إبراهيم الحسين: الفضاء الإلكتروني يوفر للشاعر القارئ الذي يريد

كتب في الـ«فيسبوك» خلال سنة واحدة ما يعادل كتابته في ربع قرن

إبراهيم الحسين
إبراهيم الحسين
TT

إبراهيم الحسين: الفضاء الإلكتروني يوفر للشاعر القارئ الذي يريد

إبراهيم الحسين
إبراهيم الحسين

يقول الناقد والشاعر عبد الله السفر عن إبراهيم الحسين إنه «كائن مثالي للعزلة والانقطاع». وهو كذلك فعلا. وأكثر من ذلك، إنه يعشق حياة المتصوفين ويكتب بلغتهم. عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة الـ«فيسبوك»، يمارس كتابة نصوصه الشعرية التي تعبر الحدود، وتخلق له بيئة من محبين تتجاوز ما تجمعه أمامه أي أمسية شعرية يحييها. وخلال سنة، كتب أكثر من 400 نص شعري، وهو ما يعادل ما نشره في خمس مجموعات شعرية على مدى ربع قرن.. صدر كتابه الأخير متضمنا منها 142 نصا، وهي مجموعة: «على حافة لوحة في المنعطف الموسيقي».
قبل هذه المجموعة، أصدر إبراهيم الحسين أربع مجموعات شعرية، يعود تاريخ كتابة النصوص الأولى بها إلى عام 1989. وقد جمعها في إصداره الأول: «خرجت من الأرض الضيقة» (1992)، يليه «خشب يتمسح بالمارة»، ثم «انزلاق كعوبهم»، وأعقبه بـ«رغوة تباغت ريش الأوراق» (2011).
عن هذه التجربة، جاء هذا الحوار الذي أجري معه في الدمام حيث يقيم:
* أصبحت تكتب القصيدة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، هل تشعر بأن المدونات تمنحك فضاء أكثر حرية فعلا؟
- لنتفق في البدء مع الشاعر الكبير صلاح فائق على أن «في مثل هذه اللقاءات مجالا كبيرا للادعاءات»، التي من السهل انجراف المرء إليها. لكن، ﻻ بأس في أن أقول لك إن هذه النافذة «الفيسبوكية» تعطيني مساحة كبيرة من الحرية؛ من ناحية سرعة النشر، وسرعة تلقي الانطباع ممن يتابعني من خلال بعض التعليقات التي كثيرا ما تفرحني، فنحن نحتاج أحيانا لمن يصفق لنا، نحتاج لمن يمدحنا بين وقت وآخر، نحتاج لمن يدفعنا إذا ساخت أقدامنا في رمل الإحباطات لننطلق مسافة أبعد، ونحتاج لمن يجعلنا نرتفع قليلا لنشعر بجدوى ما نكتب، كما قال سليم بركات في واحد من لقاءاته النادرة.
باختصار، نحتاج إلى قارئ حقيقي. وكلام الشاعر الرائع قاسم حداد حول مثل هذا القارئ في جريدة «الشرق»، قبل وقت قصير، يمكن أن يضيء شيئا مما أردت قوله.
* ماذا تمنحك الكتابة في الوسائط الإلكترونية؟
- أنت لست في معزل عما يكتب وينشر في هذه الوسائط، ولست منفصلا عما يقترح فيها؛ فهي متاحة لك. بذلك، أنت تتصل بأشياء جميلة ورائعة كانت غائبة عنك بشكل أو بآخر، فبين حين وآخر ترتفع الصخرة فيضيء داخلك وترى بأي مدخرات تكتنز روحك وقد كانت مغطاة ومتروكة، تجد فجأة جسرا لتعبر إليها وتتحسسها، تحملها وتجري بها في لحظة تكون أنت جاهزا بأدواتك وتكون معداتك تقريبا مكتملة.
* ألا تشعر بأن الفضاء الإلكتروني يسلبك بهجة التواصل مع الجمهور؟
- الأمر على العكس من ذلك؛ في ظل ما ترى من عزوف الجمهور عن حضور الأمسيات إﻻ ما ندر، ﻷسباب عدة ليس هنا مجال ذكرها أو الخوض فيها. ولن أذهب في هذه اللحظة مع بول شاوول في أن الشعر ليس جماهيريا، ولكن أعيد هنا ما سبق أن قلته: أنت بحاجة إلى قارئ حقيقي يقدر على التنبؤ بمواقفك قبل أن تتخذها، على حد قول قاسم حداد، هذا القارئ بت أعثر عليه في هذا الفضاء من خلال أسماء معروفة أحبها وأجلها وأجد رد فعلها أيضا على ما أجترحه وأقترحه من نصوص، وبشكل سريع.

