الوحدة، الحب، العودة إلى وطن، الهروب من وطن، الأم والابنة، المستقبل المجهول، الرغبات المحققة وتلك المفقودة... كلها وسواها عناوين لأفلام اليوم الأول من مهرجان صغير - كبير تقيمه جامعة نوتردام، في بلدة اللويزة في منطقة جونية، اسمه «مهرجان روتردام الدولي»، وشعاره «قوة الشباب».
على رابية مرتفعة محصّنة بجبل شامخ تزينه الأشجار نهاراً وأنوار البيوت ليلاً، حتى ليبدو كما لو كان الجبل أكبر شجرة عيد ميلاد في العالم، يلتقي كل يوم عدد كبير من الضيوف والسينمائيين، يملأ القاعة الواسعة التي تعرض أفلام المهرجان في دورته الحادية عشرة.
معظم القادمين من الجيل الذي ولد في الثمانينات أو ما بعدها. الجامعة المعروفة أيضاً باسم «سيدة اللويزة» كانت قد أسست هذا المهرجان بعد تعيين أحد خريجيها، سام لحود، مسؤولاً عن ابتكار مشاريع جديدة ترعاها الجامعة بهدف التأكيد على الهوية الثقافية والفنية، لا للجامعة وخريجيها فقط بل للدور الذي دائماً ما لعبه لبنان بامتياز.
كلمة الأب بيار نجم، أحد أعمدة الجامعة ومسؤوليها، تحدثت عن هذا الدور، وأكدت أنّه اليوم أكثر من أي زمن مضى، هناك حاجة لنبذ «ديكتاتورية الآيديولوجيات والديكتاتورية الأصولية»، وأن الوسيلة الأنجع لذلك تكمن في نشر الثقافة والفن.
تلاه في حفل الافتتاح، في الخامس من هذا الشهر، رئيس المهرجان سام لحود الذي تحدث عن التحديات الكثيرة التي تواجه لبنان، سواء من خلال المهاجرين المتدفقين عليه أو بسبب التباعد الحاصل بين الهوية الوطنية وتلك المستوردة من خارج الحدود، مذكراً بأن هذا الحجم من اللاجئين فوق أرضه كان سيهدم دولاً أخرى لو حدث فيها.
هنا في اللويزة، وتحت رعاية واهتمام الجامعة التي دعت ضيوفاً عرباً وأجانب ضمن ميزانية لا تتيح المجال للزهو والإكثار من النفقات، لكنها في الوقت نفسه كافية لاحتواء العدد الصحيح والمناسب من الضيوف القادمين، واقع مختلف عن ذلك الذي تعيشه العاصمة والمناطق المتورطة في الشريان السياسي.
إلى مقهى قريب من الفندق الذي حل الضيوف فيه، توجه ثلاثة رجال من أعمار ناضجة، وقبل طلب القهوة، بدأوا الحديث في الوضع السياسي بعد استقالة الحريري. لكن إذا كان الحديث السياسي طابع اللقاءات المختلفة خارج العمل ومقاهي لعب النرد أو مهرجانات السينما، فإن جمال الموقع وجغرافيته البعيدة عن بعبدا وعن العاصمة بيروت، وعن الحدود الجنوبية والشرقية على حد سواء، تجعل من الصعب على المرء أن يعايش الأحداث كما تقع، وربما كان هذا أفضل من معايشته كونه وضعاً مأزوماً بلا ريب.
خامة جميلة
لكن في الوقت الذي يفضل فيه الابتعاد عن الأحداث في ذلك الحضن الطبيعي الساحر، تأتي بعض الأفلام التي يحققها الطلاب المنتمين إلى الجامعة لكي تحك ظهر الحقائق، الواضحة منها والمتوارية، وذلك جنباً إلى جنب مع تلك التي ليس لها علاقة مباشرة بأي شيء آخر غير سرد الحكاية المختارة للفيلم.
هذا الجانب الثاني واضح في فيلم كارل مالكون «كلمات وأضواء»، الذي كان أول الأفلام المعروضة من تلك التي حشدها المهرجان.
في 22 دقيقة (إلا بضع ثوانٍ)، تسرد المخرجة مالكون حكاية بطلتها «ياسمين صليبا» مع نفسها ومحيطها: إنّها فتاة في الثامنة عشرة من عمرها، تبحث عن الحب المحتمل بين الشبان الذين تلتقي بهم في المدرسة أو في الحانة التي تتوجه إليها ذات مرة، فتلتقي بشاب أكثر وثوقاً بنفسه مما يجب (مايك أولريخ نجيم). الحب لا يقع من النظرة الأولى، لكنه إذ يشرأب بعنقه تكتشف بطلة الفيلم أنها ما زالت بعيدة عنه، وتنتهي وحيدة باحثة عنه، كما بدأت.
للفيلم خامة فنية جميلة؛ بعض التمثيل ظاهري لا يعكس عمقاً، لكنه كاف لقبوله ضمن الحالات السلوكية التي يعبر عنها، والأفضل هو المعالجة المبتسرة والاقتصادية لما يمكن أن يقع في خلال أيام قليلة، ما يجعله فيلماً كاملاً عوض أن يبدو كما لو أنه مشهد مقتطع من فيلم طويل في البال.
