أُعلن، يوم أول من أمس (الأحد)، عن فوز خمسة مخرجين سينمائيين عرب، بتمويل مالي خلال جوائز «ملتقى دبي السينمائي». وعرض المخرجون المشاركون في المسابقة مشاريعهم للملتقى، ليحظوا بفرصة ربح جوائز مالية، بالإضافة إلى توفير فرصة فريدة لتكوين شبكات للتواصل مع الخبراء العالميين في القطاع السينمائي، ولمساعدتهم في إيصال أعمالهم إلى الشاشة الكبيرة.
الرابحون بتلك الجوائز سيجدون أنّهم في بداية الطريق لاستكمال هذه المشاريع بمساعدة مؤسسات تهتم بالبحث عن المواهب الجديدة ودعمها.
وفازت مشاريع للمخرج حيدر رشيد، ابن عرفان رشيد أحد العاملين في مهرجان دبي، وويلي رول وجسيكا لاندت، ونايلة الخاجة وأنيسة داود بجائزة «شبكة منتجو كان». وهذه المشاريع بحسب ذكر مخرجيها هي «أوروبا» و«السوريون» و«حلمت بإمبراطورية» و«حيوان» و«بين الرجل». وتبلغ قيمة جائزة فيلم «السوريون» لمحمد إسماعيل اللواتي 25 ألف دولار أميركي. بينما تبلغ قيمة كل جائزة من الجوائز الأخرى 10 آلاف دولار.
ومنحت شبكة راديو وتلفزيون العرب جائزة بقيمة 10 آلاف دولار لفيلم «ستموت في العشرين» لأمجد أبو العلاء ونال المخرج أنور بوليفة جائزة «هايد أواي إنترتينمنت» بالقيمة نفسها. أما مشروع المخرج باسل غندور فنال جائزته من مؤسسة «سينيه سكيب» وقيمتها عشرة آلاف دولار أيضاً.
مشاريع مدعومة
هذه الجوائز ليست من جوائز المهرجان ذاته. لا علاقة لها بتلك المنتظرة في نهاية عروضه يوم الثالث عشر من هذا الشهر، بل هي من تلك المصاحبة له التي أدركت قيمة المهرجان الفنية كمنصة تصدير مواهب جديدة تحتاج لفرص العمل فأقدمت على مد يد الدعم.
أمّا جوائز المهرجان الرسمية فهي ما تتبارى عليها عشرات الأفلام المقدمة على الشاشات الكبيرة في ثلاثة أقسام رئيسية وهي «المهر الطويل» المفتوحة للأفلام العربية تسجيلية وروائية، و«المهر الإماراتي» للأفلام المنتجة في دولة الإمارات (طويلة وقصيرة) ومسابقة الأفلام الخليجية (للأفلام القصيرة).
تشترك الأفلام المتبارية في أنّ غالبيتها أهل لهذه المسابقات. في الحقيقة، وخلال الأيام القليلة الماضية لهذه الدورة التي بدأت في السادس من هذا الشهر، تجلّت بضعة أعمال مهمّـة وجيدة من سينمائيين عرب موزعين على بلدانهم المختلفة.
رحلة الدراجي
روائيا، وعلى مستوى مسابقة «المهر الطويل» الشاملة لكل الأعمال العربية المختارة، برزت أفلام مهمّة خلال الأيام القليلة الماضية مع حضور واضح للسينما الآتية من العراق أو عنها.
بعد عرض «73 درجة مئوية» لباز شمعون، تم تقديم «الرحلة» لمحمد الدراجي و«قصص العابرين» لتيبة الجنابي وكلاهما من المخرجين العراقيين المعروفين.
كنت كتبت عن فيلم باز شمعون وتركت خيبة أملي تسطو على الكلمات فجاءت حادة أكثر مما يجب. ليس أنّ هذا الحكم الفردي كان شاطحاً لكنّه تجاوز، للمعذرة، حدود التعامل الهادئ وانخرط في حدة هي غريبة عمّا أذهب إليه عادة.
