عبد الله بقشان: تقدم قطاع الأعمال السعودي مرهون بتطور التعليم

المهندس عبد الله بقشان
المهندس عبد الله بقشان
TT

عبد الله بقشان: تقدم قطاع الأعمال السعودي مرهون بتطور التعليم

المهندس عبد الله بقشان
المهندس عبد الله بقشان

يرى أن تجارب الحياة وتاريخ الشعوب تثبت أن المال وحده لا يصنع شيئا يستمر، وأن الحضارة لا تصنعها الثروة وحدها، وإنما تصنعها أيادي البشر من ذوي العقول النيرة. إنه المهندس عبد الله أحمد بقشان رجل الأعمال السعودي الذي كان أول من أسس كرسيا في جامعة سعودية، قبل أكثر من عشر سنوات. يقول المهندس بقشان في حوار مع «الشرق الأوسط» إن العلاقة بين الاقتصاد والتعليم هي علاقة وطيدة، مؤكدا أنه لا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق تقدما أو تنوعا جوهريا يفيده من دون أن يكون ذلك مرتبطا باستراتيجية تعليمية متقدمة وماثلة على أرض الواقع. ويضيف «إن وجود الشركات داخل الجامعات السعودية، يوفر فرص تدريب للطلاب في المجالات التي يتطلبها سوق العمل، وتعريف الخريجين على احتياجات سوق العمل، إلى جانب أنها فرصة لسوق العمل في أن يحدد احتياجاته من قطاع التعليم العالي».
لدى بقشان فلسفة في مفهوم المسؤولية الاجتماعية هي أن كل إنسان قادر على الكسب والتعلم متى ما هيئت له الفرصة، أما إعطاء المال فقط، فسيخلق جوا من الكسل والاعتماد الكلي على الأخذ من دون بذل أي مجهود، ويقول «أنا أؤمن بالمثل القائل: لا تعطني السمكة، بل علمني كيف أصطاد السمكة».
بقشان، وعلى الرغم من أنه اسم تجاري معروف وأحد أشهر الشخصيات الوطنية الداعمة للتعليم في السعودية، لكنه عرف أيضا بتفضيله الدائم الابتعاد عن المنصات الإعلامية، إلا أنه في المساحة التالية يتحدث لـ«الشرق الأوسط» ويكشف شيئا من آرائه الاقتصادية والاجتماعية. وإليكم تفاصيل الحوار:

