قطاع الطاقة السعودي.. عملاق قادر على التكيف مع كل المتغيرات

رغم كل التحديات التي تواجهها السياسة النفطية السعودية والمتغيرات الدولية

حقل شيبه في الربع الخالي جنوب شرقي السعودية («الشرق الأوسط»)
حقل شيبه في الربع الخالي جنوب شرقي السعودية («الشرق الأوسط»)
TT

قطاع الطاقة السعودي.. عملاق قادر على التكيف مع كل المتغيرات

حقل شيبه في الربع الخالي جنوب شرقي السعودية («الشرق الأوسط»)
حقل شيبه في الربع الخالي جنوب شرقي السعودية («الشرق الأوسط»)

خضعت صناعة الطاقة السعودية والسياسات الحكومية ذات الصلة، لا سيما تلك المرتبطة بالقطاع النفطي، لأبحاث ونقاشات واسعة النطاق منذ توقيع عقد امتياز التنقيب عن النفط مع الأميركيين في عام 1933، ويبرر تلك النقاشات والأبحاث عدد من العوامل أهمها الحجم الهائل لاحتياطي النفط المؤكد في البلاد وجودة النفط وانخفاض تكاليف استخراجه، والأساليب النمطية التي تتبعها الحكومة فيما يتعلق بإقامة شركة مشتركة بين أربع شركات كبرى بدلا من استثمار تلك الشركات المباشر، وترتيب المشاركة في العائدات، ونقل ملكية شركة أرامكو إلى السعودية عبر مفاوضات بدلا من عملية التأميم، وإصرار السعودية على تعزيز التعاون والحوار بين المستهلكين والمنتجين بدلا من المواجهة.
واستخدمت حكومة المملكة طرقا مختلفة للاستفادة من عائدات نفطها لتحسين معيشة مواطنيها وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد ودعم دول نامية أخرى، تتقدمها المبادرة الرائدة لإطلاق صناعة البتروكيماويات في مطلع الثمانينات كجزء من محاولة الحكومة المستمرة لتنويع مصادر الاقتصاد. وتمت محاكاة هذه المبادرة من قبل دول أخرى تنتج النفط والغاز في المنطقة.
هذا وتتسم الأبحاث والنقاشات حول صناعة النفط السعودي بطبيعة دائرية، حيث تتم فقط عندما يكون هناك نقص في النفط أو ارتفاع في الأسعار أو تغييرات من طرف السوق.