الفيلم التسجيلي المتسابق «73 درجة مئوية» ما زال عندي عملا سينمائيا التهم نفسه بنفسه بسبب إصراره على مشاهد مستطردة وبالتالي مكررة وبسبب تبعات ما ذهب إليه كمضمون، لكنّ القصد من الكتابة عنه قبل أيام قليلة لم يكن النيل من حق مخرجه باز شمعون في التعبير عمّا يريد التعبير عنه. فقط كيف وإلى ما آل إليه هذا التعبير هو ما نختلف فيه. كذلك على المرء أن يعترف بأنّ ما تعرض إليه المخرج ذاته وعائلته من نكبات شخصية على أيدي مجرمي «داعش» أكثر بكثير مما يمكن لأي إنسان تحمله، ولذلك له العذر في اختيار موضوعه والحرص عليه. فقط لو سمح لنفسه موقفاً من على هضبة أعلى تتيح له التعامل مع ما يريد بأسلوب فني أفضل، كون الإخراج نافذة للارتقاء بالمادة وليس العمل في وسطها.
فيلم «الرحلة» لمحمد الدراجي يفعل ذلك لمعظم وقته. إنه أفضل ما أخرجه الدراجي من أعمال إلى اليوم، تلك التي بدأت بفيلم «أحلام» (2006) ليتبعه بفيلم «ابن بابل» (2009)، ثم «على رمال بابل» (2013)، هذا إلى جانب عدد كبير من الأفلام القصيرة سواء من إخراجه أو من إنتاجه لمخرجين جدد أراد مساعدتهم على تحقيق آمالهم.
ما يسجل له فيلما بعد آخر هو السعي لاستحواذ كافة شروط تقديم حكايات غير مطروقة و- بحد ذاتها - مثيرة. وهذا المنوال ما زال متوفراً في فيلمه الجديد الذي عُرض سابقاً في مهرجاني تورونتو ولندن قبل وصوله إلى هنا حيث جرى الترحيب به، بدءاً من كلمة المقدّم التي تحدث فيها عن نفسه بالكم ذاته الذي تحدث فيه عن الفيلم أو أكثر، إلى نهاية العرض الناجح.
يدور الفيلم الجديد في محطة للقطارات. سارة (زهرة غندور) امرأة شابة تصل إلى محطة بغداد وفي نيتها تفجير زنار المتفجرات الذي تحمله حول خصرها. هي مدفوعة بعملية غسل دماغ مسبقة ومراقبة من قبل أفراد لا نراهم. في المحطة، بانتظار الفرصة المناسبة، تبدأ بملاحظة الناس الذين يستخدمون المحطة مكان عمل لهم: فرقة من العازفين، صابغ أحذية، بائعة زهور، امرأة في الانتظار وغيرهم من الوجوه التي لكل منها حكاية يستعرضها المخرج بإلمام وبراعة.
هناك أيضاً، بين الجموع الشاب سالم (عامر جبارة) الذي يشبع المكان بصوته وهو يتحدث على هاتفه النقال حول مشاريع وصفقات. في واقعه، وكما يعترف لاحقاً، هو نصاب. وهذا الاعتراف يحدث بعدما اكتشف حقيقة سارة فحجزته مهددة إياه بالقتل إذا ما كشف سرها.
لكن الأمور تسير صوب صدام ما. يملك المخرج من أدوات التشويق ما يكفي لشحن المواقف بالمفاجآت وصولاً إلى الحيز المتوقع حيث على سارة إمّا القيام بما وعدت القيام به وإمّا العدول عنه. وفي النطاق الثاني، فإنّ عدولها مرتبط بطفل آل إليها من قِـبل أم هاربة من فضيحة.
حكايات الجنّـابي
كل شيء يسير جيداً إلى أن يتقدّم الفيلم صوب ربع ساعته الأخيرة أو نحوها. محمد الدراجي يختار أن يترك ما هو شغل على الواقع بكل ما يحيط به من ظروف صعبة وما استطاع توفيره من حنكة، إلى فصل سوريالي التشكيل يريد منه أن يدلف لتعميم الوضع والحديث عن انفجار مرتقب وانتظار لغد غامض. نتيجتان كان يمكن التوصل إليهما من دون تغريب الفيلم وإخراجه عن خط سكته المعتمد. من دون تلك النقلة التي تودي بوحدة فيلم تم تأسيسه بأسلوب تعبير مختلف من البداية وحتى تلك اللحظات.
