تبعات {الربيع العربي}.. ميليشيات مسلحة وفوضى ودمار

نوعية جديدة من تنظيمات وإرهابيين استغلوا نتائجه وطمعوا في السلطة

صورة ارشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
صورة ارشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
TT

تبعات {الربيع العربي}.. ميليشيات مسلحة وفوضى ودمار

صورة ارشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)
صورة ارشيفية لعنصرين من إحدى الميليشيات في العاصمة الليبية طرابلس (أ.ب)

لم يكن متوقعا أن الدول التي احتفلت بإسقاط أنظمتها بثورات شعبية خلال ما عرف بـ«الربيع العربي»، تتحول خلال ثلاث سنوات من هذه التحولات الدراماتيكية، إلى ساحات للقتال والمعارك الطاحنة بين شعوبها والجماعات الإرهابية المختلفة، التي انتشرت بشكل مخيف على أراضيها، وتنتقل بؤر تمركز الإرهاب من أماكنها التقليدية في أعماق آسيا، إلى منطقة الشمال الأفريقي والجزيرة العربية.

عندما اندلعت الثورة التونسية وفتحت الباب أمام الثورة المصرية، ومن بعدها وصل «الربيع العربي» إلى كل من ليبيا واليمن وسوريا، تفاءل الكثيرون، وأطلق المحللون ذلك اللقب على ما كان يجري من ثورات، ظنا منهم أن رياح الثورة ستواصل هبوبها نحو مزيد من الدول. وسادت في حينها نظرة تفاؤلية مليئة بالأحلام التي توسم كثيرون أن يحملها الربيع العربي إلى شعوب المنطقة. لكن الرياح أتت بما لا تشتهيه سفن المتفائلين. وبدلا من نسائم الحرية والديمقراطية، وبشائر الرخاء والاستقرار التي كانوا ينتظرونها، فجعت شعوب المنطقة نتيجة لانتشار الجماعات المسلحة والإرهابية بشكل سرطاني، مستغلة الفراغ السياسي والأمني الناشئ في تلك الدول.
وقد ظهرت على الساحة تنظيمات عدة مسلحة، أعلنت عن نفسها من خلال عمليات إرهابية، أو التهديد بتنفيذ عمليات عنفية، مثل جماعة «أنصار بيت المقدس»، و«جند الإسلام»، و«كتيبة النصرة»، و«التكفير والجهاد» في مصر، و«درع ليبيا»، و«ميليشيات الزنتان» القبلية، و«كتائب مصراتة»، و«لواء شهداء 17 فبراير» في ليبيا، بالإضافة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية في ليبيا ومصر» (دالم).
ولم تسلم تونس صاحبة «ثورة الياسمين» من تمدد الجماعات المسلحة على أراضيها، وتنتمي إجمالا، للتيار السلفي الجهادي، ومنها تنظيم «أنصار الشريعة»، وبعض من جهاديي سوريا ومالي العائدين.
وفي اليمن انبثقت جماعة «أنصار الشريعة» فرعا لتنظيم القاعدة في جزيرة العرب، بالإضافة إلى جماعة الحوثيين. ناهيك عن «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش» اللذين ظهرا في سوريا، الأمر الذي يدعو للتساؤل عن علاقة ثورات الربيع العربي بظهور تلك التنظيمات، التي لم يكن لها وجود سابق من قبل.
وقد كشفت بيانات المكتب العربي للشرطة الجنائية، في السنوات الأخيرة، عن أنه جرى رصد 76 تنظيما وحركة إرهابية، منها 32 تنظيما عربيا صرفا. لكن حالة الانفلات الأمني التي أعقبت الثورات العربية جعلت الواقع أسوأ بكثير مما رسمته تلك الأرقام، في ظل الإعلان عن وجود ما يقرب من 1700 ميليشيا مسلحة في ليبيا وحدها. وفي هذا الإطار، يشير معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى إلى أن تفريغ السجون من السجناء في البلدان التي تأثرت بـ«الربيع العربي»، أدى إلى خروج الكثير من الجهاديين، وتكوينهم لتجمعات جديدة تمثل حركات إرهابية خطيرة.