مشهد الطاقة في السعودية
عندما ننظر إلى مشهد الطاقة القائم في البلاد، نلاحظ أربعة ملامح أساسية وهي الحجم الهائل لاحتياطي النفط المؤكد في البلاد والذي يقدر بنحو 266 مليار برميل أو 20 في المائة من احتياطي النفط المثبت في العالم. وبفضل الاكتشافات الجديدة، ظل هذا المستوى ثابتا لفترة من الوقت رغم ارتفاع معدلات الإنتاج.
الاحتياطي الهائل للسعودية من الغاز حيث تحتل البلاد المرتبة الخامسة لأكبر احتياطي على المستوى العالم، إذ يصل الاحتياطي إلى 8.1 تريليون متر مكعب، مع تغطية 15 في المائة فقط منه في البلاد. ووصل الإنتاج في عام 2012 إلى 102 مليار متر مكعب.
وبالحديث عن مصادر الطاقة الأخرى فإن السعودية تملك من الطاقة الشمسية، معدلا سنويا يقدر بـ2550 كيلوواط ساعي لكل متر، مما يعد أعلى معدل للإشعاع الشمسي في العالم. وتخطط الحكومة من أجل توليد ثلث احتياجات الدولة من الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة ومن بينها الطاقة الشمسية بحلول عام 2032.
وبالنسبة لاستهلاك الطاقة الأساسي، تحتل السعودية المركز 12 في أكبر الدول المستهلكة، وتنتج 60 في المائة من طاقتها باستخدام النفط، بينما تستهلك الغاز لتوليد معظم الطاقة المتبقية. ويذكر أنه تم استهلاك 2.9 مليون برميل من النفط في اليوم في عام 2013.
وتشير التقديرات إلى أن دعم الطاقة بمفرده يكلف البلاد 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويمكن تقسيم الاستهلاك بين عدد من القطاعات، أهمها قطاع المواصلات الذي يستهلك 40 في المائة من النفط، وتم اتخاذ عدد من الخطوات في هذا الصدد من أجل تخفيض استهلاك النفط، حيث يجري إنشاء نظام مواصلات جديد من قطارات أنفاق وحافلات في المدن الكبرى في المملكة.
كما يجري التخطيط لشبكة سكك حديدية جديدة تصل بين النقاط الرئيسية بين المراكز البشرية والتجارية في البلاد.
توليد الكهرباء وتحلية المياه يستهلك نحو 700 ألف برميل نفط يوميا. يمثل ذلك ثلثي احتياجات الدولة الأساسية من الطاقة. ويلبي الغاز الاحتياجات الباقية، ويتم استهلاك نصف الكهرباء المولدة في المنازل، وتستهلك الهيئات التجارية والصناعية والحكومية الكمية المتبقية.
وبعد أن وصل متوسط النمو السنوي لاستهلاك الكهرباء إلى 6 في المائة أثناء العقد الماضي، تبنت الجهات المعنية عددا من المبادرات للتشجيع على توفير الكهرباء على مستوى المنازل والشركات، منذ عام 2002، منها فرض مواصفات صارمة على مصابيح الإضاءة، ومكيفات الهواء، والأجهزة الكهربائية الأخرى، والعزل الحراري في المنازل وقانون جديد للبناء، وبرنامج طموح لمصادر الطاقة المتجددة، وبرنامج توعية لتعريف الجمهور بمميزات ترشيد استهلاك كل من الكهرباء والمياه، وبرنامج لتدريب العاملين بصورة مباشرة في القطاع مثل المهندسين والمعماريين والفنيين.
إن الهدف من تلك الإجراءات هو تخفيض استهلاك الطاقة بنسبة 30 في المائة بحلول عام 2030 عن معدل الاستهلاك الذي تحقق في عام 2005. ولاحظ أن مراجعة الأسعار ليست من ضمن تلك الإجراءات.
إذا ألقينا نظرة أقرب إلى قطاع الغاز في السعودية، سنجد أنه في حين استخدام جزء منه لتوليد الطاقة وتحلية المياه، إلا أن أغلبه يستخدم لتغذية صناعة البتروكيماويات. بدأت تلك الصناعة في عام 1983، باستخدام الغاز المصاحب، وتحولت الصناعة تدريجيا عبر السنوات إلى الغاز الحر بينما ظل النوع الأول يمثل 38 في المائة فقط من الاستخدام مع نهاية عام 2011. ووصل الاستهلاك في ذلك العام إلى 3.8 تريليون متر مكعب ومن المتوقع أن يصل إلى الضعف بحلول عام 2030.
يبلغ سعر الغاز حاليا 0.75 دولار فقط للوحدة الحرارية البريطانية MBTU مقارنة بمتوسط عالمي بلغ 5 دولارات للوحدة الحرارية البريطانية. وتبلغ نسبة الارتفاع السنوي لاستهلاك الغاز 7 في المائة، ويستهلك جميعه محليا فيما عدا صادرات الغاز الطبيعي المعالج.
من جهة أخرى السعودية هي أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم، إذ يوجد بها 30 مصنعا تنتج 18 في المائة من حجم المياه المحلاة في جميع أنحاء العالم. ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم مرتين في العقد المقبل. وتستهلك مصانع التحلية 50 في المائة من وقود النفط أو 20 في المائة من إجمالي الطاقة الأساسية. وتساهم المياه المحلاة بنسبة 60 في المائة من المياه اللازمة. جدير بالذكر أنه من المتوقع أن يزداد الطلب على المياه المحلاة بنسبة 14 في المائة سنويا أو أكثر من ضعف إجمالي الطلب على المياه. ويقدر هذا الرقم بستة أضعاف معدل النمو السكاني. ويبلغ إجمالي الطلب على المياه من جميع المصادر ضعفي المتوسط العالمي. أما عن تكلفة المياه المحلاة فتقدر بدولار لكل متر مكعب. ويسدد المستهلكون ما بين 5 - 10 في المائة من التكاليف.

