السعودية تنوع اقتصادها بإصلاحات مالية جذرية على جبهات عدة

معهد المحللين المعتمدين: الإدراج في المؤشرات الكبرى يجذب مليارات الدولارات إلى «تداول»

سيكون للاكتتاب العام المحتمل لشركة «أرامكو» السعودية تأثير مادي كبير على وزن المملكة في تحرك المؤشرات الرئيسية لأسواق المال (رويترز)
سيكون للاكتتاب العام المحتمل لشركة «أرامكو» السعودية تأثير مادي كبير على وزن المملكة في تحرك المؤشرات الرئيسية لأسواق المال (رويترز)
TT

السعودية تنوع اقتصادها بإصلاحات مالية جذرية على جبهات عدة

سيكون للاكتتاب العام المحتمل لشركة «أرامكو» السعودية تأثير مادي كبير على وزن المملكة في تحرك المؤشرات الرئيسية لأسواق المال (رويترز)
سيكون للاكتتاب العام المحتمل لشركة «أرامكو» السعودية تأثير مادي كبير على وزن المملكة في تحرك المؤشرات الرئيسية لأسواق المال (رويترز)

أكد معهد المحللين الماليين المعتمدين CFA أن المملكة العربية السعودية، التي تعتبر أكبر اقتصاد في دول مجلس التعاون الخليجي، حققت تقدماً كبيراً في إصلاح سوق رأس المال على مدى العامين الماضيين، جنباً إلى جنب مع إطلاقها رؤية المملكة العربية السعودية 2030 وبرنامج التحول الوطني 2020. وقاد هذا التحول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان. وتجري الإصلاحات في وقت واحد على عدة جبهات بهدف توسيع التنويع الاقتصادي وتعزيز سهولة الاستثمار في المملكة وفي أسواق رأس المال.
وفي وقت سابق من هذا العام، أدرَج مؤشر «مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال» للأسواق الناشئة، السوق المالية السعودية (تداول)، على قائمة المتابعة الخاصة بمؤشر الأسواق الناشئة. وقال عضو معهد المحللين في البحرين نيشيت لاخوتيا: «يبدو أن هناك إجماعاً واسعاً على أن قراراً سيتم اتخاذه في منتصف 2018 بشأن إدراج المملكة في مؤشر مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال، يليه إدراجها فعلياً في منتصف عام 2019». وأضاف: «من المثير للاهتمام أن نلاحظ أنه حتى وقت متأخر من منتصف عام 2015، فإن الأجانب الذين استثمروا في سوق رأس المال السعودي لم يكن بإمكانهم القيام بذلك إلا من خلال صفقات التبادل فقط، والتي كانت مقيدة ومعقدة ومكلفة».
ومع ذلك، وعلى مدى العامين الماضيين، قامت المملكة العربية السعودية بعدة إصلاحات للسماح للمؤسسات المالية المؤهلة بالاستثمار مباشرة في أسواق رأس المال، وتم مؤخراً تبسيط هذه القوانين أكثر لتشجيع المزيد من المستثمرين الدوليين والمؤسساتيين على المشاركة. إضافة إلى ذلك، قامت الهيئة المنظمة لأسواق المال بتعديل المدة الزمنية لتسوية صفقات الأوراق المالية المدرجة في سوق الأسهم السعودية لتكون خلال يومي عمل لاحقة لتاريخ تنفيذ الصفقة «T+2»، مما يعزز ضوابط حماية الأصول ويفتح فرصاً جديدة لكل المتعاملين في السوق. كما فعّلت نظام التسليم مقابل الدفع واعتمدت معيار التصنيف الصناعي العالمي (جيكس) في السوق المالية السعودية. وقد مكّنت هذه الإصلاحات، جنبا إلى جنب مع تعزيز إطار حوكمة الشركات، واضعي المؤشرات الدولية مثل مؤشر «مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال» ومؤشر «فوتسي» من الأخذ بعين الاعتبار جدية إدراج أكبر سوق رأسمال في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كسوق ناشئة.
