طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

مبعوث الأمم المتحدة فصّل في لقاء مع «الشرق الأوسط» رؤيته للتسوية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

طريق غسان سلامة لحل المعضلة الليبية

غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)
غسان سلامة لدى وصوله إلى بنغازي نهاية الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بحركات يدٍ تمسك بمسبحة، وبكلمات حاسمة تغترف من قاموس دولي، كشف مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا الدكتور غسان سلامة، عن ثلاث ركائز للحل، من أجل الوصول بهذه الدولة الغارقة في الفوضى منذ 2011 إلى بر الأمان. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الركائز هي الدستور والانتخابات والمصالحة الوطنية.
لكن ليس من السهل حل هذه القضايا كلها، بما فيها من تفاصيل صغيرة محيِّرة، في ظل انقسام لمؤسسات ليبيا بشكل لم يشهده لا العراق في فترة ما بعد الغزو الدولي، ولا لبنان في زمن الحرب الأهلية، وفقا لخبرة سلامة نفسه في هاتين الدولتين، وفي أحداث كبيرة أخرى تعامل معها في حينها.
وفي القاهرة التي ترعى محاولات يقوم بها ضباط ليبيون لتوحيد الجيش الليبي، استمع سلامة البالغ من العمر 66 عاماً، إلى قادة في وزارة الدفاع المصرية، وفي وزارة الخارجية أيضاً، وأعرب عن أمله في أن تكون جهود القاهرة نموذجاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية، قائلا بنبرة قلقة إن استمرار الانقسام «يزيد من إرباك الدولة المركزية في ليبيا».
وتولى سلامة، وهو وزير لبناني سابق وأكاديمي مخضرم، منصبه بصفته مبعوثاً أممياً في سبتمبر (أيلول) الماضي. وهو الشهر نفسه الذي قدم فيه خطة للحل في ليبيا، وافق عليها كل من مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك. ومنذ ذلك الوقت زار مصر، الجارة التي تعاني من جراء غياب سلطة قوية في ليبيا، مرتين، كانت أحدثهما الأحد الماضي.
وقضى المبعوث الأممي أقل من يومين في اجتماعات مكثفة، وفي لقاءات مع أطراف في الحكومة المصرية وفي الجامعة العربية وغيرهما. ثم استقل الطائرة إلى تونس حيث ينتظره فرقاء ليبيون هناك أيضاً، لكن وجوده في القاهرة كان يحمل تطلعات وتصميماً على حل المعضلة التي تعصف بحياة الليبيين.
ويقول مستعيداً مشاهد عن تردي الخدمات ونقص السيولة في البنوك، رآها أثناء تجوله في شوارع طرابلس، إن مساعيه تتركز الآن على إيجاد «حكومة من أجل تسيير حياة المواطنين فيما تبقى من المرحلة الانتقالية التي تنتهي في سبتمبر 2018... الناس في حاجة للصحة والتعليم... هذا سيكون جيداً كذلك للنسوة الليبيات اللائي يقفن ليومين أمام مصرف للحصول على 25 دولاراً من مدخراتهن».
ويسعى سلامة إلى استكمال مهمة الأمم المتحدة التي توصلت في 2015، إلى توقيع اتفاق الصخيرات بين إخوة أعداء في ليبيا. ونتجت عن ذلك الاتفاق بنود عدة، من بينها تشكيل مجلس رئاسي وحكومة وفاق. وبعد نحو عامين من الجهود، ما زالت السفينة الليبية تتقاذفها الأمواج من دون أن تصل بعد إلى بر الأمان. وهو يريد أن يعيد ترتيب الأمور، لكن ليس من خارج الاتفاق السياسي، وإنما من داخله. وهذا ربما يتطلب مهارة جراح، لأن الوضع معقد، وطموحات الليبيين كبيرة ومتعجلة ومثيرة للارتباك أيضاً.
وضع الرجل السبحة ذات اللون الأخضر الغامق على الطاولة، ونظر إلى ساعته ثم إلى النافذة، حيث طرق القاهرة المزدحمة، فأمامه موعد للحاق باجتماع مع الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، واجتماعات أخرى كثيرة، بينها مائدة مستديرة لمعنيين بشأن هذه الدولة الأفريقية الغنية بالنفط. وقال إن إحدى مشكلات اتفاق الصخيرات «عدم الانفتاح بصورة كافية على شرائح المجتمع الليبي».