«كلمات وأضواء» يحمل رمزية شفافة انتقلنا بعدها إلى الواقع، عبر فيلم جيد آخر هو «عبور» لمخرجة أخرى اسمها دانيا شراباتي. تفتح المخرجة فيلمها على مشهد لامرأة كبيرة السن مسلمة من جيل فلسطيني هو أول من عايش الهجرة التي وقعت سنة 1948، والآن تعيش مع ابنتها وحفيدتها في بيروت. تفيق صباحاً وتبدأ بترتيب حقيبتها، تدخل عليها ابنتها وتسألها عما تفعله، فتخبرها أمها بأنها تود العودة إلى بيتها.
هو بعد ذلك فيلم رحلة لا باتجاه فلسطين، بل في بعض الجبال اللبنانية لإيهام العجوز بأنّها عادت إلى وطنها. والإيهام ينجح، كونها غائبة عن الوعي لبعض الوقت، لكن الثمن كبير، إذ تموت الأم في السيارة وفي بالها أنها عادت فعلاً.
في هذا العمل سمات تعبير عن وضع محزن نعرفه جميعاً، لكن المخرجة أوعى من أن تقع في كليشيهاته. نعم، هو ليس الفيلم المزدان بلغة فنية مبهرة، لكن حكايته ذات سرد جيد، وموضوعه يأتي ملامساً لجروح أجيال وبعيداً عن التسييس الذي مارسه البعض منذ أن حلت النكبة إلى اليوم.
سلة وتاركوفسكي
على منواله، لكن مع متاعب، يأتي فيلم «280 كلم» لزاهر جريديني: سائق تاكسي سوري ينقل شابين وفتاة بسيارته. وقبل الوصول إلى الحدود اللبنانية، يكتشف أن ركابه مهربو آثار؛ يحتج على ذلك خوفاً ممّا قد يقع له إذا ما فتح رجال الجمارك صندوق المرسيدس الخلفي واكتشفوا الآثار، ما يدفع بالركاب لشراء صمته وسيارته بسبعة آلاف دولار، هي من أصل 20 ألف دولار عليهم دفعها للشخص الذي سيسهل تهريبهم عبر الحدود.
ما يحدث هنا مثير للاهتمام والمتابعة، وفيه ما يكفي من اللعب على المتغيرات والمفارقات المفاجئة، لكن المعالجة ليست سوية، إذ تبدأ كما لو أن الشخصية الرئيسية هي السائق (الكاميرا منصبة عليه وعلى قضيته معظم الوقت)، ثم تنتقل، بعد خمس دقائق، للمهربين وما سيقع معهم؛ كان من الأفضل حتماً لو بدأ بهم وكان السائق ثانوي الحضور فعلياً منذ بداية الفيلم.
إلى ذلك، هناك ما يكفي من عناصر الكوميديا المتوارية (بلا قصد) التي كانت ستتيح نجاحاً أكبر للفكرة لو عولجت ككوميديا ساخرة وسوداء. اختيار المخرج جريديني الجاد نافع كسرد لما أراد إنما كان يمكن له أن يكون أقوى طرحاً لو عولج مختلفاً.
نتحول إلى موضوع الانتقام الذي يتفاعل داخل الشخصية إلى أن يحين وقت إطلاقه، وذلك في فيلم ليال الغصين، ميزته هو أنه يبدو فيلماً آيلاً لأن يكون «ميوزيكال» يوماً ما، ليس من حيث إن الفكرة بحد ذاتها، وكما هي مكتوبة لهذا الفيلم، تتسع للمزيد، لكن من حيث احتوائه على تابلوهات غنائية مختلفة تفصل بين الحدث والآخر، على أن التصوير، تقنياً، ضعيف، ومشكلته تخسر حضورها سريعاً.
وتقترب المخرجة ملاك عبدو من تنفيذ عملها الصعب «متمردة في سلة»، الذي نرى فيه ممثلة شابة تسترجع ما تعرفه عن نفسها، عندما تخلت عنها عائلتها (لا نراها)، بوضعها وهي ما زالت طفلة في سلة وإطلاقها. الآن، هي كبيرة، وفي داخلها عقد نفسية لا يبدو أنها قادرة على التخلص منها.
وفي مطلع الفيلم، نرى بطلتها تحمل شمعة وتحاول اجتياز نهر من ضفة إلى أخرى. وأندريه تاركوفسكي في فيلمه «تضحية» يأتي إلى البال سريعاً في مشهد مماثل (بطله يحاول قطع المسافة في مسبح مجفف من طرفه إلى طرفه الآخر وهو يحمل شمعة)، وما تلبث المخرجة عبدو أن تكشف عن تأثرها هذا بينما تراقب المشهد المذكور على شاشة التلفزيون.
ما سبق هو بعض ما شوهد في اليوم الأول فقط. وإذ ينتهي المهرجان في الثالث عشر من هذا الشهر، فإن الهدف الذي حققه خلال دوراته السابقة، ولا يزال يعمل عليه، هو عرض ما تثمر به المواهب الشبابية من أفكار ومن مواضيع ولغات تعبير. هذه الأخيرة هي اختيارات حرّة، لكنّ الموهبة تشمل ما شوهد، وعلى الأرجح كثيراً ممّا سنشاهده أيضاً.
مهرجان في جامعة لبنانية يحتضن أفلام الطلبة وأفكارهم
شعاره قوة الشباب... وأفلامه تعبر عن طموحاتهم
مهرجان في جامعة لبنانية يحتضن أفلام الطلبة وأفكارهم
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