مصادر التأثير في السياسة النفطية
في محاولة لاستيعاب العوامل الأساسية التي كانت ولا تزال تؤثر في سياسة النفط السعودية، نستطيع ملاحظة خمسة عوامل على الأقل:
1. المستوى التقديري لاحتياطي النفط المؤكد في البلاد. وكلما ارتفع هذا المستوى، كنسبة من إجمالي الاحتياطي العالمي ومنظمة الأوبك، يزداد اتجاه الدولة إلى القيام بدور أكبر في سوق النفط، وتزداد احتمالية لجوئها إلى تضخيم إيرادات النفط لأطول فترة ممكنة.
2. مستوى القدرة الإنتاجية للبلاد مقارنة بمنتجي النفط الآخرين. كلما ارتفع هذا المستوى، ازدادت قوة التفاوض التي تملكها في مواجهة شركائها في الأوبك والعملاء، وأصبحت أكثر ميلا إلى استخدام هذه القدرات لإنعاش استثماراتها.
3. كلما تنوعت منافذ التصدير، وازدادت جودة النفط، واختلف التوزيع الجغرافي لعملائها، أصبحت الدولة تتمتع بمرونة ومسؤولية أكبر.
4. دور النفط في خليط الطاقة العالمية. كلما كبر حجم هذا الدور، تصبح مسؤولية المملكة العربية السعودية أكبر في ازدهار الاقتصاد العالمي.
5. دور صناعة النفط في البلاد في الاقتصاد الوطني. يأتي القدر الأكبر من ميزانية الحكومة بالإضافة إلى عائدات التصدير في البلاد من النفط. تشكل التفاعلات والمفاضلات بين تلك العوامل سياسة النفط السعودية. ويؤدي الاعتماد على عائدات النفط إلى أن تطمح الحكومة في ارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاج. في الوقت ذاته، يتطلب الاحتياطي الهائل مخططا ذا مدى زمني طول. كما أن الدور الذي تؤديه الدولة في سوق النفط العالمية وداخل منظمة الأوبك يضع على عاتقها مسؤولية إضافية فيما يتعلق بضرورة اكتساب قدرات من أجل تحمل الصدمات. يتطلب تنوع مشتري النفط السعودي أن يوضع في الاعتبار مصالحهم والقوة الإجمالية لسوق النفط واستقرارها بالإضافة إلى قوة الاقتصاد العالمي. في المقابل، يستلزم الدور الذي تؤديه صناعة النفط في اقتصاد المملكة العربية السعودية نظرة طويلة الأجل، يكون أصلها تضخيم طويل الأجل لإيرادات النفط، واستقرار سوق النفط، واقتصاد عالمي متنام لضمان استمرار التصدير، واستقرار الدخل، وكفاءة صناعة النفط لاستغلال قطاع النفط من أجل النمو الاقتصادي والاجتماعي للبلاد.