حول ظاهرة التنظيمات الإرهابية المسلحة، قال اللواء محمد نور الدين، مساعد أول وزير الداخلية المصري الأسبق لـ«الشرق الأوسط»، إن كل التنظيمات الدينية المتطرفة والإرهابية، على اختلاف أسمائها، خرجت من عباءة الإخوان المسلمين، بمن فيها «القاعدة»، في إطار التنظيم الخاص الذي أنشأه حسن البنا. وأضاف نور الدين: «لقد رصدنا تنسيقا بين الظواهري والرئيس المعزول محمد مرسي، خلال فترة حكمه. وحتى تلك التنظيمات التي تتظاهر بتكفير مرسي الآن، إنما تفعل ذلك ذرا للرماد. وما يسمى بالربيع العربي لم يكن في حقيقته إلا خريفا ينطوي على مؤامرة ضد البلاد العربية، لأنه كان يرتبط بحلم الشرق الأوسط الجديد لتقسيم هذه الدول لدويلات عدة، حتى لا تكون إسرائيل وحدها الدولة الصغيرة في المنطقة. وعندما حاولوا عمل سايكس بيكو جديد للتقسيم، كان الإخوان هم العنصر الجاهز لتنفيذ هذه المهمة مقابل وصولهم إلى كرسي الحكم. وقد لعبوا جيدا على وتر شعار الثورة: (عيش، حرية، كرامة اجتماعية)، لاستقطاب الناس. لكن الخطة لم تنجح، وانكسرت شوكتهم في مصر. وقد بدأت باقي الدول تستفيق، ومنها ليبيا التي كانوا يجهزون لظهور ما يسمى الجيش الحر على أراضيها. وما كان لمصر أن تقف متفرجة وتترك هذا الاختراق لأمنها، فأصبح لنا آذان هناك، بل وأياد للدفاع عن أنفسنا، وستكون مصر هي الصخرة التي ينكسر عندها الإخوان. ولأن مصر هي دولة المنشأ ودولة المرشد، فإذا انحسر الإخوان فيها وهزموا بالضربة القاضية، فإنهم سينحسرون في ليبيا والسودان وباقي الدول».
وتعليقا على الأرقام المعلنة لأعداد التنظيمات الإرهابية في المنطقة العربية، قالت إيمان رجب، الخبيرة في الجماعات المسلحة بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه من الصعب تقدير عدد التنظيمات الإرهابية على مستوى العالم، أو حتى على مستوى دول الربيع العربي، لأن الأرقام المعلنة في هذا الموضوع تعد بيانات مضللة، خاصة أن هناك نوعين من التنظيمات الإرهابية: الأول محدد القيادة والهيكل كتنظيم القاعدة، وداعش، والنصرة، والتنظيم المحلي للقاعدة في دول المغرب العربي. والثاني، عبارة عن تنظيمات بلا قيادة، وتشمل تنظيم إرهاب الفرد الواحد، أو قد يأخذ شكل الخلية التي لا يتجاوز عدد أعضائها ثلاثة أعضاء أو خمسة. وهي عادة بلا هيكل ولا قائد. وهذا النوع من التنظيمات يصعب تحديد ملامحه بدقة. ومن ثم فإن أي أرقام ترد بشأن التنظيمات الإرهابية إنما هي جزء من الصورة فقط ولا تعبر عن الظاهرة ككل.