* القصيدة الحديثة والرقمية
* هل يمكن أن يمنح الفضاء الإلكتروني مساحة أوسع لكتاب القصيدة الحديثة في المملكة تحديدا، ويوفر لهم قنوات اتصال سالكة مع الجمهور؟
- هذا كلام يعيدنا إلى ما قاله عبد الله السفر عن الحرية التي يوفرها ويمنحك إياها الفضاء الإلكتروني، أنت اﻵن في هذا الفضاء تجد السائد هو هذه القصيدة الجديدة، ولا تكاد تجد القصيدة القديمة أو كما تسمى أحيانا التقليدية أو العمودية. تجد المهتمين بهذه القصيدة وتشعر بتقبلها والتفاعل معها. هو فضاء افتراضي يوفر لك ما تريد، يوفر لك القارئ الذي تبحث عنه، القارئ الذي يحييك ويصفق لك، ويقدم لك درعا افتراضية هي في الحقيقة أفضل من الدرع التي تقدم لك في ختام كل أمسية، تتسلمها وأنت تضحك في داخلك من النهاية التي آلت إليها اﻷمور؛ وميض كاميرات ودرع ليست معها دليل إرشادي للكيفية التي توضع بها على الصدر.. تكتشف في النهاية أنك صنديد، يخجل من الدخول بدرعه إلى بيته.
* ما شروط القصيدة الرقمية (إن صحت العبارة)؟
- أي قصيدة، سواء أكانت رقمية أم غير ذلك، ما من شروط لها سوى أن تكون قصيدة تحمل حالة شعرية، تحمل شحنة شعرية تجفل منها يدك حين تلمسها؛ لغة وتراكيب جديدة وتأويلات تسلك من أجلها طرق الخيال الحي والحار، لغة تتنفس بكل عنفوان..
أنت حين تكتب القصيدة ﻻ تفكر فيما إذا كانت رقمية أو ﻻ، أنت تحاول أو تسعى لأن تقول، لأن تتخلص وأن تكتب قصيدة.
* هناك تدافع هائل تشهده الساحة الثقافية في السعودية نحو النشر الرقمي تحديدا.. هل ترى ثمة فوائد لهذا الفائض الكبير من ممارسة التعبير؟
- ما تسميه أنت فائضا هو في الواقع عملية غربلة مستمرة، غير مرئية لكنها موجودة، ﻷن ما سيبقى هو اﻷقدر على الصمود ومقاومة الظروف وعوامل الوقت، ما سيبقى هو اﻷقدر على تجديد نفسه، أما الضحل الذي بلا عمق فسيجرف ويلقى به بعيدا، هذا من فوائد التدافع الهائل الذي ذكرت. دع الكل يكتب، دع الجميع يتدافع.. يجرب، ويقترح، فثمة مصفاة تقف بالمرصاد.
* عبر وسائل الإعلام الرقمية؛ كتبت ما يزيد على 400 نص في سنة واحدة، وهو ما يعادل ما نشرته في خمس مجموعات شعرية على مدى ربع قرن.. إلى أي شيء تعزو هذا الثراء الشعري؟
- ما حدث هو أن هناك من جاء وأخذك في زيارة إلى الفنانة «فريدا كاهلو» وأجلسك عند سريرها، من نبهك إلى مرآتها المعلقة فوق ذاك السرير، من أخذ عينك ووضعها عند ما ينز منها..
ما حدث هو أن هناك من أدخلك في لوحة غزالتها وجعلك الغزالة المطاردة، من جعلك تئن مما ينغرز فيك من السهام، من منحك الدم ذاته الذي كان يبلل الهواء كلما انغرز سهم جديد فيك..
ما حدث هو أن هناك من أعارك ملابس وعيون وقلق شخوص لوحات هنري تولوز..
من جعلك تسمع نعيب غربان فان غوخ وجعلك تشم فجيعته في حقوله الصفراء، ومن جعلك مصبا ومرمى لعيونه..
ما حدث هو أن هناك من جعلك تصاحب «ياني» اليوناني وفتح لك فتحة على جنونه وعلى كمنجاته وعلى صفير موسيقاه الحاد الذي كان يغرزه في أكياس كانت مخبأة في نفسك، وجعل ما بداخلها يخرج وينسكب على الأرض، فتحة على «أورجه» و«غيتاره» الذي كانت أوتاره تكسر جرارك فيسيل ما فيك، جعلك تقف عاريا تحت مطره..
وهناك من جعلك ترافق عود نزار روحانا وعود أنور أبراهام، من صيرك فراشة هناك..
من وضعك في أعواد الثلاثي جبران وجعلك تفتتح بها صباحاتك وغيرهم وغيرهم..
هناك من جعلك تعشق كاميليا جبران في «صوت في سكون الليل يناديني»، فادية طنب الحاج في أغنيتها «أيها الساقي إليك المشتكى»، ودنيا مسعود ومروان عبادو وريم البنا وغادة شبير وهبة القواس وجاهدة وهبة وغيرهم وغيرهم..
من جعل رائحة الجرائد اللبنانية: «السفير» و«النهار» و«المستقبل» تخرج من ثيابك فتبريك كتابات أحمد بزون، ونديم جرجورة، وصفوان حيدر، وعناية جابر، وسمر دياب، وعارف حمزة، وعقل عويط، وعباس بيضون وغيرهم وغيرهم.. وجرائد أخرى وأخرى..
هناك من جعلك تتنشق الغاز الذي خنقت به نفسها في مطبخها «سيلفيا بلاث» وجعلك تتحسس خيط حذاء الممثلة المسرحية «سارة كين» الذي شنقت به نفسها دائما في جيبك..
ما جعلك تعاني عذابات وجنون النحاتة العاشقة «كاميل كلوديل»..
هناك من غسلك ونظفك وصهرك يا صديقي..
لغة أخرى.. لغة أخرى.. يا صديقي..
أردت أن أقول إني كنت مصدوما، أو لنقل على اﻷصح: كنت مفجوعا، فعن أي 400 نص تتحدث، تلك كانت بكاءات.
فماذا كنت تنتظر بعد كل هذا، ضع نفسك أنت أو غيرك في مكاني، حاول أن تخلص في صحبتك للبيانو أو الناي أو الكمنجة أو التشللو وانظر ما يحدث لك.