* لديكم اهتمام شديد بالتعليم تمثل في إنشاء المدارس والكراسي العلمية، وبرامج ابتعاث للطلبة، فما فلسفتكم في العلاقة بين الاقتصاد والتعليم؟
- العلاقة بين الاقتصاد والتعليم قوية، لقد أثبتت تجارب الحياة وتاريخ الشعوب التي سبقتنا أن المال وحده لا يصنع شيئا يستمر، وأن الحضارة لا تصنعها الثروة وحدها، وإنما تصنعها أيادي البشر من ذوي العقول النيرة.
فالتنمية البشرية هي أساس الحضارة والتقدم وهذه التنمية لا تتحقق إلا بالعلم، وإذا لم يوظف المال والاقتصاد لدعم وخدمة التنمية البشرية في أي وطن فلن تستمر حضارته وسيخبو ازدهاره بعد حين.
لهذا فإن اهتمامنا بدعم التعليم في بلادنا، ينبع من اهتمام ووعي ولاة الأمر في هذا الوطن بدعم التعليم بشكل لم يسبق له نظير في أي دولة عربية إيمانا بأن التعليم هو الدرع الواقي لحضارة وطننا، واليد اليمنى لنهضته الشاملة، فلا عجب إذن أن يهتم رجال الأعمال في بلادنا بالإنفاق على العلم بسخاء، فالتعليم يقف في الصدارة في كل خطط التنمية الوطنية بتوجيهات الملوك الميامين منذ عهد الملك عبد العزيز، إلى عهد الملك سعود الذي تبرع بقصوره لوزارة المعارف إيمانا منه برسالة التعليم، ثم الملك فيصل الذي قاد التوسع في تعليم الفتاة والابتعاث للخارج، لتشهد السعودية نهضة تعليمية شاملة في عهدي الملك خالد والملك فهد - رحمهم الله جميعا - بزيادة عدد الجامعات، وربط الابتعاث للخارج ومخرجات التعليم بخطط التنمية الوطنية في كل المجالات وصولا إلى هذا العصر الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله سدد الله خطاه الذي أصبح فيه العلم والتعليم وتطوره محور حركة التنمية الشاملة والنهضة الكبرى التي تشهدها المملكة.
* كررت في أحاديث سابقة أن السوق يتحكم في تخصصات الطلاب بالجامعات.. ماذا تعني بذلك؟
- من المؤكد أن السوق يعتمد على التخصصات، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن أكبر مثال على تأكيد هذه المقولة، فالجامعة لديها كل عام فعاليات خاصة بيوم المهنة العالمي، تستضيف فيه الكثير من الشركات لمقابلة الطلاب، بهدف تعريف الطلاب على احتياجات سوق العمل، وأعتقد أن مثل هذه الفكرة، قد تتسبب في تغير مخططات الطلاب العلمية، وتغير التخصص وفقا لاحتياجات سوق العمل.
ومن هنا أرى أن وجود هذه الشركات داخل الجامعات، يوفر فرص تدريب للطلاب في المجالات التي يتطلبها سوق العمل، وتعريف الخريجين على احتياجات سوق العمل، إلى جانب أنها فرصة لسوق العمل أن يحدد احتياجاته.
* كرجل اقتصادي.. كيف ترى مستقبل المدن الاقتصادية في السعودية؟
- في تاريخ بلادنا في العصر الحاضر حقيقة مهمة، وواعدة، تفرض نفسها على الواقع الحضاري والاقتصادي، وهي ظاهرة المدن الاقتصادية التي تعد من أهم ملامح هذا العصر الزاهر المبارك الذي يقوده خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، وولي عهده الأمير سلمان بن عبد العزيز حفظهما الله.
وهذه المدن الاقتصادية تشكل ملمحا قويا للازدهار الاقتصادي والتنموي الذي ستشهده المملكة في السنوات المقبلة بتوفيق الله وتأييده. وأتوقع أن يقوم محافظ الهيئة العامة للاستثمار السعودي عبد اللطيف العثمان بنقلة نوعية في هذا الإطار.
* عرفت بكونك أول رجل أعمال يؤسس كراسي علمية، فمتى كانت البداية؟ وما الجامعات التي تم دعمها؟
- البداية.. كانت بكرسي للبحث العلمي بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، قبل أكثر من عشر سنوات، وكان لي شرف أن يكون ذلك أول كرسي لرجل أعمال بجامعة سعودية، ثم مؤخرا أنشأت عدة كراسي منها كرسيان بجامعة الملك سعود، وكرسي بجامعة الملك عبد العزيز، وكرسي بجامعة أم القرى.
يضاف إلى ذلك مشاركتي مع زملائي من رجال الأعمال الوطنيين، في إنشاء أوقاف بالجامعات السعودية أسوة بالجامعات العالمية الكبرى، وذلك إيمانا منا بأن الوقف يكفل استمرارية الدعم المادي للبحث العلمي، ويعين الجامعة على تجاوز كل المعوقات، وأسباب الضعف التي قد تحتمها بعض الظروف الطارئة.
* هل يمكن أن نتعرف على الأوقاف العلمية التي ساهمت فيها؟
- ساهمت في أوقاف جامعة الملك سعود، التي شارك فيها عدد كبير من رجال الأعمال الوطنيين، وكان أكبر المساهمين من رجال الأعمال في هذا الوقف محمد حسين العمودي.
