الأدب دون سحره

أسلوب محفوظ يتفوق على عبقرية يوسف إدريس

نجيب محفوظ - يوسف إدريس
نجيب محفوظ - يوسف إدريس
TT

الأدب دون سحره

نجيب محفوظ - يوسف إدريس
نجيب محفوظ - يوسف إدريس

يبدو الناقد المصري شاكر عبد الحميد في نشاطه مثل الظواهر الطبيعية التي لا تقف في طريقها العقبات؛ يعمل دائماً، يكتب وينشر ويشارك في كثير من الندوات الخاصة بالشعراء والكتاب، من الأجيال الأحدث بشكل خاص، وقد أضاف الكثير في حقول من التأليف نادرة في الأفق الثقافي العربي، وتحديداً في علم النفس والإبداع ودراسات الخيال والصورة، ودائماً ما يكون مواكباً للحظة النقدية العالمية.
أحدث كتب شاكر صدر أخيراً عن الدار المصرية اللبنانية تحت عنوان «مدخل إلى الدراسة النفسية للأدب»، وهو يقدم إضاءة شاملة حول التأثير المتبادل بين الدراسات النفسية والأدب، ويعتقد أن التفاعل بين علم النفس والأدب تأثر، بسبب مقاومة كليهما، حيث كان علم النفس يجاهد من أجل الاعتراف به كعلم موضوعي ينتمي إلى حقل العلوم الطبيعية الصارمة، وهو علم حديث نسبياً تأسس عملياً عام ١٨٩٧، وهو تاريخ إنشاء أول معمل لعلم النفس في لايبزيغ بألمانيا. وفي المقابل، كان نقاد الأدب والأدباء يقاومون البحوث النفسية للأدب، وقد تجلى ذلك في قول اثنين من أشهر النقاد، هما رينيه ويليك وأوستن وارين: «إن الفن العظيم يتجاوز معايير علم النفس».
ويأتي الكتاب على إسهامات كثير من الفلاسفة وعلماء النفس في تأمل الظواهر الإبداعية، ويقف ملياً عند فرويد ويونج، قبل أن يشير إلى إمكانية التعامل الإمبريقي مع الأدب، من خلال محتوى النصوص وشخصيات المؤلفين وتفضيلات القراء والسياق الاجتماعي العام، وعملية الإبداع ذاتها بما تحتويه من نشاطات وعلاقات، الأمر الذي يجرد هذه العملية من بعض غموضها، ويجعل منها ظاهرة قابلة للدرس العلمي المنضبط.
ويوفر الكتاب فرصة للتلصص على عوالم مبدعين كبار، من أمثال هنري ميللر، وبلزاك، ونجيب محفوظ، وغابرييل غارثيا ماركيز، من خلال اعترافاتهم وشهاداتهم الخاصة حول طقوسهم ورؤيتهم لعملية الإبداع في الأدب، وكذلك من خلال وجهة النظر النقدية والتحليل النفسي.
قد يكون التحليل النفسي أصدق في سبر أغوار العملية الفنية، حيث لا يمكن الركون إلى أقوال المبدع نفسه، الذي قد لا يعلم بجوهر ما يحدث داخله أو قد يتحدث بنوع من السخرية التبسيطية، مثل النرويجي كنوت همسون (1859 - 1952)، الذي قال ذات مرة إنه كتب ليقتل الوقت، وقد يحاكي الكاتب كاتباً آخر في حديثه عن الكتابة.
المنهج المحفوظي
يحظى نجيب محفوظ بفصل خاص في الكتاب. وينطلق شاكر عبد الحميد من مقولة جورج بوفون «الأسلوب هو الرجل» لدراسة محفوظ وتجربته. وحسب بوفون، لا تخلق النفس الإنسانية شيئاً من العدم، لذلك لا يكتب الكاتب إلا بعد أن تكون التجربة قد أخصبته، وصار مسيطراً على موضوعه، وأن يفكر فيه بالقدر الذي يسمح له أن يرى بوضوح نظام أفكاره، وأن يصوغ هذا النظام في قالب متتابع.
ويتساءل شاكر: هل بوسعنا القول إن ما يسميه علماء النقد والبلاغة الأسلوب هو ما نسميه في علم النفس بالشخصية؟ باعتبار الشخصية مجموعة من الخصائص والسمات المميزة لشخص؟ من هذا التطابق الذي يفترضه، يسعى للبحث في شخصية وأسلوب محفوظ المعرفي، بمنحى يمكن أن يحملنا إلى التفكير بمصطلح آخر هو «المنهج». ويرى شاكر أن المستوى المتوسط للذكاء شرط ضروري لحدوث الإبداع، وبمعنى آخر: يكفي أن يكون الشخص متوسط الذكاء لكي يكون مبدعاً، ذلك لأن الإبداع سيتحدد وفقاً للمنهج (الأسلوب المعرفي) الذي يستخدم به المرء هذا الذكاء.
