عقب وفاته... ماذا تعرف عن «الشيطان الأعظم» في أميركا؟

لم يقتل أبداً وقضى عمره في السجن

السفاح تشارلز مانسون (ميرور)
السفاح تشارلز مانسون (ميرور)
TT

عقب وفاته... ماذا تعرف عن «الشيطان الأعظم» في أميركا؟

السفاح تشارلز مانسون (ميرور)
السفاح تشارلز مانسون (ميرور)

توفي السفاح الأميركي تشارلز مانسون، المدان بعدة جرائم قتل، عن عمر ناهز 83 عاما، وفقا لبيان مصلحة السجون في ولاية كاليفورنيا. مانسون، الذي كان يقضي حكما بالسجن مدى الحياة، أدين بسبع جرائم قتل من الدرجة الأولى وجريمة شروع في القتل، قد مات مساء أمس (الأحد) في مستشفى بمدينة كيرن كونتي، فمَن هو تشارلز مانسون؟
وقد أصبح السفاح مانسون رمزا لطريقة الحياة الشاذة والإجرام في ستينات القرن الماضي، وفي تلك الفترة قام أتباعه بقتل 7 أشخاص، ومن أبرز ضحاياه الممثلة الهوليوودية شارون تاتي، وقتلت أثناء حملها في الشهر الثامن، وكانت زوجة للمخرج الأميركي رومان بولانسكي.
وقتلت الممثلة من خلال سوزان أتكينز أحد أتباع مانسون، وكتب على باب منزل الممثلة بدمها كلمة «خنزيرة»، وقد طعن أربعة آخرين بالمنزل حتى الموت في جريمة مروعة.
وفي اليوم التالي لتلك الجريمة، قتل أتباع السفاح مانسون الزوجين لينو وروزميري لابينكا في لوس أنجليس، وعرفت تلك الجريمة باسم واحد «قتل تاتي - لابينكا» كأبشع الجرائم في أميركا.
ويعتقد أن مانسون لم يرتكب الجريمة بنفسه، وإنما وجه أتباعه بالقتل أو ما يسمى «القتل بالوكالة»، وعرف أتباعه باسم «عائلة مانسون»، بحسب «بي بي سي».
وفي التحقيقات مع مانسون، قال عن نفسه إنه «الشيطان ويقوم بعمل الشيطان»، ولقب بعد تلك التحقيقات باسم «الشيطان الأعظم» في الولايات المتحدة الأميركية.
واحتجز مانسون في السجن لأكثر من 40 عاما عقب الحكم بالإعدام في عام 1971، لكن قبل تنفيذ الحكم عليه، كانت ولاية كاليفورنيا الأميركية قد حظرت عقوبة الإعدام، ليقضي في السجن مدى الحياة حتى وفاته.
وأضاف بيان مصلحة السجون أن الوفاة كانت طبيعية، وقبل نقله إلى المستشفى مريضا، كان يقبع في وحدة بسجن ولاية كاليفورنيا في كوركوران منذ عام 1989.
وكان مانسون في بداياته يعيش في مزرعة منعزلة، يتعاطى العقاقير المخدرة المهلوسة، وبجانب الكاريزما التي يتمتع بها، نتيجة لبدايته في مجال غناء موسيقى البيتلز، أقام معه عدد من الشباب والفتيات يعدونه كأنه إله.
وفي أوائل الستينات، ادعى مانسون أنه يملك اعتقادا بأن هناك حربا قادمة في أميركا، وأنها ستكون حربا عرقية بين البيض والسود، وأن تلك الحرب موجودة بشكل خفي في أغنيات البيتلز، والفرقة تعلم بأمرها لكنها لا تعلن ذلك، وأطلق مانسون على اسم الحرب المتوقعة كما يرى «هيلتر سكيلتر» المأخوذة من إحدى أغنيات البيتلز الأميركية بالاسم نفسه.