أنصار النظام السابق
وقبيل وصوله إلى القاهرة بساعات، كان هناك حديث يتردد بين قادة ليبيين عن أنه يفترض أن يكون لسلامة موعد مع عدد من ممثلي ما يسمى بأنصار النظام السابق، ممن يقيمون في مصر. لكنه يوضح أن هذا الموضوع غير مطروح في هذه الزيارة. وهذا لا يعني أنه لا يريد أن يلتقي بهذه الفئة. فقد سبق أن تناول طعام العشاء في تونس مع 35 من قيادات النظام السابق الأسبوع الماضي، واستمر النقاش هناك لأكثر من ثلاث ساعات.
يشرح سلامة الموضوع: «لقد قلت في تغريدتي الأولى (على «تويتر»)، عندما تسلمت هذا المنصب قبل أربعة أشهر. أنا في خدمة الليبيين، ومستعد للقاء بهم من دون أي استثناء. وأنفذ ذلك يومياً. أما بالنسبة إلى زيارة القاهرة التي هي أقل من 48 ساعة، فسببها أنني مضطر إلى أن أكون غداً في تونس في الساعة الثانية صباحاً، ولذلك كان الجزء الأكبر من وقتي للتشاور مع الإخوة في الحكومة المصرية».
كانت زيارته الأولى للقاهرة بعد تولي المنصب قبل نحو ثلاثة أشهر. وخلال هذه المدة شهدت المنطقة أحداثاً عدة كبيرة أثارت انتباه العالم، ففي مصر مثلاً كان هناك حادثان إرهابيان في منطقة الواحات غرباً وفي سيناء شرقاً، سقط فيهما أكثر من 300 قتيل. كما شهدت ليبيا نفسها تقلبات لافتة، ضمن موجة مفاجآت أخرى لا تهدأ في منطقة الشرق الأوسط.
يقول سلامة: «أعتقد أنه بعد الأحداث الجسيمة التي حصلت في الواحات وسيناء، وبعد التطورات التي حدثت أيضاً على الساحة الإقليمية، وكذلك داخل ليبيا، كان عليّ أن أخصص هذه الزيارة بالذات للإخوة في مصر، وللجامعة العربية، لأن هذه هي الأفضلية».
وحول ما يخص أي لقاءات مع الليبيين في مصر، يضيف: «آمل بأن أعود إلى القاهرة، وأن ألتقي مع عشرات من الإخوة الليبيين من أصل مئات الألوف الذين يعيشون في مصر. وهذا ما أقوم به تقريباً في كل بلد أزوره... أنا لا ألتقي فقط عناصر النظام السابق، ولكن أيضاً عناصر النظام الأسبق، من ملكيين ومن أنصار الشرعية الدستورية. أنا ألتقي مع الليبيين من دون استثناء، لأنه لا يهمني على الإطلاق ماضي أي فرد ليبي، ولكن يهمني مستقبل البلاد».
ويصفُ سلامة المسار السياسي، حين يتم إطلاقه في أي بلد، ليبيا أو غير ليبيا، بأنه «مثل الزهرة التي في منزلك... إن لم تصنها، يومياً، فهي تذبل وتموت. كيف تجعلها لا تذبل ولا تموت؟ بأن تُدخل باستمرار مزيداً من شرائح المجتمع. أنا أريد لكل الليبيين أن يتبنوا الحل السياسي، ولا أريد أن يكون الحل السياسي حكراً على فئة، أو على شريحة معينة». وأضاف: «أريد كل الليبيين أن يقبلوا بأمرين... أولاً، ألا عودة للماضي، وثانياً أن بناء المستقبل يتم بالتشاور والتفاوض، وليس بالسلاح».
وتعد ليبيا واحدة من دول «الربيع العربي» التي تفجرت فيها انتفاضات للتغيير شملت مصر وتونس وسوريا واليمن، إلا أن هذه الموجة تركت بلاداً منقسمة على نفسها، أو تعاني من تداعيات اقتصادية، خصوصاً تلك التي تعتمد على السياحة الأجنبية، مثل مصر التي ما زالت تكافح لإصلاح الوضع المالي والأمني.
ومن مقر إقامة سلامة في القاهرة، بدا الفندق الذي كان فيما مضى يعج بالسياح، خاوياً مثل فنادق أخرى كثيرة، ليعبِّر هذا المبنى المزخرف بصفوف الزهور المهجورة والمقاعد الشاغرة، عن سنوات الجدب التي يشهدها القطاعي السياحي منذ 2011.
وتحاول تونس أن تتعافى، بينما انفلت زمام الأمور في سوريا واليمن. وتعرضت مدن ليبية عدة للدمار، بيد أنَّ المقاربات السياسية التي يقوم بها سلامة في هذا البلد يمكن أن تضع حداً للمأساة. وبعد لحظات من الصمت والتأمل مع فنجان القهوة، يؤكد المبعوث الأممي مجدداً أن «انغلاق الاتفاق السياسي على نفسه يجعله يذبل».
وأضاف أن «كل انفتاح هو من أجل المستقبل»، قبل أن يشدد على هذه النقطة بقوله وهو يرفع حاجبيه إلى أعلى: «مرة أخرى... كل ليبي يقبل بأنه يريد أن يبني المستقبل، وليس أن يسترجع الماضي. وكل ليبي يقول إنه مستعد للتخلي عن أي عمل عسكري، ويريد الانخراط في العمل السياسي، ترشيحاً، وتصويتاً، وممارسة، وتحزباً، وما شابه، فيدي في يده. لذلك ليس الموضوع مطروحاً أنني سأقابل ملكياً أو قذافياً. أنا أقابل الملكيين وأقابل القذافيين».