ويعقد الدكتور عبد الحميد مقارنة بين يوسف إدريس ونجيب محفوظ، فيقول إن قدرات إدريس الإبداعية هائلة، لكنها تبددت لأنه لم يحسن استغلالها بسبب أسلوبه في الحياة، بعكس محفوظ الذي استطاع تنظيم القدرات الإبداعية الأقل، بفضل امتلاكه الأسلوب المعرفي وأسلوب الحياة المناسب.
الأسلوب المعرفي هو الطريقة التي يحصل بها الناس على المعلومات من البيئة المحيطة بهم، وكيفية معالجة هذه المعلومات، بعضهم يحصلها باندفاع ويفقدها بسرعة، وبعضهم يتأملها ويكتشفها طبقة وراء طبقة. الأسلوب الأول في تلقي العالم أنتج يوسف إدريس، والثاني نجيب محفوظ الذي صار نموذجاً لدافعية الإنجاز والسيطرة على العمل، وهذا يرتبط بعدد من الخصائص المزاجية لدى هذا الكاتب الكبير، منها المزاجية والانطوائية والتحفظ، رغم ما يظهر عند المستوى السطحي من انبساطية وحب للظهور والسخرية والمرح، إلا أنه أقرب إلى الانطوائي الذي لا يعبر عن نفسه إلا بالعمل.
ويقدم شاكر ما يشبه السيرة الإبداعية والحياتية للرجل الذي قال في حواره مع الناقد فؤاد دوارة إنه واصل مشواره لأنه اعتبر الفن حياة لا حرفة. ويتوقف أمام فترة الكف الإبداعي عند محفوظ، التي استمرت في الفترة بين 1952 و1956، التي يعتقد كثيرون أن لها علاقة بالتحول السياسي الذي صاحب حركة الضباط الأحرار، بينما ينتصر شاكر عبد الحميد لاحتمال آخر يتعلق بنظرة رجل الأسلوب لفنه، ويرجح أنه توقف كي يحسم صراعاً في نفسه بين كثرة الإنتاج والأصالة، وكان من الممكن أن يفعل هذا بعد أن انتهى من عمل كبير (الثلاثية) استغرق أربع سنوات من العمل، انتهت في 1952.
ما أهمله الناقد
تحت عنوان «الإبداع والمجتمع»، يتوقف المؤلف أمام الضغوط الاجتماعية التي يمكن أن يتعرض لها المبدع، وأهمها الرفض الاجتماعي أو قلة الاهتمام بأعماله، وصولاً إلى مختلف صور السخرية والاستهجان، وانتهاء بالتضييق على نشر الإنتاج، وحجب المكافآت والمنح الفنية والجوائز، منوهاً بالمبدعين الذين تعرضوا للتجاهل، مثل الرسام والشاعر الإنجليزي وليم بليك، والكاتب التشيكي فرانز كافكا، وقائمة من الكتاب المصريين، مثل سعد مكاوي وضياء الشرقاوي ومحمد مستجاب.
وهذه كلها إكراهات تقع من المجال العام، وتقع على المنتج الأدبي بالأساس، غير أن عدم التقدير لا يقتصر على عدم تقدير المنتج الأدبي، بل كذلك عدم تقدير لحظة الإبداع وطبيعة عمل الكاتب. وكنت أتمنى على المؤلف أن يتعرض لذلك النوع من الضغوط الذي ينبع من جهل بالمجتمع الصغير للمبدع بخصوصيات الإبداع: العائلة والأصدقاء وزملاء العمل (إذ إن غالبية المبدعين يضطرون إلى مزاولة أعمال أخرى)، وغالباً ما يعيش المبدع مدافعاً عن نفسه، حيث يكون عليه أن يبرر نفسه دائماً، وأن يشرح دواعي العزلة الضرورية، بينما يقاوم الآخرون تقبل نمطه الخاص من العيش، وتقبل إعفائه من المهام الاجتماعية التي يقوم بها غيره من الناس.
لا أحد يخترع العجلة!
ينتهي الكتاب بمفهوم «أفق التوقعات»، وهو من المفاهيم شديدة التأثير على عمليتي الإبداع والتلقي، فهو قيد وحافز الذي يعمل في شكل دائرة تؤثر في توجهات العمل الفني، مثلما تؤثر في الطريقة التي يتم تلقيه بها.
وهناك ثلاثة مستويات من العلاقات من هذا النوع: علاقة المبدع بذاته، فهو الناقد الأول لعمله، ثم الجماعة السيكولوجية، ويقصد بها المتلقين الأوائل للعمل، ويزخر تاريخ الفن بصداقات من هذا النوع، وهناك جماعة الجمهور العام التي يتوجه إليها المبدع أملاً في الحصول على إعجابها، وهذه المجموعة بدورها تتوقع من المبدع ما يرتبط بذوقها وخبراتها السابقة بالفن الذي يزاوله، وكذلك بسبب خبراتها بالأعمال السابقة للمبدع نفسه. وهكذا، لا يوجد عمل جديد تماماً، ولا يظهر العمل الجديد في ظل فراغ من المعلومات، لكنه يهيئ جمهوره لنوع خاص من التلقي، استناداً إلى ما يحتويه من خصائص مميزة ومألوفة.



التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
TT

التنمُّر يترك أثراً على وزن الأطفال

التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)
التنمُّر... خطر يتجاوز الأذى النفسي (جامعة لانكستر)

أظهرت دراسة أميركية أن الأطفال الذين يتعرّضون للتنمّر يواجهون خطراً متزايداً للإصابة بالسمنة، ضمن إطار ما يُعرف بـ«التجارب السلبية في الطفولة» التي تشمل أيضاً الطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والإهمال.

وأوضح الباحثون من جامعة جورجيا أن هذه التجارب ليست مجرّد عوامل نفسية، إذ تؤثّر بيولوجياً وصحياً على الأطفال، خصوصاً بما يتعلّق بزيادة خطر السمنة. ونُشرت النتائج، الأربعاء، في دورية «جاما نتوورك أوبن».

وتُعدّ السمنة لدى الأطفال مشكلة صحية متزايدة على مستوى العالم، تؤثّر على النمو البدني والصحة النفسية على السواء. وتنشأ عادة عن توازن سلبي بين السعرات الحرارية المستهلكة ومستوى النشاط البدني، إضافة إلى عوامل بيئية وغذائية ونمط الحياة. وقد تؤدّي السمنة في الطفولة إلى مضاعفات صحية، مثل ارتفاع ضغط الدم، ومقاومة الإنسولين، ومشكلات القلب، كما يمكن أن تؤثّر على الثقة بالنفس والعلاقات الاجتماعية للأطفال.

وخلال الدراسة، حلَّل الفريق بيانات أكثر من 5400 طفل تتراوح أعمارهم بين 11 و12 عاماً من مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ضمن دراسة التطوّر المعرفي للأطفال والمراهقين، وهي أكبر دراسة طويلة الأمد حول صحة الأطفال وتطوّر الدماغ.

