رئيس برلمان كردستان: تبعات الاستفتاء قضت على مكتسبات ربع قرن

قال لـ«الشرق الأوسط» إنه مستعد للتفاوض مع بغداد... ودعا العبادي إلى «عدم الاغترار»

يوسف محمد صادق خلال الحوار مع «الشرق الأوسط»
يوسف محمد صادق خلال الحوار مع «الشرق الأوسط»
TT

رئيس برلمان كردستان: تبعات الاستفتاء قضت على مكتسبات ربع قرن

يوسف محمد صادق خلال الحوار مع «الشرق الأوسط»
يوسف محمد صادق خلال الحوار مع «الشرق الأوسط»

بعد تمديد الولاية المنتهية لبرلمان إقليم كردستان العراق، كان الاعتقاد السائد هو عودة رئيسه يوسف محمد صادق إلى أربيل لمزاولة مهامه، خصوصاً في مثل هذه الظروف الحرجة التي تتطلب وحدة الموقف بين القوى المختلفة للرد على التحديات التي تواجه مصير العملية السياسية في الإقليم، لا سيما بعد فشل استفتاء الاستقلال وتداعياته الخطيرة على الوضع الداخلي.
لكن لا الرئيس عاد إلى البرلمان، ولا الوضع السياسي عاد إلى مرحلة الاستقرار، وهو ما حمّل رئيس البرلمان مسؤوليته لنهج حكومة الإقليم في إجراء استفتاء الاستقلال، الذي اعتبر أن تبعاته «قضت على مكتسبات ربع قرن».
وقال صادق في حوار مع «الشرق الأوسط» إنه مستعد للحوار مع بغداد، لكنه دعا رئيس الوزراء حيدر العبادي إلى ألا «يغتر بنفسه». وفيما يلي نص الحوار:
> كان مقرراً أن تعود لممارسة مهامك بعد تفعيل البرلمان وتمديد ولايته، فما الذي يمنع عودتك؟
- الأسلوب الذي جرى بموجبه تفعيل البرلمان لم يكن ملبياً لطموحاتنا. كنا نريد تفعيله بعيداً عن التدخلات الحزبية، لكن في الحقيقة كان الهدف من تفعيله بالأساس هو شرعنة عملية الاستفتاء فحسب. هذا في وقت أقر الاستفتاء بقرار حزبي خارج إرادة البرلمان، فلم يصدر قانون خاص لتنظيمه. وكان هناك قرار اتخذ من دون توفير أرضية سياسية أو اقتصادية أو قانونية له. وهذا أمر يتعارض مع توجهاتنا السياسية، فحين كنا في أربيل حاولنا أن نجعل البرلمان المرجع الأول والأخير لمثل هذه القرارات المصيرية، وليس استخدام البرلمان لشرعنة القرارات الحزبية كما حصل في مسألة الاستفتاء.
> لكن بعد تمديد ولاية البرلمان لثمانية أشهر عاد نواب «حركة التغيير» و«الجماعة الإسلامية» إلى الجلسات؛ فما الذي منعك من العودة؟
- كنتُ منذ البداية ضد تمديد الولاية بهذا الشكل، خصوصاً أن قرار الأحزاب نص على تنظيم الاستفتاء قبل الانتخابات البرلمانية. وكان هذا هاجسي الشخصي، لأنني كنت أعلم يقيناً أنه سيكون من الصعب جداً تنظيم الانتخابات مباشرة بعد الاستفتاء لقصر الفترة الفاصلة بينهما. وبصفتي رئيساً للبرلمان، وجهت رسالة إلى مفوضية الانتخابات لأطلب منها أن تتهيأ لتنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل انتهاء ولاية البرلمان في 11 يونيو (حزيران) الماضي، لأنني كنت أخشى أن تؤدي عملية الاستفتاء إلى تأجيل الانتخابات، وللأسف حصل ما كنت أخشاه.
> هل يعني هذا أن رفض عودتك إلى البرلمان قرارك، وليس قرار قيادة حركتك؟
- أعتقد أن «حركة التغيير» تشاطرني الرأي بأن تكون عودتي مرهونة بتمكين البرلمان من أداء واجباته القانونية، بمعنى ألا يكون تحت وصاية أو توجيه أحد. أظن أننا بحاجة إلى اتفاق جديد يضمن تغيير نظام الحكم الحالي وإبعاد أيادي الحزب (الديمقراطي الكردستاني) عن التدخل في المؤسسات الأمنية والعسكرية، وضمان إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية وشفافة خالية من التزوير والتلاعب، وكذلك من أجل التفاوض مع بغداد وإجراء الإصلاحات لتحقيق الشفافية في الموارد المالية.
