ديزيريه بولييه... لبنانية غيرت مفهوم التسوق

حولت «بيستر فيلدج» من قرية لتسويق بضائع بأسعار مخفضة إلى مركز يليق باستقبال سلطان بروناي

ديزيريه بولييه
ديزيريه بولييه
TT

ديزيريه بولييه... لبنانية غيرت مفهوم التسوق

ديزيريه بولييه
ديزيريه بولييه

«سياحة التسوق جزء لا يتجزأ من التجربة التي نقدمها هنا في (بيستر فيلدج) أو في أي (قرية) أخرى من قرى التسوق المترامية في كل أنحاء العالم. صحيح أن التسوق الإلكتروني أصبح واقعاً ملموساً يحتمه العصر، لكنه يبقى تجربة قائمة على العزلة. في المقابل نحرص هنا على توفير تجربة اجتماعية تتفاعل فيها كل الحواس». هذا ما تقوله ديزيريه بولييه، الرئيسة التنفيذية لـ«فاليو ريتايل» Value Retail المالكة لعدة قرى خاصة بالتسوق والموجودة في الصين أو أوروبا.
امرأة صغيرة الحجم، وفي غاية الأناقة، تتكلم عدة لغات بطلاقة بما في ذلك اللغة العربية. وإذا عرف السبب بطل العجب. ديزيريه لبنانية عاشت في الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وسويسرا ولندن. مساهماتها لا تقتصر على تطوير وتوسيع مفهومنا للتسوق الرفيع والذكي، بل تشمل الفن كونها عضوا في مجلس الأكاديمية الملكية للفنون الاستشاري، والموضة بحكم أنها عضو في جمعية مساندة لمنظمة الموضة البريطانية. درست الحقوق في باريس وعملت في عدة شركات عالمية منها «رالف لورين» قبل أن تلتحق في عام 2001 بـ«ريتايل فاليو». تتذكر بأن مغادرة عائلتها لبنان في عام 1973 لم تكن خياراً، ومع ذلك لم تتوقف عندها طويلاً. بل ربما علمها كيف تحول ما يبدو سلبيا في البداية إلى إيجابي. «مغادرتي لبنان وتنقلي في عدة بلدان ما بين الدراسة والعمل قوّى بداخلي روح الترحال... فأنا أؤمن بأن السفر يوسع آفاق الإنسان ويجعلنا نتقبل الآخر بصدر رحب، لأننا نفهم ثقافته وطريقة تفكيره... أعتقد أن هذا ما كون شخصيتي».
رغم حجمها الصغير وابتسامتها الدافئة تشعر بأن هذه الشخصية المنفتحة على ثقافات العالم أيضا حديدية. على الأقل تعرف جيدا ما تريده تماما ولا تتنازل عن قناعاتها مهما كانت الصعوبات. وكأنه قرأت ما يجول ببالي تُعلق: «كلنا نمر بظروف وأوقات قد تهزنا وربما تجعل البعض منا مستعدا لتقديم التنازلات من باب الاستسهال، لكن بالنسبة لي هذا الأمر غير وارد بتاتا. أنا أومن بأننا بالعمل والمثابرة يمكننا أن نُذوب المصاعب، خصوصا إذا كان الهدف واضحاً أمامنا».
عندما افتتحت قرية «بيستر» أول مرة في عام 1995، كانت فكرتها تتلخص في بيع سلع من مواسم ماضية بأسعار مخفضة. لكن ليس هذا ما كان يدور بذهن ديزيريه. كانت الصورة التي رسمتها في خيالها أكبر من هذا بكثير. كانت تريد أن تُصبح القرية مركزا سياحيا وعالميا للتسوق بالمعنى الرفيع. لم تكن تحلم بقدر ما كانت تضع أهدافا تعرف أنها ستحققها مع الوقت. في الشهر الماضي وبعد نحو أكثر من 20 عاما، تحقق حلمها. توسع المكان وازدان بالأشجار الخضراء والورود وديكورات على شكل معالم بريطانية تعزز فكرتها القائمة على «سياحة التسوق».