وأظهرت النتائج أن كل زيادة بمقدار تجربتين سلبيتين تقريباً، بما في ذلك التنمُّر، ترتبط بارتفاع مؤشّر كتلة الجسم بنحو نصف نقطة. وأكد الباحثون أن التجارب السلبية في الطفولة، مثل التعرُّض للإساءة الجسدية أو الجنسية، والطلاق الأسري، والصعوبات الاقتصادية، والتنمُّر، قد تزيد من خطر السمنة، من خلال تأثيرها البيولوجي والهرموني في الجسم، ما يزيد من احتمالية اكتساب الوزن.

وأضاف الفريق أن هناك عدداً من العوامل التي تؤثّر في زيادة وزن الطفل، لكن الدراسة تُظهر أن الضغوط والتجارب الصادمة يمكن أن تعزز هذا الخطر، خصوصاً خلال مرحلة المراهقة الحرجة.

بيئة داعمة

وفي المقابل، وجد الباحثون أن وجود بيئة داعمة يمكن أن يُخفف من التأثيرات الصحية لهذه التجارب؛ إذ إن الأطفال الذين يمتلكون مهارات مواجهة صحية أو لديهم شخص بالغ داعم في حياتهم أظهروا مؤشرات كتلة جسم أقل، حتى عند تعرّضهم لمستويات عالية من التجارب السلبية.

وأشار الفريق إلى أن الشخص الداعم قد لا يكون الوالد أو مقدّم الرعاية بالضرورة، فقد يكون معلِّماً أو مدرِّباً أو أي شخص مستقرّ وداعم في حياة الطفل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج تبرز أهمية الدعم الاجتماعي وتنمية المهارات الذاتية وسيلةً فعّالةً لتخفيف الآثار السلبية للتجارب الصادمة على الوزن والصحة العامة.

كما تُشير إلى ضرورة فحص التجارب السلبية ضمن الفحوص الطبية الروتينية للأطفال، ما يتيح التدخُّل المبكر وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل، ويساعد في توجيه السياسات الصحية والتربوية لدعم الأطفال الأكثر عرضة لهذه التجارب.


«حتى الآن»... رحلة تعليمية تتحول إلى خطاب بصري مكتمل

عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
TT

«حتى الآن»... رحلة تعليمية تتحول إلى خطاب بصري مكتمل

عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)
عمل لأبها حسن من اليمن (الشرق الأوسط)

يعكس الفن التراث الثقافي والقيم الإنسانية، ولذلك يكتسب المرء من خلال تعلّم الفنون فهماً أعمق للثقافات المختلفة والسياقات التاريخية.

وفي حي الزمالك بالقاهرة يحتضن «كايرو غاليري» معرضاً بعنوان «حتى الآن»، الذي يأتي بوصفه حصيلة تجربة تعليمية مكثفة نظمها «نادي منجم»، حيث عمل المشاركون ضمن ورشة فنية تحت إشراف التشكيلي المصري محمد خضر.

وتكمن خصوصية المعرض في كونه مساحة تفاعلية بين التعلُّم والهواية والممارسة الاحترافية؛ إذ تعكس الأعمال المعروضة تحوُّل التجربة التعليمية إلى خطاب بصري مكتمل، وتكشف عن تطور الأساليب الشخصية للمشاركين.

لوحة تجريدية للفنانة السعودية مشاعل العطاوي (الشرق الأوسط)

ويقدم المعرض تجربة فنية جديدة تجمع بين 18 فناناً من 5 دول عربية، هي مصر، والسعودية، والكويت، وسوريا، واليمن، في رحلة تعليمية وتشكيلية تسعى إلى اكتشاف الهوية الفنية لكل مشارك، وتقديم أعمال تعكس خبراتهم وتجاربهم الشخصية، من دون قيود على الأسلوب أو الموضوع.

وحول ذلك، يقول الفنان محمد خضر، مؤسس نادي «منجم» للفنون، لـ«الشرق الأوسط»: «(منجم) هو مجتمع فني يضم مجموعة كبيرة من الفنانين الهواة، ونحاول من خلال هذا المجتمع الانتقال بالفنانين من الهواية إلى الاحتراف؛ إذ يعتبر النادي مساحة نتعلم فيها كيف نرى، وكيف نختار، وكيف نتحمل مسؤولية اختيارنا».