إذا تحقَّقَت هذه الأهداف واستطاع البرلمان أن يقوم بدوره، فالأمر حسن. أما في حال استمرار التدخلات الحزبية واستخدام البرلمان فقط لشرعنة القرارات الحزبية، فهذا أمر لا يتطابق مع تطلعاتنا وأهدافنا. أعتقد أنه حان الوقت للمراجعة والتخلي عن السياسات غير المقبولة في التعامل بين الأحزاب؛ فهي سياسات شوهت صورة الإقليم أمام الرأي العام العالمي، وأعتقد أن نظام الحكم المتبع في الإقليم منذ ربع قرن أثبت فشله وحان الوقت لتغييره، لأن هذا النظام فشل من النواحي السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل إنه عرّض الشعب لمستقبل مظلم ومجهول، ولذلك أتمنى أن تتخلى القيادات السياسية عن هذه العقلية المريضة في شطب الآخرين وإنكارهم.
> هناك تصريحات من رئيس الوزراء حيدر العبادي يؤكد فيها دعم برلمان كردستان كمؤسسة شرعية وتفعيل دوره كي يتمكن من أداء دوره التشريعي من دون تدخلات من أطراف معينة... هل تعتقد أن هذا الدعم مطلوب لتحويل البرلمان الكردي إلى مؤسسة فاعلة؟
- نعم. أعتقد أنه كلما كانت علاقتنا متينة وراسخة مع السلطات الاتحادية، كان ذلك أفضل؛ فيجب إخراج تلك العلاقات من نطاق شخصي أو من تحكم قيادات معينة بها. يجب تدعيم العلاقات بين المؤسسات الشرعية كي تتحول إلى جهات رقابية على مؤسسات الحكم. ولذلك أرى ضرورة قصوى لأن يكون لبرلمان كردستان دور مهم وفاعل في أي مفاوضات تجري بين أربيل وبغداد، ففي حال عجزت حكومة الإقليم عن فتح أبواب الحوار مع بغداد، فمن الممكن أن يقوم البرلمان بهذا الدور من خلال تشكيل وفد من الكتل البرلمانية تحت إشراف الهيئة الرئاسية للذهاب إلى بغداد للتفاوض، باعتباره ممثلاً شرعياً للشعب الكردستاني.
> ولماذا لا تبادر إلى ذلك، خصوصاً أنك رئيس البرلمان الشرعي وبإمكانك أن تشكل وفداً برلمانياً يرافقك إلى بغداد للتفاوض؟
- إذا تأكدتُ أن باستطاعتي القيام بهذا الدور، فلن أتردد. أنا مقتنع تماماً بأنه لا يجب على الشعب أن يدفع ضريبة أخطاء بعض قياداته السياسية، ونحن كحركة سياسية ليست لدينا مصالح مالية مع بغداد، ولا نسيطر على موارد الإقليم، ولذلك أعتقد بأننا سنكون طرفاً نافعاً إذا سُمح لنا بأن نتفاوض مع بغداد لضمان مصلحة الشعب وليس مصلحة الأحزاب أو أشخاص محددين.
> يدعو رئيس الوزراء دائماً إلى الحوار وفق الدستور العراقي...
- هذا صحيح. لكن للأسف السيد العبادي يتصرف وكأنه المنتصر في الحرب، وهو يغترّ بنفسه، لكني أعتقد أن الانتصار في السلام أفضل من النصر في الحرب؛ فكل حرب يتبعها سلام، والانتصار الأكبر لأي زعيم سياسي هو قدرته على صنع السلام، وليس قرع طبول الحرب.
ما حصل بعد الاستفتاء كان سببه عدم حساب تداعيات العملية، وحصل ذلك أيضاً في كاتالونيا حيث وجدنا قيادات فرّت أو زُجّ بها في السجون أو أُعفِيَت من مناصبها. لم تجر الجهات التي قررت الاستفتاء أي تقييم أكاديمي سياسي ودبلوماسي وعسكري وأمني واقتصادي سليم لعملية الاستفتاء وتداعياتها. فلا نعرف كيف يمكن لإقليم أن يجري الاستفتاء في حين أن حكومته لا تستطيع دفع نصف رواتب موظفيها؟ وكيف ينجح استفتاء في منطقة محاطة بكثير من الدول المعادية للتطلعات القومية لشعب ليست لديه قوة عسكرية منتظمة ومسلحة تستطيع أن تدافع عن حدوده حين يعلن دولته المستقلة؟