* تسلق اللغة
* لديك علاقة وثيقة باللغة تتسم بالحفر والمداومة والحضور في شتى الفنون، حيث يمكنك الحديث عن الفن التشكيلي والموسيقى من خلال الشعر.. كيف أثرت هذه اللغة في إثراء تجربتك الشعرية؟
- اللغة قصتنا، واللغة شجرتنا التي نتسلقها لنسد جوعنا، واللغة نخلتنا التي ما نبرح نهزها.. منذ أمد بعيد، تحدث الشاعر قاسم حداد عن ذلك وأشار إليه، كنا متنبهين إذن منذ البدء إلى وجوب الاعتناء بها، متنبهين إلى أهمية سقايتها وتربيتها..
أنت تكتب قصيدة نثر، تحتاج إلى مهارة عالية. أو لنقل إنك تكتب نصا، إذا لم تكن لديك لغة، إذا لم تهتم بما يرن ويلمع من المفردات، لما ينقل حالتك ويكون أمينا عليها، فسيسقط نصك أمامك، ويفلت من يدك وتراه شظايا على الأرض..
الحالة الشعرية، أو لنقل حالة الكتابة، ﻻ يمكن أن تنهض وحدها دون لغة ترفدها، تمسك يدها وترفعها؛ أنت ماذا لديك هنا غير اللغة؟
قرأنا القرآن الكريم، وقرأنا الأحاديث ومنها القدسية ذات اللغة العالية التي تبهرك.. قرأنا لغة المتصوفة: النفري والحلاج والتوحيدي وجلال الدين الرومي وغيرهم، قرأنا للغيطاني وبسام حجار وإدوار الخراط.. كل هؤلاء كانوا يصقلون لغتك ويزيلون عنها الشوائب، حد أنك تستطيع أن تصب شيئا منها وتجعله قرطا أو سوارا وتهديه لمن تحب.. من هنا، جاءت اللغة إذا كنت ترى أن لدي لغة..
فاللوحات والمنحوتات والقصائد وأنواع الموسيقى كلها موجودة فيك، لكنها تحتاج إلى ممر، تحتاج إلى جسر.
* هناك من يرى أن هذه العلاقة الوطيدة باللغة ساهمت في إحداث (عزلة) بينك وبين الناس، مما أضعف تجربتك في العلاقات الإنسانية؟
- الأمر ليس كما تسميه «عزلة»، وليس للغة علاقة به، كل ما في الأمر هو أنك ﻻ تجيد عرض نفسك، أو بالأحرى هو الكسل.. فلم يحدث في أي أمسية لي أن قمت بإرسال رسالة واحدة عنها لأي كان، أو أعلنت عنها في أي قناة تواصل.. أما العلاقات الإنسانية، فأمرها هو أنك تبحث عمن يثريك، عمن يعينك، عمن تشم فيه رائحة الشعر من مسافة بعيدة.
* هل يتعين على أي شاعر طليعي أن تكون لديه مواقف متميزة عن بقية الناس؟ لماذا أنت تتحاشى اتخاذ مثل هذه المواقف؟
- عن أي مواقف تتحدث؟ اذكر لي موقفا واحدا لم أكن فيه واضحا مثل قصيدة، وإذا أردت فاسأل الوردة، فأوراقي كلها بين أصابعها وأغاني ﻻ تخرج إلا من بوابتها.. ثم، هل تريد مني أن أكون شعاراتيا، هل تريد صراخا!
نصوصي هي مواقفي، بكائي أمام اللوحات ودخولها ثم عدم الخروج منها أو التخلص من ألوانها. بسهولة، أليس هذا موقفا..
استغراقي وذهابي بكليتي في الموسيقى الجميلة، أليس هذا موقفا؟ ملازمتي للوردة، ألا تعده موقفا؟ ألا يعجبك؟
* أنت أحد شعراء قصيدة النثر في السعودية، وتتجلى تجربتك في ديوانك (خشب يتمسح بالمارة) مثلا، كيف تجد مستقبل هذه القصيدة محليا؟
- في البدايات، أذكر أني أعطيت بعض نصوصي للشاعر قاسم حداد، لتجيئني بعد فترة، رسالة منه، حجرها: «أبشرك برفض كبير لكتابتك ممن حولك، وهذا الرفض لن يزيدك إلا مجدا ومكابرات». وقد ثبت أن كلامه كان صحيحا، فلا شك في أن هناك رفضا للقصيدة الجديدة - إن لم يكن محاربة، يقابله تكريس للقصيدة التقليدية، تكريس للنظم، ومع كل ذلك النبذ وإغلاق الأبواب في وجهها ومع ما يصب عليها من خرسانة إلا أنها كما ترى تدفع الإسمنت وتكسر الأبواب.. تخرج وترفع جذعها، تفتح أوراقها وتبرعم زهورها.
فانظر إلى ما يطرح من أعمال، سواء كانت ورقية أو رقمية، وأنت تعرف.. جل ما يطرح الآن هو قصيدة نثر أو ما يشبهها أو هو محاولة لكتابتها..
ثم إنك تكتب القصيدة ليس لأن فلانا أو علانا يكتبها، لكن لأنك تشعر بأنها تلبي حاجتك وهي الأقدر على قولك..
أنت ﻻ ترفض الوزن ولا القافية، أنت ﻻ ترفض القصيدة العمودية، لكن شرط أن تكون قصيدة.



الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني
TT

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

إبراهيم الكوني
إبراهيم الكوني

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها، ويبدأ العالم قبل أن يُحكى. هناك يكتشف الإنسان أن الصمت ليس حدّ اللغة، إنما ذروتها القصوى، وليس فراغاً، بل كثافةً بدئيّة للوجود، وليس غياباً للكلام، هو حضوره الأقصى قبل التسمية.

من هذا الأفق المترع بالصمت يأتي كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني - 2025» نص مغرق في شاعريته يتجاوز منطق الحوار الصحافي التقليدي بين روائي وقارئ ليستحيل «مكاشفة» وجودية بين طرفين اعتصم أحدهما بصمت الحكمة، والآخر بجدوى السؤال. إن هذا العمل، الذي صاغ محاوره العشرة الصحافي والكاتب السعودي علي مكي، يمثل نموذجاً تطبيقياً في فضاء الأدب العربي المعاصر لـ«جماليات التلقي» عند هانس روبرت ياوس؛ حيث لا يعود القارئ (المحاور هنا) مجرد مستهلك سلبي لنصوص الروائي الليبي الأهم، إبراهيم الكوني، بل شريكاً مكتمل الشراكة في إنتاج الدلالة، يسعى لردم فجوات النص الإبداعي المترع بالرمز والميثولوجيا.

غلاف الكتاب

يظهر مكي في هذا الكتاب بوصفه «مستنطقاً» لا مجرّد سائل؛ ابن جازان الذي تشرَّب من تهامة موسيقاها البلاغية، ومن الصحراء صبرها، ويحمل في حقيبته المهنية تاريخاً طويلاً من المشاكسة الفكرية والعمق الأدبي الذي صُقل عبر عقود في الصحافة الثقافية السعودية والعربية. لم يكن غريباً عن عوالم الكوني؛ فهو من اعتاد مطاردة الخرافة الكامنة في ثنايا الواقع، ومساءلة العارفين عمّا يعجز الغارقون في يومياتهم الباهتة عن رؤيته.

في هذا الكتاب يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك؛ لا ليتحدّى الكوني، بل ليقترب منه، مستخدماً أدواته النقدية ليطوّق «سلطان الصحراء» بأسئلة تمسّ لبّ الوجود ذاته. هكذا يتحوّل الحوار إلى تجربة استبصارية عميقة، أشبه برحلة سالكٍ يصعد مدارج العرفان، حيث السؤال بحث عن معنى، والجواب ليس حقيقةً نهائية، وإنما عتبةً لكشفٍ أوسع.

تنطلق رؤية الكوني في مجموع أعماله من اعتبار الصحراء «مسقط رأس التكوين»، ومختبراً أزلياً لقيم الحرية. وفي هذا الحوار، نجد تقاطعاً عميقاً مع مفهوم «شعرية الفضاء/ المكان» لغاستون باشلار؛ فالصحراء عند الروائي الليبي ليست محض حيز جغرافي، إنها «فردوس الروح» و«محراب الصمت». هي الفضاء الذي يلقن الإنسان دروس الزهد الوجودي، محولاً تجربة «التيه» من قدر مفروض بحكم البيئة إلى «خيار وجودي» يكتمل به جوهر الإنسان.

إن التلقي عنده هنا يتجاوز إدراك المكان إلى تذوقه، حيث يستحث على كشف المفارقة: كيف يمكن لمكان يتسم بـ«العدم» الظاهري أن يكون مانحاً لـ«الوجود» الحقيقي؟ ويثبت الحوار أن الصحراء - مكانياً وميثولوجياً معاً - ليست رمالاً، بل هي (لوغوس) كوني، ولغة قائمة بذاتها لا يفهمها إلا من تجرد من أوهام العمران.

تتجلى في إجابات الكوني وحدةٌ عضوية عميقة تربط الكائنات بعضها ببعض؛ إذ ينتقل بالعلاقة من أفق «وحدة الكائنات» التقليدية إلى مرتبة «وحدة الوجود»، مستعيداً حكمةً بدئية تسبق نشوء الحضارات وخطابها العقلاني. ويقدّم الإنسان بوصفه شريكاً للحيوان والطبيعة في «غنيمة الوجود» لا سيداً عليها، مانحاً نصوصه صبغةً أحيائية تعيد النبض إلى كل مظاهر العالم الطبيعي.

وفي استنطاقه لهذه المنطقة، يتفعل في النص ما يمكن تسميته بـ«النقد البيئي»، إذ يتحول السرد إلى صرخة أخلاقية ضد توحّش الحداثة التي قطعت صلة الإنسان برحم الكون، ويقودنا بيدٍ حازمة إلى طفولة العالم الأولى، حيث يتكلم الجبل، ويحمل الودان «الغزال الصحراوي» أسرار السماء، ويغدو الشجر تجسيداً لصلاةٍ لا تنقطع.

يؤكد الكوني في مكاشفاته أن «الأسطورة هي المرشد الأعلى للسردية»، معتبراً إياها الترياق الوحيد لداء الفناء. ومن خلال استلهام الرموز التوراتية والقرآنية والميثولوجيا الأمازيغية، يصوغ نصاً يتخطى حدود الزمن الخطي (ماضٍ - حاضر - مستقبل)، ليقيم في الزمن الأسطوري السرمدي المفتوح بلا بداية ولا نهاية.

يلاحق المحاور بطل الكوني في تحوّلاته الوجودية، ويسأله عن «الخطيئة الأولى» التي جعلت من الصحراء عقاباً وجنّة في آن؛ فضاءً للعقوبة وملاذاً للخلاص في اللحظة نفسها. ويكشف الحوار أن الأسطورة عنده ليست حنيناً إلى الماضي، ولا متحفاً للذاكرة، لكنها أداة حيّة لتفسير «الآن»؛ فالإنسان ما زال يطارد السراب ذاته، والشهوة ما زالت هي الخطيئة التي تُخرجنا من فردوس الصمت إلى جحيم الكلام.

أما اللغة عنده فهي «لغة فوق اللغة»، لا تُريد أن تُسمّى الأشياء بقدر ما تريد أن تُصغي إلى ما قبل التسمية. إنها لغة تسعى إلى فكّ شيفرة الوجود عبر الصمت، لأن الصمت - في منظوره - ليس فراغاً، بقدر ما هو أعلى درجات المعرفة وذروة الامتلاء الروحي في مواجهة لغو الحرف وضجيجه.

يخلع مكي رداء الصحافي ليكتسي عباءة المحاور المتشكّك لا ليتحدّى الكوني بل ليقترب منه

بهذا المعنى يتحوّل فعل الرواية إلى معراجٍ أخير للإنسان في مواجهة العدم؛ معراجٍ يصعد فيه الوعي لا الجسد، وترتفع فيه العبارة لا الرؤية، فتغدو الكلمة فرمان تشريف وجودي يهب الإنسان حقّ الانتماء إلى المعنى.

يغوص مكي في هذا البحر اللدني، متسائلاً عن جدوى الكتابة إذا كان الصمت هو الغاية القصوى. وهنا يبدع الكوني في تفكيك مفارقة «الكتابة بالصمت»، فالحرف عنده ليس غاية، بل جسر ضرورة يعبر عليه الإنسان نحو ضفّة الحقيقة. هذه اللغة التي ينحتها الروائي، والتي يستجليها محاوره بذكاء، هي لغة «تطهرية» بالمعنى الأرسطي، تهدف إلى تخليص الروح من أدران المادة.

في هذا الأفق تغدو تجربة المنفى في حياة الكوني رحلة تنوير لا مفرّ منها لبعث الروح من «رماد الحرف». فالمنافي المتعددة - من روسيا إلى سويسرا وإسبانيا - كانت منازل في معراج الهجرة، اكتشف فيها أن «صحراء الباطن أقوى حجة من صحراء الحرف».

بذلك تتجاوز الهوية عنده حدود الانتماء العرقي الضيق، لتصبح هويةً ذات أبعاد مشحونة بقلق وجودي يبحث عن فردوس مفقود بين الذاكرة والضياع.

عند هذه العتبة يلتقي الروائي ومحاوره عند تخوم ما بعد الاستعمار وفلسفة نقد الهوية؛ فالكوني يرفض أن يُحبس داخل هوية جغرافية مغلقة، ويرى في المنفى تحرراً من أسر الطين، لا مجرد اغتراب مكاني. ومكي، بوعيه الصحافي المثقّف، يكشف كيف انتقل الكوني من كاتب «محلي» يروي عالم الطوارق إلى مفكر يتأمل مصير الإنسان بوصفه كائناً كونياً يتجاوز الحدود والأزمنة.

لذلك لا يمكن قراءة كتاب «في صحراء إبراهيم الكوني» كإضافة نوعية فحسب إلى مكتبة الأدب العربي؛ إنه «مانيفستو» جمالي يعيد للحوار الأدبي كرامته بوصفه جنساً إبداعياً مستقلاً لا ملحقاً بالصحافة الثقافية. لقد نجح مكي في أن يكون الخيميائي الذي استخلص من ذهب الكوني خلاصات التجربة الإنسانية بما فيها مرارتها ونبلها في آن واحد.

عندما يعجز الكلام عن الإحاطة بالوجود، ويتراجع أمام اتساع الصمت، يتكشّف أن صحراء الكوني تجربة تُعاش قبل أن تكون مشهداً يُرى، أفقٌ للوعي قبل أن تكون حدوداً للجغرافيا، ومرآةٌ لقلق الإنسان بقدر ما هي مسرح الطبيعة. هنا تتكثّف خيوط الكتاب جميعها - الصمت، التيه، الأسطورة، المنفى، والهوية - في مفارقة واحدة شاهقة: الضياع مسارٌ خفيّ نحو المعنى، والفراغ الظاهر امتلاءٌ من نوعٍ آخر.

هذا العمل يأخذ بالقارئ إلى قلب «المكاشفة»، ويقوده لاكتشاف أن الصحراء التي يتحدث عنها الكوني قريبة منّا؛ كامنة في دواخلنا، في ذلك الصمت الذي نرتجف أمامه، وفي تلك الحرية التي نتردّد أمام ثمنها.

لقد نجح علي مكي في تحويل الكوني إلى مرآةٍ لنا جميعاً، ونجح الكوني في البرهنة على أن الأدب - حين يبلغ ذروته - ممارسةُ خشوعٍ في محراب الوجود؛ لحظةٌ يذوب فيها الاسم، ويخفت فيها الضجيج، ويبقى وجه الحقيقة وحده مشرقاً كشمس الظهيرة وهي تشقّ المدى حتى أقصاه.


بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل
TT

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة. أسلوب الرواية نفسه هو نسج في اللغة، وكأنما الكاتبة تحوك خيوط كلماتها كما تفعل شخصياتها على نولهن. فالنساء في الرواية الصادرة حديثاً عن «دار الآداب» في بيروت، يحكن الأثواب وبسمة الخطيب تغزل الأحداث بقلمها، في حفر عميق في الذات النسائية الجمعية، من خلال تتبع سلالة واحدة، بحيث تتقصى حياة الجدّات واحدة تلو الأخرى، وصولاً إلى الوريثة الأخيرة ندى التي تعيش في عزلة بسبب وباء «كوفيد» وتحاول رتق النسيج الممزق الذي ورثته لتفهم تاريخها.

شجرة العائلة نسائية

على عكس شجرة العائلة التقليدية التي تحتفظ بأسماء الذكور وتسقط الإناث من الاعتبار الجينيالوجي، تذهب الخطيب إلى اقتفاء سيرة عائلة من خلال تجارب نسلها الأنثوي. هذا لا يعني أن الشخصيات الأخرى غير موجودة، بل على العكس الرواية تعجّ بأناس يصنعون هذا العالم الممتد مثل آمال ووالدتها، وهن من جيران الوادي الذي سكنته السلالة، لكن الربط الأساسي في الرواية يظل متمحوراً حول الحائكات اللواتي تنحدر من صلبهن ندى، وبينهن تانيس ومهجة وحسينة وأميرة وصولاً إلى ندى.

الحكاية تبدأ من الحفيدة الأخيرة ندى، معاصرتنا التي توفيت والدتها أميرة، وها هي تعود إلى بيتها، وتغرق في تفاصيل العزلة والحداد. «هل أمّها محظوظة لأنها عاشت للثمانين؟ تشكّ ندى في ذلك. فغالبية أيّام عمر الأمّ كانت تعيسة، قضتها في انتظار أحلام لن تتحقّق». تأتي المفاجأة لندى من حيث لم تكن تنتظر، من امرأة غريبة لا تعرفها، تطرق الباب وتطالبها باستعادة «أمانة» كانت قد أودعتها عند والدتها أميرة. هذه الأخيرة كانت «داية» تولد النساء وتدفن «خلاص» مواليدهن في الوادي، وهي التي حفظت «الأمانة» أو النسيج القديم، الذي نفهم بعد ذلك أنه الرابط الذي تتناقله السلالة النسائية.

خط زمني واحد يمتد من ماضٍ سحيق إلى حاضر الوباء الجديد، تتوارث النساء خلاله الألم ذاته وتقاومنه بالصبر والحياكة، والغزل والطبخ والتحايل وتجديل الشعر. ليس انتظاراً مجانياً، إنما هو تفاعل بطيء، لكنه متواصل وحثيث وفيه إصرار على بلوغ الهدف النهائي، وهو تغيير هذا المصير الذي يبدو لثقله أنه قدر لا مجال لزحزحته.

لا استخدام لكلمات ممجوجة كـ«الحقوق» أو «الحرية» أو «المساواة» التي ترفعها جمعيات تحرير المرأة، بل على العكس تماماً، هو سرد لمسارات متلاحقة لنساء يتلحفن بالصبر ويقتتن على العمل الصامت الذي لا يكلّ.

الاستعاضة عن الكلام بالنسج

ننتقل مع الكاتبة إلى زمن الجدة تانيس، المرأة البكماء الصماء التي نفيت إلى «قصر الهجران» المنحوت في صخور الوادي، ليكون سجناً تودع فيه النساء لعاقبهن. وهو منفى خُصص للنساء «العاصيات» أو «الموبوءات». في هذا القصر، بدلاً من أن تستسلم تانيس للموت، تُحوّل هي والنساء الأخريات في القصر الحياكة إلى أداتهن المتبقية للاستمرار والتغلب على العزلة. بهذا تصبح تانيس هي الغازلة التي افتتحت مسار الاستعاضة عن الكلام بالنسج. وعندما تولد ابنتها ليلان في «القصر الملعون» ترث عن أمها هذا الغزل، ومعه الصبر ورحلة العذاب الطويل. هكذا تتناسل النساء ويتوارثن الوجع؛ إذ من بعدهن تأتي الحفيدة أثاليا، التي تهرب بها تانيس لتبدأ رحلة على طول بلاد الصدع الزلزالي التي تمتد من تركيا إلى مصر. هناك على هذا الصدع ستولد مهجة الكبرى التي واجهت الطاعون والظلم الأسري. ومن السلالة نفسها تولد ضحى ومن ثم حسينة اللتان تابعتا بدورهما الغزل على النول، أمينات لتراث جدتهن تانيس.

اللعبة الروائية التي تنقلنا بين الحاضر (ندى) والماضي (الجدّات) تظهر لنا من خلال الأحداث أن الزلازل النفسية لهؤلاء النسوة المعذبات والمصرّات على الكدح، كأنما هي انعكاس للصدع الزلزالي الذي يمزق الأرض، وتأتي الحياكة التي لا يتوقفن عن ممارستها وسيلةً لرتق جروحهن.

فالرتق عند النسّاجات له وظائف عدّة لأن «قطبة واحدة ضالّة قد تطيح النسيج أو تجبر الحائكة الدؤوبة على إعادة العمل». ولكن «الرتق» أو «الرثو» أو «الوصل» هو الحيلة المنقذة. «حين تعلّمت ندى حياكة الصوف، كان يعجبها أن تسحب خيطاً من آخر، وتشبكهما، ثمّ تعقدهما، وإن أفلتت منها قطبة تسارع إلى إنقاذها وربطها بأخواتها بقطبة مخفية». المهم هنا «أنّ قفا أقمشة النول تُظهِر بوضوح ما رُمّم ووصِّل واُصلِح. وإنّ القفا هو دليل رحلة الأخطاء والعثرات التي قطعها الحائك وسوء الحظّ أيضاً».

الرموز تحمل الرواية

اعتمدت الأديبة الأسلوب الملحمي في القص الذي تتداخل فيه الرومانسية مع القسوة، والتاريخ بالتخييل، والسيرة الفردية لكل امرأة بالحكاية الأسرية. تبدو الأجواء وكأنها محاطة بهالة ضبابية مليئة بالرموز رغم أنها تحدثنا عن نساء يمارسن حياة اعتيادية من طبخ وتنظيف وغزل وولادة وكفاح مستمر. الخطيب في العودة إلى قصص النساء وتناسلهن المتخم بميراث ثقيل وموجع، جعلت الترميز وسيلتها لكتابة سيرة جماعية فيها من النضال الصامت ما يجعلها أسطورية النكهة.

الكاتبة تنسج مع تانيس وكأنها تشاركها نولها وخيوط تفاصيل مرارة سجنها، وصبرها وصمتها، وتتحدث عوضاً عنها، لتقول المسكوت عنه بطريقتها الترميزية. فالأمراض الجينية كالصدفية التي تنتقل مع الميراث الأنثوي لسلالة تانيس، من أسبابها أيضاً الضغط النفسي، والكبت. والصدع الزلزالي الجغرافي مكان الحدث يتوازى مع التصدع السيكولوجي الذي تخضع له الشخصيات. كذلك هناك رمزية «صدق القفا» التي تحدثنا عنها. فوجه النسيج المنتظم الخيوط، ليس كقفاه المليء بالعقد والوصلات، ومقابل التاريخ الذي نقرأه للنساء هناك الوجه الآخر، الذي يخفي كل الخلفيات بجروحها ودموعها وآهاتها التي يحكيها «قصر الهجران».

تطرح الرواية فكرة أن هؤلاء النساء، رغم اختلاف شخصياتهن وأزمانهن، يمثلن وجوداً واحداً تصعب تجزئته. «الأسماء كلها واحدة» كما تقول المرأة الغريبة، وندى هي آخر خيط في رداء نسجته النساء في عمل متواصل.

عندما يموت زوج ندى يبدو وكأن السماء تنقشع، ويأتي الفرج. مأساوي أن يكون موت الزوج هو الحلّ السعيد الوحيد للمرأة. لكن الوفاة هنا هي الباب الذي يفتح لندى لتعثر على حريتها، وربما تثأر لجداتها. زوجها الذي لم يتمكن من الإنجاب كل ما فعله أنه كتب الشقّة الزوجيّة وأرضاً باسمها تعويضاً تكفيراً عن ذنبه، أو هكذا ظن. لكنه في المقابل تزوج مرتين محاولاً أن يثبت لنفسه بأنه كامل ولا تشوب رجولته النقصان. محاولة ندى حل مشكلة الإنجاب بتبني «آدم» لم تحل المشكلة بل زادتها تعقيداً؛ إذ أصبحت العلاقة المتوترة بين زوجها وابنها باباً لعواصف جديدة.

«لم يتقبّل الزوج أن تنبت لآدم (والاسم له رمزيته حتماً) لحية، حتّى أنّه جاهر بسخريته من (شنب الفئران) الذي بدأ ينمو تحت أنفه، فكيف سيتقبّل أن يحلق آدم ذقنه؟ كيف سيعبّر عن حنقه حين يدخل حمّام آدم ويرى معجون الحلاقة والشفرة؟».

لم تتخل ندى عن الغزل، لكنها في الوقت نفسه حصلت على الماجستير، وعثرت على وظيفة في مكتبة إحدى الجامعات، في غفلة من زوجها.

انكشاف كل هذا أمام أعين الزوج لن يغضبه فقط، بل سيودي بحياته كلياً إثر الصدمة. فهو «لا يروق له أن تفرح، فكيف بأن تكون سعيدة. لا بل لا يروق له أن يفرح أحد وهو محروم من الإنجاب ومشكوك في رجولته رغم كل محاولاته إثبات العكس».

في الصفحات الأخيرة من الرواية، تظهر امرأة غريبة لندى تمسك برداء يطول ويتمدد، تنكشف عليه زخارف وأسماء، كل أولئك اللواتي شاركن في صنعه: «اسمي مكتوب في هذا الرداء، أسمائي، أسماؤنا». تلبسه الحفيدة الأخيرة، بصفته صنيعة نساء السلالة كلها، بحيث إنه حين يلتف حول جسدها يصبح جزءاً منه، وتجسيداً حياً لتراثها وكل من سبقنها.

هي الآن الحارسة المؤتمنة على إرث عائلتها النسوي، ولا نعرف ما سيكون مصير الرداء من بعدها لأنها لم تنجب ذكراً ولا أنثى، وإنما تنحصر آمالها في ابنها بالتبني: «آدم»، ولربما سلالة ذكورية جديدة.


أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا
TT

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي. ويقدّم هذا الإصدار أول ترجمة عربية كاملة لديوان «Arte de Pájaros»، أحد أهم أعمال نيرودا المتأخرة وأكثرها تأملاً.

ويعود الديوان إلى عام 1966، حين نُشر في موطنه تشيلي مصحوباً برسومات لفنانين بارزين، قبل أن يُدرج في الأعمال الكاملة ويُترجم إلى لغات عدة. ويُنظر إليه نقدياً بوصفه محطة أسلوبية فارقة تتراجع فيها النبرة الخطابية لصالح كتابة مكثفة تُصغي للطبيعة. في هذا العمل، لا يتعامل نيرودا مع الطيور بوصفها موضوعاً زخرفياً أو استعارياً مباشراً، بل بوصفها كائنات لغوية وحسية، تتيح إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والطبيعة، وبين اللغة والحركة والزمن.

كتب نيرودا هذه القصائد بعد جولات ربيعية على الساحل التشيلي برفقة زوجته ماتيلدا أوروتيا، وهو ما يظهر في حضور البحر والرياح وهجرات الطيور بوصفها عناصر بنائية في الصورة الشعرية.

يتألف الديوان من 53 قصيدة موزعة على قسمين: الأول مكرّس لطيور حقيقية من البيئة التشيلية، والثاني يتجه نحو طيورٍ متخيلة، تُصاغ ضمن بنية لغزية تجعل من التسمية فعلاً شعرياً. وتتخلل الديوان ثلاث قصائد طوال تمنحه تماسكاً بنيوياً يجمع بين الجانبين: الوصفي والتأملي.

ويفتتح نيرودا الديوان بمشهد جماعي تتبدى فيه هجرة الطيور بوصفها حركةً كونيةً صارمةً، تقودها غريزةٌ لا تعرف التردّد:

زاويةٌ من الطيور

باتجاه

خط عرضٍ، من حديدٍ وثلجٍ،

تتقدّم دونما هوادةٍ

في نهجها المستقيم:

استقامةٌ ساغبةٌ

كسهمٍ مصوَّبٍ،

لجموعٍ سماويةٍ تشق طريقها

للتكاثر، مجبولةً

بحبٍ وهندسةٍ قاهرين...

ومن مشهدية الأسراب وحركتها في السماء، ينتقل الشاعر إلى سلسةٍ من القصائد يتأمل فيها طيوراً مفردةً في موائلها، مثل طائر أبو منجل ليربط بين الماء والذاكرة، وبين الجسد وصمت الغابة:

المياه النهرية، أعرفها

وبسابغٍ من ماء العشق وترابه

انضوت في جسدي

الأصوات السرية للغابة

...

وحتى في إغفاءتي

أحيا ذلك الصمت الجهوري،

وأستيقظ، أو توقظني

أسراب طيور أبو منجل الهائلة، المتئدة،

وقد تمكّثت في حلمي.

وفي مواجهة هذا القرب الحميم من الطبيعة، يتحوّل اللون في قصيدة «قُبّرة المروج حمراء الصدر» إلى سؤال، والجمال إلى أثر عنفٍ خفي:

لماذا تُريني كل يوم

قلبكِ الدامي؟

أي خطيئةٍ ترتدينها،

أي قبلةٍ من الدم لا تمّحى،

وأي رمية صيادٍ دهمتك؟

ويبتكر نيرودا طيوراً متخيّلة تُصاغ من الريش واللغة معاً، مثل «الطائر الهيروغليفي»:

متداخلٌ ريشه، ريشةً جنب أخرى،

يبسط جناحيه في ميادين العمل.

طائر المتاهة، طائر البر والبحر،

والألغاز...

وفي ختام الديوان، يعود الشاعر إلى ذاته، معلناً وداعاً لا يخلو من الامتنان، ليغدو الطيران استعارة لحياةٍ كاملة:

شاعرٌ ريفيٌّ ومحبٌّ للطيور.

آتي وأذهب طائفاً العالم،

بلا عتاد،

أُصفّر، بلا هدف، حيثما ذهبت.

أستسلم

للشمس وحقيقتها،

وللمطر، ولغة قيثارته...

وقد اعتمدت الترجمة العربية على ترجمة وسيطة بالإنجليزية مع الرجوع المنهجي إلى النص الإسباني الأصلي، بإشراف من الأديبة والأكاديمية الدكتورة خديجة قضّوم أستاذة اللغات الرومانسية وآداب أميركا اللاتينية، التي يسّرت تدقيق الترجمة لضمان مطابقة المعنى والاقتراب من الخصوصيات البيئية والثقافية للنص، خصوصاً ما يتعلق بالأسماء المحلية والحمولات الدلالية المرتبطة بطيور تشيلي وإقليم باتاغونيا في أطراف أميركا الجنوبية.

ويتيح هذا الإصدار لقرّاء الشعر الاطلاع على جانب تأمّلي أقل تداولاً من تجربة نيرودا، حيث تتقاطع الحساسية الشعرية مع الطبيعة وعناصرها المختلفة، ويقدّم نصاً يوسّع أفق المطالعة الشعرية من خلال تجربة لغوية وبيئية مختلفة.