأضافت: «النساء يتمتعن بقوة تركيز كبيرة ولن يسمحوا بأن يخيبوا ظن حراسهم. ولذا فإن العمل الجماعي يحقق نتائج أكبر».
بدت روساير محاربة محنكة وهي تقف على الجبل الذي يطل على أعدائها وهي تحمل بندقيتها على كتفها، لكنها لم تكن سوى واحدة من بين 50 ألف مقاتل في المنطقة الكردية السورية اللائي انضممن إلى قوات الحماية الشعبية خلال العامين الماضيين للقتال ضد الإسلاميين الذين يزحفون باتجاه المناطق الكردية.
وتقول روساير: «اتخذت قراري بالانضمام إلى قوات الحماية الشعبية في أكتوبر (تشرين الأول) 2012. فعلت ذلك لأنني أرى أن الجماعات المتشددة يشكلون تهديدا لشعبي، ولذا اتخذت قراري إما أن أموت أو أن أعيش حرة».
لكن قرارها الانضمام إلى قوات الحماية الشعبية كان مفاجئا لعائلتها؛ ففي مزرعة العائلة الواقعة على سفح تل يقع على بعد 50 كيلومترا من القاعدة في خربة البنات، روى والدها قصة تحول روساير من طالبة تدرس الموضة إلى مقاتلة في الصفوف الأمامية. وقال والدها: «لم تجد عملا لها هنا، لذا اتجهت إلى الدارباسياه للعمل معلمة للغة الكردية في مركز ثقافي. وذات يوم قررت الانضمام إلى قوة الحماية الشعبية، لكنها لم تتحدث معي عن ذلك قط». تحول هذا المسار إلى توجه عام، قالت لي روساير إن الكثير من معلمي اللغة الكردية الذين عملت معهم انضموا للعمل كمقاتلين.
وقال والدها إنه اضطر إلى قبول قراراها، وقال: «كنت غاضبا في البداية، لكن الغضب لم يستمر طويلا وتقبلت الأمر. أنا فخور بها، وأتمنى من الله أن يحميها. يأتي المتطرفون إلى هنا من الخارج، وهي تدافع عن أرضنا». قبل أن نغادر عرض علينا بعض الصور التي تخص ابنته التي نادرا ما يراها. المرة الأخيرة التي حضرت فيها روساير إلى المزرعة كانت قبل شهر. وظلت مع أسرتها لبضع ساعات، لكنها رفضت النوم هناك ليلا، وبدت سعيدة حقا بحياتها، كانت تريد العودة كي تحتضن أختها بين ذراعيها.
لكن في القاعدة، بدا أن الهجوم الذي وقع في الليلة السابقة لم يقلق روساير ورفاقها كثيرا. أكلوا ودخنوا السجائر وكانوا يضحكون وهم يناقشون الموقف الذي كانوا فيه. وجدت نفسي أقارن المحادثات هنا بتلك التي أجريتها مع كتائب الجيش السوري الحر في حلب وإدلب ودير الزور. هنا لا يوجد اعتراض على موقفهم ولا غضب من الغرب للدعم الذي يشهدونه مطلقا. لم يبد مقاتلو الحماية الشعبية في خربة البنات أي إذعان لقدرهم، بل كانوا على النقيض سعداء بما هم فيه.
ربما كان ذلك لأن الأشهر الماضية شهدت رجوح كفة الحرب لصالح الأكراد، في أعقاب عام حقق فيه الإسلاميون تقدما في شمال سوريا بدا أنه لا يمكن إيقافه. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 دخل الجيش السوري الحر، الذي يقوده لواء التوحيد المعتدل، رأس العين، المدينة ذات الأغلبية الكردية الممتدة على الحدود مع تركيا. ويقول خالد، مواطن كردي من رأس العين: «في البداية كنا سعداء بقدومهم، لكنهم سرعان ما بدأوا يتغيرون ولم يقبلوا الثقافة الكردية، أرادوا أن يجبرونا على تغيير عاداتنا».
وبعد عشرة أيام من وصول لواء التوحيد إلى رأس العين، دخلت قوات جبهة النصرة المتطرفة المدينة. ويضيف خالد: «في البداية حاول الأكراد التفاوض معهم، لكن في 18 نوفمبر وأثناء جلوس الوفد الكردي مع أعضاء في جبهة النصرة، جرى إطلاق الرصاص على أحد ممثلي الأكراد من بندقية قناصة. حينئذ علمنا أنهم غير متحضرين، ورأينا الجانب المظلم لهم. بعد ذلك بدأ الأكراد في قتالهم. وعلمنا أنهم كانوا يحاولون السيطرة على منطقتنا».
تطلب الأمر ما يقرب من عام، بيد أنه في الثامن والعشرين من أكتوبر تمكنت قوات الحماية الشعبية أخيرا من طرد قوات النصرة من رأس العين. ومنذ ذلك الحين كانت الأخبار التي ترد من شمال سوريا تتحدث عن تقدم الأكراد في المدن الخاضعة لسيطرة كتائب الإسلاميين. في هذه الحرب متعددة المراحل، يبدو واضحا أن هذه هي اللحظة الكردية. ومع تراجع الإسلاميين من رأس العين، تركوا وراءهم مدنا وقرى مليئة بالشباب والشابات الأكراد الذين أبدوا إصرارا على الدفاع عن منطقتهم ضد أي هجمات أخرى.