مستقبل النفط والغاز عالميا
هل يجب أن نقلق بشأن النفط والغاز الصخري أو المحكم في الولايات المتحدة أو أي مكان آخر؟
أشارت دراسة صدرت مؤخرا عن «جدوى للاستثمار» إلى أن المستقبل المتوقع للنفط الصخري في الولايات المتحدة، في ظل التكنولوجيا الحالية، ربما يصل إلى ذروته في عام 2017. ثم يبدأ في الانخفاض سريعا إلا إذا حدث إنجاز تكنولوجي جديد. السبب وراء هذا التوقع القوي هو أن منحنيات الانخفاض في آبار النفط الصخري تتسم بالحدة. ومن المتوقع أن تصل إلى ما بين 81 - 90 في المائة في 24 شهرا الأولى من الإنتاج. يعني ذلك أنه يجب حفر آبار جديدة باهظة التكلفة باستمرار للحفاظ على معدل الإنتاج الحالي. توصلت الدراسة إلى أنه من الممكن القول في هذه المرحلة إن النفط الصخري لا يملك على المدى البعيد تأثيرا عكسيا على المملكة العربية السعودية. وقد أضيف إلى ذلك، ربما يكون له عدد من التأثيرات الإيجابية، نظرا لأنه يضع حدا أدنى لأسعار النفط، ويزيد من فترة الاعتماد على النفط. هناك احتمالات نفطية أخرى، ربما تتحدى الريادة السعودية. من بينها الآبار البحرية العميقة، والنفط الرملي من كندا الذي ساهم بنسبة 14 في المائة من ورادات الولايات المتحدة في عام 2013. والنفط الثقيل.
أما بالنسبة للغاز، فربما يختلف الأمر. من المتوقع أن ترتفع إمدادات الغاز بنسبة نحو 65 في المائة فيما بين عامي 2010 و2040. ومن المتوقع أن تشكل إمدادات الغاز غير التقليدي نحو نصف هذه الزيادة. جدير بالذكر أن الغاز المصاحب، الذي يمثل 20 في المائة من تلك الزيادة، يشهد انخفاضا سريعا، إذ تصل النسبة ما بين 79 و95 في المائة بعد 36 شهرا من الإنتاج، مما يعني وجوب استبدال 50 في المائة من القدرة الإنتاجية سنويا. ويجب أن يتم ذلك في ظل أسعار منخفضة للغاية. ولكن الأسعار بدأت بالفعل في الارتفاع. أما عن التأثير على صناعة البتروكيماويات الأميركية، فمن المتوقع أن تحقق استفادة كبيرة من زيادة إنتاج الغاز الزهيد. وسوف يتم الحصول على قدرات جديدة كبيرة في الولايات المتحدة، مما سيحد من ربحية صناعة البتروكيماويات السعودية، وربما يحث بعضا من الشركات على دراسة التوسع في عملياتها في الولايات المتحدة للاستفادة من وفرة الغاز وسعره الزهيد.
* خبير اقتصادي سعودي



«خفض الفائدة» يعزز الطلب على «التمويل الاستهلاكي» في مصر

المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
TT

«خفض الفائدة» يعزز الطلب على «التمويل الاستهلاكي» في مصر

المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)
المصريون لا يتحمّلون الزيادات المستمرة في الأسعار بإحدى أسواق منطقة السيدة زينب (الشرق الأوسط)

حسم محمود زكي، وهو شاب متزوج في نهاية الثلاثينات من عمره، أمره بشراء سيارة جديدة خلال هذا العام مع قرار البنك المركزي المصري «خفض أسعار الفائدة» بمعدل 100 نقطة أساس، عادّاً الوقت أضحى مناسباً لكي لا يتكبد فوائد مرتفعة مع اتجاهه إلى الشراء عن طريق أحد البنوك التي توفّر عروضاً جيدة للشراء بـ«التقسيط».

ترقّب زكي، الذي يقطن في أحد أحياء مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، توجّه «لجنة السياسات النقدية» مع بداية العام الجديد، وبين آراء كانت تتوقع تثبيت الفائدة وأخرى تتجه نحو خفض أسعارها، تردد كثيراً في اتخاذ الخطوة، خشية اتجاه صعودي نتيجة عدم استقرار الأوضاع في المنطقة، لكنه قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «تباطؤ حركة البيع والشراء في سوق السيارات والتراجع المستمر في أسعارها يدفعانه إلى اتخاذ الخطوة بعد أن أجّلها أكثر من مرة».

البنك المركزي المصري (الصفحة الرسمية)

وقرر البنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة، خلال أول اجتماع للجنة السياسة النقدية في 2026، وللمرة السادسة خلال آخر 10 أشهر، ليصل سعر عائد الإيداع إلى 19 في المائة، وسعر الاقتراض إلى 20 في المائة، وسط تباطؤ معدلات التضخم وتحسن أداء الجنيه المصري.