كما ساهمت مع زملائي بكر محمد بن لادن، ومحمد حسين العمودي في إنشاء وقف لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن بقيمة 75 مليون ريال، ولا بد من القول هنا أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، والراحلين الأمير سلطان بن عبد العزيز والأمير نايف رحمهما الله قدوتنا في إنشاء الكراسي العلمية، ودعم الأوقاف الجامعية.
* هل يجني رجل الأعمال منفعة تجارية خاصة من دعم التعليم؟
- الحقيقة أننا لا نستطيع الفصل بين المنفعة الخاصة والمنفعة العامة في هذه الحال، لأن الازدهار الذي يتحقق من خلال دعم البحث العلمي، هو ازدهار اقتصادي أساسه التنمية البشرية التي ساهمت بها الجامعات، وقدمت لنا بها كوادر بشرية بكفاءة عالية.
فتطور دول العالم المتقدمة لم يأت إلا من خلال البحث العلمي، فأميركا واليابان وكوريا تهتم كثيرا بالبحث العلمي، تصرف الكثير من الأموال عليه، وهذا الاهتمام هو سبب تطور هذه الدول.
وأدعو رجال الأعمال إلى عقد شراكة بين القطاع الخاص والتعليم، ودعم كراسي البحث في جامعات دولهم، فجامعات الدول الأجنبية تعتمد على التبرعات لدعم البحث العلمي.
* ما مفهوم «المسؤولية الاجتماعية» لدى رجل الأعمال عبد الله بقشان؟
- أنا أؤمن بأن كل إنسان قادر على الكسب والتعلم متى ما هيئت أمامه الفرصة، أما إعطاء المال فقط، فسيخلق جوا من الكسل والاعتماد الكلي على الأخذ دون بذل أي مجهود، وهذا هو المفهوم الطبيعي للمسؤولية الاجتماعية، فأنا أؤمن بالمثل القائل «لا تعطني السمكة، بل علمني كيف أصطاد السمكة».
أما مفهومي للمسؤولية الاجتماعية فهو نفسه عند كافة رجال الأعمال، وأرى أنه من الضروري أن يشعر رجال الأعمال بكافة شرائح المجتمع، ويحرصوا كل الحرص على دعم الطبقات الفقيرة، والارتقاء بمستواهم، من خلال تعليمهم حرفة، أو الأخذ بيدهم لعمل مشروع صغير يقتاتون منه، وليس بإعطائهم المال فقط، وأعتقد أن هذا الوعي قد بدأ ينتشر بين رجال الأعمال السعوديين والمؤسسات والشركات الأهلية والأمثلة كثيرة ولله الحمد فمجتمعنا مجتمع تكافلي محب للخير.
* لا يمكن أن تجري حوارا مع عبد الله بقشان ولا تسأل عن اليمن وحضرموت، حيث لك ارتباط أصيل به ونشاط تجاري واجتماعي.. كيف ترى المستقبل الاقتصادي لليمن؟
- اليمن يحتاج إلى استثمارات ضخمة ليس بإمكانها الوجود إلا إذا وفرها القطاع الخاص، وأرى أنه من الضروري على الدولة هناك أن تضع نظاما واضحا يدعم ويشجع المستثمرين، فالنظام الموجود حاليا يحتاج إلى تجديد وتطوير.
ولا بد لهذا النظام أن يزيل العقبات التي تواجه المستثمرين الخليجيين والعرب والأجانب، وتقف حجر عثرة أمامهم لتنمية الوضع الاقتصادي في اليمن.
وأعتقد أن الثورة تسببت في إنهاك الاقتصاد اليمني، الذي هو في الأصل اقتصاد هش، يحتاج إلى الكثير من الدعم، والأمل مرهون في استقرار الأوضاع السياسية في اليمن الذي نأمل فيه قريبا من خلال التنفيذ الكامل للمبادرة الخليجية، والتزام كل الأطراف بها، فالاستقرار السياسي أساس الرخاء الاقتصادي ومحور اجتذاب الاستثمارات الخارجية. وكما سبق أن قلت فإن اليمن يمتلك ثروات بترولية ومعدنية وطبيعية وسياحية تجعله في طليعة الدول العربية المتقدمة إذا ما أحسن استغلال هذه الثروات. ولكن كما قلت أيضا فإن ذلك كله يتوقف على الاستقرار السياسي الذي يتبعه الاستقرار الأمني. وبعد تحقق هذا فإن رأس المال السعودي والخليجي سيجد في اليمن أكبر مجالات الاستثمار الصناعي، خصوصا إذا تم تأهيل اليد العاملة المتوفرة بكثرة في اليمن وتدريبها فنيا ومهنيا.
* أسستم بنكا في اليمن تحت مسمى «بنك الأمل».. ما الأهداف التي نشأ من أجلها؟
- بنك الأمل ولله الحمد من أفضل البنوك في اليمن، فهو بنك مخصص لدعم الفقراء، يوفر قروضا يستطيع العميل من خلالها الاستثمار مع مجموعة من الأشخاص لعمل مشروع صغير، أو متناهي الصغر، ومن ثم عقد شراكات مع عملاء آخرين لتنمية المشروع، وتوسيع دائرة التجارة.
بنك الأمل لديه 13 فرعا حتى الآن داخل اليمن، ونسبة التسديد بلغت 100 في المائة.
* عبد الله بقشان في سطور:
* عبد الله أحمد بقشان خريج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن هندسة مدنية عام 1977 لديه 10 أبناء (ستة ذكور وأربع إناث)، رئيس مجموعة بقشان العربية، ومؤسس المركز العربي للاستشارات الهندسية، ومستشفى بقشان، يرأس ويشارك في عضوية أكثر من 30 شركة ومؤسسة سعودية.