وأضافت أن ثورات الربيع العربي ساهمت في ظهور تنظيمات إرهابية جديدة شديدة التعقيد ومتعددة الأبعاد، إلا أن بعضها كان موجودا قبل الثورات، كما في اليمن، لأسباب خاصة بالبلد نفسه، حيث ظهرت التنظيمات المحلية للقاعدة في اليمن، قبل أحداث الربيع العربي، بالإضافة إلى وجود الحوثيين. وهناك تنظيمات إرهابية ظهرت لأسباب خاصة بالإحباط من الواقع السياسي أو الاجتماعي، كما في مصر وتونس. ويعود ظهورها إلى تراجع هيبة الدولة، وضعف المؤسسات الأمنية، وخروج بعض المساجين الأمنيين أثناء الثورات.
أما في ليبيا، فالحالة ترتبط بحدوث انفلات أمني نتيجة لسقوط رأس النظام، وظهور حالة اللادولة.
وتحذر الباحثة إيمان رجب من الثورة الإلكترونية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار المد الإرهابي الفردي بلا قيادة، بعد أن أصبح من السهل على أي مجموعة أو حتى فرد، أن يتعلم كيف يصنع قنبلة من خلال الإنترنت. وتقول: «لذلك نجد أن كثيرا من العمليات الإرهابية يجري بقنابل بدائية الصنع، مع استثناء الحالة الليبية التي تستخدم فيها أسلحة متقدمة. وتزداد خطورة تأثير وسائل التواصل الاجتماعي مع تزايد جاذبية الأفكار الإرهابية للمتعلمين والمنتمين إلى الطبقات الوسطى، حيث لم تعد قاصرة على المهمشين والبسطاء». كما حذرت من تداخل الإرهاب مع الجريمة المنظمة بتعاون الإرهابيين مع تجار السلاح والمخدرات، في إطار تبادل المصالح. وهذا ما يزيد الظاهرة تعقيدا، ويجعل المعالجة الأمنية لانتشار التنظيمات المسلحة في العالم غير كافية وحدها.
وقال الدكتور حميد الهاشمي، الباحث العراقي في علم الاجتماع بالمركز الوطني للبحث الاجتماعي في لندن، لـ«الشرق الأوسط»، إن غياب الأمن وخاصة ذلك المرتبط بسلطة القانون، وانتشار السلاح يعدان أبرز سببين لانتشار الفوضى وما ينتج عنها من عنف؛ فغياب القانون يدفع الناس إلى الاحتكام إلى السلاح لحل خصوماتهم، فضلا عن اعتداء الذين لا يجدون رادعا لوقف تجاوزاتهم وأطماعهم في سلب غيرهم، أو البلطجة عليهم. وإن الطبيعة الديكتاتورية للأنظمة السابقة قد خلقت نوعا من انفصام العلاقة بين المواطن والدولة، على اعتبار أن ثمة ربطا تقليديا في الذهنية البسيطة، بين الحكومة والدولة. وبالتالي تجسد ذلك في الاعتداء على الممتلكات العامة، وفرض وجود تلك الجماعات بالقوة. وتبدى للمتابع أن هناك جماعات متعطشة للعنف وكأنها مارد خرج من قمقم. وقال: «لقد تجلى نوعان من الجماعات المسلحة التي ظهرت في أعقاب ثورات الربيع العربي، هما: الجماعات الدينية في كل حالات بلدان الربيع العربي، والميليشيات القبلية في النموذج الليبي خاصة، وأحيانا في اليمن. ووفقا لهذا التقسيم، فهناك نوعان من ادعاء الحق أو ادعاء الشرعية لدى هذين النوعين من الجماعات المسلحة (الدينية والقبلية)؛ فالدينية تدعي الشرعية الإلهية، في حين تدعي الجماعات القبلية (الشرعية الثورية). فهي التي قاتلت الديكتاتور وأسقطته، وبالتالي لا تتصور أن يجري التخلي عنها بهذه الكيفية. فهي لا ترضى الاندماج بالأجهزة الأمنية، ولا أن تحل نفسها وتعود إلى الحياة المدنية التي كانت عليها في السابق. أصبحت لديها حالة من التعايش مع السلاح، والشعور بالقوة المادية والمعنوية. إنه شعور بنشوة الانتصار الذي لا يريد أن يفارقهم». وأضاف أن هوية الجماعات الدينية وآيديولوجيتها واضحة. وهي السعي إلى مسك السلطة وفرض رؤيتها على المجتمع. في حين أن مطالب الجماعات أو الميليشيات القبلية قد تمتد إلى مديات أوسع، تحت لافتة الجهوية (المدينة أو البلدة التي تنحدر منها)، التي هي في واقع الحال قبلية، لأن المدن في هذا النموذج (الليبي خاصة)، تمثل بنى قبلية منسجمة، أي تجد مدينة تحمل اسم قبيلة معينة، ويحمل مسلحوها لافتة (ثوار تلك المدينة)، مثل ثوار الزنتان. إن هذه الصيغ من استمرار مسك السلاح والتمرد على سلطة الدولة، هي نوع من تشظي الهوية والانقسام المجتمعي. فالجماعات القبلية هذه تعبر عن هويات فرعية، وتسعى لفرض مكاسب أبعد من أن تفسر على أنها مغانم فردية يبحث عنها محاربون. وكذا الجماعات الإسلامية السلفية خاصة، تشعر باغتراب ونوع من العزلة المجتمعية إزاء منهجها العنفي، وتجد أن الحل في استمرار مسك السلاح وفرض الأمر الواقع.
بالمقابل، لا يمكننا أن نتجاوز عوامل قلة التعليم في مجتمعاتنا، والظروف الاقتصادية الصعبة في غالبية بلدان الربيع العربي، وضعف تقاليد الديمقراطية التي تحتاج إلى وقت ومراحل حتى يجري تعلمها والتدرب عليها، ومن ثم هضمها وتمثيلها، لنشهد ثمار التحول. كل هذا، إلى جانب ما سبق، يمكن أن يفسر لنا هذا الانفلات. وحسبنا أن نصف المرحلة بأنها «انتقالية»، وهي حتمية، سواء طالت أم قصرت. وكلاهما، طول أمدها وكذلك قصرها، يتناسب طرديا مع عوامل الانقسام المجتمعي، والمرحلة الديكتاتورية السابقة، وثمن التغيير، أي كلما كان باهظا، طال أمد المرحلة الانتقالية.
في تونس، قال الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور مازن الشريف لـ«الشرق الأوسط»، إن الربيع العربي - إن جازت العبارة بعد كل الموت الذي حط على المنطقة - كان فيه من باب التحقق، ملامسة لأحلام الشعوب العربية. بمعنى أن الثورة التونسية، كانت تحقق حلم الحرية والكرامة من منظور الشعوب العربية وحتى شعوب العالم. وهو بريق سرعان ما أرادت شعوب كثيرة النسج على منواله، لكن تداعي الأنظمة وقيام ثورات أخرى لم يكن عفويا ولا بريئا في معظمه. وكان هناك من استثمر في الثورات بشكل أو بآخر، كل في غاية يقصدها ومطلب يريده. والجماعات المسلحة والإرهابية طرف أساسي ضمن الأطراف المستفيدة من فوضى ما بعد الربيع، ليكونوا علامات على رياح الخريف العاتية. صحيح أن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، كان له نشاط من قبل، وسبقته جماعات مسلحة ضربت