ويأتي قرار «المركزي»، مساء يوم الخميس، متماشياً مع قرارات سابقة بخفض أسعار الفائدة منذ أبريل (نيسان) 2025، وحينها خُفضت أسعار الفائدة من مستوياتها التاريخية المرتفعة لأول مرة منذ أربع سنوات ونصف السنة، بإجمالي 725 نقطة أساس، موزعة بواقع 225 نقطة أساس في أبريل، و100 نقطة في مايو (أيار)، و200 نقطة في أغسطس (آب)، و100 نقطة في أكتوبر (تشرين الأول)، و100 نقطة في ديسمبر (كانون الأول).

تفعيل «بطاقة الائتمان»

ولم يكن الشاب الثلاثيني فقط هو من حسم أمره بشراء سيارة «تقسيط»، لكن أيضاً محمد سامي، وهو موظف في الأربعينات من عمره، يرى أنه أمام فرصة مواتية لاستخدام «بطاقة الائتمان» لشراء «جهاز تكييف» قبل قدوم فصل الصيف، ويرى أن تراجع الفائدة على الاقتراض والإيداع يمكن أن يشجعه على الخطوة مع تراجع أسعار «أجهزة التكييف» بنسبة تخطت 25 في المائة، نتيجة تراجع التضخم، لكن ثمنه ما زال يفوق قدرته على دفعه مرة واحدة.

حسب سامي، وهو متزوج ويقطن في شارع فيصل الشعبي بمحافظة الجيزة، فقد اتخذ قرار التقسيط من خلال شركات «التمويل الاستهلاكي» التي تقدم عروضاً عديدة في مصر منذ أن تراجعت القدرة الشرائية لدى المواطنين وشهدت أسعار السلع قفزات عديدة.

ولدى سامي -حسب ما أكده لـ«الشرق الأوسط»- تجربة سابقة سلبية حينما قرر شراء هاتف جوال بـ«التقسيط»، لكن سعره كان مبالغاً فيه، نتيجة لارتفاع معدلات الفائدة البنكية فقرر عدم استخدام «بطاقة الائتمان» منذ عام أو أكثر، مضيفاً أنه الآن يرى نسبة الفائدة الحالية مع تراجع أسعار كثير من الأجهزة الكهربائية يُمكن أن يُحدثا توازناً منطقياً يدفع إلى الشراء.

مصريون في سوق العتبة الشعبية وسط القاهرة (الشرق الأوسط)

وسجلت قيمة «التمويل الاستهلاكي» في مصر خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى نهاية سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، ارتفاعاً ملحوظاً بأكثر من 57 في المائة، لتصل إلى 66 مليار جنيه (الدولار يساوي 47 جنيهاً تقريباً)، وذلك وفقاً للتقرير الصادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية في مصر.

وتشير المؤشرات التراكمية إلى ارتفاع عدد عملاء «التمويل الاستهلاكي»، ليصل إلى نحو 9.25 مليون عميل خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025، مقابل 3.27 مليون عميل خلال الفترة نفسها من عام 2024، بمعدل نمو بلغ 182.7 في المائة.

مساحة لشراء الاحتياجات

ويعزّز خفض أسعار الفائدة اتجاه المصريين نحو «التمويل الاستهلاكي» خلال عام 2026، وفقاً للخبير الاقتصادي علي الإدريسي، مشيراً إلى أن «معدلات الفائدة الحالية تمنح مساحة للمواطنين لشراء احتياجاتهم بعد حالة من الركود التي ظلت مسيطرة على كثير من الأسواق خلال السنوات الأخيرة».

وأشار، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن قرارات البنك المركزي الأخيرة بمثابة «خطوتين نحو تخفيض الفائدة»، مع اتخاذ قرار بخفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي للبنوك، وهو ما يعني أن مزيداً من السيولة ستكون بحوزة المواطنين، ويمكن التصرف فيها عبر «التقسيط» تحسباً لتقلبات الأوضاع الاقتصادية خلال الفترة المقبلة مع التوترات الجيوسياسية وحالة عدم اليقين لدى البعض من تماسك الاقتصاد المحلي وقوته.