توحيد الجيش
هناك أسباب عدة لزيارة سلامة الأخيرة للقاهرة، بينها لقاؤه مع قادة في الجيش المصري. فالملف الليبي انتقل هنا، مؤخراً، من يد الفريق محمود حجازي، الرئيس السابق للجنة الوطنية المصرية المعنية بليبيا، إلى رئيسها الجديد اللواء محمد الكشكي. واجتمع سلامة مع اللواء الكشكي الأحد الماضي، وأكد الأخير أن الجهود التي تقوم بها بلاده تندرج تحت مظلة الأمم المتحدة لإحلال السلام في ليبيا. ويقول سلامة إنه لم يلحظ اختلافاً جوهرياً بين الفريق حجازي واللواء الكشكي. «لكل شخص شخصيته. مؤسسة الجيش في مصر مؤسسة متكاملة، متضامنة، ولها عقيدتها، فلا أرى تحولاً في هذه العقيدة».
وتطرق المبعوث الأممي إلى دور مصر في عملية توحيد الجيش الليبي، ووصفه بأنه «دور مميز نتمنى له النجاح فعلاً». وأعرب، علاوة على هذا، عن رغبته في البقاء «على بيِّنة أوضح لما هو حاصل فعلا على الأرض بالنسبة إلى الأوضاع الأمنية والعسكرية» في ليبيا. ويبدو من كلمات سلامة، عموماً، أن مشكلة انقسام المؤسسات تمثل هاجساً كبيراً لديه. فحتى المصرف المركزي يعاني من انقسام يؤثر بالسلب على الاقتصاد وعلى حياة ملايين الليبيين.
«أنا بحاجة إلى ذلك»، يقول سلامة في معرض حديثه عن توحيد الجيش الليبي. ويستحضر تجارب دول عمل فيها ومرت بفوضى عارمة، لكن مؤسساتها لم تنقسم بمثل هذه الطريقة التي تعصف بالسفينة الليبية. ويوضح: «أنا قادم من بلد اسمه لبنان، عاش 15 عاماً من الحرب الأهلية المدمرة، ذهب ضحيتها 130 ألف لبناني، ولكن لم ينقسم المصرف المركزي. أنا عملت في العراق، حيث حصلت أشياء خطيرة، ولم ينقسم المصرف المركزي. في ليبيا انقسم المصرف المركزي. فهناك مؤسسة في مدينة البيضاء وأخرى في طرابلس. إذن أنت بحاجة لكي تبدأ بعملية توحيد المؤسسات في ليبيا. إذا كانت مصر تساعدك في توحيد إحدى هذه المؤسسات الأساسية في ليبيا، وهي الجيش، فأنت بحاجة إلى أن تدعم هذا التوجه، لأنك تعلم أنه قد يكون نموذجاً ومثالاً لتوحيد مؤسسات أخرى مدنية في ليبيا».
وحين انقسم الجيش الليبي، انقسم بطريقة لم تعرفها دول كثيرة مرت بأحداث مماثلة. ففي شرق ليبيا يوجد مقر الجيش الذي يقوده المشير خليفة حفتر. وفي الغرب هناك قوى عسكرية مثل الجزر المنعزلة. ويقول سلامة: «أنت، في ليبيا، لست أمام نصفي جيش... هناك كتلة جيش موحدة في الشرق، إلى حد كبير، وهناك تفرُّق أكثر في الغرب. يعني هناك بلدان ينقسم فيها الجيش إلى قسمين، قسم هنا وقسم هنا. وأمر توحيده يتم بطريقة غير الطريقة التي تتم بها محاولة توحيد جيش نصفه منقسم ولكن متشظٍ، ونصفه الثاني متوحد»، كالحالة الليبية.
ومن شرفة في أعلى الفندق الذي يقيم فيه كان يمكن أن ترى «برج أم كلثوم» في ضاحية الزمالك، ومن ورائه تمتد الكتل الخرسانية حتى أطراف مدينة الجيزة، حيث جرى هناك، قبل 77 عاماً، تأسيس الجيش الليبي للمرة الأولى. وحالياً تحاول مصر أن تساعد الليبيين لإعادة الجيش ككتلة واحدة مرة أخرى.
ويقول سلامة، وهو يتطلع إلى المباني الغارقة في الضباب: «أنا لا أسعى أبداً إلى انتصارات وهمية سريعة. أسعى إلى إرساء مؤسسات ثابتة لها طابع الديمومة. لذلك اهتممت مثلاً بعملية توحيد الجيش، وأعمل جاهداً على توحيد عدد كبير من المؤسسات الأخرى». ثم يضيف بعزم واضح: «أنت، اليوم، أمام مشروع طويل».
ومع ذلك يوجد قدر من التفاؤل. يقول: «في مصر، أرى أن هناك سيولة كبيرة في الفترة الأخيرة. ماذا أرى؟ أرى في مصر انفتاحاً حقيقياً على ضباط خارج ضباط المشير حفتر. والانفتاح على مناطق قيل (في السابق) إنها عصية على أي تواصل مصري. ووجدت عند هؤلاء الضباط الذين أقابلهم قدراً من الاهتمام بنجاح المبادرة المصرية في هذا المجال».

متغيرات حفتر
حتى بالنسبة إلى حفتر الذي كانت زياراته الدولية محدودة، أصبحت في الفترة الأخيرة أكثر من السابق. فبالإضافة إلى دول عربية حليفة عدة له، ظهر في موسكو وباريس وروما، وهي عواصم كانت تبدو غير مرتاحة له في الماضي. كما استقبل مسؤولين من دول أوروبية في مقره في قاعدة الرجمة العسكرية قرب بنغازي.
ويعلق سلامة على هذا المتغير اللافت في الشهور الأخيرة قائلاً: «ربما هناك مرحلة بدأت قبل أن أصل إلى ليبيا، لذلك لا أدَّعي أن لي علاقة بها، لكنها مرحلة بدأت قبل أشهر، فيها قدر أكبر من السيولة... كما أن من كانوا وراء حفتر يسعون إلى توسيع رقعة علاقاتهم في ليبيا، ومن كانوا بعيدين جداً عن حفتر، أقاموا علاقات معه».
وينظر المبعوث الأممي إلى هذا الأمر باعتباره تعبيراً عن «نوع من جنوح عام نحو قدرٍ من الواقعية». ففي مصر، وفي الدول التي أيدت حفتر منذ اليوم الأول، وكذلك في الدول التي خاصمته منذ اليوم الأول، يرى سلامة أن «هناك نوعاً من التلاقي التدريجي على فكرة أنه، من جانب، ليس هناك حل عسكري في ليبيا، ومن جانب آخر، لا يمكن تجاهل المشير حفتر كقوة حقيقية على الساحة الليبية. أعتقد أننا اقتربنا من نقطة الالتقاء هذه بين مختلف الدول المعنية بليبيا، وهذا الأمر مفيد للتوصل إلى حل سياسي».