القضاء الأميركي يوقف عقوبات البنتاغون على «أنثروبيك»

صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
TT

القضاء الأميركي يوقف عقوبات البنتاغون على «أنثروبيك»

صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)
صورة تعبيرية تحمل شعاري «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» (رويترز)

وجه القضاء الأميركي ضربة إلى إدارة الرئيس دونالد ترمب في نزاعها مع شركة «أنثروبيك»، بعدما قضت محكمة اتحادية بأن العقوبات التي فرضتها الحكومة على الشركة بسبب خلاف بشأن استخدام تقنياتها في التطبيقات العسكرية كانت غير قانونية، في حكم قد تكون له انعكاسات واسعة على علاقة شركات الذكاء الاصطناعي بالمؤسسات الدفاعية الأميركية.

وقضت القاضية ريتا لين بأن قرار الإدارة وقف استخدام منتجات «أنثروبيك» داخل الوكالات الحكومية، وتصنيف الشركة باعتبارها «خطراً على سلسلة التوريد» للأمن القومي، استندا إلى رغبة في معاقبة الشركة بسبب موقفها من الحكومة أكثر من كونهما نتيجة تهديد أمني فعلي.

وقالت القاضية في حكم من 59 صفحة إن استخدام الأمن القومي لا يمنح الحكومة «شيكاً على بياض» لمعاقبة منتقديها.

ويجعل الحكم دائماً التعليق المؤقت للعقوبات الذي أصدرته المحكمة في مارس (آذار)، كما يمنع الوكالات الفيدرالية المشمولة بالدعوى من تطبيق أمر ترمب الذي طالبها بوقف استخدام أدوات «أنثروبيك»، ويلغي تصنيف وزارة الدفاع للشركة باعتبارها خطراً على سلاسل التوريد.

غير أن النزاع لم ينتهِ تماماً، إذ لا يزال بإمكان الحكومة استئناف الحكم، كما بقي إجراء منفصل فرضه البنتاغون استناداً إلى قواعد المشتريات العامة سارياً في انتظار حكم محكمة أخرى في واشنطن.

وبدأ الصدام بعدما رفضت «أنثروبيك» السماح باستخدام نموذجها «كلود» في الأسلحة الفتاكة المستقلة بالكامل أو في عمليات المراقبة الجماعية للأميركيين. وأثار هذا الموقف غضب وزير الدفاع بيت هيغسيث، قبل أن يأمر ترمب الوكالات الحكومية بوقف استخدام منتجات الشركة.

اقتصادياً، تكمن أهمية القضية في أن الحكومة الأميركية أصبحت من أكبر المشترين المحتملين لتقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، سواء في الدفاع أو الاستخبارات أو الأمن السيبراني.

وبالتالي، فإن إدراج شركة ضمن قائمة المخاطر أو منع المتعاقدين معها من استخدام تقنياتها يمكن أن يغلق أمامها جزءاً مهماً من سوق العقود الحكومية، ويؤثر أيضاً على شركات أخرى تعتمد على نماذجها.

وأشار الحكم إلى أن العقوبات أحدثت «آثاراً متتابعة» في قطاع التعاقدات الحكومية، وربما دفعت شركات وموردين إلى الابتعاد عن «أنثروبيك» خشية فقدان أعمالهم مع الحكومة.