وقرر البنك المركزي المصري، مساء الخميس كذلك، خفض نسبة الاحتياطي النقدي التي تلتزم البنوك بالاحتفاظ بها لدى البنك المركزي المصري من 18 في المائة إلى 16 في المائة، في أول خفض بهذا الحجم منذ 4 سنوات.

وتستحوذ السيارات والمركبات على اتجاهات المصريين الأكبر نحو «التمويل الاستهلاكي» بنسبة 19 في المائة، وفقاً لتقرير صادر عن هيئة الرقابة المالية في سبتمبر الماضي، في حين جاءت الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات في المرتبة الثانية بنسبة 18.1 في المائة، تلتها الأجهزة المنزلية بنسبة 13.9 في المائة، ثم الهواتف المحمولة بنسبة 2.6 في المائة. فيما يتوقع الإدريسي أن تتجه شركات التمويل إلى تقديم عروض للشراء كلما انخفضت الفائدة.

وهو ما يؤكده أيضاً الخبير الاقتصادي، كريم العمدة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»، إن خفض الفائدة يشجع المواطنين على «التقسيط»، لكن هناك فئات تضع في اعتبارها أن المسار الهبوطي للفائدة مستمر، ويمكن الانتظار لمعدلات قد تصل فيها الفائدة إلى 13 في المائة خلال الربع الأخير من هذا العام، فيما يقتصر الشراء على من يضطرون حالياً.

خطر مقابل

لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التوسع الكبير بسوق «التمويل الاستهلاكي» خلال السنوات الأخيرة، عبر القروض الشخصية وبطاقات الائتمان وتسهيلات الشراء، سواء من البنوك أو شركات التمويل، يُنذر بالخطر في حال التعثر عن سداد «الأقساط».

وتوقع رئيس اتحاد التمويل الاستهلاكي في مصر سعيد زعتر، في تصريحات إعلامية سابقة له خلال الشهر الماضي، أن يصل حجم التمويل الاستهلاكي في مصر هذا العام إلى ما يتراوح بين 145 و160 مليار جنيه بنسبة ارتفاع تصل إلى 60 في المائة مع وجود طفرة كبيرة في أعداد المستخدمين.

وقبل أيام ألزمت الهيئة العامة للرقابة المالية الشركات العاملة في نشاط «التمويل الاستهلاكي» بتوفير تغطية تأمينية لعملائها، في خطوة تستهدف تعزيز حماية المتعاملين مع الأنشطة المالية غير المصرفية.

Your Premium trial has ended


استقرار «وول ستريت» بعد بيانات تضخم أميركية مشجعة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

استقرار «وول ستريت» بعد بيانات تضخم أميركية مشجعة

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

حافظت سوق الأسهم الأميركية على استقرارها، يوم الجمعة، بعد صدور تحديث مشجع بشأن التضخم، مما ساعد على تهدئة مخاوف المستثمرين بشأن تأثير تقنيات الذكاء الاصطناعي على عالم الأعمال.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.1 في المائة، رغم أن غالبية الأسهم المدرجة فيه شهدت ارتفاعاً بعد يوم من تسجيل واحدة من أسوأ خسائرها منذ «عيد الشكر». كما تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 76 نقطة أو 0.2 في المائة بحلول الساعة العاشرة صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين هبط مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.3 في المائة، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وانخفضت عوائد سندات الخزانة بعد أن أظهر التقرير تباطؤ التضخم في الشهر الماضي أكثر مما توقعه الاقتصاديون، إذ دفع ارتفاع أسعار المواد الغذائية والملابس وغيرها من تكاليف المعيشة المستهلكين الأميركيين إلى مواجهة زيادة إجمالية في الأسعار بنسبة 2.4 في المائة مقارنة بالعام الماضي.