شكاوى الجيران
من خلال المناقشات المطولة التي أجراها سلامة، سواء في وزارة الخارجية المصرية أو غيرها، لمس تخوفاً من انتشار ملايين من قطع الأسلحة في بلد بلا سلطة موحدة أو قوية. ويقول: «إذا كنت جاراً لبلد فيه 23 مليون قطعة سلاح، وهناك دولة غير قادرة على جمع هذا السلاح أو ضبطه، فمن حقك المشروع أن تقوم وتقول أنا أريد أن أحمي حدودي».
وسمع سلامة من المصريين، أنهم شهدوا في الفترة الأخيرة تكثيفاً لدخول «الممنوعات» من ليبيا، في إشارة إلى الأسلحة والمتطرفين. وهي مشكلة اشتكى منها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مرات عدة. ويقول سلامة إن «حدود مصر مع ليبيا طويلة، والدولة المصرية تتكلف مئات الملايين من الجنيهات للدفاع عن حدودها الغربية ولمراقبتها».
وهناك شكاوى مماثلة من الجزائر وتونس. ويزيد سلامة موضحاً أن «هذا الأمر صحيح أيضاً بالنسبة إلى الجزائر. حدثني رئيس حكومة الجزائر عن مبلغ خيالي هو تكلفة نشر الجيش الجزائري على الحدود مع ليبيا. أما تونس فحدث ولا حرج. هم أيضاً على تماس مباشر. الدول التي هي على تماس مباشر مع الحالة الليبية، لديها مخاوف حقيقية وشرعية».
القضية تؤرق كذلك القارتين الأفريقية والأوروبية. ولهذا يسعى المبعوث الأممي إلى تحريك الرباعي الدولي المهتم بالشأن الليبي، الذي يضم كلا من الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي. ويضيف أن «الأفارقة يريدون أن يذكرونا، بحق، بأن ليبيا دولة أفريقية، وكان لها دور في أفريقيا. الأوروبيون يقولون إن ليبيا دولة مجاورة، ولهم مصالح وتخوفات، مثل الإرهاب والهجرة وغيره. وبالطبع بالنسبة إلى جامعة الدول العربية، ليبيا تعد مهمة للجامعة. وأنا كنت في لجنة إصلاح الجامعة، فلا يمكن أن أتجاهل الجامعة أساساً».

الطريق إلى الانتخابات
يخشى الدكتور سلامة من أن يكون الاحتكام إلى الانتخابات في البلدان التي تشهد نزاعات مجرد هروب إلى الأمام. ومن خلال حديثه يمكن أن تستشف تأثره بفترات عمله في مناطق صعبة منها العراق، حيث كان ضمن وفد الأمم المتحدة إلى هذا البلد بعد الاحتلال الأميركي في 2003.
ويقول: «أنا لست من ممارسي الانتخابات باعتبارها الفن للفن. أحياناً الانتخابات هروب للأمام، لأنك لا تجد حلاً. وأنا لست من أنصار هذا الحل. أقول لك، في العراق، أول انتخابات بعد الغزو كنت ضدها. لأنني لم أجد أن هناك القدر الكافي من الحرية عند الناس كي يترشحوا ويصوتوا. وطلبت تأجيلها. وهناك حالات كثيرة مماثلة في العالم. في أنغولا وفي الجزائر، وغيرها».
وفي الحالة الليبية يريد سلامة أن يكرر التجربة التونسية التي كان طرفاً فيها قبل ثلاث سنوات. ويقول: «عندي تجربة بسيطة ومتواضعة أتكلم عنها بفخر. في سنة 2014 تمكنا من جمع كل قادة الأحزاب الأساسية في تونس. جاءوا إلى دار البلدية، ووقَّعوا أمام كل كاميرات العالم على تعهد بقبول نتيجة الانتخابات قبل إجرائها... سأقول بصراحة. نعم أسعى لهذا الأمر في ليبيا».
ويريد الرجل أن يضمن قبول الأطراف الأساسية في ليبيا، عن قناعة، بنتائج الانتخابات، أياً كانت، وإلا ستكون العملية برمتها غير مضمونة، و«مغامرة غير محسوبة». ففي ليبيا اليوم برلمانان وثلاث حكومات، و«نحن لا نريد لا حكومة رابعة ولا برلماناً ثالثاً». ويضيف أن الصراع الحالي في ليبيا يجري على «سلطة غير موجودة، فلنوجد السلطة قبل أن نتصارع عليها».
ماذا يريد أن يفعل سلامة في ليبيا التي أصبحت تفتقر لأي تراث ذي شأن فيما يتعلق بالعمل المؤسسي؟ يقول: «أولاً: أنت تريد دستوراً. ثانياً: أنت تريد انتخابات حرة ونزيهة وإيجابية، وليست سلبية. وثالثاً: أنت تريد مصالحة وطنية في مجتمع متشظٍ. أنا أعمل على هذه الأشياء». ويرى بيقين وثقة أن «هذه النقاط، وكل ما يتعلق بها، قادرة على أن تؤمِّن فعلا عدم فتح مرحلة انتقالية جديدة، وإنما الانتقال إلى مرحلة ثابتة».
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف بدأ يحاول استخراج حكومة «مؤقتة» من قلب الاتفاق السياسي. حكومة تهتم بالأحوال المعيشية للناس، بينما يستمر عمله على الأمور الأساسية إلى نهاية المرحلة الانتقالية في سبتمبر المقبل. لكن هذه المحاولة يبدو أنها ما زالت تراوح مكانها، حيث اصطدمت بتفسيرات ليبية يمكن أن تخرجها عن هدفها، لأن البعض اعتقد أن الحكومة المؤقتة، التي يسعى إليها، ستكون حكومة دائمة.