وأضاف: «يأتي ذلك انطلاقاً من أن التعليم لا يقوم على نقل الأساليب، ولا على إنتاج متشابه، بل على إظهار التجربة الشخصية لكل فنان، واحترام شخصيته ومساره»، مشيراً إلى أن «المنجم الحقيقي لا يوجد في الخارج، بل داخل كل فنان، ودورنا أن نقوم بعملية تنقيب تسمح للأسلوب بأن يخرج من الداخل بشكل طبيعي».

الفنان المصري محمد خضر (الشرق الأوسط)

ويضم النادي أعضاء من 8 جنسيات عربية مختلفة، بينها البحرين، والأردن، وتونس، بجانب الدول المشاركة.

ويؤكد خضر أن «المعرض ليس نهاية مرحلة، ولا عرضاً لنتائج نموذجية، بل لحظة انتقال من مساحة تعلُّم وتجريب إلى الوقوف أمام العمل والجمهور وتحمل المسؤولية. إنه إعلان عن بداية بحث فني شخصي، وهذا العرض إحدى محطاته».

ويجتمع الفنانون عند تجربة تعليمية واحدة؛ فالأعمال تحمل نتاج خبراتهم، دون محاولة تقديم موضوع بصري موحَّد، ويشارك جميعهم لأول مرة بشكل احترافي، بعد أن تعاون النادي مع «كايرو غاليري» لتقديم هذه التجربة، وفق خضر.

ويقول: «الهدف دعم الهوية، والبحث عن الشخصية الفنية لكل فنان، وعدم جعل الفن حكراً على أسلوب معين».

تستخدم ميراي ميشيل التفكيكية في محاولة لخلق حوار إنساني (الشرق الأوسط)

وتأسس النادي منذ 5 سنوات، ويعتمد على اجتماعات إلكترونية في الجلسات التعليمية، يتم خلالها مناقشة تاريخ الفن، وأسسه، وموضوعات مرتبطة بعلم النفس، فضلاً عن تقديم تحليل ونقد للوحات الفنية».

ويُعدّ هذا المعرض الثالث للنادي بعد مشاركات سابقة مع مجموعات أخرى، لكنه الأول الذي يضم أعضاء «منجم» وحدهم، وهناك معرض آخر مُخطَّط له في الصيف المقبل.

ويلتقي الزائر بأعمال متنوعة، منها التصوير، والكولاج، والرسم بالزيت، وبالألوان المائية، والأكريلك؛ ما يعكس التنوع الفني الذي يسعى النادي لتقديمه، ويتيح للجمهور فرصة مشاهدة مستويات مختلفة من التجريب.

وتقدم الفنانة السعودية، مشاعل العطاوي، في المعرض المستمر حتى 20 فبراير (شباط) الحالي، أعمالاً تجريدية تتميز بالمينمالية والتلخيص، وتبرز الفراغات؛ فهي ترفض ازدحام المسطح بالتفاصيل والعناصر، انطلاقاً من رغبتها في إتاحة مساحة للمتلقي للتفكير وإطلاق خياله من دون وصاية منها.

وتعكس أعمال فجر رباح من الكويت تراث بلادها، بينما تركز مواطنتها لولوة المرزوق على البحر والصيد في الكويت، بوصفه جزءاً من تراث عائلتها، وتنشغل أعمال السورية ميديا أمراني بفكرة البقاء والذاكرة.

عمل للفنانة الكويتية فجر الرباح _الشرق الأوسط_

ويشهد المعرض مشاركة أكبر من مصر، ومن المشاركين ميراي ميشيل (26 عاماً) التي تقدم أعمال كولاج وميكس ميديا، تفكك خلالها العناصر وتعيد ترتيبها بشكل جديد، وذلك في محاولة خلق حوار إنساني مع الطبيعة للتعرُّف عليها، وتطرح الفنانة تساؤلات شخصية تعكس بحثها عن الحرفية والهوية.

وتحتفي لوحات التشكيلية المصرية بسنت الدبيكي بالإنسان، ولحظات التأمل والسلام النفسي والهدوء، في حين يظهر تأثر مواطنتها نورا سالم الشغوفة بالرسم منذ الطفولة بالفن الأفريقي والموسيقى اللاتينية، ويبرز دمج الرقص والموسيقى في تجربتها الفنية.

لحظات التأمل والسلام النفسي في لوحات المصرية بسنت الدبيكي (الشرق الأوسط)

أما شاهيناز الإتربي فهي مصممة أزياء في الأصل، وتعمل بخامة القماش، حيث تدمج أقمشة قديمة وخامات معادة التدوير مع أكريلك؛ لعمل طبقات تعبر عن تراكمات الزمن، وتستفيد من خبرتها في تصميم الأزياء في لوحاتها الفنية.

ويوضح محمد خضر فلسفته التعليمية في مؤسسة «منجم» قائلاً: «أقترح البرنامج التعليمي وأبحث مع الطلاب في إطاره، ثم أدير العملية التعليمية».

ويتابع: «ودوما يكون سؤالي لهم هو: هل تستطيع أن تتعلم؟ فليس كل شخص يمكنه التعلم؛ فالبعض قد يمتلك الحرفة لكنه يفتقد الملكة الإبداعية».

ويرى خضر أن «للفن جناحين مهمين: الجناح الأول هو الحرفة والمهارة، والآخر هو الإبداع والرؤية، ومن دون أي منهما، يكون العمل ضعيفاً». ويضيف: «ومن هذا المنطلق نركز على كيفية إدارة المهارة والوقت ليصبح احترافياً».

ويعكس عنوان المعرض «حتى الآن» مستوى الفنان في اللحظة الراهنة، وليس جوهره الإبداعي «فهذا المعرض هو نحن حتى الآن، لكننا لن نبقى على هذه الحالة طويلاً؛ فكل إنسان ينبغي أن يطور نفسه، ولا يخجل من مستواه الحالي» وفق خضر.

لوحة للفنانة الكويتية لولوة المرزوق (الشرق الأوسط)

ويشير إلى أهمية التنوع الثقافي للمشاركين قائلاً: «كون المعرض من دول مختلفة هو أمر مهم للمتلقي؛ لأنه يتيح له مشاهدة فنانين من بيئات وثقافات مختلفة، وتكوين علاقات دولية، وتبادل خبرات». ويتابع: «كما تبرز هنا اللقاءات الإلكترونية الدورية التي تصنع نوعاً من الترابط والحوار الفني المستمر بين المشاركين».


«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
TT

«خليني خبّرك ليه؟»... الحب الصادق يُنقذ الزواج بمقالب مضحكة

علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)
علي منيمنة وضياء منصور في أحد المشاهد المضحكة (الشرق الأوسط)

يحاول صُنَّاع المسرح مؤخراً نقل أعمالهم بقالب ترفيهي يخفِّف من وطأة الحياة اللبنانية المثقلة بالأزمات. فتغدو الضحكة هدفاً أساسياً يساهم في الترويح عن النفس. أحياناً ينجح المؤلف والمخرج وأبطال العمل في تحقيق هذا الهدف، فيمضي المتفرّج وقتاً من المرح والتسلية. ومرات أخرى تتشتت المسرحية بين الإطالة والسطحية، مستجدية فرحة مصطنعة.

الثلاثي عون ومنيمنة وبلعط في أداء منسجم (الشرق الأوسط)

في مسرحية «خلِّيني خبرك ليه؟» يحاول المخرج برونو جعارة العودة بالمسرح اللبناني إلى زمن أعمال الـ«فودفيل». ففي تلك الحقبة، خلال الثمانينات والتسعينات، كان الراحل مروان نجَّار من أبرز صنّاع هذا النوع المسرحي. وشكّل جعارة أحد أركانه الأساسية من خلال تعاونه معه. وتأتي لمساته الحديثة المبنية على خبرات متراكمة لتشكِّل جسراً بين فودفيل الأمس واليوم، إذ يزوّد العمل برؤية إخراجية ترتكز على الحركة والمقالب، فيخفف من الزوائد والمبالغات لتوليد مشاهد مشبّعة بالكوميديا. ومع فيفيان بلعط، وعلي منيمنة، وغريتا عون، وبولين حداد، وضياء منصور، يبني عالمه المسرحي، متكئاً عليهم وهم يلبسون أكثر من شخصية بحرفية تمثيلية لافتة.

تتناول المسرحية موضوع الخيانة الزوجية في قالب «farce» قائم على مقالب متتالية تنقل المشاهد من الواقع إلى فضاء مرح. فتدخل لوريس (فيفيان بلعط)، المتطوِّعة في جمعية خيرية، مصادفة إلى منزل أنيس (علي منيمنة) وتتورّط في محاولة إصلاح مشكلاته الزوجية. ومع سلسلة من المواقف المبنية على سوء الفهم، تخرج الأمور عن السيطرة، وتتحوَّل الزيارة إلى عاصفة من الكوميديا والقفشات الساخرة. وهكذا نتابع عملاً يتمحور حول الزواج والخيانة والخير والشر، قبل أن تُسدل الستارة على نهاية سعيدة تحمل رسائل إنسانية تقوم على فكرة الحب الصادق.

تسرق فيفيان بلعط وهج العمل من اللحظات الأولى، معتمدة على خفة ظلها والحركات الهزلية لرسم الابتسامة على وجوه الحضور. وتستند إلى تعابير الوجه ولغة الجسد وتقليب المواقف لاستمالة الجمهور. ويطلّ علي منيمنة في أداء كوميدي نشاهده للمرة الأولى منذ فترة طويلة. فبعد تجربته السابقة في مسلسل «فاميليا»، يتجه بثبات إلى عالم المسرح الكوميدي، ويوظّف عفويته وحنكته التمثيلية في خدمة العمل مقدّماً جهداً جسدياً وتمثيلياً ملحوظاً.

سرقت بلعط وهج «خليني خبرك ليه» منذ أولى لحظات العمل (الشرق الأوسط)

وفي إطار تقديم شخصيات عفوية ترسّخ الضحكة لدى الجمهور، يلجأ جعارة إلى عكس الأدوار، فيحوّل ضياء منصور إلى امرأة. ويعزف على الوتر نفسه مع علي منيمنة. وهي فكرة رائجة في أعمال الـ«فودفيل» تترك أثراً ترفيهياً إيجابياً لدى المشاهد. وينجح منصور في تقديم الشخصية من دون مبالغة، تاركاً لها مساحة التفاعل مع مشاهد بُنيت عليها. فيدخل منزل أنيس بشخصية صديقة، مخفياً حقيقة كونه زوج المرأة التي خانته.

يُحيك جعارة قصة تتوه عمداً في شبكة المقالب وتقنيات الـ«فودفيل» التي طالما برع فيها، ليشيّد عليها بناءً مسرحياً هدفه الأول أخذ الجمهور في رحلة ديناميكية مفعمة بالضحك. وتنجح غريتا عون في تجسيد دور المرأة المتسلّطة حيناً والرومانسية حيناً آخر، وقد تكون الأكثر بروزاً بفضل طاقة تمثيلية عفوية لا تكلف فيها ولا مبالغة.

وجاءت لمسات الديكور بسيطة ومقتصدة، ملوِّنة المسرحية بمشهدية دافئة تناغمت مع موضوع العمل.

تفاعل الجمهور مع أحداث المسرحية طيلة عرضها لنحو 90 دقيقة، ونجح برونو جعارة في صنع حبكات كوميدية متقنة. تُعرض المسرحية على خشبة «بيريت» في الأسابيع المقبلة. وهي من كتابة برونو جعارة بالتعاون مع فيفيان بلعط.

جعارة ينجح لمرة جديدة بتقديم عمل يحمل مرونة استثنائية، ويتنقل بسلاسة بين الأساليب.