وهذه النقطة تكتسب أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي مرحلة يصبح فيها الوصول إلى العقود الحكومية والأمنية عاملاً أساسياً في تقييم شركات القطاع. فالنماذج الأكثر تقدماً تتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والرقائق والطاقة، ما يجعل العقود الحكومية طويلة الأجل مصدراً مهماً للإيرادات والاستقرار المالي.

وتأتي القضية أيضاً وسط جدل متزايد بشأن مقدار السلطة التي ينبغي أن تتمتع بها شركات التكنولوجيا في تحديد الاستخدامات المقبولة لمنتجاتها. فالبنتاغون يريد الوصول إلى أفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي من دون قيود تشغيلية واسعة، بينما تخشى الشركات أن تتحول نماذجها إلى أدوات لمراقبة السكان أو لاتخاذ قرارات قتل من دون تدخل بشري.

من جانبها، رحبت «أنثروبيك» بالحكم، وقالت إنها لا تزال ملتزمة بالعمل بشكل «منتج» مع الحكومة الأميركية لتوظيف الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي.

لكن الانتصار القانوني يأتي في وقت تتزايد فيه أيضاً الأسئلة حول سلامة تقنيات الشركة نفسها. فقد أقرت «أنثروبيك» الشهر الماضي بأن ثلاث نسخ مختلفة من نموذج «كلود» تمكنت خلال اختبارات من الوصول بشكل غير مصرح به إلى مؤسسات خارجية، رغم أن الاختبارات كان يفترض أن تُجرى في بيئات معزولة عن الأنظمة الحقيقية.

وأثارت حوادث مشابهة في شركات منافسة، بينها «أوبن إيه آي»، دعوات من أكثر من ألف موظف في شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تدخل الحكومة لإبطاء إطلاق النماذج الأقوى حتى يتم تطوير ضمانات أمنية أفضل.

ويأتي الحكم في توقيت حساس بصورة خاصة بالنسبة إلى «أنثروبيك»، التي يُتوقع أن تتجه إلى طرح عام أولي خلال أسابيع. وأي غموض بشأن قدرتها على العمل مع الحكومة الأميركية كان يمكن أن يؤثر على تقييمها لدى المستثمرين، خصوصاً إذا امتدت القيود إلى متعاقدي الدفاع وشركات التكنولوجيا المرتبطة بالدولة.

وفي المقابل، قد يمنح الحكم المستثمرين قدراً أكبر من الاطمئنان إلى أن العقود الحكومية لا يمكن سحبها بسهولة بسبب خلافات سياسية أو سياسات داخلية تتعلق بسلامة النماذج. لكن القضية تطرح في النهاية سؤالاً أكبر يتجاوز «أنثروبيك»، وهو «من الذي سيضع الحدود لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الأمن القومي، الحكومة أم الشركات المطورة للتكنولوجيا؟».

ومع دخول النماذج الأكثر تطوراً مجالات الدفاع والاستخبارات والأمن السيبراني، يبدو أن هذا الصراع سيصبح جزءاً أساسياً من اقتصاد الذكاء الاصطناعي نفسه. فالشركات تريد الاحتفاظ بالسيطرة على الاستخدامات التي تراها خطرة، بينما تريد الحكومات ضمان الوصول إلى التكنولوجيا التي تعتبرها ضرورية للأمن القومي.

وحكم سان فرانسيسكو لا يحسم هذه المعادلة، لكنه يضع قيداً واضحاً على قدرة الحكومة على استخدام العقوبات والمشتريات العامة لمعاقبة شركة بسبب خلاف على حدود الاستخدام. ومن المرجح أن تجعل هذه السابقة القانونية العقود المستقبلية بين شركات الذكاء الاصطناعي والبنتاغون أكثر تعقيداً، مع انتقال النقاش من مجرد شراء التكنولوجيا إلى التفاوض على القواعد التي تحكم استخدامها.