معضلة 17 ديسمبر
ويمثل يوم 17 من الشهر الجاري معضلة يدور حولها لغط ليبي كبير. فهو موعد انتهاء عمل حكومة المجلس الرئاسي برئاسة فايز السراج، وفقا لما حدده اتفاق الصخيرات، لكن هناك تفسيرات مغايرة تقول إن بدء العد التنازلي لعمل السراج يكون من لحظة تصديق مجلس النواب على حكومته، وهو أمر لم يحدث منذ تولي السراج للمسؤولية في مثل هذا الوقت من عام 2015.
بيد أنَّ سلامة لا يعطي أهمية كبيرة لهذا الموضوع. ويقول: «نحن خارج هذه النزاعات القانونية، وهذا الجدل». ويضيف أن «هناك آراء تقول إن كل شيء ينتهي في 17 ديسمبر، وآراء تقول إن الحكومة لم تبدأ كي تنتهي في 17 ديسمبر. وهناك من يقول إن كل شيء ينتهي إلا أنا، وهناك من يقول إن حكومة الاتفاق تنتهي، لكن الاتفاق السياسي يظل».
ويتابع سلامة موضحاً: «أنا اقترحت على مجلس الأمن أن نذهب باتجاه تنفيذ خطة العمل، متجاوزين هذا التاريخ، وعدم اعتباره تاريخاً لانتهاء أي شيء أو بدء أي شيء. نحن نذهب إلى المصالحة الوطنية، واختيار دستور للبلاد، وانتخابات عامة، ونركز على هذا الأمر، ويستمر الوضع الحالي، حتى التوصل إلى هذه البنود الثلاثة، وآمل أن يتم ذلك في غضون عشرة شهور من الآن، على الأكثر».



2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
TT

2300 حوثي بين قتيل وجريح في 8 جبهات خلال 3 أيام

غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)
غارات جوية متصاعدة تستهدف قدرات الحوثيين وتعزيزاتهم (رويترز)

تكبّدت الجماعة الحوثية خسائر بشرية وعسكرية كبيرة في ثماني جبهات يمنية، وفق حصيلة أعلنتها القوات الحكومية، في وقت تتركز فيه المواجهات الأشد في تعز ولحج، حيث تصطدم هجمات الجماعة المتواصلة بالضربات الحكومية الاستباقية ضمن مسعاها لتثبيت خطوط التماس وقطع طرق الإمداد القادمة من مناطق سيطرة الجماعة.

وقالت القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت 706 عمليات استهداف نوعية ودقيقة في جبهات كتاف، والبقع، وعلب، والجوف، ومأرب والبيضاء، ولحج وتعز، مستخدمة الطيران الحربي والطائرات المسيّرة والقناصة والمدفعية وراجمات الصواريخ، مشيرة إلى أن هذه العمليات أسفرت، حسب حصيلتها، عن مقتل وإصابة 2316 عنصراً حوثياً خلال ثلاثة أيام.

وأوضحت القوات الحكومية أن العمليات طالت مواقع وعناصر وقدرات عسكرية للجماعة، وأدت إلى تدمير أو إعطاب ناقلات جنود وعربات وتعزيزات عسكرية ومنصات إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة وعتاد ومعدات أخرى.

دخان يتصاعد من موقع للحوثيين استهدفه الجيش اليمني (رويترز)

وتعكس هذه الحصيلة، وفق رواية القوات المسلحة اليمنية، اتساع نطاق الاستهداف من خطوط المواجهة المباشرة إلى العمق اللوجستي للجماعة الحوثية، في وقت تدفع فيه الأخيرة بمزيد من العناصر والتعزيزات إلى الجبهات للحفاظ على مكاسبها الأخيرة في الساحل الغربي، وفتح مسارات ضغط جديدة على تعز.

معركة تعز

في تعز، بدت الجبهة الأكثر نشاطاً خلال الساعات الأخيرة، مع تزامن الهجمات البرية الحوثية مع ضربات جوية استهدفت مواقع التجميع والتخزين والتحرك.

ونفَّذ الطيران الحربي، وفق مصادر عسكرية رسمية خمس غارات على مواقع حوثية شرق المحافظة، شملت مفرق ماوية ومحيط مدينة الصالح ومعسكر الاستقبال التابع لسلاح المهندسين.

وقالت مصادر ميدانية إن الضربات جاءت بالتزامن مع اجتماع لقيادات عسكرية حوثية ووصول تحشيدات إلى المنطقة، وإن بعض الأهداف كانت تستخدم لتخزين الأسلحة والمعدات.

دخان يتصاعد إثر ضربة جوية استهدفت مواقع للحوثيين في شرق مدينة تعز (رويترز)

كما استهدف الطيران الحربي تعزيزات حوثية في منطقة المرزم بالربيعي غرب مدينة تعز، وقالت مصادر عسكرية إن إحدى الغارات أصابت دبابة وأدت إلى احتراقها.

وفي الجبهات الغربية، تصدت القوات الحكومية لهجوم حوثي في جبهة العنين، كما أفادت مصادر محلية بتصدي القوات الحكومية ومقاتلين من أبناء المنطقة لهجمات شنتها الجماعة على بني بكاري والعنين في جبل حبشي، عقب وصول تعزيزات حوثية كبيرة إلى المديرية.

وبالتوازي، استهدفت المدفعية الحكومية تجمعات ومواقع حوثية في الأقروض، والكدحة، وسائلة غراب، والجعشاء والزيبيا، كما دمرت مدفعاً في البحابح واستهدفت طقماً عسكرياً في ضاحة الرباح، وفق موجز للمركز الإعلامي لمحور تعز.