وأوضح معهد المحللين الماليين أن الإدراج في مؤشر «مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال» ومؤشر «فوتسي» (الذي سيتم النظر فيه في مارس (آذار) 2018) قد يؤدي إلى تدفق مليارات من الدولارات إلى السوق المالية السعودية (تداول)، ليس فقط من خلال الاستثمار في صناديق الاستثمار بالأسهم المدارة وفق تحرك المؤشرات الرئيسية، بل أيضاً الصناديق المدارة بأسلوب «نشط» والتي تدار استناداً إلى أداء هذه المؤشرات، ومن المرجح أن يتركز اتجارها في الأسهم المدرجة في المؤشر المعني. وسيعتمد حجم التدفقات الداخلة على القيمة المطلقة للأموال التي تدار استناداً إلى أداء مؤشرات «مورغان ستانلي كابيتال إنترناشيونال» و«فوتسي» في وقت إضافة القيمة السوقية لسوق «تداول».
وفي الواقع، يمكن أن يكون للاكتتاب العام المحتمل لشركة «أرامكو» السعودية تأثير مادي كبير على وزن المملكة العربية السعودية في هذه المؤشرات. مع الأخذ بعين الاعتبار أن القيمة السوقية لشركة «أرامكو» يتوقع أن تبلغ أكثر من تريليوني دولار. وقد نجحت السوق المالية السعودية في فبراير (شباط) 2017 في طرح سوق موازية للأسهم (نمو) للمستثمرين المؤهلين بما في ذلك الشركات الصغيرة والمتوسطة، والذي يوفر منصة بديلة للشركات لإدراجها بمتطلبات إدراج أخف وأكثر مرونة.
وفي حين أن الإصلاحات والتطورات الأخيرة في أسواق رأس المال في المملكة جديرة بالثناء برأي معهد المحللين، فإن سلامة ومستقبل الاقتصاد الحقيقي يتميزان بنفس القدر من الأهمية. وتعكس أسواق رأس المال في النهاية الاقتصاد الأوسع نطاقاً وتوجهاتها المستقبلية. وبناء عليه، فإن الإصلاحات الجارية من خلال برنامج التحول الوطني 2020 نحو تحقيق رؤية المملكة العربية السعودية 2030 لها نفس القدر من الأهمية. وعلى مدى العامين الماضيين، وضعت المملكة خريطة طريق واضحة المعالم بشأن التدابير الواجب اتخاذها لتنويع اقتصادها، وتشجيع مشاركة القطاع الخاص وخلق الملايين من فرص العمل لشبابها، الذين يشكلون غالبية سكانها.
وتعتبر خريطة الطريق هذه ذات أهمية قصوى في عصر يتوقع فيه أن تظل أسعار النفط دون مستويات 70 إلى 80 دولاراً أميركياً للبرميل لفترة طويلة، وبذلك تحتاج المملكة إلى مصادر بديلة للدخل لتحقيق توازن الميزانية. لذا فإن فرض الضرائب التي شملت شرائح من المغتربين، وضرائب استهلاك السجائر، وإدخال ضريبة القيمة المضافة المتوقع تطبيقها ابتداءً من عام 2018.. كلها تدابير يجري اتخاذها لتعزيز العائدات غير النفطية.
وعلاوة على ذلك، تتخذ المملكة قرارات صارمة بشأن إزالة التجاوزات، وإعطاء الأولوية للمشاريع الإنتاجية وإلغاء الإعانات غير الضرورية. ويمكن لإجراءات التطهير الأخيرة في حملة مكافحة الفساد أن ترصد أي تسرب مالي غير طبيعي داخل الاقتصاد، مما يسمح بزيادة إنتاجية كل ريال يتم إنفاقه. ومن شأن إنشاء «حساب المواطن» المتوقع أن يمنح إعانة شهرية ثابتة للعائلات على أساس دخلها لإعادة توزيع المساعدات على العائلات الأكثر استحقاقاً. وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح قبل إدخال المزيد من الإصلاحات، لا سيما على قطاع الطاقة.
وأشار عضو معهد المحللين نيشيت لاخوتيا إلى أن إجراءات تنفيذ هذا التحول الكبير تعالج مجموعة من التحديات الخاصة، كما حدث عندما أعادت الحكومة السعودية البدلات لموظفي الحكومة من مدنيين وعسكريين في أبريل (نيسان) 2017، وذلك بعد أن تم إلغاؤها في سبتمبر (أيلول) 2016 كجزء من تدابير التقشف. وقد جاء قرار إعادة صرف البدلات لتخفيف الضغط على الدخل المتاح والإنفاق نتيجة إلغاء بعض البدلات.
ولا ينسى معهد المحللين الإشارة إلى أن ما سبق لا يقاس بضخامة الإعلان الأخير عن اعتزام السعودية التخطيط لبناء مدينة «نيوم» المستقبلية بتكلفة 500 مليار دولار، فيقول: «يبدو أن هناك رؤية شاملة وواضحة لدفع المملكة إلى مستقبل أفضل وأكثر استدامة».



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.