تونس... من أزمة إلى أخرى

يوسف الشاهد... هل تصمد حكومته أمام الأزمات؟ (إ. ب. أ)
يوسف الشاهد... هل تصمد حكومته أمام الأزمات؟ (إ. ب. أ)
TT

تونس... من أزمة إلى أخرى

يوسف الشاهد... هل تصمد حكومته أمام الأزمات؟ (إ. ب. أ)
يوسف الشاهد... هل تصمد حكومته أمام الأزمات؟ (إ. ب. أ)

فجرت مناقشات مشروع موازنة الدولة لعام 2018 أزمة سياسية - اجتماعية جديدة في تونس، بعدما لوحت قيادات سياسية وقيادات من نقابات رجال الأعمال والعمال بإسقاطه، وبالتصعيد السياسي.
وفي الوقت الذي دعا فيه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى إعادة الحوار حول مشروع قانون المالية والموازنة، وإلى أن يتقاسم الأغنياء والفقراء التضحيات ونتائج سياسة التقشف، لوحت أطراف نقابية وسياسية بافتتاح العام الجديد بموجة جديدة من الاحتجاجات والتحركات.
فإلى أين تسير تونس عشية إحياء الذكرى السابعة للانتفاضة الاجتماعية الشبابية التي أسفرت عن إسقاط حكم الرئيس زين العابدين بن علي، ثم عن انفجار ما سمي ثورات الربيع العربي؟
وهل ستنجح قياداتها في احتواء الخلافات بين صناع القرار فيها أم تتعمق أزماتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية عام 2018 وهي تستعد لتنظيم سلسلة من الانتخابات العامة؟
عند تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة التي يتزعمها يوسف الشاهد قبل 3 أشهر، بدعم من الأحزاب البرلمانية الكبرى والنقابات، توقع مراقبون كثر أن تنجح في تحقيق 7 أهداف كبرى، بما يمكّنها من تحقيق الأمن الشامل، وضمان استقرار اجتماعي - اقتصادي يشجّع المستثمرين التونسيين والأجانب.

7 ملفات
وقد حدد رئيس الحكومة يوسف الشاهد تلك الأهداف بإيجاد حلول لسبعة ملفات ذات أولوية تؤرق كبار السياسيين والخواص والنقابات، وهي بالخصوص:
- تراجع نسبة النمو الاقتصادي إلى 1.3 في المائة، بعدما كان معدله 5 في المائة قبل ثورة 2011، بينما تراجعت نسبة الاستثمار بأكثر من 5 نقاط ونسبة الادخار بنحو 10 نقاط.
- ارتفاع نسبة البطالة لتفوق 15.5 في المائة، خصوصا بين الشباب وحاملي الشهادات العلمية والجامعية، وقد كانت 13 في المائة في 2010.
- ارتفاع العجز الحالي، وتراجع مكانة تونس كبلد جاذب للاستثمار الخارجي، بحسب تقارير مؤتمر دافوس.
- انخفاض سعر صرف الدينار.
- ارتفاع نسبة المديونية العمومية إلى 62 في المائة منذ سنة 2016، مقابل نحو 40 في المائة قبل الثورة.
- تضاعف حجم كتلة الأجور من الناتج الوطني الخام بـ7 نقاط، وانخفاض حصة نفقات التنمية بـ6 نقاط.
- استفحال العجز المالي للمؤسسات العمومية للنقل والطاقة والصحة والصناديق الاجتماعية، بما يتسبب في أعباء مالية إضافية للحكومة تفوق عُشر الموازنة.