بقوة في الجزائر طيلة عقد من الزمن، وفي الصومال، وأرجاء من أفريقيا، وكذا في العراق وخاصة مجموعة الزرقاوي. لكن التطور الذي أعقب الثورات جاء تطورا نوعيا ملحوظا، ينقسم في اعتقادي إلى مناطق ذروة، هي سوريا والعراق، ممثلة بالأساس في «داعش» و«جبهة النصر»، وليبيا مع امتداد إلى مالي ونيجيريا وأفريقيا الوسطى، ثم تونس عبر تنظيم أنصار الشريعة، وتنسيق مع مختار بن مختار في الجزائر وتنظيم «المرابطون»، وتنظيم القاعدة في سيناء الذي تطور إلى «دالم»، أو دولة الإسلام في ليبيا ومصر. وأضاف الشريف أن تونس كانت بداية الربيع، لكن سرعان ما أدى الفشل السياسي للحكومات المتعاقبة، والعمى الاستراتيجي، وحالات الانفلات، إلى تطور المجموعات المسلحة وتهريب كميات كبيرة من الأسلحة من ليبيا، والقيام بعمليات نوعية غير مسبوقة، مثل اغتيال السياسيين شكري بلعيد ومحمد البراهمي، وذبح الجنود في الشعانبي، وعمليات الروحية وقبلاط وعلي بن عون وسوسة وغيرها. إن هذا الانتشار لم يكن عبثيا، بل رصدنا وجود تنسيق وتنظيم خاضع للجيوستراتيجيا. وكمختص في الاستشراف، أعتقد أنه سيزداد انتظاما وتنسيقا ويوسع من عملياته ومن تفاعله مع بعضه، وهو ينطوي على خطورة شديدة، ومثال ذلك، إعلان درنة الليبية إمارة إسلامية. وهنالك معلومات عن وجود كل من أبو عياض، زعيم تنظيم أنصار الشريعة في تونس، ومختار بن مختار زعيم تنظيم المرابطين، القادم من الجزائر بعد فشل عملية عين أميناس، أو الهارب من مالي بعد الضربات القوية ضد تنظيمه. وعن رأيه في الظاهرة في اليمن بوصفه من دول الربيع العربي، قال الكاتب السياسي اليمني محسن فضل، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن العنف موجود قبل الربيع العربي، إلا أنه زاد، بنسب كبيرة، بعد اندلاع ثورات الربيع العربي مطلع عام 2011. وقد ظهر تحديدا علی الساحة العربية بشكل أقوی، مما كان عليه سابقا. وسبب ذلك هو أن الربيع العربي أوجد لدی جماعات العنف، منذ بدايته، حالة من الأريحية، فبدأت هذه الجماعات في تنظيم نفسها والعمل علی أن يكون لها دور في المستقبل. إضافة إلی طول عمر بعض ثورات الربيع العربي، وتحولها إلی حالة من حالات الحرب، الأمر الذي جعل جماعات العنف تنخرط فيه لعدد من الأسباب، إما باسم الجهاد والدفاع عن العقيدة أو من أجل التخلص من أنظمة موالية للغرب «الكافر»، حسب تلك الجماعات، أو للسببين معا، سوريا مثالا. كما أن التدخل الخارجي في التحولات الجارية في دول الربيع العربي لم يوجد بدوره نوعا من التوازن الحقيقي بين الأطراف المتصارعة في كل بلد منها، مما ولد العنف وزاد من حدته.
الأهم باعتقادي هو أن ثورات الربيع العربي لم تحقق لشعوبها، حتى اليوم، نوعا من الاستقرار السياسي الحقيقي، مما أدى إلى تردي الأوضاع الأمنية بشكل عام، وساعد الجماعات المتطرفة على ممارسة أنشطتها بشكل طبيعي بعيدا عن الخوف والتستر.