واعتقد مانسون أن عمليات القتل تساعد في التسريع بتلك الحرب، وإلحاق الجرائم بالأميركيين السود، وسط فترة خلاف عنصري في الولايات المتحدة الأميركية، وبعد ارتكاب المذابح يختفي مانسون وأتباعه عن الأنظار لحين انتهاء الحرب للسيطرة على أميركا.
ووصفت صحيفة «الغارديان» مانسون بأنه مسؤول عن واحدة من أكثر عمليات القتل الجماعي شهرة في القرن العشرين، وأن بسببه بيعت كثير من البنادق في منطقة «بيفرلي هيلز»، وزادت أعمال شركات الأمن ثلاثة أضعاف عقب ظهوره.
وترجع الصحيفة توجه مانسون للقتل بسبب فشله في المجال الموسيقي، ورفضه من قبل منتجين في عام 1968، وقد ألقي القبض عليه مع 5 فتيات ورجلين.
وكاد مانسون يحصل على ثروة طائلة جراء إعادة تسجيل أغنياته التي أصبحت ذات شهرة عقب القبض عليه، لكن أحد أهالي ضحاياه رفع قضية للحصول على تعويض جراء طعن والده 51 مرة، ونجح في الحصول على الأموال.
ولم يكن السجن الأخير لمانسون هو الأول في حياته، إذ دخل إلى السجن وهو في عمر 13 عاما بتهمة السرقة، وفي عمر الـ17 عن الاغتصاب، وبحلول الثانية والثلاثين من عمره كان قد أمضى 17 عاما خلف القضبان.
وولد مانسون لأم فقيرة، ولم ير والده قط، إذ تزوجت والدته عاملا فقيرا عقب الانفصال، ونشأ مانسون في إحدى المؤسسات الحاضنة، وسرعان ما هرب منها وتورط في الجريمة.
وظل مانسون يلعب بالجيتار وهو في السجن في لوس أنجليس، وحاول الاتصال بمنتجه فيل سبيكتور، لكنه لم يرد على طلباته، وفقا لرواية راشيل زوجة المنتج عقب ذلك للصحافة.
وفي عام 2010 اعترف أحد المنتجين أنه اتصل بمانسون وعزم على إنتاج أحد الألبومات له في الثمانينات بعنوان «الانتهاء»، لكنه لم يخرج للنور.
وكان لمانسون ابن من زوجته الأولى روزالي، لكن ابنه انتحر في 1993، وله ابنان من زواج ثان (تشارلز لوثر وفالنتين)، وكان يعتزم الزواج خلال فترة سجنه عام 2015 من فتاة عمرها 26 عاما تقول إنها أحبته، لكن الزواج لم يحدث.
وخلال لقاءات إعلامية لمحاكمته، ظل مانسون يردد تصريحات مجنونة وغريبة عن الله، وعن موهبته، وكان يدافع عن نفسه قائلا: «أنا لم أقتل أحدا... أنا فقط أفكر والآخرون يقتلون».
وظل مانسون يطالب بالإفراج المشروط للخروج من السجن، لكن أحد علماء النفس المعالجين له نقلوا قوله: «أنا شخص من نوع خاص، لا أحب أن أكون نزيلا فحسب هنا، ولقد قضيت حياتي في السجن، أنا رجل خطير وقد وضعت خمسة أشخاص في القبر».
وكانت محاكمته في أواخر الستينات غريبة، إذ شهدت رسمه الصليب المعقوف أعلى جبهته، وهو رمز للنازية، كما اختفى أحد محاميه ووجدت جثته عقبها بـ10 أيام، وحقق المدعي العام فنسنت بوغليوسي، الذي حقق في قضيته، ثروة من كتابه الأكثر مبيعا عن حياة مانسون، واستمرت المقالات عنه لمدة عقود.
وتم القبض عليه في النهاية بحيازة سلاح وهواتف جوالة مهربة، وبعد أربعة عقود من سجنه لا تزال سيرته تُردد في الكتب والأعمال السينمائية الأميركية.



مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
TT

مصر: خيارات التنزه المجاني تتضاءل مع تراجع المساحات الخضراء

عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)
عائلات مصرية تفترش مساحات خضراء في القاهرة (حي غرب شبرا الخيمة)

في حين خرج ملايين المصريين إلى الحدائق والمساحات الخضراء في يوم «شم النسيم»، كان الأمر صعباً في إيجاد هذه المساحة أمام مجدي عاشور، الموظف الحكومي، إذ تقلصت أمامه فرص إيجاد حدائق مجانية بالقاهرة، يمكن فيها قضاء بضع ساعات لشم نسيم الربيع، وتناول مأكولاته، وسط تجمع عائلي، وبما يناسب ميزانيته.

يقول عاشور: «لجأت إلى محركات البحث وصفحات التواصل المتخصصة في ترشيح أماكن التنزه، ولكني لم أعثر على حديقة مجانية، كما كان الأمر قبل سنوات، والبديل كان في اختيار أقلها تكلفة، ممثلة في حديقة ابن سندر، الأقرب لمكان سكني بحي المطرية، والتي تبلغ تذكرة دخولها 5 جنيهات، نعم هي قيمة قليلة، ولكنها تكون مكلفة مع تجمع عائلي كبيرة العدد».

ويضيف عاشور لـ«الشرق الأوسط»: «كنا نخرج من قبل للاستمتاع بالخضرة دون أن نحمل همّ تكلفة المكان، أما الآن فمعظم الحدائق والمتنزهات أصبحت تتطلب رسوم دخول، وبالطبع بخلاف أجرة الانتقال إليها ذهاباً وعودةً مع زيادة تعريفة المواصلات، مما زاد من تكلفة الاحتفال بـ(شم النسيم)، وهو ما يُشعرنا بافتقاد الحق في استنشاق هواء نقي مجاني».

في الماضي، كان يكفي المصريين إيجاد ركن هادئ على ضفاف النيل أو في إحدى الحدائق العامة، حيث يقومون بـ«افتراش ملاءة» على أرضها، لتجمع الأقارب أو الأصدقاء، لكن هذا المشهد البسيط تحول إلى مسألة تخضع للحسابات لدى عديد من الأسر والعائلات، مع فرض عديد من المتنزهات رسوماً لدخولها، تبدأ من 5 جنيهات وتتضاعف لتصل إلى 50 جنيهاً.

ورصدت «الشرق الأوسط» لجوء عديد من الأسر إلى بدائل مجانية كمتنفس لهم خلال احتفالات «شم النسيم»، منها حديقة جامعة القاهرة، وهي مساحة كبيرة من المسطحات الخضراء تجاور سور الجامعة، حيث اجتذبت عشرات التجمعات العائلية. بينما جذبت حديقة المسلة التاريخية بحي الزمالك بأشجارها النادرة عدداً من الزوار بعد افتتاحها قبل عدة أشهر.

العديد من المتنزهات والحدائق فرضت رسوماً لدخولها (محافظة القاهرة)

كما حاول آخرون اقتناص أي مساحة خضراء في الميادين، أو تلك المجاورة لـ«النوافير»، فيما لجأت عائلات إلى «الجزر الوسطى» في الشوارع، والتي اجتذبتهم بشكلها الجمالي، خصوصاً مع توسع محافظ القاهرة أخيراً في زراعتها بالأشجار والشتلات، من أجل استعادة المظهر الحضاري للشوارع والميادين.

وحسب تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر، فإن المحافظة تسعى لزيادة الرقعة الخضراء بها وتحسين جودة الهواء، والحد من مخاطر الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، وزيادة نصيب الفرد من الرقعة الخضراء، وتحسين جودة الحياة المقدمة للمواطنين بوصفها إحدى أهم الأولويات التى تركز عليها الدولة المصرية للتعامل مع قضية تغير المناخ والحفاظ على البيئة.

إلا أن هذه التطلعات الرسمية قابلتها فيما سبق موجة من الانتقادات البرلمانية بشأن تقلص المساحات الخضراء وإزالة الأشجار، وصلت إلى طلبات إحاطة برلمانية طالبت بإجراء تحقيق شامل حول الأسباب والجهات المسؤولة عن تقليص المساحات الخضراء وقطع الأشجار، لافتةً إلى تقارير وإحصاءات خاصة بالشأن البيئي في مصر تشير إلى تراجع المساحات الخضراء من 7.8 مليون متر مربع في 2017 إلى 6.9 مليون متر مربع في 2020.