وقالت نوجين، ابنة السادسة عشرة سنة، تلك الفتاة الهادئة ذات العيون الواسعة: «إنهم أشرار. جبهة النصرة وداعش ليس عندهم أي رحمة». وقالت إن إخوتها الأربعة انضموا إلى قوات الحماية الشعبية بعد مقتل ابن عمهم على يد الإسلاميين بأكثر الطرق وحشية. وقالت: «قطعوه إربا، فصلوا رأسه وقطعوا يديه ورجليه، وأعادوا جثته إلينا أشلاء».
وبالنسبة للنساء المنضمة إلى قوات الحماية الشعبية، فإن هذا الأمر يضفي على القتال ضد جبهة النصرة في شمال سوريا مزيدا من الأهمية ومعنى آخر إضافيا للضرورة الملحة. وتشرح امرأة أخرى مقاتلة، تسمى أيضا نوجين، السبب وراء تركها حزب العمال الكردستاني، الجماعة الكردية المقاتلة التي تتخذ من شمال العراق مقرا لها، من أجل الانضمام إلى القتال مع قوات الحماية الشعبية في سوريا، قائلة: «التحقت بحزب العمال الكردستاني لأنه كان في ذلك الوقت الجماعة الوحيدة التي تقاتل من أجل الحصول على الحقوق الكردية. وفي شهر أكتوبر لعام 2011 سمعت عن قوات الحماية الشعبية، وعرفت أن واجبي بوصفي فتاة كردية هو الدفاع عن حقوق المرأة. ولا توجد مساواة بينهما. وأنا لا أوافق على هذا الأمر، ولهذا السبب انضممت إلى القوات المقاتلة».
وتعد بيروالات أيضا محاربة خبيرة في صفوف حزب العمال الكردستاني، وهي بنت تبلغ من العمر 29 سنة وتتحدث بهدوء ودماثة وتتدلى شرائط بيضاء من شعرها الأسود الداكن الطويل، حيث التحقت بهذه الميليشيا عندما كان عمرها 12 سنة. عبرت بيروالات الحدود إلى سوريا منذ ثلاثة أشهر وانضمت إلى قوات الحماية الشعبية. وأوضحت بيروالات الاختلافات بين القتال مع حزب العمال الكردستاني في جبال تركيا والقتال مع قوات الحماية الشعبية في الأراضي الزراعية بشمال سوريا. وتقول بيروالات: «في تركيا كنا نحارب ضد الدولة، وكانوا، على المستوى الفني، أقوى من العدو الذي نحاربه هنا. ويتمثل الاختلاف في أن آيديولوجية المتشددين الإسلاميين هنا أكثر قوة، بيد أنه في النهاية يمكننا هزيمة كلا الطرفين».
يعد النضال الكردي بمثابة حياة لبيروالات. وعندما سألتها عما إذا كانت تريد الزواج وتكوين أسرة في المستقبل، هزت رأسها وضحكت، وأردفت قائلة: «بالنسبة لنا، ليست هناك بداية أو نهاية للصراع؛ لأنه صراع من أجل الحرية وحقوق المرأة في أرجاء العالم كله. أفضل عدم الزواج لأننا لا نعيش في بلد حر، وقد يتعرض أطفالي للاضطهاد بسبب مشاركتي في القتال. وعندما تضع الحرب أوزارها في سوريا، فسأنضم مرة أخرى إلى حزب العمال الكردستاني في العراق أو تركيا أو فلسطين».
دخول حزب العمال الكردستاني على خط الأزمة السورية يضفي على هذه الحرب الأهلية طبيعة غريبة ومظهرا عاما غير محتمل، فمنذ تسعينات القرن الماضي، قام الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة الأميركية بتصنيف حزب العمال الكردستاني على أنه تنظيم إرهابي محظور. وعلاوة على ذلك، وصف الجيش التركي قوات الحماية الشعبية أيضا بأنها «منظمة إرهابية منشقة». وفي الوقت ذاته، ترتبط «جبهة النصرة» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام» بتنظيم القاعدة. وعليه، فحسبما يرى كثيرون، تعد هذه الحرب حرب إرهابيين ضد إرهابيين.
بيد أنه بالنسبة لأغلبية مقاتلي قوات الحماية الشعبية في خربة البنات، يعد الأمر أقل تعقيدا، حيث إنها معركة فقط لحماية وطنهم ونمط حياتهم. وفي حين يستمر البعض، مثل بيروالات، في مواصلة القتال في سبيل القضية الكردية في بلاد أخرى، يقول البعض الآخر، مثل روساير، إنهم سيعودن إلى ممارسة الحياة المدنية بمجرد أن تنتهي الحرب ضد هؤلاء المتشددين.
وتقول روساير: «لقد شهدت الأسابيع الأخيرة تحقيق انتصار كبير بالنسبة لنا، ولن ندع الجهاديين يواصلون مسيرتهم. وسنواصل القتال طالما بقوا في أراضينا».



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.