الفيلم العراقي الآخر هو «قصص العابرين» لقتيبة الجنابي.
قتيبة مخرج لديه سابقة شخصية مع نظام صدام حسين. لقد تم اختطاف والده منذ أكثر من ثلاثين سنة ولم يره بعد ذلك. كان ما زال فتى صغيراً حين وجد أنّ الأفضل له أن يتسلّل هاربا في رحلة قطار كانت الأولى من رحلات متعددة توحي بهذا العنوان المختار.
عمل على هذا الفيلم جامعاً مواد من 30 سنة ومنتقلاً من الصيغة التسجيلية إلى الصيغة الروائية. بما أنّه أقدم على هذا المزج من مطلع الفيلم فإنّ ما تشكل أمامنا هو مزيج متحد من البداية بين منهجين من العمل. هذا على عكس مبدأ الانتقال فجأة من منهج إلى آخر.
البداية التسجيلية (ثم ما تلاها من حين لآخر خلال مدة العرض البالغة 67 دقيقة) توفر الذاكرة. المشاهد الروائية الغالبة تجسد الخوف. في الأولى تستمد من اختفاء الأب والخطب وعناوين الصحف والصور الفوتوغرافية موادها موزعة بتدبير رائع.
السرد الروائي يتحدث عن الخوف. هناك صوت الراوي (المخرج نفسه)، وهو يذكر كلمة «خوف» ثلاث مرات في ربع الساعة الأولى، لكنّ الصورة تجسد هذا الخوف طوال الوقت. هنا يعمد الجنابي إلى التشكيل الفني لبصرياته. ليس أنّه يضيف إلى الصورة ما يجعلها تشكيلية، بل هي في الأصل تأليف خاص يعكس طوال الوقت حسّ الترحال الدائم والخوف المتشبث (لقطة لبطله وهو محبوس في غرفة صغيرة يرى منها رجلاً يرقبه في الشارع) والقلق من مستقبل غامض. يعرف الجنابي أهمية الاعتماد على الصورة أكثر من الخطابة المباشرة. يؤسس لفيلم مذهل في لغته السينمائية. بالأبيض والأسود هنا وبالألوان هناك وتحت سماء ليلية داكنة أو نهارية ضبابية دائماً.
لقطات على سكة حديد وقطار عابر وهاربون يحاولون صعوده فيسقطون أرضاً. بطله (الذي يمثله) ليس في أي حال أفضل. يشعر بأنّه مطارد ومراقب وبراعة المخرج هي في أنه يعرف ما يلتقط وكيف يلتقط ما يريد التعبير فنياً به. يصل بموهبته (يصوّر أفلامه بنفسه وهو الذي انطلق مصوّراً فوتوغرافياً) إلى نقطة منفردة بين أترابه.
أسلوبه يلتقي بأسلوب عمل ديفيد لينش في أفلامه الأولى مثل «لقاء غير عقلاني للخوف» و«إيرازرهد» (Absurd Encounter with Fear وEraserhead) ويوحي بذلك التلاقي المؤثر الموسيقي المستخدم. الفارق في هذا المؤثر هو أنه يلعب دوراً خلفياً في أفلام الأميركي لينش ويلعب دوراً خلفياً وأمامياً في فيلم الجنابي.
هذا لا ينتقص من قيمة العمل بل يثريه كونه المقابل السينمائي الجيد لأسلوب مخرج آخر منفرد في صياغة أعماله.
«الشرق الأوسط» في مهرجان دبي السينمائي الدولي (5): مختارات لأفلام تبهر المشاهدين وتنظيم يبهر الضيوف
بينما تتقدم السينما العراقية الصفوف
من فيلم محمد الدرّاجي «الرحلة»
«الشرق الأوسط» في مهرجان دبي السينمائي الدولي (5): مختارات لأفلام تبهر المشاهدين وتنظيم يبهر الضيوف
من فيلم محمد الدرّاجي «الرحلة»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