وأعلنت الدفاعات الجوية الحكومية إسقاط طائرة مسيّرة حوثية فوق جبهة الكدحة. وتواصلت في المقابل الهجمات الحوثية بالقصف المدفعي؛ إذ أطلقت الجماعة أكثر من ست قذائف باتجاه قرى في منطقة الضباب غرب تعز، متسببة، وفق مصادر محلية، في أضرار مادية بالمنازل وحالة من الذعر بين السكان.

نزيف الإمدادات

لا تقتصر المعركة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين على المواقع الأمامية؛ إذ تحولت طرق نقل المقاتلين والعتاد أهدافاً رئيسية للعمليات الحكومية.

وتقول مصادر محلية إن الحوثيين دفعوا بمئات العناصر من اتجاه فرع العدين في محافظة إب باتجاه جبل رأس في الحديدة، على متن عشرات الحافلات، لتعزيز جبهات الوازعية، والبرح وبني عمر.

كما دفعت الجماعة بتعزيزات بشرية كبيرة باتجاه جبهة حيفان في تعز، في وقت تتحدث فيه مصادر ميدانية عن تحركات حوثية تستهدف الضغط نحو مديريات الشمايتين، والتربة والمقاطرة من أكثر من اتجاه.

وتشير هذه التحركات إلى أن الجماعة تسعى إلى الإبقاء على ضغطها العسكري غرب تعز، بالتزامن مع الدفع باتجاه حيفان والمناطق الشرقية والجنوبية، في محاولة لإيجاد مسارات متعددة نحو المحافظة.

وفي المقابل، تركز القوات الحكومية على استهداف التعزيزات قبل وصولها إلى خطوط القتال، مستفيدة من الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية.

وقال الناطق العسكري ماجد النزيلي إن القوات الحكومية قتلت أربعة خبراء إيرانيين قال إنهم متخصصون في تشغيل وإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ في محافظة تعز، دون إيراد تفاصيل عن هوياتهم.

ضغط في لحج

في لحج، تواصلت المواجهات على المحاور المتصلة بالساحل الغربي والمناطق المطلة على باب المندب، مع استمرار القصف والتحركات العسكرية في الوازعية، والمضاربة، ورأس العارة، والأغبرة وكهبوب.

وقالت مصادر ميدانية إن قوات العمالقة نفَّذت ضربات بطائرات مسيّرة ضد تجمعات وآليات حوثية في كهبوب، بالتزامن مع صد هجوم جديد للجماعة.

وتزامن ذلك مع تحركات عسكرية حكومية في جبهات الصبيحة، حيث تفقَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي، رفقة قائد المنطقة العسكرية الرابعة اللواء حمدي شكري، سير العمليات ومستوى الجاهزية في الخطوط الأمامية.

وأكد الصبيحي أهمية رفع الجاهزية واليقظة والاستعداد للتعامل مع التطورات الميدانية، مشيداً بثبات القوات في مختلف المواقع.

وتظهر تطورات تعز ولحج أن خطوط التماس منذ أيام لا تزال ثابتة نسبياً رغم كثافة الهجمات والتعزيزات، لكن ثبات الخريطة لا يعني هدوء الجبهات؛ إذ تحاول الجماعة الحفاظ على مكاسبها في الساحل الغربي، في حين تعمل القوات الحكومية على استنزاف القوة البشرية والعسكرية التي تدفع بها إلى مناطق القتال.

وتقول القوات الحكومية إن عملياتها استهدفت أهدافاً عسكرية، في حين تتبادل مع الحوثيين الاتهامات بشأن الأضرار المدنية الناجمة عن الغارات والقصف. وأكد النزيلي أن القوات الحكومية تلتزم، وفق قوله، باستهداف الأهداف العسكرية المشروعة وقواعد القانون الدولي الإنساني.


بيانات أممية: أكثر من 4 آلاف ضحية جراء هجمات الحوثيين

يمني يمشي بالقرب من مخيم للنازحين خارج عدن (أ.ب)
يمني يمشي بالقرب من مخيم للنازحين خارج عدن (أ.ب)
TT

بيانات أممية: أكثر من 4 آلاف ضحية جراء هجمات الحوثيين

يمني يمشي بالقرب من مخيم للنازحين خارج عدن (أ.ب)
يمني يمشي بالقرب من مخيم للنازحين خارج عدن (أ.ب)

قالت منظمة الصحة العالمية إن الوضعيْن الصحي والإنساني في اليمن واصلا التدهور مع تصاعد القتال، مسجلة 809 إصابات جديدة، بينها 164 وفاة، خلال الفترة من 19 إلى 26 سبتمبر (أيلول) الحالي، ليرتفع إجمالي الضحايا، منذ 6 أغسطس (آب) الماضي، إلى 4481 حالة، بينها 838 وفاة.

وأوضحت «المنظمة»، في تقريرها الخامس بشأن تصعيد الصراع في اليمن، أن الإصابات الجديدة ارتفعت بنحو 24 في المائة، مقارنة بالأسبوع السابق، بينما يواصل عدد الضحايا الارتفاع بمعدل يُقارب 100 حالة يومياً.

وأفاد التقرير بأن محافظة لحج (جنوب غرب) لا تزال الأكثر تضرراً، إذ سجلت مناطق المضاربة ورأس العارة وباب المندب العدد الأكبر من الإصابات والوفيات الجديدة. وسجلت المنطقة 47 إصابة في 21 سبتمبر، بينها 18 وفاة، إضافة إلى 34 إصابة في 26 سبتمبر.

وجاءت محافظتا مأرب وتعز ضِمن المناطق الأكثر تضرراً، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية ضغوطاً متزايدة بسبب ارتفاع أعداد المصابين، وتراجع قدرتها على الاستجابة للاحتياجات المتنامية.

