هل دخلت البشرية ثورة رابعة؟

محاولة تأسيس لفلسفة تتلاءم والثورة المعلوماتية

هل دخلت البشرية ثورة رابعة؟
TT

هل دخلت البشرية ثورة رابعة؟

هل دخلت البشرية ثورة رابعة؟

صدرت في سبتمبر (أيلول) الماضي ترجمة قام بها الدكتور لؤي عبد المجيد السيد لكتاب جديد بعنوان كبير هو: «الثورة الرابعة» وعنوان فرعي هو: «كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني» لمؤلفه الأستاذ المتخصص في فلسفة وأخلاقيات المعلومات بجامعة أكسفورد لوتشيانو فلوريدي، وذلك عن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية. وهو الكتاب الذي تم تأليفه بطموح كبير هو محاولة تأسيس لفلسفة تتلاءم والإغراق المعلوماتي الذي يغمر البشرية ويقلب كياننا رأساً على عقب، إلى حد يمكن إعلان أننا أمام ثورة جديدة تعيد صياغة مشهدنا وتشكل حياتنا بملامح لم يعهدها الإنسان من قبل. فلنقف عند بعض ما جاء في هذا الكتاب من أفكار.
ينعت مؤلف الكتاب هذه الثورة المعلوماتية بالرابعة على أساس أن البشرية قد مرت في الزمن الحديث بثلاث ثورات قبل ذلك، وهي: الثورة الفلكية الكوبيرنيكية والثورة الداروينية البيولوجية والثورة النفسية الفرويدية، لتكون الثورة الرابعة هي ثورة الغلاف المعلوماتي، والمتمثلة في كل الموجة العارمة من التكنولوجيا الرقمية القادرة على معالجة كم خيالي من البيانات التي تدخلنا حقبة جديدة تتجاوز التأريخ إلى التاريخ المتسارع، الأمر الذي بدأ يصنع لنا فهماً للعالم وللذات وللآخر، مغايراً تماماً عما ألفناه، خصوصاً نحن الجيل الذي عاش تفاصيل ما قبل الانفجار المعلوماتي.
إن واقعنا أصبح يتغير بسلاسة أمام أعيننا وتحت أقدامنا وبصورة تصاعدية ومن دون توقف، فالبشرية، بحسب المؤلف، هي في لحظة تودع فيها التاريخ للدخول نحو ما يسميه بـ«التاريخ المفرط» جراء حدوث متغيرات أهمها: انتشار تسونامي الثقافة الرقمية والذيوع المتصاعد لنبوءات «ما بعد الإنسان»، وهو ما يدل على أننا في مرحلة انتقالية، لا تزال غامضة وتحتاج إلى صياغة فلسفية جادة لبناء أسسها الصلبة التي تقوم وراءها وتبحث لها عن منطقها الداخلي الكامن وراءها، وهو الرهان الذي يحاول المؤلف أن يصل إليه، فالكتاب يعد فلسفياً في عمومه، رغم أنه موجه للجميع.
يرى المؤلف أن كثرة التقنيات وانتشارها الواسع والمتمثلة في: «تكنولوجيا النانو، وإنترنت الأشياء، والويب، والحوسبة السحابية، وتطبيقات الهواتف الذكية، والشاشات التي تعمل باللمس، ونظام تحديد المواقع، والطائرة من دون طيار، والسيارة من دون سائق، ومعدات الحوسبة القابلة للارتداء، ووسائط التواصل الاجتماعي، والحرب السبيرانية...» ستجعل المولع بها، أو الذي يخشاها حد الرهاب، يطرح السؤال الآتي: وماذا بعد؟ لكن الفيلسوف على خلاف ذلك سيتساءل متعجباً عن ماذا يكمن وراء كل ذلك؟ وهل من منظور يجمعها في توليفة متناغمة تسدد لنا الطريق وتجعلنا على بينة من أمرنا؟
قد يعتقد المرء أن تكنولوجيا المعلومات هي مجرد وسائل للتواصل والتفاعل مع العالم والآخر، لكن الحقيقة هي أنها أصبحت قوى بيئية وأنتربولوجية واجتماعية مفسرة، تشكل عالمنا وتعيد صياغة كيفية ترابطنا بلا هوادة، فعصر الصناعة بدأ يتلاشى ويخلي السبيل إلى عالم الرقميات، ويكفي هنا التذكير بأن 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لأعضاء مجموعة السبع (كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية) يعتمد على السلع غير المادية، أي ذات الصلة بالمعلومات وليس بالسلع الزراعية والصناعية، أو لنقل أن اقتصاد هذه المجموعة أصبح قائماً على المعرفة.