وتعليقا على ذلك، قالت الدكتورة هناء عبد الرحمن البيضاني، أستاذ العلوم السياسية وابنة السياسي اليمني المعروف، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إنه مع سوء الأحوال المعيشية، وضعف الإيرادات، وسوء الأوضاع عموما، انتشرت الاحتجاجات بهذه السرعة الكبيرة في أغلب البلدان العربية، وكانت نتيجة حتمية للضغوط التي يتعرض لها الأفراد. ومن ثم كانت بدايات الربيع العربي التي اشتعلت ولا تريد الانطفاء حتى الآن. لكن علينا أن ندرك جيدا أن ثمن زعزعة الاستقرار باهظ التكلفة. وقد دفعت الشعوب العربية هذه الضريبة القاسية، وما زالت تدفعها من لحمها الحي بعد الثورات المتعددة، وفي الحالات التي انتشر فيها استخدام العنف المسلح. لكن يبقى التساؤل مطروحا: ما الذي يمكن أن يحدث عقب هذه الثورات؟ غالبا ما سنجد شيئا طبيعيا من الفوضى الاجتماعية على نطاق واسع، يصعب التنبؤ بفترة بقائه؛ لأنه غالبا ما يعتمد على الظروف المحلية، جنبا إلى جنب مع الاعتبارات الإقليمية والدولية. وبهذا يكون ما يحدث من عنف الآن شيئا متوقعا؛ لأن ثورات الربيع العربي لا تختلف نتائجها الحتمية عن السياق الآيديولوجي لنتائج الثورات الأخرى في أدبيات العلوم السياسية؛ فإذا أضفنا إلى ذلك عدم وجود قائد أو زعيم، فسنجد عدم الاستقرار والاضطراب وإشاعة الفوضى والقلاقل.
وأضافت البيضاني أن الحالة اليمنية مختلفة شيئا ما عن غيرها، فكل ثورة مهما تشابهت بعض نتائجها وأحداثها مع غيرها، تبقى لها خصوصيتها لجهة مضمونها وشكلها. فلا يمكن أن نضع كل الثورات في قالب واحد؛ فاليمن دولة تعاني من مشكلات البطالة، كما ظهر فيها تصدع جديد، وتأزم الموقف بين السنة والشيعة حتى أوشك على الانفجار. فالحوثيون مثلا، أحد أبرز مشكلات اليمن الحقيقية، لأنهم يقومون بالتصعيد سياسيا وعسكريا، ولديهم مشروع مرسوم من إيران، يريدون تنفيذه من خلال استغلال الأزمة السياسية وضعف أجهزة الدولة. ولذلك يقومون بتصعيد الأوضاع الأمنية والسياسية بقرية دماج شمال اليمن، بمحاولة السيطرة عليها بشكل كامل، ومواجهة القوى الأخرى كقبائل حاشد، وإفشال أي محاولة للاتفاق على بسط سيطرة الدولة ووقف أعمال العنف. وامتلاك هذه الجماعة للأسلحة يساعدها على مواجهة جميع القوى في المنطقة، وهو أمر خطير جدا يظهر مدى الدعم الذي تتلقاه هذه الجماعة من إيران وحلفائها. وفي الجانب الآخر، هناك حراك جنوبي يحاول أن يستفيد من الأزمة السياسية والأمنية لإعادة توازن العلاقة مع الشمال. ومن ثم، فأنا أرى أن تهميش الجنوب وعدم المساواة بينه وبين أبناء الشمال، هو الأساس في المشكلة الجنوبية، مما أدي إلى ارتفاع أصوات متطرفة كثيرة - إن لم تكن غالبة - تنادي بالانفصال، علما بأن الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وهو من محافظة أبين الجنوبية، كان قد حسم الجدل حول شكل الدولة الاتحادية المنتظرة، معلنا المضي نحو دولة اتحادية متعددة الأقاليم، والبعد عن المركزية، وطرحه الحوار الوطني.