النزوح يتضاعف

بالتوازي مع ارتفاع أعداد الضحايا، أشار التقرير إلى أن أعداد النازحين المسجلين تجاوزت الضِّعف، خلال ثمانية أيام، لتصل إلى 27413 أسرة، تضم نحو 180513 شخصاً، موزعين على أربع محافظات.

وأضاف أن نحو 3741 أسرة نزحت حديثاً، في وقت تُواجه فيه الأُسر النازحة مخاطر صحية متزايدة تشمل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك وسوء التغذية والأمراض المزمنة واضطرابات الصحة النفسية.

عدد الفارّين من الهجمات الحوثية في الساحل الغربي لتعز ولحج تجاوز 180 ألف يمني (أ.ب)

وحذّرت المنظمة الأممية من اتساع نطاق المخاطر الصحية، مشيرة إلى تسجيل أعلى مستويات يومية، خلال الأزمة، في حالات الاشتباه بالحصبة والحصبة الألمانية، بواقع 1315 حالة في 21 سبتمبر، و1470 حالة في 23 سبتمبر.

كما ظهرت حالات كوليرا في محافظتين إضافيتين، بينما بلغ عدد الحالات المشتبه بها 7784 حالة، خلال أسبوع واحد.

وقالت المنظمة إن نحو 40 في المائة من الأُسر النازحة حديثاً على الساحل الغربي تعتمد على مصادر مياه غير محمية أو سطحية، في حين تفتقر قرابة ثلث الأُسر إلى مياه شرب مأمونة.

ضغط على المستشفيات

لفت التقرير الأممي إلى أن ازدياد الإصابات أدى إلى مضاعفة الضغوط على النظام الصحي، ووصل الأمر إلى تعليق خدمات الطوارئ التوليدية ورعاية حديثي الولادة مؤقتاً في بعض المستشفيات، مع إحالة المرضى إلى مرافق صحية أخرى قادرة على استقبالهم.

كما أبلغت مرافق صحية في مأرب وتعز والضالع وعدن بتراجع مستوى تشغيلها، بينما تُواصل منظمة الصحة العالمية التحقق من الوضع ميدانياً.

متطوع يمني يقدم وجبات مجانية في مخيم للنازحين بتعز (أ.ب)

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة، قالت «المنظمة» إنها أرسلت إلى اليمن 258 وحدة من مستلزمات علاج الإصابات والحروق، بقيمة تتجاوز 184 ألف دولار.

كما أرسلت إمدادات إضافية بقيمة نحو 656 ألف دولار إلى 40 مرفقاً صحياً في عشر محافظات، بالتزامن مع تأمين تمويل إضافي للجراحة وعلاج الإصابات والاستجابة للأمراض الوبائية.


السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
TT

السودان ينفي التدخل في شؤون إثيوبيا... ومُسيرة تستهدف مبنى تلفزيون تيغراي

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مُسيرة في ميكيلي (أ.ف.ب)

اتهم قائد الجيش الإثيوبي المشير برهانو جولا، أمس الأحد، إريتريا والسودان بدعم متمرّدي تيغراي؛ الإقليم الشمالي في إثيوبيا الذي أعلنت سلطاته أنها تخوض «حرباً شاملة» ضد الحكومة الفيدرالية.

ورفضت القوات المسلّحة السودانية اتهامات جولا، ووصفتها بأنها «لا أساس لها من الصحة». وقالت القيادة العامة للقوات المسلحة السودانية، في بيان، مساء الأحد، إن لديها «معلومات ووقائع» بشأن استمرار ما وصفته بدعم وإسناد «قوات الدعم السريع» من الأراضي الإثيوبية، مشيرة إلى التدريب والإمداد واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية؛ بينها تشغيل طائرات مُسيرة استراتيجية وانتحارية.

https://www.facebook.com/sudanese.armed.forces/videos/في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة85-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة87-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة85في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB1في المائةD8في المائةADفي المائةD9في المائة8Aفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB9في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA9-في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة82في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةA7في المائةD8في المائةAA-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةA9-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةB3في المائةD9في المائة88في المائةD8في المائةAFفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA9في المائةD8في المائةA8في المائةD9في المائة8Aفي المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة86-في المائةD8في المائةA7في المائةD9في المائة84في المائةD8في المائةA3في المائةD8في المائةADفي المائةD8في المائةAF-في المائةD9في المائةA2في المائةD9في المائةA7-في المائةD8في المائةB3في المائةD8في المائةA8في المائةD8في المائةAAفي المائةD9في المائة85في المائةD8في المائةA8/1792025802120885/?locale=ar_AR

وأكد الجيش السوداني التزامه بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، مشدداً على أنه لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول، لكنه، في الوقت نفسه، «لن يسمح بالمساس بسيادته أو أمنه الوطني».

ودعا الجيش السوداني الجانب الإثيوبي إلى تحري الدقة والمسؤولية، والاحتكام إلى الحوار والقنوات الرسمية، بما يحفظ أمن واستقرار البلدين والمنطقة، مؤكداً أن القوات المسلحة السودانية ستظل يقِظة في حماية حدود الوطن وسيادته، وقادرة على التصدي لكل ما يهدد أمنه واستقراره.

ويحيي تجدُّد الأعمال العدائية، منذ أشهر بين الحكومة الفيدرالية و«جبهة تحرير شعب تيغراي»، المخاوف من اندلاع حرب جديدة في إثيوبيا، بعد أقل من أربع سنوات على توقيع اتفاق سلام أنهى الحرب التي احتدمت بين عاميْ 2020 و2022 وأسفرت عن مقتل 600 ألف شخص على الأقلّ، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي.