دعوات إلى التصعيد والقطيعة
لكن تشخيص الأزمة وتحديد السياسات الاقتصادية والاجتماعية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف فجّرا تناقضات بين مصالح المنظمات النقابية التي تمثّل رجال الأعمال والعمال والمزارعين، كما تسببا في بروز صراعات سياسية وحزبية جديدة بلغت حد تحرّك أطراف فاعلة من داخل أحزاب الائتلاف الحاكم وخارجه ضد حكومة الوحدة الوطنية ومشروعها لموازنة عام 2018، على الرغم من مشاركة ممثلي النقابات وغالبية الأحزاب البرلمانية فيها وفي الحوارات الماراثونية التي تجري في البرلمان وخارجه منذ أشهر حولها.
وفي خطوة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، هددت رئيسة منظمة رجال الأعمال، وداد بوشماوي، بالتصعيد والقطيعة مع وثيقة قرطاج التي وقعتها العام الماضي 10 أحزاب ونقابات، بحضور رئيس الدولة الباجي قائد السبسي ورئيسي الحكومة والبرلمان يوسف الشاهد ومحمد الناصر، وثلاثتهم من زعماء حزب «نداء تونس» الفائز بالمرتبة الأولى في انتخابات 2014 الرئاسية والبرلمانية، الذي يتزعمه منذ 3 أعوام رجل الأعمال حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس.
وتحتج نقابات رجال الأعمال بالخصوص على نسق تزايد الضرائب، وعلى تضخم دور نقابات العمال.

أجندات سياسية وشخصية
وفي سابقة غريبة، استضافت قيادة «الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة» (نقابة رجال الأعمال) رموزاً من المعارضة الراديكالية للحكومة، مثل البرلمانية سامية عبو القيادية في حزب «التيار الديمقراطي»، وعقدت مؤتمرات صحافية لوّحت فيها بالتصعيد، إذا لم تسحب الحكومة من مشروع الموازنة وقانون المالية الإجراءات التي نصت على زيادة الضرائب.
في المقابل، صعّد أمين عام نقابات العمّال نور الدين الطبوبي، ورفاقه في الاتحاد العام التونسي للشغل، ضغوطاتهم مطالبين رئاسة الدولة والحكومة بتحسين أوضاع الفقراء والعمّال والطبقة الوسطى، والقدرة الشرائية للعائلة التونسية التي يقولون إنها تدهورت بشكل مزعج بعدما فقد الدينار التونسي أكثر من 50 في المائة من قيمته خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
ويقول منتقدون إن سياسيين ونقابيين لجأوا إلى استخدام هذه الخلافات والصعوبات في إطار أجندات سياسية وحزبية وشخصية، مع اقتراب الانتخابات البلدية المقررة لشهر مارس (آذار) المقبل، والانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019.

صراع في البرلمان
وقد نجح تيار من الغاضبين على الائتلاف الحاكم الحالي، وعلى مشروع قانون المالية والموازنة، في تشكيل جبهة برلمانية تضم 43 نائباً، أغلبهم من حزب «المشروع» الذي يضم تياراً من المنشقين عن حزب «النداء» الحاكم، ويتزعمهم محسن مرزوق الوزير المستشار في قصر قرطاج سابقاً مدير الحملة الانتخابية للرئيس الباجي قائد السبسي عام 2014.
وقد ردت الأغلبية البرلمانية المساندة للحكومة على هذه الجبهة بالإعلان عن تحالف برلماني أكبر يضم 136 نائباً ينتمون إلى أحزاب «النداء» بزعامة حافظ قائد السبسي، و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي، و«الوطني الحر» بزعامة سليم الرياحي. وأصبحت هذه الجبهة مؤهلة قانونياً للمصادقة في البرلمان على كل مشاريع القوانين الحكومية وعلى الموازنة لأن عدد نوابها يفوق نصف عدد نواب البرلمان، أي 109 أعضاء.
لكن الإعلان عن هذا الائتلاف الثلاثي في البرلمان لم يحسم الأزمة، بل فجّر أزمة سياسية - إعلامية يقودها ممثلو المعارضة. وقد تعالت الأصوات التي تؤكد على ضرورة فتح حوارات بين السلطات والنقابات حتى تتمكن القيادة النقابية من تأجيل الإضرابات والاحتجاجات المقررة، وحتى تتحسن القدرة الشرائية للإجراء، بحسب الأمين العام لنقابات العمال نور الدين الطبوبي، في أعقاب استقباله في قصر الرئاسة بقرطاج من قبل الرئيس قائد السبسي.

المسكوت عنه
لكن المسكوت عنه في هذه المعارك السياسية والاجتماعية يتمثّل في بروز خلافات بين صنّاع القرار في الحكم وخارجه حول ما عُرف بحملة الحرب على الفساد التي انطلقت قبل 6 أشهر، بإيقاف شخصيات من بين المقربين للحزب الحاكم بتهمة الضلوع في التهريب أو التهرب من الضرائب وتبييض الأموال، وبينهم رجل الأعمال شفيق جراية.
وقد نجحت تلك الحملة عند إطلاقها في زيادة شعبية رئيس الحكومة يوسف الشاهد وفريقه، لكن توسيع دائرة من شملتهم الإيقافات والتحقيقات في المحاكم العسكرية والمدنية أحدث زوبعة داخل البرلمان والطبقة السياسية، خصوصاً بعد أن شملت التحقيقات رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، ووزير الداخلية السابق ناجم الغرسلي، ومسؤولين كباراً في الأمن الوطني وفي الجمارك وفي وزارات المالية والاقتصاد والتجارة وأملاك الدولة.
وفي الوقت الذي تحرّك فيه زعماء سياسيون لمنع اعتقال البرلمانيين والسياسيين والإعلاميين والنقابيين المشتبه فيهم في قضايا فساد وتهرب ضريبي، دعا شوقي الطبيب رئيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الحكومية إلى دعم رئيس الحكومة، وإلى تتبع مزيد من كبار الشخصيات المالية والسياسية التي يقول إن مؤسسته الرسمية سلّمت ملفاتهم إلى القضاء.
وقد عمّق هذا التباين الهوة بين الجانبين، خصوصاً أن من بين الموقوفين، أو من قد تشملهم الملاحقات القانونية، شخصيات عمومية مؤثرة في عالم المال والأعمال وصنع القرار السياسي.

مؤشرات إيجابية
ويعتبر عدد من السياسيين البارزين، مثل الناطق باسم الحكومة إياد الدهماني، أنه من المستبعد أن تصل الأوضاع في تونس إلى حد القطيعة مع نقابات رجال الأعمال والعمال، رغم تصعيد خطاب رئيسة منظمة الصناعيين والتجار وداد بوشماوي، وبعض قادة الاتحاد العام التونسي للشغل.
كما يبرز وزير التعاون الدولي والاستثمار زياد العذاري المؤشرات الإيجابية في الاقتصاد التونسي هذا العام، ومن بينها:
· ارتفاع الاستثمارات الخارجية بنسبة 6.7 في المائة خلال الأشهر السبعة الأولى منذ هذا العام، كما تطورت نيات الاستثمار في القطاع الصناعي بـ22 في المائة، وفي قطاع الخدمات بـ67 في المائة، وفي القطاع الزراعي بـ68 في المائة.
· ارتفاع إنتاج الفوسفات خلال الأشهر السبعة الأولى لسنة 2017 بـ34 في المائة، وهو تطور مهم جداً بعد أعوام من الإضرابات والاعتصامات في منطقة المناجم في الجنوب.
· تحسن مؤشرات القطاع السياحي خلال الأشهر الثمانية الأولى لسنة 2017: ارتفاع عدد الوافدين بـ31 في المائة، وعدد السيّاح الأوروبيين بـ16.4 في المائة، فيما بلغ ارتفاع المداخيل السياحية 22 في المائة.
· فرض القانون على المخالفين في الأرياف، بما مكّن الدولة من استرجاع عشرات الآلاف من الهكتارات من الأراضي الفلاحية التي سبق أن خرجت عن سيطرة الدولة بعد ثورة 2011.

تخوفات من شهر يناير
في هذه الأثناء، تكشف تقارير صحافية وحوارات في وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية في تونس عن تخوفات من انفجار اجتماعي – سياسي، يشمل النقابات والجامعات والأحياء الشعبية الفقيرة، وأزمة حادة قد تندلع في شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، تذكّر بالاضطرابات التي شهدتها تونس مراراً في شهر يناير منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ثم بأحداث يناير 2011 التي اضطر الرئيس زين العابدين بن علي إلى التنحي عن الحكم في أعقابها.
كانت تونس قد شهدت في يناير العام الماضي، ثم في ربيع العام الحالي، اضطرابات اجتماعية عنيفة في مدن عدة أوشكت أن تخرج عن سيطرة قوات الأمن والجيش الوطني.
ويتخوف أنصار الائتلاف الحاكم الحالي، والأغلبية البرلمانية الداعمة له، من أن تنجح المعارضة اليسارية، بزعامة الرئيس السابق المنصف المرزوقي، وحمة الهمامي رئيس «الجبهة الشعبية»، ومحمد عبو زعيم حزب «التيار»، في توظيف غضب الشباب والمهمشين من استفحال معضلات البطالة والفقر لتفجير مظاهرات واضطرابات يمكن أن تتسبب في مزيد من الخسائر للدولة.
ولوحظ أن سياسة الحذر كانت الغالبة في التصريح الذي أدلى به الرئيس التونسي خلال اجتماع مجلس الأمن القومي، بحضور كبار مسؤولي قطاعي الجيش والشرطة ووزراء السيادة. فقد طالب الباجي قائد السبسي الحكومة والبرلمان، في هذا التصريح، بإعادة النظر في مشروع الموازنة وقانون المالية، بما يضمن تحسين الظروف المعيشية الصعبة للفقراء وضعاف الحال والأوساط الشعبية.

ضغوط
لكن المدير العام السابق لمؤسسة الدراسات الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية رضا الشكندالي يعتقد أن الضغوط المالية والاقتصادية التي تواجهها الحكومة حالياً أخطر من أن تُختزل في مزايدات سياسية ونقابية وجدل في البرلمان ووسائل الإعلام.
وعلى رأس هذه الضغوط، يتوقف هذا الخبير الاقتصادي بالخصوص عند توسع العجز التجاري، وتدهور قيمة الدينار التونسي، وتراجع الإنتاج الوطني من المحروقات، فضلاً عن ارتفاع أعباء كتلة الأجور، وكلفة الدعم للمواد الغذائية والمحروقات، وارتفاع نسبة الدين العمومي.
ولعل أخطر ما يواجه كل الحكومات التونسية منذ أعوام، بحسب رضا الشكندالي، ارتفاع العجز المالي الهيكلي للصناديق الاجتماعية، واستفحال البيروقراطية، وتراجع إنتاجية الموظفين، إلى جانب انخفاض قدرة البورصة والقطاع المالي والبنكي الوطني عن تمويل الاقتصاد، وتوفير السيولة المطلوبة.

خطة طوارئ
كيف يمكن الخروج من هذا المأزق؟ وهل يمكن معالجة أسبابه الهيكلية والظرفية أم سيُحكم على تونس، ذات الموارد المحدودة مالياً، أن تدور في حلقة مفرغة، وأن تنتقل من أزمة إلى أخرى؟ وكيف يمكن تجنّب بركان يعصف بالمجتمع التونسي ومكاسبه، وعلى رأسها التعددية والحريات العامة والتوافق التاريخي داخل حكومات وطنية تجمع بين العلمانيين والإسلاميين والليبراليين واليساريين المعتدلين؟
تقترح أطراف كثيرة اعتماد خطة طوارئ تضمن دعم الحزام السياسي حول الحكومة، ومسار المصالحة الذي سجّل أخيراً مع سليم الرياحي زعيم حزب «الوطني الحر»، الذي سبق أن صودرت أملاكه وكان عرضة للتحقيق بتهم الفساد.
ويقر البرلماني وزير المالية السابق سليم بسباس بحاجة البلاد إلى إصلاحات كبرى في سياستها الاقتصادية، لتفعيل اتفاق قرطاج المبرم قبل عام ونصف العام، الذي أدى إلى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
أما الخبير الاقتصادي وزير المالية السابق حكيم بن حمودة، فيدعو إلى الخروج من الأزمة عبر إجراءات عاجلة، من بينها التحكم في معدلات التضخم، وغلاء الأسعار الذي أربك المستهلكين وأرباب العائلات والعاطلين عن العمل في الوقت نفسه.
وفي المقابل، يطالب الخبير رضا الشكندالي بخطة طوارئ وحلول جذرية، تؤدي إلى إصلاحات هيكلية وتضحيات خلال العامين المقبلين لتحقيق التخفيض التدريجي في عجز موازنة الدولة والعجز الهيكلي للموازنة إلى حدود 3 في المائة في أفق عام 2020. كما يطالب رضا الشكندالي باستقرار الدين العمومي حتى لا يتجاوز 70 في المائة من الناتج، والتحكم في كتلة الرواتب والأجور، لتنخفض من أكثر من 14 في المائة حالياً إلى نحو 12.5 في المائة في عام 2020.

أزمات ليبيا والجزائر
وفي الوقت الذي استفادت فيه البلاد هذا العام من توافد نحو 3 ملايين جزائري وليبي، ومن ترفيع الشراكة الاقتصادية بين تونس وجيرانها العرب والأفارقة، يخشى مراقبون من أن تُحرم تونس من هذه الورقة العام المقبل بسبب تعفن الأوضاع في ليبيا، ومصادقة الجزائر بدورها على سياسة تقشف واسعة، وإعلانها أن عجز موازنتها يفوق الـ20 مليار دولار.
وفي هذا السياق، يدعو بوعلي المباركي نائب الأمين العام لاتحاد نقابات العمال إلى إصلاحات يتقاسم فيها الأغنياء والعمال التضحيات، ومن بينها التقليص من نسبة البطالة من نحو 16 في المائة حالياً إلى 12 في المائة في العامين المقبلين.
وتتقدم المصادر الحكومية بدورها بمقترحات للإصلاح الأشمل، تتجاوز الحلول الترقيعية. وفي هذا السياق، دعا أنور معروف وزير تكنولوجيا الاتصالات إلى مزيد من تحسين قدرات تونس ومردود مؤسساتها ونخبها، عبر دعم اقتصاد المعرفة، والارتقاء بحصة القطاعات ذات المحتوى المعرفي المرتفع إلى حدود 25 في المائة.

الاستقرار السياسي
لكن هذه الإصلاحات وغيرها تحتاج استقراراً سياسياً واجتماعياً وأمنياً، مثلما يقول الخبير المالي محفوظ الباروني.
ولقد تداول على تونس منذ الإطاحة بحكم زين العابدين بن علي 10 حكومات و7 رؤساء حكومات، بما يعني غياب الاستقرار الذي يطالب به رؤوس الأموال والمستثمر التونسي والعربي والأجنبي.
لكن المتفائلين بمستقبل تونس، مثل البرلماني وزير العدل السابق نور الدين البحيري، يعتبرون أن تعبئة الرأي العام نحو إنجاز الانتخابات البلدية والجهوية، المقررة في شهر مارس المقبل، ثم للانتخابات الرئاسية المبرمجة في عام 2019، من شأنه أن يوسّع دائرة الثقة في مستقبل البلاد وطنياً ودولياً.
الرهان على المخرج السياسي للأزمة المالية الاقتصادية يبرز كذلك على لسان بعض زعماء المعارضة، مثل الأمين العام لـ«الحزب الجمهوري» عصام الشابي، الذي يطالب بانتخابات رئاسية وبرلمانية سابقة لأوانها. وقد صدر الموقف نفسه عن الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي وقادة حزبه، وعن حمة الهمامي وبعض رفاقه في اليسار التونسي.
وتبقى تونس، في هذه الأثناء، مهددة بالمرور من أزمة إلى أخرى بسبب انقسامات نخبها، وتعدد مراكز القرار في أحزابها ونقاباتها، بما يوشك أن يُضعف الدولة والبلاد أكثر فأكثر.
فهل يعيد الرهان على الانتخابات الثقة للتونسيين، ولأصدقاء تونس في الخارج الذين لا يزالون يراهنون على نجاح «الاستثناء الديمقراطي التونسي»؟



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.