من ناحية أخرى، نجد ضمن المشكلات الكبيرة في اليمن وجودا لـ«القاعدة»، إذ يبدو حضورها وقوتها في اليمن ظاهرين ومتبديين في هجماتها، حيث يعد اليمن بالنسبة لها من أكبر مراكز حضورها في المنطقة. وهي تتواجه مع الدولة اليمنية، التي تتلقى مساعدة لمواجهة هذه المنظمة الإرهابية من دول عدة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. ومن هنا فإن عدم الاستقرار السياسي والأمني في اليمن يساعد «القاعدة» على البقاء وجذب من يؤمن بفكرها، ولذلك أصبحت أحد عوامل عدم الاستقرار في اليمن. وحول الحالة الليبية قال المفكر الليبي الدكتور إبراهيم قويدر، خبير الاجتماع السياسي والرئيس الأسبق لمنظمة العمل العربية، لـ«الشرق الأوسط»: «إن تسمية الربيع العربي التي تطلق على انتفاضات الشعوب العربية ضد معاناتهم من الظلم والفقر والعوز وكرامة الإنسان وحقوقه، لم يطلقه أصحاب هذه الانتفاضات، بل سميت نيابة عنهم لتزيين فعلهم بأنه سيكون الربيع الذي سيسعد فيه الإنسان العربي في هذه الأقطار. وكما سمي لهم هذا الاسم، سعى من سموه أو ساهموا في تسميته للتدخل في هذه الانتفاضات الشعبية، وتحويل مسارها وفقا لما يرغبونه لها من توجهات تسهم في تحقيق أغراضهم هم أولا، ومن ثم تكييف ما تبقى لتحقيق الأهداف التي قامت من أجلها هذه الانتفاضات. الثورات العربية، أو الانتفاضات، في بداياتها، في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا، وكذلك في أيامها الأولى وأسابيعها، بل وحتى أشهرها الأولى، كانت، في بعض البلدان، صادقة المشاعر، وطنية التوجه، تسعى إلى الخير والإصلاح وتغيير مسار الحكم الظالم، إلى مسار يحقق للإنسان العربي ما سبق لي الإشارة إليه. لكن العنف المفرط الذي واجهت به الأنظمة هذه المظاهرات والانتفاضات السلمية، خاصة في ليبيا وسوريا، حولتها إلى حرب ما بين شباب هذه الثورات والأنظمة الحاكمة. هذه الحرب كانت فرصة سانحة وجيدة وأرضا خصبة لدخول التنظيمات المسلحة، بدعوى دعم الثوار ضد هذا الظلم والطاغوت القذافي في ليبيا والأسد في سوريا. ورحب الشباب الثوري وبحسن نية، في البداية، بهذا العون. وكان في ليبيا أن سقط النظام القمعي وانتصر الشباب، وشهد لهؤلاء المسلحين ببلائهم الجيد أثناء المعارك، وأنهم كانوا من الأسباب الرئيسة لانتصارهم ضد القذافي وكتائبه. لكن مع مرور الوقت، اتضح أن لهؤلاء أجندات أخرى مرتبطة بأجندات خارجية تدعمها دول وتنظيمات. أفاق الشباب والشعب الليبي، وبدأوا معركة أخرى لتحرير أنفسهم وبلادهم من مئات الطغاة الإرهابيين، وحتما سينتصرون في ذلك، رغم صعوبة العملية. بالتالي، لا يمكن لنا أن نقول إن الثورات العربية الشعبية هي التي صنعت هذه المجموعات الإرهابية المسلحة، ولكنهم هم الذين انتهزوا فرصة حاجة هذه الشعوب للتصدي للاستعمال المفرط للقوة من قبل الأنظمة السابقة، فدخلوا بثقلهم في صورة العون والمساعدة وتحولوا إلى أصحاب أطماع في التسلط والسيطرة».