وبالفعل فإن زيارة «بيستر فيلدج» هذه الأيام لا تترك أدنى شك بأن صورتها تغيرت تماما. لم تعد مجرد سوق للبضائع من مواسم ماضية بأسعار مخفضة بل وجهة سياحية تجمع متعة التسوق بالفن والأكل وما شابه من أمور تخاطب كل الحواس. بالنظر إلى نوعية الأسماء التي افتتحت محلات فيها، تشعر بأنها أصبحت وجهة تستقطب النخبة وليس ذوي الإمكانيات المحدودة فقط، بعد أن أخضعتها ديزيريه لعدة عمليات تجديد وتجميل، إلى حد القول إنها باتت تنافس في جاذبيتها السياحية قصر بكنغهام حسبما تؤكده الأرقام التي نشرتها جهات سياحية موثوق بها. هذه الجهات نفسها أكدت أنها تفوقت في العام الماضي على بعض المتاحف من حيث عدد الزوار، حيث استقطبت 6.4 مليون زائر مقارنة بـ4.6 مليون زائر لـ«تايت مودرن». أمر انتبهت له ديزيريه وتعمل على تطويره في كل عام تقريبا حتى تبقى قراها في الصدارة وصامدة في وجه التغيرات التي تشهدها ثقافة التسوق خصوصا والموضة عموما. اهتمامها لا يقتصر على تجميل ديكوراته ومحيطه فحسب بل أيضا على «لوجيستياته» الصغيرة والكبيرة. فالرحلة إليه من محطة «ماريلبون» وسط لندن مثلا لا تستغرق سوى 46 دقيقة. وبما أن أغلب المتسوقين فيه من الصين ومنطقة الشرق الأوسط، فإنها المحطة الوحيدة في بريطانيا التي تعلن عن مواقيت القطارات المتوجهة إلى «بيستر فيلدج» باللغتين المندرينية والعربية.
تُؤكد ديزيريه وتكرر أن هدف الزبون من هذه الرحلة «ليس البحث عن سلع بأسعار مخفضة، بقدر ما هي رغبة في أن يعيش تجربة من نوع آخر». هذا كان هدفها الذي وضعته لنفسها منذ 20 عاما عندما تسلمت المشروع. كان هدفها حينذاك أن يتحول ما بدأت فكرته على الورق كمركز تسوق لبضائع من مواسم ماضية يحتاج المصممون للتخلص منها، إلى مركز تسوق من المستوى الرفيع يستقطب كل من له ذوق ويتذوق الأناقة والترف في الوقت ذاته. هذا الترف برأيها يتلخص في كل ما يلمس «حياتنا اليومية من أكل وإقامة وفن وموضة». وهو ما أصبح حقيقة تؤكدها أعداد الزوار ونوعياتهم. فسلطان بروناي، من بين زواره، حيث طلب في إحدى المناسبات أن يُغلق المكان ليوم كامل حتى يتمكن من أن يتسوق فيه وحاشيته بحرية مطلقة.
قوبل طلبه بالرفض لسبب بسيط ووجيه أنه «كان لدينا بديل آخر يُرضي جميع الأطراف ولا يُقلل من مكانته» حسب قول ديزيريه: «هذا البديل يتمثل في شقة فخمة نخصصها في مثل هذه الحالات للشخصيات المهمة. نفتحها لهم طوال النهار لكي يرتاحوا فيها مع كل من يرافقونهم، كما يحصلون فيها على كل أنواع التدليل والخدمات والتسهيلات بعيدا عن أعين الفضوليين، إذا كانت هذه هي الفكرة».
ملك بروناي ما هو إلا واحد من بين العديد من الزوار الذي يتوافدون على «بيستر فيلدج» حاليا ويضعونه ضمن أولوياتهم عندما يزورون بريطانيا. أغلبهم ربما يتسوقون في محلات «هارودز» و«سلوان ستريت» الفخمة لأن إمكانياتهم تسمح لهم بذلك. وفي اليوم التالي يتوجهون إلى القرية الواقعة بين أحضان أوكسفودشاير ليعيشوا تجربة تسوق مختلفة تماما». وتعلق ديزيريه: «ولا أستبعد أن يُكمل بعضهم عملية التسوق هذه في المساء من موقع إلكتروني».
كان واضحا أنها لا تعتبر أن هناك منافسة بين ما تقدمه وبين مواقع التسوق الإلكتروني. فرغم شعبية بعض هذه المواقع ومخاوف البعض من انتعاشها على حساب المحلات الكبيرة والتسوق التقليدي، فإنها بالنسبة لديزيريه تفتقد إلى المشاعر والإحساس بالتفاعل مع الآخر. وتشير: «كبشر يغلب علينا الطبع الاجتماعي وتُحركنا مشاعر ومجموعة من الحواس، مثل اللمس والنظر وغير ذلك، لهذا أعتقد أنه كلما عشنا في العالم الافتراضي وفي عزلة، تزيد رغبتنا لبديل تفاعلي مع الناس، لهذا لا أراه تهديدا بل مجرد شكل آخر من أشكال التسوق».
في الشهر الماضي توسعت «بيستر فيلدج» أكثر، لتحتضن هذه المرة 30 ماركة جديدة انضمت إلى الـ130 ماركة أخرى، مثل «بالنسياغا» و«غوتشي» و«فندي» و«دولتشي آند غابانا» و«ديور» و«لورو بيانا» وهلم جرا. بخلق مناخ يسر العين ويخاطب الحواس، تعرف ديزيريه بولييه أنها نجحت في مهمتها والأهداف التي تم وضعها في البداية.
فتوسع المكان، الذي أصبح بطول «الشانزليزيه» 1.2 ميل، يؤكد هذه الحقيقة ويجعل مخاطبة الأذواق العالمية عملية جد سهلة.
لا تُنكر أن ثقافة التسوق تغيرت كثيرا عما كانت عليه. في البداية كان البعض يفضل عدم الإعلان عن تسوقه لمنتجات من موسم ماضٍ، أو من «آوتليت» لارتباطها بإيحاءات سلبية، لكن كان هذا منذ 10 سنوات تقريبا، الآن أصبحت عملية المزج بين الموضة وقطع فريدة وكلاسيكية إنجازا يعبر عن الذوق الخاص.
وتشرح: «هناك قطع كلاسيكية ومنتجات لا تموت مهما مرت المواسم والفصول عليها». ثم تتابع بحماس: «قد تكون هناك قطعة أعجبتك من (فالنتينو) ولم يسعفك الحظ لشرائها في موسمها لأسباب عديدة، مثل أنها لم تكن متوفرة بمقاسك مثلا. لا تفارقك صورتها وربما تتحسرين عليها، لكن بعد عام تتفاجئين بها هنا وعلى مقاسك. تصوري حجم السعادة التي ستشعرين بها آنذاك؟. أنا أرى الأمر هنا بمثابة دخول مغارة علي بابا والخروج منها بكنز».
تتذكر أن التحدي الذي واجهته في البداية لم يكن إقناع الزوار والزبائن بقدر ما كان إقناع المصممين بالانضمام إلى المشروع. كان العديد منهم إما خائفا أن ترتبط صورتهم بمنتجات بارت من جهة، وإما يشك في نوعية الزبائن الذين سيرتادون هذه الأماكن من جهة ثانية. مهمة ديزيريه كانت إقناعهم بأن صورتهم لن تهتز وتضمن لهم ذلك. ومع الوقت تأكدوا أن المسألة في صالحهم وليست ضدهم، بدليل أن دراسة أجريت في عام 2012 وشملت 5000 زائر أفادت بأن 82 في المائة منهم تعرفوا على ماركات معينة أو أسماء مصممين في هذه القرى. فزبون عادي مثلا لن يُفكر بدخول محل لـ«لورو بيانا» أو لـ«فندي» في عواصم الموضة، لكنه يجد الأمر عاديا في «بيستر فيلدج» وغيرها من القرى المتواجدة في الصين أو أوروبا. غالبا ما يحملون معهم اكتشافهم هذا إلى بلدانهم، بحيث يُصبحون زبائن دائمين لهذه الماركات يشترون منها تصاميمها الموسمية بسعرها الكامل. بهذا لم تنجح ديزيريه في إقناع المصممين وبيوت الأزياء بأن الأمر لن يؤثر على أسمائهم أو مكانتهم في السوق فحسب، بل أدخلت العديد من عشاق الموضة إلى عالم لم يكن بعضهم يعرف عنه الكثير. «الآن يبدو كل شيء جميلا وسهلا، لكن العملية لم تكن مفروشة بالورود في البداية. فقد استغرقت ما لا يقل عن 20 عاما لتصل إلى ما هي عليه اليوم، كوجهة تمنح فرصة ثانية لشراء قطعة قد تكون راوغت الزبون في موسمها، كما تمنح للمصممين فرصة للتخلص من بضائع قد تبور أو تتلف في المخازن».
بين المتسوق العربي والصيني
النسبة الكبرى من زوار هذه القرى، حسب الإحصائيات، هم من الصين ومنطقة الشرق الأوسط؛ لهذا كان لا بد من ابتكار طرق لإرضائهم والإبقاء عليهم أوفياء حتى تكون زيارتهم لبريطانيا ممتعة من كل الجوانب. من أجل هذا يخضع العاملون في هذه القرى إلى عدة تدريبات لكي يتعرفوا على ثقافة كل جنسية ويتعلموا حسن الضيافة وما شابه من أمور تصب في صالح هذا الزبون. من الملاحظات التي يتم أخذها بعين الاعتبار عن المتسوق العربي والصيني التالي:
- أن الصيني لا يقوى على الانتظار. فهو متسوق متحمس يشتري بسرعة على أساس أن الوقت من ذهب.
- الزبون العربي في المقابل يفكر كثيرا قبل أن يشتري. فحتى عندما تُعجبه قطعة لا يتسرع، بل يترك المحل إلى أقرب مقهى ليرتشف فنجان قهوة أو مطعم ليتناول وجبة غذاء قبل أن يُقرر العودة لشرائها.
- العربي يحب أن يعامل بطريقة خاصة بأن يُدلل، لأن المهم بالنسبة له ليس شراء قطعة «لقطة» من ناحية أن سعرها مخفض، بقدر أن يعيش تجربة ممتعة وفريدة يشعر فيها بأن الخدمة عالية.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.