إن مجتمع المعلومات له جذور تعود إلى الحضارات الإنسانية الأولى التي اكتشفت الكتابة وساهمت في إخراجنا من الثقافة الشفهية وإدخالنا عصر التدوين ومن ثم ضبط الذاكرة الإنسانية، وهو الأمر الذي سيزداد بروزاً في عصر النهضة مع ظهور الطباعة مع «غوتنبرغ»، لكن مجتمع المعلومات لم يصبح حقيقة كاملة إلا في الآونة الأخيرة، جراء انتشار الرقميات في كل قطاعات الحياة ودخولنا عالم الغلاف المعلوماتي، حيث لم يعد الاكتفاء فقط بنقل البيانات بكم هائل، بل أيضاً معالجتها بشكل ذاتي وبسرعة فائقة، فالأجهزة الإلكترونية تنخفض كلفتها وتزداد قدرة على الحوسبة، وكدليل على ذلك يكفي أن تنتبه إلى سيارة جديدة الآن! لتجدها أنها قد تملكت قدرة على معالجة البيانات بشكل ذاتي وبصورة لم تكن متاحة عند وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» في حقبة الستينات، فالسيارة العادية أصبح لها ما يزيد عن 50 نظاماً تكنولوجياً (الربط بالقمر الاصطناعي، وشاشة رقمية، ونظام انغلاق المكابح، والأقفال الكهربائية، وأنظمة الترفيه، وأجهزة الاستشعار...)، ناهيك على أن حواسبنا لم تعد لها مهمة الحساب فقط، وكذلك هواتفنا لم تعد تهاتف فقط بل هي أصبحت ذكية وتتعامل مع كم هائل من البيانات بطريقة مذهلة وتعالجها بسرعة فائقة. إننا بحق نسير نحو تشكيل فضاء جديد للأجيال المقبلة هو «infosphere» أي الغلاف المعلوماتي.
إن هذا الانقلاب الجذري، أو هذه الثورة الرابعة القائمة على أساس التخمة المعلوماتية والغرق في البيانات الضخمة (Big Data) والقدرة الهائلة على معالجة البيانات وربط العالم بعضه ببعض، التي تجعل الجيل الجديد يدخل التاريخ المفرط، يصاحبه تصور مفاهيمي مروع، وهنا بالضبط يلح المؤلف على ضرورة الفلسفة لكي تضطلع بمهمتها الجسيمة، وذلك بخلقها الدلالات المناسبة لهذه الطفرة، أي محاولتها إعطاء المعنى وإيجادها لمنطق اشتغال الرقميات، وتقديم فهمها للطريقة التي أصبحت تصاغ بها نظرتنا للعالم، أي باختصار عليها أن تضع يدها على «باراديم الغلاف المعلوماتي» أي النموذج الذهني الذي أصبح يشكل تصوراتنا.
يدرك طبعاً المؤلف جسامة هذا المشروع، لكنه يؤكد على أنه فقط سيحاول في كتابه أن يشير إلى ما يحدث من تغيرات تجتاح عالمنا وتسير به من فلسفة التاريخ إلى فلسفة التاريخ المفرط ومن فلسفة الطبيعة إلى فلسفة الإنفوسفير، ومن فهم ذواتنا أنثربولوجيا إلى فهمه انطلاقا من هذه الثورة الرابعة، ومن الفلسفة السياسية إلى تصميم النظم متعددة الوكلاء، والتي لربما هي من ستكون المؤهلة للتعامل مع القضايا العالمية. ورغم أن البعض يعلن مخاوفه من هذا الزلزال الذي يعصف بالمألوف من التصورات، فإن المؤلف جد متفائل من ثورة المعلومات هذه، وما ستقدمه للبشرية من فوائد.
حقاً هو كتاب طموح، ينبه البشرية إلى أننا ننتقل بخطى حثيثة نحو «ما بعد الإنسان».

الثورة الرابعة
المؤلف: لوتشيانو فلوريدي
المترجم: لؤي عبد المجيد السيد
الناشر: سلسلة عالم المعرفة الكويتية، العدد- 452- سبتمبر2017.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً