بطرس غالي: نثمن موقف خادم الحرمين من ثورة 30 يونيو ونعتز بالعلاقات القوية المتينة بين السعودية ومصر

الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في حواره مع («الشرق الأوسط») طالب بمنع النشاط السياسي لـ«الإخوان»

بطرس غالي:  نثمن موقف خادم الحرمين من ثورة 30 يونيو ونعتز بالعلاقات القوية المتينة بين السعودية ومصر
TT

بطرس غالي: نثمن موقف خادم الحرمين من ثورة 30 يونيو ونعتز بالعلاقات القوية المتينة بين السعودية ومصر

بطرس غالي:  نثمن موقف خادم الحرمين من ثورة 30 يونيو ونعتز بالعلاقات القوية المتينة بين السعودية ومصر

ثمن الدكتور بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة والرئيس الشرفي للمجلس القومي لحقوق الإنسان بمصر موقف خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز من ثورة 30 يونيو وأشاد بقوة العلاقات السعودية المصرية، وقال في حوار خاص لـ«الشرق الأوسط» إن غرفة العمليات بالمجلس تلقت شكاوى وهناك بعض الملاحظات والأخطاء ولكنها لا تخل بالعملية الانتخابية وأكد أن وجود 20 بعثة دولية بمصر خلال هذه الانتخابات عكس الاهتمام الدولي الكبير بما يدور في مصر وأشار إلى أن السيسي أمامه مشكلات كثيرة وأن على الشعب المصري قبول بعض التضحيات للتغلب عليها وأعرب عن رفضه الشديد لمشاركة أي فصيل إخواني في الحياة السياسية بمصر. وإلى نص الحوار.
* بداية.. ما تعليقك على الانتخابات المصرية؟
- ما حدث خلال الانتخابات الرئاسية المصرية الأخيرة يدل على اهتمام الشعب المصري بالانتخابات واهتمام المجتمع الدولي أيضا والدليل على ذلك هو عدد البعثات الدولية التي اهتمت بحضور الانتخابات سواء المنظمات الحكومية أو غير الحكومية والبعثات الدولية وهذا دليل على اهتمام المجتمع الدولي بما يدور في مصر.
* هل يكون ذلك في صالح تغيير الصورة الخارجية السلبية عن مصر مؤخرا؟
- للأسف الشديد تغيير الصورة يحتاج إلى جهد كبير ووقت لأن إعلامنا المصري في الخارج يحتاج إلى تطوير. فلا بد أن نهتم بهذا الإعلام الخارجي ولا عيب في أن نلجأ إلى خبرة أجنبية فكافة الدول تلجأ إلى خبرات أجنبية ولا مانع من هذا.
* أليس هذا العمل من مهام سفاراتنا في الخارج؟
- لا ليس من اختصاص السفارات وإنما من اختصاصات الإعلام. فالسفارة لها اتصال مع وزارات الخارجية ومع الوزارات الرسمية ولكن شؤون الرأي العام ليست من اختصاصها.
* باعتباركم الرئيس الشرفي للمجلس القومي لحقوق الإنسان.. هل رصدتم أي تجاوزات من أي نوع خلال فترة الانتخابات الرئاسية المصرية؟
- غرفة العمليات بالمجلس تلقت شكاوى وهناك بعض الملاحظات والأخطاء ولكنها لا تخل بالعملية الانتخابية والأمر سار على ما يرام.
* كيف تقيم هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات الرئاسية السابقة من الناحية التنظيمية؟
- بصراحة لم أكن موجودا بمصر في الانتخابات السابقة ولذلك لا أستطيع الرد على هذا السؤال.
* كيف ترى الشعب المصري ومدى تجاوبه مع رئيسهم الجديد وتجاوز المرحلة الصعبة في مصر؟
- أملي أن نستطيع أن نتغلب على التردد ونواجه الصعوبات المتراكمة والتحديات لكي نتغلب عليها.
* في رأيك ما أهم الصعوبات التي تواجه المشير السيسي رئيس مصر الجديد وتعرقله عن القيام بمهام عمله؟
- المشكلات الاقتصادية أولا ومشكلة الانفجار السكاني ثانيا ومشكلة المياه. وكلها مشكلات أساسية كما أن هناك تحديات أمنية. والشعب المصري يقبل بعض التضحيات مثل ارتفاع أسعار المواد الأولية والحياة في مصر.
* معنى ذلك أنك لم تعد قلقا من الإخوان كخصوم سياسيين؟
- لا. لست قلقا منهم لأن الرأي العام المصري فهم الجوانب السلبية للحركة الإخوانية.
* في ضوء ذلك هل تقبل وجود مرشحين من تيار الإخوان في الانتخابات البرلمانية المقبلة أم أنك ما زلت ترى أنه يجب القضاء على الإخوان؟
- أرى أنه يجب اتخاذ كافة الإجراءات أسوة بمنع بعض الأحزاب المتطرفة في ألمانيا وفرنسا وأميركا وبعض الدول الأخرى.
* على ذكر المياه كإحدى الصعوبات التي تواجه الرئيس المصري الجديد. هل تعتبر سد النهضة الإثيوبي تهديدا لمصر؟
- هذا الموضوع يحتاج لمفاوضات وليس تهديدات من الجانبين، فهذا «كلام فاضي» والاتصالات تحتاج لمجهود ونستطيع التغلب على أي شيء بطريق المفاوضات وأنا لا أخشى السد وإنما أخشى من السابقة ومن سدود أخرى.
* كيف تقيم حقوق الإنسان بمصر وأنت الرئيس الشرفي لمجلسها القومي في ظل الأحداث الدامية التي تعيشها مصر مؤخرا؟
- تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في مصر موضوع يحتاج لوقت فإذا كان الإنسان يحتاج لـ30 أو 40 سنة ليكون مهندسا أو طبيبا ناجحا فما بالنا بدولة تتبنى مبادئ حقوق الإنسان وثقافتها وتفهم أبعادها منذ وقت قصير فهي لا شك تحتاج لوقت وعمل مستمر ونحن ما زلنا في بداية طريق طويل.
* أنا أتكلم عما يتردد بشأن الانتهاكات التي تحدث للمساجين والعنف الشديد في بعض الحالات. هل للمجلس دور لمراقبة هذا الأمر؟
- كما قلت لك يا سيدتي هذا الأمر يحتاج لثقافة معينة. فحقوق الإنسان ليست قاصرة فقط على السجون بل تمتد لموقف المجتمع من المرأة ومكانتها وأيضا ترتبط حقوق الإنسان بحق المعارضة فهناك جوانب كثيرة لها وأيضا هناك لجان تقصي حقائق من المجلس تزور السجون.
* على ذكر حقوق الإنسان هل تعتقد أن الدستور المصري الجديد يكفل هذه الحقوق أم يكبلها خاصة ما يتعلق بمسائل الحريات والتعبير عن الرأي؟
- بصرف النظر عن الدستور فإننا في بداية طريق طويل يحتاج إلى عمل واستمرارية في العمل. بمعنى ألا نتكلم اليوم بكثافة عن حقوق الإنسان ثم ننساها بعض فترة. فلا بد من تدريس حقوق الإنسان في المدارس والجامعات على كافة المستويات وحقوق الإنسان عملية مستمرة لا تتوقف.
* هل تشعر بخطر الإرهاب على مصر؟
- الظاهرة أصبحت ظاهرة دولية وبالتالي لا يمكن معالجتها على مستوى وطني بل يجب أن تعالج على مستوى دولي.
* كيف ذلك؟
- بسن قوانين دولية وتعاون وتنسيق بين الأجهزة المختلفة لمراقبة الإرهاب والإرهابيين في مختلف أنحاء العالم والانفتاح على العالم الخارجي الذي يساعد على عدم الانغلاق كما أنه لا بد من فهم ظاهرة العولمة التي بمقتضاها أصبحت كثير من المشكلات الوطنية تتطلب تعاونا دوليا للقضاء عليها ولا يمكن معالجتها على مستوى وطني.
* بعين السياسي المخضرم ما تقييمك لما يسمى بثورات الربيع العربي؟ وهل لذلك علاقة باتساع نطاق الإرهاب في المنطقة؟
- أولا هذا الاسم فرنسي أصلا وليس عربيا كما أن ثورات الربيع العربي تختلف باختلاف البلاد والظروف في كل بلد على حدة. أما بالنسبة للإرهاب فهو ليس ظاهرة عربية أو أصولية وإنما الإرهاب في جميع أنحاء العالم في أميركا اللاتينية وفي آسيا وأفريقيا.
* بحكم عملك السابق كأمين عام لمنظمة الأمم المتحدة هل تعتقد أن الأمم المتحدة كمنظمة دولية تقوم بدورها أم آن الأوان لتطويرها؟
- لا شك أن الأمم المتحدة بحاجة إلى تجديد. فقد قامت عصبة الأمم بعد نهاية الحرب العالمية الأولى وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية قامت منظمة الأمم المتحدة وبعد نهاية الحرب الباردة كنت آمل أن نجدد الأمم المتحدة وأن تتطور مع ظروف العالم ولكن مع الأسف لم يحصل هذا التجديد ونحن في حاجة إلى هذا التجديد الآن.
* ما تقييمك لمواقف الدول الخليجية من الأحداث بمصر؟
- ما يحدث حاليا دليل على أهمية التضامن العربي وأنا أرحب بالعلاقات المتينة والأخوية بين المملكة العربية السعودية ومصر وخاصة موقف جلالة ملك السعودية العظيم الملك عبد الله وكان أول من أعلن تأييده لثورة 30 يونيو. وأهم شيء أن نستطيع أن نحقق مرة أخرى التضامن الذي كان عند قيام جامعة الدول العربية عام 1945 وتفكك فيما بعد للأسف. واليوم هناك ظاهرة العولمة وظهور الاختراعات الجديدة التي تعتبر ثورة حقيقية في حياة الإنسان ولا بد للعالم العربي أن يساير ويتواكب مع هذه الظاهرة الجديدة وفقا لخصوصياته وذلك حتى لا نتخلف عن اللحاق بركب التقدم، كما ظهرت أيضا مشكلات أصبحت دولية كالبيئة والإرهاب ومن ثم فهناك تغييرات جذرية في المجتمع الدولي وأصبحت الدولة تفقد أهميتها.
* هل معنى ذلك أن الصراعات السياسية التقليدية تراجعت على الساحة الدولية لتحل محلها مشكلات عصرية جديدة؟
- ليس ذلك فقط بل ظهرت مفاهيم جديدة في العلاقات الدولية بدليل أن دولة كمصر أجريت بها انتخابات وكان هناك 20 بعثة أجنبية تتابع وهذا لم يكن يحدث من 50 سنة مثلا. إذن هناك اهتمام بالشؤون الداخلية لكل دولة.
* لكن ألا يتعارض ذلك مع مبدأ السيادة المكفول لكل دولة؟
- أرى أن مبدأ السيادة فقد كثيرا من أهميته بسبب العولمة وهي طبعا عملية صعبة جدا بالنسبة للدول التي كافحت من أجل أن تستقل وإذا كانت المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة تقول لا يجوز التدخل في شؤون الدول فإن اليوم أصبح التدخل «حاجة عادية» ويعتبر مساسا بالسيادة لكنه فقد من أهميته.
* ما رأيك في الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة؟
- أنا ضد العقدة التآمرية المنتشرة عندنا ولا أؤمن بها وما يتردد عن إيران هو بعض مما نتصور ولكن العيب موجود فينا أولا ولو عالجنا هذه المشكلات الداخلية من أنفسنا ولو تخلصنا من التخلف ومن الانغلاق الفكري وقتها سنجد بابا أساسيا.
* ونحن على أعتاب مرحلة سياسية جديدة في مصر ما ملامح السياسة الخارجية المتوقعة لمصر؟ وبم تنصح الرئيس السيسي لاستعادة سياسة مصر الخارجية لبريقها؟
- أولا لا بد أن نصلح الأمور الداخلية وإلا فسيكون من الصعب أن نهتم بالخارج وعندنا مشكلات خارجية وإذا كنت أرى أنه بما أننا أصبحنا أمام ظاهرة جديدة هي العولمة فيجب أن نعطي المشكلات الخارجية نفس الاهتمام الذي نعطيه للمشكلات الداخلية إلا أن الواقع يعكس اهتمام الرأي العام بالشؤون الداخلية أكثر.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.