وسيطر متمرّدو الجبهة، الأربعاء، على مطار عاصمة الإقليم، ميكيلي، ومطارين آخرين، وتوغّلوا في إقليميْ عفر وأمهرة المجاوريْن، بعدما أعلنوا أنهم يخوضون «حرباً دفاعية» ضدّ حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال مصدر إنساني إن مُقاتلي «جبهة تحرير شعب تيغراي» سيطروا، أمس الأحد، على بلدة إريبتي في إقليم عفر، قرب الحدود مع الإقليم، مضيفاً أنهم يتقدّمون حالياً نحو بلدة أفديرا الواقعة على بُعد نحو 100 كيلومتر إلى الشرق.

وقدّر المصدر عدد النازحين في إقليم عفر بنحو 150 ألف شخص، مؤكداً صعوبة تحديد رقم دقيق. ويهدف الهجوم على عفر إلى قطع خطوط الإمداد الآتية من جيبوتي، التي تُشكّل مصدر غالبية الواردات الدولية إلى إثيوبيا، ومن بينها شحنات الوقود.

من جهته، صرّح برهانو جولا، عبر قناة الجيش على «يوتيوب»، قائلاً: «(إنّنا) نقاتل قوات منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية»، مضيفاً: «لا تستطيع شابيّا (إريتريا) ولا جبهة تحرير شعب تيغراي تحقيق أيّ شيء بمفردهما، حتى لو تحالفتا، ما لم تتلقّيا دعماً وإسناداً وإمدادات من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى».

ونفت مصر التدخل في اضطرابات إثيوبيا، وقال مصدر مصري مطلع، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُلمِّح إليه إثيوبيا «ادعاءات لا تستحق الرد، والقاهرة غير معنية بهذه المهاترات». ودعا السلطات الإثيوبية إلى «معالجة أزماتها ومشكلاتها الداخلية بنفسها، بدلاً من محاولة تعليق فشلها الداخلي على الخارج».

استهداف التلفزيون العام

أعلنت سبع مجموعات معارِضة للحكومة الفيدرالية من أقاليم عدة؛ من بينها «جبهة تحرير شعب تيغراي» وميليشيات «فانو» الأمهرية و«جيش تحرير أورومو»، تشكيل تحالف من أجل «إطاحة» حكومة أديس أبابا.

وتوعّد هذا التحالف بأنه سيردّ بـ«هجمات مضادة واسعة النطاق» على هجمات القوات الفيدرالية.

وأُصيب مبنى تلفزيون تيغراي في العاصمة ميكيلي بمُسيّرة، صباح الأحد، وفق ما أفاد «وكالة الصحافة الفرنسية» مراسلون في القناة الناطقة باسم سلطات تيغراي.

وقال أحد المراسلين: «سمعنا انفجاراً قويّاً ناجماً عن غارة بمسيّرة في مكان آخر وغادرنا المبنى. وبُعَيد مغادرتنا، أُصيب مبنى التلفزيون». وأوقفت القناة، التي تُوظّف أكثر من 400 صحافي، بثّها المباشر، وفق مراسل آخر، في حين أظهرت صورٌ التقطها مراسل «وكالة الصحافة الفرنسية» واجهة المبنى متضرّرة.

كانت السلطات الفيدرالية الإثيوبية قد أعلنت، الاثنين الماضي، تعليقَ عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في حين لم يصدر أيّ تعليق عن إدارة القناة.

حصار ومخاوف من تجدّد الحرب

ومنذ الجمعة الماضي، تشهد مناطق في شمال إثيوبيا انقطاعاً في شبكتَي الهاتف والإنترنت، ما صعّب متابعة التطورات الميدانية.

وذكرت منظمة «نت بلوكس»، عبر منصة «إكس»، أن «بيانات الشبكة تشير إلى انقطاع في خدمة الإنترنت على مستوى إقليمي في شمال إثيوبيا، يتزامن مع تقارير تفيد بحدوث انقطاع في الاتصالات بإقليم تيغراي».

ويخشى سكان الإقليم تكرار سيناريو انقطاع الاتصالات والحصار الذي فرضته الحكومة الفيدرالية على تيغراي، خلال الحرب الأخيرة، حين قطعت الكهرباء والخِدمات المصرفية، وتوقفت معظم المساعدات الإنسانية عن الوصول إلى الإقليم.

وعلى الرغم من أن الحكومة الإثيوبية تتمتّع بتفوق عسكري واضح، فضلاً عن دعم دول خارجية، لكن النزاع قد يستدرج إريتريا المجاورة إلى ساحة المواجهة إلى جانب المتمردين، في ظل مخاوفها من سعي إثيوبيا، الدولة الحبيسة، إلى الحصول بالقوّة على مَنفذ مباشر إلى البحر الأحمر.

وسبق لـ«جبهة تحرير شعب تيغراي» أن تولت السلطة في عام 1991 وحكمت إثيوبيا ثلاثة عقود قبل أن يهمشها آبي أحمد عندما تولّى رئاسة الوزراء في 2018، مما أسهم في اندلاع الحرب الأهلية.

ورغم أن اتفاق بريتوريا للسلام أنهى تلك الحرب وأرسى هدوءاً حذراً، لكن الاشتباكات تجددت في أواخر عام 2025. وشنّت الحكومة الاتحادية، منذ ذلك الحين، غارات على تيغراي وحشدت قواتها على حدود الإقليم.

واتهمت منظمات حقوقية جبهة تحرير شعب تيغراي بإطلاق حملات تجنيد قسري، خلال العام الحالي، استعداداً لاستئناف القتال.