لجوء المصريين إلى الميادين والجزر الوسطى، يُرجعه الدكتور مجدي علام، الأمين العام لاتحاد خبراء البيئة العرب، إلى كون المدن المصرية شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في المساحات الخضراء نتيجة التوسع العمراني، مشيراً إلى أنه قبل 50 عاماً كانت القرى والريف يزدانان بالحقول الممتدة والغطاء الزراعي الكثيف، بينما كانت المباني محدودة وصغيرة الحجم، لكن المشهد تغير تدريجياً مع زحف العمران على الأراضي الزراعية.

أسر مصرية داخل الحديقة اليابانية بمنطقة حلوان (محافظة القاهرة)

ويوضح علام لـ«الشرق الأوسط» أن «غياب الرقابة الصارمة لفترات طويلة سمح باستخدام الأراضي الزراعية في البناء، وهو ما أدى إلى فقدان مساحات واسعة من الرقعة الخضراء»، مضيفاً أن الدولة بدأت في السنوات الأخيرة باتخاذ إجراءات أكثر صرامة، مثل فرض عقوبات بالحبس أو الغرامة على المخالفين، للحد من هذه الظاهرة.

بدوره، يرى الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، أن الحق في المساحات الخضراء ليس رفاهية، بل هو استحقاق آدمي أقرته الدساتير العالمية، وكذلك الدستور المصري، إلا أن الواقع يشهد فجوة، حيث إن متوسط نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء يبلغ 17 سنتيمتراً فقط (وفق إحصاءات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في 2020)، وهو معدل ضئيل جداً مقارنةً بالمعايير الدولية.

ويرى هندي أن «الأزمة لا تكمن فقط في تقليص المساحات، بل في عائق الوصول، فبينما يجرّم القانون قطع الأشجار، فإنه لم يحمِ المواطن من بعض المستغلين الذين يرفعون تكلفة الدخول إلى الحدائق، وهو ما حرم الأسر البسيطة من حقها في الفسحة المجانية، وخلّف شعوراً بغياب العدالة لدى من لا يملكون رفاهية المنتجعات والنوادي الخاصة».

ويشير هندي إلى أن الدراسات الحديثة أثبتت أن التعرض للطبيعة حصن منيع يخفف من حدة القلق والتوتر، ويحسن المزاج، ويزيد من القدرة على التركيز والتأمل، ويمنح شعوراً بالرضا والانتماء، ويعزز الإحساس بالآدمية ويحد من مشاعر العزلة والوحدة النفسية، ويقي من الاكتئاب، خصوصاً عند التعرض للشمس والخضرة خلال النهار.


«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
TT

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)
مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية تنشغل بأسئلة الهوية والذاكرة والبحث عن الذات في عالمٍ يتسارع إيقاعه ويزداد فيه الشعور بالاغتراب.

الأعمال الخمسة، التي عُرضت ضمن البرنامج، تقاطعت فيها الشخصيات عند لحظات دقيقة من الانكسار أو التردد، حيث يصبح كل منها عالقاً بين ما كان وما يمكن أن يكون، سواء في علاقة عائلية مثقلة بالغياب، أم لقاء عابر يعيد فتح جروح قديمة، أم تجربة فردية تنزلق نحو الخطر، أم حتى في مواجهة قاسية مع فكرة التخلي عن اللغة بوصفها جزءاً من الذات.

ويقدّم فيلم «دوامة»، للمُخرجة سوسي شمّون، قصة تجربة مراهق يجد نفسه منجذباً إلى عالم المقامرة الإلكترونية، في رحلة تبدأ برغبة بريئة في تحقيق حلم صغير، قبل أن تتحول تدريجياً إلى انزلاق داخل دائرة مغلقة من الإغراء والخسارة.

ويرصد الفيلم التحولات النفسية للشخصية، فيتبدل الإحساس الأولي بالانتصار إلى حالة من التورط والإنكار، في بناء درامي يتصاعد بهدوء ليطرح رؤية نقدية لواقعٍ باتت فيه المخاطر الرقمية في متناول المراهقين، دون الوقوع في المباشرة.

أما فيلم «الغسيل»، للمخرج فيلسون علي، فينطلق من موقف بسيط داخل مغسلة شِبه خالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى مساحة مشحونة بالمشاعر المتراكمة بين حبيبين سابقين، فيلتقط المنطقة الرمادية بين القطيعة والحنين، مع تسلل المشاعر القديمة عبر مواقف عفوية ومشاغبات خفيفة، لتكشف عما لم يُحسَم بعد.

ويميل المُخرج عاصي كسوحة، في فيلمه «دعني أفتح الباب»، للاعتماد على الإيقاع البطيء، والصمت بوصفه أداة تعبير رئيسية، فيخلق الفيلم حالة من التوتر الهادئ بين شخصيتين تتقاطع طُرقهما في لحظات عابرة، لكنها محمّلة بإحساس ثقيل بالعزلة والرغبة في التواصل.

عرض فيلم «غني أغنيتي» ضمن فعاليات البرنامج (إدارة المهرجان)

ويحمل فيلم «أحضان وقضبان»، للمخرج محمد فارس المجدلاوي، بُعداً إنسانياً عميقاً، مع تناوله علاقة أب بابنته تتشكل على أنقاض سنوات طويلة من الغياب القسري. مع عودة الأب، لا تبدو المصالحة أمراً سهلاً أو مباشراً، بل عملية بطيئة ومؤلمة تستند إلى رسائل قديمة تحاول سدّ فجوة زمنية لا يمكن تعويضها بالكامل.

أما فيلم «غنّي أغنيتي»، للمُخرجة جوليا عموري، فيطرح تصوراً يبدو مستقبلياً، لكنه شديد الارتباط بالواقع، حيث يضع شخصياته أمام خيار حادّ بين الاندماج الكامل والتخلي عن اللغة الأم، ومن خلال هذا الصراع، يتحول السؤال من كونه اجتماعياً إلى وجوديّ، وما يمكن أن يخسره الإنسان حين يساوم على جزء من هويته، لنشاهد توتراً داخلياً بين جيلين في العائلة ينظران إلى المسألة من زاويتين مختلفتين.

وبينما يؤكد مدير المهرجان محمد أبو وطفة أن هذه الأفلام تمثل تجارب سينمائية واعدة تعكس تنوعاً في الرؤى والأساليب، وتحمل أصواتاً جديدة قادرة على التعبير عن رؤيتهم، قائلاً، لـ«الشرق الأوسط»، أن «إتاحة هذه الأعمال على شاشة المهرجان تأتي انطلاقاً من الإيمان بأهمية دعم هذه التجارب ومنحها مساحة للوصول إلى جمهور أوسع»، يرى الناقد المصري محمد عاطف أن المهرجان يواصل، من خلال البرنامج، اهتمامه بعرض أفلام المُخرجين العرب في المهجر، مشيراً، في تصريحات، لـ«الشرق الأوسط»، إلى «بروز جيل من صُنّاع الأفلام السويديين من أصول عربية، الذين يقدّمون أعمالاً تنبع من واقعهم الاجتماعي وتعبّر عن تجاربهم اليومية وتعقيدات اندماجهم في المجتمع الجديد».

وأضاف عاطف أن «إتاحة هذه الأفلام داخل المهرجان تمثل فرصة مهمة لتقديمها إلى صُنّاع السينما العرب، بما يفتح آفاقاً للتلاقي والحوار، كما تمنح صورة أكثر عمقاً لحياة المُهاجر العربي وتحولات هويته»، مؤكداً أن هذا التوجه يعزّز، في الوقت نفسه، هوية المهرجان كمهرجان سويدي يحتفي بالسينما العربية في سياقاتها المختلفة.


لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)
من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)
TT

لا تستخفّ بالحديث العابر... قد يدهشك

من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)
من حديث خفيف... تنبت علاقة (آي ستوك)

تُظهر دراسة حديثة أن تجنّب المحادثات التي تبدو «رتيبة» قد يحرمنا من تجربة أكثر متعة وإثراءً مما نتصوَّر. فالتحدُّث مع الآخرين يُعدّ من أكثر الأنشطة إثارة للاهتمام، رغم ميل كثيرين إلى التقليل من شأن «الحديث العابر» وقدرته على جذب الانتباه وتحفيز التفكير.

ويستشهد الباحثون بمشهد شهير من فيلم «بالب فيكشن» للمخرج كوينتين تارانتينو، حيث يتبادل قاتلان مأجوران، يؤدّي دوريهما جون ترافولتا وصامويل إل. جاكسون، حديثاً بسيطاً حول اختلاف قوائم الطعام في مطاعم «ماكدونالدز» بين أوروبا وأميركا. ورغم بساطة الموضوع، تحوّل الحوار إلى لحظة لافتة، تكشف عن كيفية إمكان موضوع عادي أن يصبح مشوّقاً على نحو غير متوقَّع.

ولا تقف أهمية هذه الأحاديث عند حدود التسلية، إذ تشير الدراسة إلى أنها تُسهم أيضاً في تعزيز الصحة النفسية والجسدية.

في هذا السياق، قالت إليزابيث ترينه، طالبة دكتوراه في جامعة ميشيغان والمؤلّفة الرئيسة للدراسة التي نقلتها «الإندبندنت» عن دورية «الشخصية وعلم النفس الاجتماعي»: «نميل إلى افتراض أنّ أي موضوع يبدو مملاً، وأنّ المحادثة ستكون كذلك، لكن هذا لا يعكس ما يختبره الناس فعلياً».

وشملت الدراسة 9 تجارب ضمَّت 1800 مشارك، طُلب منهم توقُّع مدى استمتاعهم بمحادثات حول موضوعات عدّوها مملّة، مثل كتب عن الحربين العالميتين، وسوق الأسهم، والقطط، والنظام الغذائي النباتي، بل اقترح بعضهم موضوعات أخرى مثل «الرياضيات» و«البصل» و«بوكيمون».

وبعد خوض هذه المحادثات، سواء وجهاً لوجه أو عبر الإنترنت، أفاد المشاركون بأنهم استمتعوا بها أكثر بكثير مما توقَّعوا، حتى عندما اتفق الطرفان على أنّ الموضوع بذاته ممل.

ولاحظ الباحثون أنّ موضوع الحديث، ومدى معرفة المتحاورين بعضهم ببعض، يؤثّران في التوقّعات المسبقة، لكنهما لا يحدّدان بالضرورة مستوى المتعة الفعلي. وأوضحوا أنّ الناس لا يقلّلون فقط من شأن الحديث مع الغرباء، وإنما يبالغون أيضاً في تقدير أهمية الموضوع نفسه.

واقترح فريق البحث إعادة النظر في طريقة التعامل مع هذه المحادثات، عبر التركيز على سؤال بسيط: «ماذا يمكنني أن أتعلَّم؟»، بدلاً من الانشغال بمدى أهمية الموضوع.

وتضيف ترينه: «ما يمنح المحادثة قيمتها الحقيقية هو التفاعل ذاته؛ الشعور بأننا مسموعون، واكتشاف تفاصيل غير متوقَّعة عن الآخرين، وهو ما يضفي معنى حتى على الموضوعات العادية».

ويؤكد الباحثون أنّ لهذه النتائج أهمية خاصة، نظراً إلى الدور الحيوي الذي تؤدّيه العلاقات الاجتماعية في تعزيز الرفاهية والحدّ من الشعور بالوحدة.

ويُحذّر الفريق من أنّ تجنُّب هذه الأحاديث بدافع الملل قد يؤدّي إلى تفويت فرص بسيطة للتواصل، إذ تقول ترينه: «الامتناع عن الحديث مع زميل عند آلة القهوة، أو جار في المصعد، أو شخص غريب في مناسبة، قد يعني خسارة لحظات صغيرة لكنها قيّمة»، مشيرةً إلى أنّ «حتى محادثة قصيرة عن تفاصيل الحياة اليومية قد تكون أكثر إثراءً مما نتوقَّع».