وحول مستقبل هذه الحركات المسلحة داخل بلدان الربيع العربي، يقول مصطفى زهران، الباحث في شؤون حركات الإسلام السياسي والخبير بمركز «سيتا» للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن ثورات الربيع العربي كانت تمثل، بلا شك، أفولا قاعديا وانحسارا للقوى الراديكالية في المنطقة، خاصة بعد التحولات الكبيرة والعميقة في بنى قوى الإسلام السياسي وهياكلها، خاصة السلفية منها. ولا يعني ذلك أنه في مقابل تمدد قوى الإسلام السياسي وتصدرها للمشهد، أن القوى الراديكالية الأخرى اندثرت أو انتهت، أو في طريقها للزوال. إنما كانت تتحين الفرصة للانقضاض على مشروعيهما «المشروع الإسلامي الوليد»، و«مشروع الدولة والنظام القائم». بيد أن تعثر الإسلام السياسي، ومن ثم الإطاحة به في مصر على وجه الخصوص، كان عاملا رئيسا في بعث الحالة الراديكالية من جديد، في المشهدين السياسي والاجتماعي، خاصة بعد انضمام عناصر جديدة من داخل الحركة الإسلامية التقليدية، إلى الأخرى الراديكالية، نتيجة تصاعد روح المظلومية مجددا بين أبناء الحركة الإسلامية، لما باتوا ينظرون إليه من أحداث الثالث من يوليو (تموز) على أنه انقلاب على رئيس شرعي. تمخض المشهد عن جماعات عنف، مثل أنصار بيت المقدس، وأكناف بيت المقدس، وأنصار الشريعة، لتضعنا على بدايات مرحلة جديدة مع الحالة الراديكالية «قاعدية» برداء التسعينات. وعندما يتسع الطوق ويجري الحديث عن المشهد السوري، نجد أن المذهبية لعبت دورا رئيسا في تزكية الاقتتال الطائفي. ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال دور «حزب الله» وإيران في إشعال نار الفتنة.
كل هذه العوامل دفعت نحو مزيد من الوجوه الراديكالية في المنطقتين العربية والإسلامية. وفي ظني أن الحل الأمني وحده ليس كافيا، بل من الأهمية بمكان إعادة النظر في إقصاء تيارات الإسلام السياسي عن المشهد المصري، ولزوم دمجه مرة أخرى لكي تتوحد الرؤية في التعامل الاستئصالي مع جماعات العنف. ومطارحة الفكر ومجابهته بالفكر وليس من خلال القنوات الأمنية وحسب. ولا يعني هذا انتفاء التعامل الأمني، إنما تنظيمه ووضعه في إطار القانون بلا إفراط أو تفريط. ورغم كل هذه التحليلات، فإن رئيس هيئة البحوث العسكرية الأسبق اللواء محمود خلف، الخبير الاستراتيجي في أكاديمية ناصر العسكرية، يرى شيئا آخر؛ فقد أكد لـ«الشرق الأوسط» أن كل ما يتردد عن تلك التنظيمات الإرهابية لا وجود له على أرض الواقع، وأنه لا يوجد تنظيم إرهابي سوى الإخوان المسلمين، وفيما عدا ذلك توجد خلايا أو أفراد. وقال: «أراهن أن ما يطلق عليه (القاعدة) ليس له وجود، وكل ما يطرح من أسماء لتنظيمات إرهابية هي غير موجودة، وإنما يثار فقط للتخويف وإرهاب الناس. وحتى ما يثار على الحدود الليبية يرجع في حقيقته إلى ظاهرة تهريب السلاح، وهي عمليات يجري قصفها». وأضاف أن إطلاق «الربيع العربي» على ما حدث ليس صحيحا، لأنه لم يكن سوى مؤامرة كاملة الأوصاف في إطار نظرية الفوضى الخلاقة التي دعت إليها رايس باستغلال عدم ثبات بعض الأنظمة في المنطقة، ومنها مصر. ولكن في كل الأحوال، فإن الفوضى لا يمكن أن تخلق إلا الفوضى، والواقع في الدول العربية يؤكد ذلك. لكن وضع مصر مختلف، باعتبارها صاحبة أقدم نظام دولة وأقدم جيش، ولهذا كانت متفردة ومتميزة في مواجهة الأمر، بدليل مضيها قدما وعدم تعطلها في خطة الطريق، رغم كل محاولات الإخوان الإرهابيين. إن ما يفعلونه هو مجرد طبل أجوف.



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.