الأسواق العالمية تحبس أنفاسها قبل «جاكسون هول»

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة واشنطن (رويترز)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة واشنطن (رويترز)
TT

الأسواق العالمية تحبس أنفاسها قبل «جاكسون هول»

رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة واشنطن (رويترز)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي كيفين وارش في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك المركزي في العاصمة واشنطن (رويترز)

دخلت الأسواق العالمية جلسة الجمعة في حالة ترقب حذر قبل أول خطاب رئيسي لكيفن وارش بصفته رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) في ندوة «جاكسون هول»، وسط انقسام متزايد بشأن ما إذا كان البنك المركزي الأميركي بحاجة إلى استئناف رفع أسعار الفائدة لمواجهة تضخم لا يزال أعلى بكثير من هدفه، أم أن التباطؤ المحتمل في الاقتصاد وسوق العمل يبرر مزيداً من الانتظار.ويبدأ وارش كلمته في الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش، في حدث يراقبه المستثمرون من أسواق الأسهم والسندات والعملات والسلع، بحثاً عن أي إشارات توضح كيفية موازنة «الفيدرالي» بين تضخم لا يزال مرتفعاً ومخاطر تباطؤ النمو.وقد أبقى البنك المركزي الأميركي سعر الفائدة في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول)، لكن بيانات يوليو (تموز) أعادت الجدل بشأن ما إذا كانت هذه المستويات كافية لتقييد الطلب. واستقر مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، عند 3.7 في المائة، أي أعلى بكثير من هدف التضخم البالغ 2 في المائة.وهنا تكمن حساسية خطاب وارش. فمنذ توليه رئاسة البنك قبل ثلاثة أشهر، تبنى نهجاً متحفظاً في الحديث عن الخطوات المقبلة، متجنباً تقديم توجيهات صريحة للأسواق. لكن المستثمرين باتوا يريدون معرفة ما الذي قد يدفعه فعلياً إلى دعم رفع جديد للفائدة، خصوصاً مع تصاعد القلق في سوق السندات بشأن التضخم والدين الحكومي الأميركي.وقال محللو «إيه إن زد» إن الأسواق لا تتوقع بالضرورة توجيهاً مباشراً من وارش، لكنها تأمل في فهم أوضح لما يسمى «دالة رد الفعل» لدى البنك، أي الشروط التي ستدفعه إلى التشديد أو الانتظار. وحذروا من أن خطاباً غامضاً أكثر من اللازم قد يثير رد فعل سلبي، خصوصاً بعد التقلبات الأخيرة في العوائد.

• انقسام داخل «الفيدرالي»وتسبق خطاب وارش تصريحات أكثر تشدداً من بعض زملائه. فقد قال جيفري شميد، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي، إنه لا يرى بوضوح كيف تقيد السياسة الحالية الإنفاق والاستثمار، مشيراً إلى أن التضخم لا يزال «عنيداً ومستمراً». أما بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، فذهبت إلى أبعد من ذلك قائلة إن «وقت التحرك قد حان». وفي المقابل، تبنت سوزان كولينز، رئيسة بنك بوسطن، موقفاً أكثر حذراً، معتبرة أن بيانات التضخم الأخيرة مختلطة، وأن قرار رفع الفائدة لا يزال مفتوحاً.وبحسب تسعير العقود الآجلة، تمنح الأسواق احتمالاً يقارب 35 في المائة لرفع الفائدة في اجتماع سبتمبر (أيلول)، بينما تتوقع بصورة كاملة تقريباً تحركاً قبل نهاية العام. ويرى آدم بوسن، رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي، أن على وارش أن يؤكد أن التضخم يبقى الأولوية، وأن البنك مستعد للتحرك إذا ظل عالقاً عند مستويات مرتفعة أو بدأ في التسارع مجدداً.