أجري الاستفتاء في وقت خسرت فيه القيادة الكردية كل أشكال الدعم الدولي وعاندت ولم تبالِ بدعوات العالم وما عرضته القوى العظمى من ضمانات بديلة للاستفتاء. وكل هذا كان قصر نظر سياسياً، وخطأ فادحاً للقيادة السياسية، ولو جرى الاستفتاء عبر البرلمان وهو المؤسسة الشرعية الممثلة للشعب، وليس عبر قيادة حزبية، لكان الأمر مختلفاً، ولم نكن لنخسر كل تلك المكتسبات بسبب تقدم القوات الاتحادية.
> حدود الإقليم لم تبقَ كما كانت في السابق، فهل تعتقد أن الأكراد سيتمكنون من القيام بدور سياسي فاعل في مستقبل العراق؟
- عندما قيل إن الحدود ستُرسَم بالدم، قلتُ حينها إن الحدود لا ترسم بالدماء بل بالحوار، لأن الحدود التي تُرسَم بالدم ستعود للآخر بالدم أيضاً. وهذا ما حصل بالضبط. قلت، وكررت، إن مشكلة المناطق المتنازَع عليها تُحلّ بالقانون والدستور، ولكن للأسف لم يستمع إلينا أحد. واليوم أكرر أيضاً أن المشكلة ستُحلّ وفقاً للمادة 140 من الدستور، وأود أن أؤكد هنا أن الحكومة الاتحادية بدورها تخطئ إذا ظنت بأنها ستحسم مشكلات هذه المناطق بالقوة العسكرية أو عبر «الحشد الشعبي»، فمشكلة الأكراد منذ السبعينات وحتى اليوم هي مشكلة كركوك. وكل الحكومات المتعاقِبة على حكم العراق فشلت في حسم هذه المشكلة عسكرياً، وكذلك فشلت القيادات الكردستانية في فرض الأمر الواقع على الآخرين. وعليه، يجب العودة إلى القانون والاستفادة من أخطاء التاريخ. المهم أن الشعب الكردي لم يعد قادراً على التحكم بالوضع السياسي في العراق. نعم، نحن مكون مهم، ولكن إذا لم نرتب بيتنا الداخلي ونقوِّ أنفسنا عبر تدعيم مؤسساتنا الديمقراطية والشرعية فلا نستطيع أن نستعيد دورنا الفاعل.
> بعد كل ما حدث في الآونة الأخيرة، هل تتوقع أن يمضي الإقليم نحو الحكم الرشيد والشفافية؟
- على القوى التي تسببت بهذه المآسي والكوارث السياسية أن تعي أنه لا يمكن لهذه الأمور أن تستمر إلى ما لا نهاية. فما حصل أعادنا إلى بداية التسعينات وقضى على كل المنجزات والمكتسبات التي حققناها خلال ربع قرن في معاركنا العسكرية أو السياسية.
لذلك يجب على الجميع أن يتحمل مسؤولياته ويعترف بفشله، وبذلك يمكننا أن نغير نظام الحكم السائد إلى الحكم الرشيد. أما إذا لم يتحقق ذلك فمن المفترض على كل من يؤمن بالديمقراطية وبحقوق الشعب أن يمارس دوره ويلجأ إلى كل السبل المتاحة أمامه من الخيارات المدنية للضغط على السلطة لإرغامها على التنازل، بما في ذلك الخروج إلى الشوارع والتظاهر بهدف التغيير، لأنه في ظل استمرار الوضع الحالي فسيأتي يوم وينهدم فيه البناء على رؤوس جميع من تسببوا بهذه الكوارث.
> هناك فعلاً تحركات من بعض الأطراف السياسية لإجراء التغيير عبر تشكيل حكومة إنقاذ وطني، فهل أنت مع هذا الخيار؟
- أعتقد أننا بحاجة فعلاً إلى مرحلة انتقالية، وقد أشرتُ في بياني الصادر في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي إلى حاجتنا لتشكيل حكومة انتقالية لتجاوز هذه المرحلة. يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أن الحكومة الحالية تتحمل جزءاً كبيراً من الفشل والانتكاسة التي حصلت. وعليها أن ترحل. أما إذا استدعت الحاجة بقاءها، فعليها أن تغيّر سلوكها وتخضع لرقابة صارمة من البرلمان وتحقق الشفافية في التعامل مع الموارد وتحترم سيادة القانون، وأن تعمل لمصلحة الشعب ومعالجة أزماته المستفحلة وتتحول إلى حكومة المواطن بدل حكومة الحزب.



نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
TT

نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً لجامعة الدول العربية

الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)
الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية نبيل فهمي (رويترز)

اعتمد مجلس جامعة الدول العربية، بالإجماع، نبيل فهمي أميناً عاماً جديداً للجامعة خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في عمان، الاثنين، حسب المكتب الإعلامي للجامعة.

ويأتي فهمي خلفاً لأحمد أبو الغيط، وتبدأ ولايته مطلع يوليو (تموز) المقبل وتستمر خمس سنوات.

وفهمي دبلوماسي مخضرم تولى منصب وزير الخارجية المصري بين عامي 2013 و2016، وسيكون ثامن أمين عام للجامعة التي تتخذ القاهرة مقرا لها.وطوال تاريخها، لم يقد الجامعة العربية سوى أمناء عامّين مصريين، باستثناء التونسي الشاذلي القليبي الذي تولى المنصب في ثمانينات القرن الماضي بعد تعليق عضوية مصر في المنظمة على خلفية توقيعها معاهدة سلام مع إسرائيل.وفي بيان الإجماع على ترشيحه وصف فهمي البالغ 75 عاما المنصب بأنه «مسؤولية كبيرة» نظرا إلى «ما تواجهه أمتنا من تحديات غير مسبوقة، ومخالفات صارخة للقانون الدولي من قبل أطراف معتدية غدرا على دولنا وسلامتنا، وأخرى طال احتلالها لأراضينا وتعرقل تمكين أشقائنا من ممارسة حقوقهم المشروعة، فضلا عن تعرض منطقتنا لمخططات تستهدف الهيمنة، والمساس بأمن واستقرار العالم العربي».


توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
TT

توسّع أمراض الطفولة والدم في مناطق سيطرة الحوثيين

ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)
ارتفاع الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام حكومي)

تتسع دائرة المخاوف الصحية في اليمن مع استمرار تسجيل إصابات بأمراض يمكن الوقاية منها عبر اللقاحات، بالتزامن مع تفاقم معاناة المصابين بالأمراض الوراثية المزمنة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، وسط تحذيرات من أن تراجع الخدمات الصحية ونقص الأدوية الأساسية يهددان حياة آلاف الأطفال والمرضى.

وتشير تقديرات ومعلومات صادرة عن مصادر طبية وعاملين في القطاع الصحي اليمني إلى أن الحصبة وشلل الأطفال عادا ليمثلا تحدياً صحياً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، في وقت تواجه فيه المرافق الصحية ضغوطاً متصاعدة بسبب نقص الإمكانات وتراجع برامج الوقاية والرعاية الطبية.

في هذا السياق، حذر تيسير السامعي، وهو مسؤول الإعلام الصحي في محافظة تعز (جنوب غرب)، من تفاقم الوضع الصحي في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مؤكداً أن المعلومات الواردة من مصادر طبية هناك تفيد باستمرار ارتفاع أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن الحصبة، في ظل غياب بيانات رسمية دقيقة وصعوبة الوصول إلى الإحصاءات الصحية.

12 ألف إصابة بالحصبة في اليمن خلال 5 أشهر (إعلام محلي)

وأوضح السامعي أن تقديرات متداولة تتحدث عن آلاف الإصابات ومئات الوفيات المرتبطة بالحصبة في تلك المناطق، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجه القطاع الصحي، خصوصاً مع تراجع أنشطة التحصين الروتيني وحملات التطعيم الموسعة.

في المقابل، أظهرت بيانات صحية في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية تسجيل نحو 12 ألفاً و791 حالة حصبة مشتبهاً بها خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري، بينها 71 حالة وفاة. وتصدرت محافظة حضرموت المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات، تلتها تعز ثم عدن.

منع اللقاحات

يرى مختصون يمنيون أن هذه الأرقام تعكس استمرار خطورة المرض رغم توافر لقاحات فعالة وآمنة قادرة على الحد من انتشاره. ويؤكدون أن الحصبة لا تزال من أكثر الأمراض المعدية تأثيراً على الأطفال، خصوصاً في البيئات التي تشهد ضعفاً في معدلات التحصين.

ويشير عاملون في القطاع الصحي اليمني إلى أن انتشار الشائعات والمعلومات المضللة من الحوثيين حول اللقاحات أسهم في إحجام بعض الأسر عن تحصين أطفالها، الأمر الذي أدى إلى اتساع فجوة المناعة المجتمعية وعودة ظهور أمراض كانت تحت السيطرة خلال سنوات سابقة.

وتتجاوز تداعيات تراجع التحصين مرض الحصبة لتشمل أمراضاً أخرى، أبرزها شلل الأطفال الذي كان اليمن قد أعلن خلوه منه عام 2006، قبل أن تعود حالات الإصابة للتسجيل مجدداً خلال الأعوام الأخيرة.

معظم الإصابات بشلل الأطفال تركزت في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وحسب السامعي، فقد سجلت البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية نحو 450 إصابة بشلل الأطفال، مع وجود تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم اكتشافها أو الإبلاغ عنها. كما تركزت غالبية الإصابات في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين نتيجة تعثر حملات التحصين وصعوبة وصول الفرق الصحية إلى بعض المناطق.

ويؤكد مختصون أن المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة لم تسجل إصابات جديدة بشلل الأطفال خلال عامي 2025 و2026، وهو ما يعد مؤشراً على أهمية استمرار حملات التطعيم في الحد من انتشار المرض.

ولا تقتصر المخاوف على الحصبة وشلل الأطفال فحسب، إذ تتهم الحكومة اليمنية والجهات الصحية جماعة الحوثي بمواصلة حملات مناهضة اللقاحات، وهو ما أسهم -حسب تلك الجهات- في عودة انتشار أمراض أخرى مثل الكزاز والدفتيريا والسعال الديكي، وجميعها أمراض يمكن الوقاية منها عبر برامج التحصين المنتظمة.

مرضى الدم

وبالتوازي مع أزمة الأمراض الوبائية، تتفاقم معاناة آلاف المرضى المصابين بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، نتيجة نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية اللازمة لاستمرار العلاج.

وفي أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء، تعيش أم محمد معاناة يومية مع طفلها البالغ من العمر 12 عاماً والمصاب بالأنيميا المنجلية. فمع كل نوبة ألم حادة تهاجم عظامه ومفاصله، تبدأ رحلة البحث عن دواء أو كيس دم يخفف من معاناته، وسط نقص متكرر في المستشفيات وارتفاع أسعار الأدوية في الصيدليات الخاصة.

وتقول إن التحدي لم يعد مقتصراً على المرض ذاته، بل أصبح مرتبطاً بالحصول على العلاج والرعاية الطبية، مشيرةً إلى أن الأسرة تضطر أحياناً للانتظار أياماً قبل توفير بعض الأدوية أو المستلزمات المطلوبة.

اليمن يواجه حالياً تدهوراً في الصحة العامة وتفشي الحصبة (الأمم المتحدة)

وتعكس هذه القصة واقع آلاف المرضى في صنعاء وإب والحديدة وذمار وغيرها من المحافظات، حيث يعتمد المصابون بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا على متابعة طبية مستمرة وعمليات نقل دم دورية وأدوية متخصصة للحد من المضاعفات الصحية.

لكنَّ كثيراً من المراكز الطبية التي تقدم هذه الخدمات تعاني من نقص حاد في الأدوية الأساسية، لا سيما العلاجات المستخدمة لخفض تراكم الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المتكررة، إضافةً إلى محدودية توفر أكياس الدم والفحوصات المخبرية الضرورية.

وفي محافظة إب، يضطر والد طفلة مصابة بالثلاسيميا إلى قطع مسافات طويلة شهرياً للوصول إلى مركز صحي يقدم خدمات نقل الدم. ويقول إن بعض الرحلات تنتهي دون حصول ابنته على الجرعة اللازمة بسبب عدم توفر الدم أو المستلزمات الطبية.

أما في محافظة ذمار، فيروي أحد المرضى البالغين معاناته مع النوبات المؤلمة التي قد تستمر لساعات أو أيام، موضحاً أن غياب الأدوية أو تأخر الحصول على أكياس الدم يؤدي إلى تفاقم حالته الصحية ويزيد من معاناة أسرته.

ضغوط متزايدة

وتكشف مصادر طبية يمنية عن ازدياد أعداد المصابين بالأمراض الوراثية في عدد من المحافظات الخاضعة للحوثيين، وسط ضغوط متنامية تواجهها المراكز والوحدات الصحية المتخصصة نتيجة محدودية الموارد وضعف الإمكانات.

وتؤكد هذه المصادر أن المرافق الطبية المتبقية لم تعد قادرة على تلبية الاحتياجات المتزايدة للمرضى، خصوصاً فيما يتعلق بتوفير الأدوية ومشتقات الدم والخدمات التشخيصية الدورية التي يحتاج إليها المصابون بشكل مستمر.

كانت تقارير صادرة عن الجهات الصحية التابعة للحوثيين قد أقرت سابقاً بتسجيل نحو 465 حالة وفاة مرتبطة بانعدام الأدوية حتى نهاية أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إضافةً إلى توثيق 700 إصابة جديدة بالأنيميا المنجلية والثلاسيميا خلال العام نفسه.

ممرضتان يمنيتان تقدمان الرعاية لطفل حديث الولادة (الأمم المتحدة)

كما أقرت تلك الجهات بأن نحو 40 ألف مصاب بالأنيميا المنجلية و1500 مريض بالثلاسيميا يواجهون مخاطر متزايدة بسبب نقص الأدوية والعلاجات اللازمة.

ويُحذر أطباء يمنيون من أن تأخر العلاج أو انقطاعه قد يقود إلى مضاعفات خطيرة تشمل تلف الأعضاء الحيوية والالتهابات المتكررة وارتفاع احتمالات الوفاة في بعض الحالات، خصوصاً لدى الأطفال الذين يحتاجون إلى متابعة دقيقة ومستدامة.

ويؤكد مختصون أن الأنيميا المنجلية والثلاسيميا من الأمراض الوراثية المزمنة التي تتطلب رعاية صحية مستمرة، وتوافر بنوك دم فعالة، وأدوية متخصصة وفحوصات دورية، وهي متطلبات بات توفيرها أكثر صعوبة في ظل التدهور المستمر للخدمات الصحية والأوضاع الاقتصادية.

Your Premium trial has ended


المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
TT

المحافظات اليمنية تدفع لتعزيز الأمن والخدمات والاقتصاد

دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)
دعم سعودي ومشاريع تنموية في كل المجالات لإسناد الحكومة اليمنية (إكس)

كشفت سلسلة اجتماعات يمنية شهدتها محافظات شبوة وعدن وحضرموت ومأرب، عن توجه حكومي ومحلي لتعزيز الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات العامة وتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات معيشية وأمنية متراكمة فرضتها سنوات الحرب الحوثية والأزمات الاقتصادية.

في هذا السياق، أكدت اللجنة الأمنية في محافظة شبوة (وسط) برئاسة المحافظ عوض ابن الوزير، مواصلة تنفيذ حملة منع حمل السلاح داخل مدينة عتق، مركز المحافظة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لترسيخ الأمن وتعزيز هيبة الدولة والنظام والقانون.

وأشادت اللجنة بالنتائج التي حققتها الحملة منذ انطلاقها، مشيرة إلى نجاحها في الحد من انتشار السلاح داخل المدينة، وتقليص المظاهر المسلحة التي كانت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الحياة المدنية والاستقرار المجتمعي.

ورأت اللجنة أن حالة الهدوء والاستقرار التي تشهدها مدينة عتق خلال الفترة الأخيرة، تعكس الأثر المباشر للحملة، مؤكدة أهمية الاستمرار في تنفيذها والبناء على ما تحقق من نتائج، وصولاً إلى القضاء الكامل على ظاهرة حمل السلاح داخل المدينة.

حملة منع السلاح بشبوة أسهمت في تقليص المظاهر المسلحة (إعلام حكومي)

واستعرض الاجتماع جملة من المستجدات الأمنية والعسكرية في المحافظة، إلى جانب تقارير الأداء الميداني ومستويات الإنجاز التي حققتها الوحدات الأمنية والعسكرية في تنفيذ مهامها المختلفة.

وأكدت اللجنة أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتطوير آليات العمل المشترك بما يضمن تعزيز الجاهزية الميدانية والاستجابة الفاعلة للتحديات الأمنية.

كما أشادت بمستوى التعاون المجتمعي الذي رافق تنفيذ حملة منع السلاح، مثمنة الدور الذي قامت به القيادات الاجتماعية والقبلية والمواطنون في دعم جهود الأجهزة الأمنية وإنجاح الحملة.

وفي السياق ذاته، جددت اللجنة الإشادة بتضحيات الجيش والأجهزة الأمنية في مختلف الجبهات، مؤكدة أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى حماية المحافظة والحفاظ على حالة الاستقرار التي تشهدها.

التنمية والخدمات في عدن

في محافظة عدن، حيث العاصمة اليمنية المؤقتة، ناقش وزير الدولة محافظ المحافظة، عبد الرحمن شيخ، مع مديري المديريات والمكاتب التنفيذية، مستوى تنفيذ المشاريع الخدمية والتنموية وسير العمل في القطاعات الحيوية.

واستمع المحافظ إلى تقارير تفصيلية حول المشاريع المدرجة ضمن البرنامج الاستثماري للمحافظة، ونسب الإنجاز المحققة، إضافة إلى الصعوبات والتحديات التي تواجه بعض المشاريع وسبل معالجتها.

اجتماع في عدن لمراجعة المشاريع الخدمية والتنموية (إعلام حكومي)

وأكد الاجتماع أهمية التركيز على المشاريع المرتبطة بشكل مباشر باحتياجات المواطنين، خصوصاً مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية التي تمثل أولوية ملحة في ظل تزايد الطلب على الخدمات العامة.

كما تناول الاجتماع سير العملية الامتحانية الوزارية في مختلف مديريات المحافظة، ومستوى الجاهزية التعليمية، إلى جانب مناقشة الوضع الصحي وسير العمل في المرافق والمنشآت الطبية.

وشدد المحافظ على ضرورة تذليل العقبات التي قد تعرقل تنفيذ المشاريع أو تؤثر على مستوى الخدمات، مؤكداً أهمية رفع كفاءة الأداء وضمان إنجاز المشاريع وفق الجداول الزمنية المحددة.

التدخلات الإنسانية في حضرموت

في مدينة المكلا (شرق)، بحث عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت، سالم أحمد الخنبشي، مع وفد برنامج الغذاء العالمي، آليات توسيع التدخلات الإنسانية وتعزيز الشراكة بين السلطة المحلية والبرنامج.

وتناول اللقاء الأوضاع الإنسانية والمعيشية في المحافظة، وسبل تطوير برامج الدعم المقدمة للفئات الأكثر احتياجاً، إضافة إلى مناقشة احتياجات النازحين واللاجئين من دول القرن الأفريقي، والتحديات المرتبطة بتوفير الخدمات الأساسية لهم.

وأكد الخنبشي أهمية توسيع نطاق البرامج الإنسانية لتشمل أكبر عدد ممكن من المستفيدين، مع التركيز على القطاعات ذات الأثر المباشر في حياة المواطنين.

لقاء في المكلا مع وفد برنامج الغذاء العالمي لبحث توسيع التدخلات الإنسانية (إعلام حكومي)

وأولى اللقاء اهتماماً خاصاً ببرامج التغذية المدرسية، حيث دعا المسؤول اليمني إلى تعزيز هذا المسار من خلال دعم المطابخ المدرسية، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، لما تمثله من أهمية في تشجيع الطلاب على الانتظام في الدراسة وتحسين البيئة التعليمية.

كما ناقش الجانبان فرص تعزيز مشاريع سبل العيش والمشروعات الصغيرة والأسر المنتجة، باعتبارها أدوات مهمة لتقوية الاعتماد على الذات، وتحسين الظروف الاقتصادية للأسر المستفيدة.

وأكد وفد برنامج الغذاء العالمي استمرار التعاون مع السلطة المحلية في حضرموت، والعمل على تطوير التدخلات الإنسانية والتنموية بما يتناسب مع الاحتياجات المتزايدة للسكان.

الإصلاحات الاقتصادية في مأرب

في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ المحافظة، سلطان العرادة، رئيس وأعضاء اللجنة الاقتصادية المشتركة من البنك المركزي ووزارة المالية، لمناقشة تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية والمالية.

وركز اللقاء على آليات تنفيذ الموجهات الرئاسية المتعلقة بالإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة بما يسهم في رفع كفاءة إدارة الموارد العامة وتحسين الأداء المالي والإداري.

كما ناقش المجتمعون السبل الكفيلة بتعزيز الإيرادات العامة، ورفع كفاءة التحصيل وتطوير آليات العمل المؤسسي بما يدعم جهود الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية المتفاقمة.

العرادة خلال اجتماعه باللجنة الاقتصادية المشتركة لمناقشة تنفيذ الإصلاحات (إعلام حكومي)

وأكد العرادة أهمية المضي في تنفيذ الإصلاحات، باعتبارها ضرورة ملحة لدعم الاستقرار الاقتصادي وتحسين الخدمات العامة، وتعزيز قدرة مؤسسات الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وشدد على ضرورة معالجة أوجه القصور والاختلالات الإدارية والمالية، وتعزيز معايير الشفافية والانضباط المالي، وتوريد الإيرادات وفق القوانين واللوائح النافذة.

ووجّه العرادة السلطة المحلية في مأرب بتقديم التسهيلات اللازمة للجنة الاقتصادية المشتركة، وضمان التعاون الكامل مع الجهات المختصة، لإنجاح برنامج الإصلاحات وتحقيق أهدافه التنموية والاقتصادية.