وعلى الرغم من أن هذا المعدل لا يزال أعلى من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، وأعلى مما يرغب فيه بعض صانعي السياسات، فإنه يمثّل انخفاضاً عن معدل ديسمبر (كانون الأول) البالغ 2.7 في المائة. كما تباطأ مؤشر أساسي يعدّه الاقتصاديون أفضل مؤشرات اتجاه التضخم إلى أدنى مستوى له منذ نحو خمس سنوات.

وقال كبير الاستراتيجيين الاقتصاديين في شركة «أنيكس» لإدارة الثروات، برايان جاكوبسن: «لا يزال مرتفعاً للغاية، ولكنه مؤقت فقط، وليس للأبد».

ويساعد تباطؤ التضخم الأسر الأميركية التي تكافح لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، كما يمنح «الاحتياطي الفيدرالي» مزيداً من المرونة لخفض أسعار الفائدة إذا لزم الأمر. وقد علّق البنك المركزي أي خفض للأسعار مؤخراً، لكن التوقعات تشير إلى استئنافها في وقت لاحق من هذا العام. ومن شأن أي خفض محتمل للفائدة أن يعزز الاقتصاد ويرفع أسعار الأسهم، إلا أنه قد يغذّي التضخم أيضاً.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن الاقتصاد في وضع أفضل مما كان عليه في نهاية عام 2025، حيث شهدت سوق العمل تحسناً ملحوظاً خلال الشهر الماضي فاق توقعات الاقتصاديين.

وانخفض عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.06 في المائة من 4.09 في المائة في وقت متأخر من يوم الخميس، في حين تراجع عائد السندات لأجل عامين الذي يعكس توقعات سياسات «الاحتياطي الفيدرالي» بدقة أكبر، إلى 3.41 في المائة من 3.47 في المائة.

على صعيد الأسهم، استقرت أسعار العديد من الشركات التي كانت من بين الخاسرين المحتملين بسبب الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، ارتفع سهم «آب لوفين» بنسبة 1.3 في المائة، بعد أن خسر نحو خُمس قيمته يوم الخميس، رغم إعلان أرباح فاقت توقعات المحللين، وسط مخاوف المستثمرين من المنافسة المحتملة من شركات تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

كما تعافت أسهم شركات النقل والشحن، بعد تراجعها يوم الخميس، على خلفية إعلان «ألغوريثم هولدينغز» عن منصة ذكاء اصطناعي تزيد من أحجام الشحن بنسبة تصل إلى 400 في المائة دون زيادة عدد الموظفين، فارتفع سهم «سي إتش روبنسون وورلدوايد» بنسبة 1.7 في المائة يوم الجمعة.

وكانت أسهم شركات مثل «أبلايد ماتيريالز» و«موديرنا» من أبرز الداعمين للسوق، حيث ارتفعت أسهم الأولى بنسبة 10.3 في المائة بعد أرباح فاقت التوقعات، في حين صعد سهم «موديرنا» بنسبة 7.5 في المائة عقب نتائج قوية للربع الأخير.

في المقابل، تراجعت أسهم «درافت كينغز» بنسبة 10.7 في المائة رغم أرباحها الإيجابية للربع الأخير، بعد أن قدمت توقعات إيرادات أقل من التوقعات. كما أثرت أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى على أداء مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، حيث انخفض سهم «إنفيديا» بنسبة 2.1 في المائة، ما جعله العامل الأثقل تأثيراً على المؤشر.

وعلى المستوى العالمي، سجلت مؤشرات آسيا انخفاضاً، في حين كان أداء الأسواق الأوروبية متبايناً، حيث هبط مؤشر «هانغ سنغ» في هونغ كونغ بنسبة 1.7 في المائة، ومؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1.2 في المائة.