• السندات في قلب الاختبار

لكن مشكلة وارش لا تتعلق بالتضخم فقط. فقد أصبحت سوق السندات الأميركية نفسها جزءاً من النقاش السياسي والاقتصادي، بعدما تجاوز الدين الحكومي 40 تريليون دولار وارتفعت عوائد السندات طويلة الأجل إلى مستويات لم تشهدها منذ سنوات. وكان عائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً قد تجاوز 5.3 في المائة الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ 2007، ما دفع وزارة الخزانة الأميركية إلى توسيع برنامج إعادة شراء السندات الطويلة بهدف دعم السيولة وتهدئة السوق. وفي جلسة الجمعة، ارتفع عائد الثلاثين عاماً قليلاً إلى نحو 5.20 في المائة، لكنه بقي منخفضاً بنحو 7 نقاط أساس على مدار الأسبوع، بينما بلغ عائد العشر سنوات نحو 4.68 في المائة. وهذه التطورات تضع وارش أمام معادلة حساسة: إذا احتاج الاقتصاد إلى رفع الفائدة لكبح التضخم، فقد ترتفع تكاليف تمويل الدين الحكومي أكثر. وفي الوقت نفسه، تريد إدارة الرئيس دونالد ترمب الحفاظ على تكاليف اقتراض منخفضة قدر الإمكان. ولهذا يراقب المستثمرون ليس فقط ما سيقوله وارش عن التضخم، بل أيضاً مدى تأكيده استقلالية البنك المركزي عن الاعتبارات المالية والسياسية.• الأسواق تتخذ «وضعية الانتظار»انعكس هذا الترقب مباشرة على الأسواق العالمية. فقد تحولت الأسهم الآسيوية إلى الحذر بعد موجة صعود قادتها نتائج «إنفيديا». وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنحو 0.2 في المائة، بينما صعد «نيكي» الياباني 0.5 في المائة. وقفزت أسهم تايوان 0.8 في المائة بعد ارتفاع «إنفيديا» نحو 9 في المائة إثر نتائج قوية وإشارات إلى استمرار طفرة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لسنوات، فيما تراجع مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي 1.5 في المائة، وصعد «هانغ سينغ» في هونغ كونغ 0.4 في المائة. أما الدولار فاستقر قرب 99.20 نقطة أمام سلة من العملات، مع ترقب المستثمرين لما إذا كان خطاب وارش سيمنح العملة دعماً عبر إعادة تسعير احتمالات رفع الفائدة.وفي الصين، استقر اليوان قرب أقوى مستوياته في ثلاث سنوات ونصف السنة عند نحو 6.72 يوان للدولار. ويرى محللون أن «بنك الشعب الصيني» يفضل استقرار العملة وعدم السماح لها بالارتفاع بسرعة، حتى لو ضعف الدولار أكثر.

• النفط يخفف بعض ضغوط التضخموفي تطور قد يمنح البنوك المركزية بعض الراحة، اتجه النفط إلى تسجيل خسائر أسبوعية، بعدما اتفقت إيران وسلطنة عمان على ترتيبات لإدارة حركة المرور في مضيق هرمز وتقاسم الإيرادات. وتراجع خام برنت إلى نحو 89.33 دولار للبرميل، متجهاً إلى خسارة أسبوعية تتجاوز 5 في المائة. ويكتسب ذلك أهمية كبيرة لمسار التضخم العالمي، لأن أسعار الطاقة كانت أحد أبرز مصادر الضغط خلال الأشهر الماضية. وإذا استمر هبوط النفط، فقد يخفف جزءاً من الضغوط التي تدفع بعض مسؤولي «الفيدرالي» إلى المطالبة برفع الفائدة. لكن الصورة ليست محسومة. فالاقتصاد الأميركي لا يزال يظهر قوة في بعض المؤشرات، مثل الإنفاق الاستهلاكي وطلبات السلع المعمرة، بينما تظل سوق العمل أقل وضوحاً. ولهذا فإن خطاب وارش لن يُقاس فقط بما إذا كان «متشدداً» أو «حذراً»، بل بقدرته على تحديد إطار واضح للأسواق: ما مستوى التضخم الذي لن يتسامح معه البنك؟ وما مقدار ضعف سوق العمل الذي سيجعل رفع الفائدة أكثر خطورة؟ وبين هذه الأسئلة، تبقى الأسواق في وضع الانتظار. فأي إشارة صغيرة من «جاكسون هول» قد تعيد تسعير الدولار والسندات والأسهم والذهب حول العالم، وتحدد ما إذا كانت موجة التشديد النقدي الأميركية تقترب من نهايتها، أم أنها تستعد لفصل جديد.


طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع... والعجز التجاري للسلع يتسع

أفراد من الحرس الوطني يمرون أمام وزارة العمل الأميركية التي نشرت تقريرها الأسبوعي الأولي عن طلبات إعانة البطالة (رويترز)
أفراد من الحرس الوطني يمرون أمام وزارة العمل الأميركية التي نشرت تقريرها الأسبوعي الأولي عن طلبات إعانة البطالة (رويترز)
TT

طلبات إعانة البطالة الأميركية تتراجع... والعجز التجاري للسلع يتسع

أفراد من الحرس الوطني يمرون أمام وزارة العمل الأميركية التي نشرت تقريرها الأسبوعي الأولي عن طلبات إعانة البطالة (رويترز)
أفراد من الحرس الوطني يمرون أمام وزارة العمل الأميركية التي نشرت تقريرها الأسبوعي الأولي عن طلبات إعانة البطالة (رويترز)

أظهرت بيانات اقتصادية صدرت الخميس استمرار تماسك سوق العمل الأميركية، مع تراجع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية إلى أدنى من توقعات المحللين، في وقت اتسع فيه العجز التجاري للسلع خلال يوليو (تموز) الماضي؛ مما يعكس استمرار اختلال التجارة رغم مساعي الرئيس، دونالد ترمب، للحد من الواردات عبر الرسوم الجمركية.

وقالت وزارة العمل الأميركية إن طلبات الإعانة الأولية تراجعت بمقدار 4 آلاف طلب إلى 203 آلاف طلب في الأسبوع المنتهي يوم 22 أغسطس (آب) الحالي، بعد تعديلها وفق العوامل الموسمية، مقارنة مع توقعات بلغت 208 آلاف طلب في استطلاع أجرته «رويترز».

وتشير البيانات إلى أن عمليات تسريح العمال لا تزال محدودة، رغم ضعف وتيرة التوظيف؛ إذ تحركت الطلبات خلال العام الحالي في نطاق يتراوح بين 189 ألفاً و230 ألف طلب. كما تراجع معدل البطالة في يوليو إلى 4.1 في المائة، وهو مستوى منخفض وفق المعايير التاريخية.

سوق العمل لا تزال متماسكة

وانخفض عدد المستفيدين من إعانات البطالة بعد الأسبوع الأول من الحصول عليها، وهو مؤشر يُستخدم لرصد قدرة الباحثين عن عمل في العثور على وظائف جديدة، بمقدار 18 ألفاً إلى 1.778 مليون مستفيد خلال الأسبوع المنتهي يوم 15 أغسطس الحالي.

وتغطي هذه البيانات المدة التي تدخل ضمن نطاق التقرير الشهري للوظائف غير الزراعية لشهر أغسطس؛ مما يجعلها مؤشراً مبكراً على أداء سوق العمل قبل صدور بيانات الوظائف الرسمية.

ويأتي استمرار استقرار سوق العمل رغم المفاجأة التي شكلها تراجع التوظيف في يوليو، ليشير إلى أن ضعف التوظيف لا يتحول حتى الآن إلى موجة واسعة من فقدان الوظائف.

التضخم يبقى محور اهتمام «الفيدرالي»

ويمنح استمرارُ متانةِ سوق العمل بنكَ «الاحتياطي الفيدرالي (المركزي الأميركي)» مساحة أكبر للحفاظ على تركيزه على احتواء التضخم، الذي ظل أعلى من هدفه البالغ اثنين في المائة لمدة 65 شهراً متتالياً.

وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة في ظل ترقب الأسواق مسارَ السياسة النقدية الأميركية؛ إذ إن استمرار انخفاض تسريحات العمال، وعدم حدوث تدهور حاد في سوق العمل، قد يقللان الحاجة إلى استجابة نقدية سريعة لمواجهة أي ضعف في النشاط الاقتصادي.

العجز التجاري يتسع

وفي مؤشر اقتصادي آخر، أظهرت بيانات منفصلة من «مكتب الإحصاء الأميركي» أن العجز التجاري للسلع اتسع إلى 118.8 مليار دولار في يوليو الماضي، مقارنة مع 101.4 مليار دولار في يونيو (حزيران) السابق عليه.

وجاء الاتساع مع انخفاض الصادرات 2.9 في المائة، في حين ارتفعت الواردات 3.7 في المائة.

ويأتي ذلك رغم حملة ترمب لخفض العجز التجاري عبر فرض رسوم جمركية واسعة على السلع المستوردة؛ مما يشير إلى أن تأثير الرسوم في تدفقات التجارة لم يمنع اتساع الفجوة التجارية في يوليو.