التضخم الأميركي يتباطأ بأكثر من المتوقع ليصل إلى 2.4 % في يناير

يتسوق الناس في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوق الناس في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

التضخم الأميركي يتباطأ بأكثر من المتوقع ليصل إلى 2.4 % في يناير

يتسوق الناس في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)
يتسوق الناس في متجر بمدينة نيويورك (رويترز)

انخفض مؤشر رئيسي للتضخم في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوى له منذ نحو خمس سنوات خلال الشهر الماضي، مدعوماً بتباطؤ نمو إيجارات الشقق وانخفاض أسعار الوقود، مما خفّف بعض الضغوط عن الأميركيين الذين واجهوا ارتفاعاً حاداً في تكاليف المعيشة على مدار السنوات الخمس الماضية.

وسجل التضخم 2.4 في المائة خلال يناير (كانون الثاني) على أساس سنوي، منخفضاً من 2.7 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، وهو قريب من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة. أما الأسعار الأساسية التي تستثني الغذاء والطاقة المتقلبتَيْن، فارتفعت بنسبة 2.5 في المائة فقط على أساس سنوي، بانخفاض عن 2.6 في المائة خلال الشهر السابق، مسجلة أدنى ارتفاع منذ مارس (آذار) 2021.

ويشير تقرير يوم الجمعة إلى تباطؤ التضخم، رغم الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية والوقود وإيجارات الشقق منذ بداية الجائحة، إذ زادت الأسعار بنحو 25 في المائة عن مستوياتها قبل خمس سنوات، مما جعل قضية «القدرة على التحمل» الاقتصادية محل جدل سياسي واسع.

وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 0.2 في المائة خلال يناير مقارنة بديسمبر، في حين ارتفعت الأسعار الأساسية بنسبة 0.3 في المائة. ويعكس هذا التباطؤ الجزئي محاولة الشركات إعادة ضبط الأسعار مع بداية العام، في ظل توقع انخفاض أسعار الوقود واستمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد قفزتها في ديسمبر.

وقد يسمح اقتراب التضخم من هدف 2 في المائة لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بخفض سعر الفائدة الرئيسي قصير الأجل هذا العام. كما طالب بذلك الرئيس دونالد ترمب مراراً. ومع ذلك، أسهمت تكاليف الاقتراض المرتفعة، مثل قروض الرهن العقاري وقروض السيارات، في استمرار ارتفاع أسعار العديد من السلع وجعلها بعيدة المنال عن كثير من الأميركيين.

وسجل التضخم قفزة إلى 9.1 في المائة في عام 2022 بالتزامن مع زيادة الإنفاق الاستهلاكي واضطرابات سلاسل التوريد بعد الجائحة، ثم بدأ الانخفاض في 2023، واستقر عند نحو 3 في المائة منتصف 2024 دون تحسّن ملحوظ. كما أسهم الإغلاق الحكومي في أكتوبر (تشرين الأول) لفترة ستة أسابيع في خفض التضخم مؤقتاً؛ إذ أثر على عملية جمع البيانات وتقدير تغيرات أسعار المساكن.

في الوقت نفسه، تراجعت مؤشرات نمو الأجور خلال العام الماضي مع تباطؤ التوظيف. ومع تردد الشركات في إضافة وظائف، فقد العمال القدرة على المطالبة بزيادات كبيرة في الأجور، مما أسهم في الحد من الضغوط التضخمية؛ إذ غالباً ما ترفع الشركات الأسعار لتعويض ارتفاع الأجور.

ويرى الاقتصاديون أن النمو المعتدل للأجور سيكون عاملاً رئيسياً لاستمرار تباطؤ التضخم هذا العام. وقال كبير الاقتصاديين في «ويلمنغتون ترست»، لوك تيلي: «لا نتوقع بأي حال من الأحوال أن يعود التضخم إلى الارتفاع».

كما لا تزال العديد من الشركات تتحمل تكاليف الرسوم الجمركية، ومن المتوقع أن تزيد بعض الأسعار لتعويض هذه النفقات في الأشهر المقبلة. ومع ذلك، يتوقع معظم الخبراء انخفاض التضخم تدريجياً في النصف الثاني من العام، ليقترب بحلول نهاية 2026 من هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة.