إيران و«الإخوان»: الجذور الآيديولوجية للشراكة (الحلقة 3): مير لوحي.. «الأصفهاني الخجول» الذي صار لاعبا رئيسا في السياسات الإيرانية المضطربة

عدته الرواية الرسمية الأب المؤسس لنظام الخميني واعتبره المعارضون عميلا بريطانيا

الخميني عقب عودته إلى إيران سنة 1979
الخميني عقب عودته إلى إيران سنة 1979
TT

إيران و«الإخوان»: الجذور الآيديولوجية للشراكة (الحلقة 3): مير لوحي.. «الأصفهاني الخجول» الذي صار لاعبا رئيسا في السياسات الإيرانية المضطربة

الخميني عقب عودته إلى إيران سنة 1979
الخميني عقب عودته إلى إيران سنة 1979

انتظر الشاب ساعات قبل أن يخرج «الهدف» من منزله، وبعدها قفز أمام الرجل العجوز قائلا: «هل نستطيع التحدث قليلا؟» فأجابه العجوز: «يمكننا أن نتحدث كثيرا فيما أسير إلى العمل».
حدث ذلك المشهد في طهران في 1940، وقبل شهور من اجتياح القوات السوفياتية والبريطانية للعاصمة الإيرانية واحتلالها. كان ذلك الشاب، هو مجتبى مير لوحي، الطالب بالكلية الألمانية الفنية في طهران. أما العجوز فكان أحمد كسراوي، القاضي بالمحكمة الجزائية الذي كان من أبرز مثقفي تلك الفترة.
كان كسراوي قد نشر للتو، كتابا جديدا يحمل عنوان «الشيعة»، انتقد فيه عقيدة أغلبية الشعب الإيراني، ما دفع الملالي لانتقاد الكتاب من فوق منابرهم، على الرغم من أن معظمهم لم يقرأه. ومن جهة أخرى، حاز الكتاب إعجاب قطاع واسع من الجماهير، خاصة بين دوائر النخب ذات الميول الغربية وطلاب الجامعة. وأعرب الكثير منهم عن تقديره لطريقة كسراوي السقراطية في طرح الأسئلة حول مناحي عقائد الشيعة كافة والأساطير التي تشوبها.
وكان مير لوحي يتحين الفرصة للقاء كسراوي لكي يقنعه بسحب الكتاب. ولكن سرعان ما اتضح أن كسراوي يؤمن تماما بأن المذهب الشيعي هو السبب الرئيس وراء الانحدار التاريخي لإيران، وأنه ينظر إلى كتابه باعتباره أول الطريق في حرب واسعة ضد «الخرافات الفاسدة».

كان مير لوحي قد حدد «مهمته» مع حجة الإسلام شاه آبادي، الذي كان قد أصدر فتوى بقتل كسراوي. وكان لوحي يأمل أن يعيد كسراوي إلى «المسار الصحيح»، ما ينفي ضرورة قتله. وبعدما رسخ في يقين مير لوحي ضرورة قتل القاضي المثقف، أصبح من الضروري تأجيل الخطة نظرا لغزو الحلفاء للبلاد والاضطرابات التي أسفر عنها الاحتلال الأجنبي. وفي الوقت نفسه، كان مير لوحي بحاجة لأن يلم شتات نفسه.
ولد مير لوحي في 1924، تتنازعه طموحات متباينة؛ ففي المدرسة الألمانية، كان الشاب قد أغوته الدعاية الموالية للنازية، فيما كان يدرّب لكي يصبح عامل حديد، بينما كان يحلم أن يصبح مهندسا. وفي الوقت نفسه، كان منجذبا لفكرة أن يحصل على التدريب للعمل كممثل، فقد أصبح اثنان من زملائه، هما حامد القنبري، ومحمد علي الجعفري، من أشهر نجوم المسرح والسينما الإيرانيين. وكانا قد أقنعا مير لوحي بحضور عدد من التدريبات المسائية في التمثيل، ولكن الشاب الذي جاء من أصفهان، كان يفكر في البعد الديني أيضا.
وعندما بلغ عامه الثامن عشر، كان الحلفاء قد أغلقوا المدرسة الألمانية وتفرق طاقم عملها. وسرعان ما وجد مير لوحي وظيفة في شركة البترول الأنجلو إيرانية، وسافر إلى عبادان التي تقع على بعد 1000 كيلومتر، للعمل كحرفي في الشركة التي كانت تعد في ذلك الوقت من أكبر مصافي البترول في العالم. وعلى الرغم من أننا لا نعلم تماما ما الذي حدث في عبادان، تفيد الرواية الرسمية للجمهورية الإسلامية، التي تعتبر مير لوحي الأب المؤسس لنظام الخميني، بأن ميرلوحي اصطدم بالمديرين البريطانيين وتم فصله بعد عام واحد من عمله هناك، فيما يزعم معارضو الخميني، بأن مير لوحي تم تجنيده على يد الاستخبارات البريطانية ضمن عدد كبير من الشباب المتدين، لكي يشاركوا في تنفيذ خطة لتأسيس جماعة مناهضة للشيوعية وتدعو للإسلام.
من جهته، يتذكر الصحافي المخضرم، ناصر أميني، الذي كان أحد معاصري مير لوحي في المدرسة الألمانية في طهران، الرجل باعتباره «ولدا خجولا ومنطويا ولم يكن متدينا في تلك الفترة».
على أي حال، ظهر مير لوحي، بعد ذلك، في النجف، بعدما عبر على نحو غير شرعي إلى العراق ومعه قدر كبير من الأموال زعم أنه ادخرها من راتبه، فيما زعم منتقدوه أنها دعم بريطاني. على أي حال، كان مير لوحي يرغب في أن يتدرب لكي يصبح رجل دين شيعيا. وفي طريقه إلى النجف، تخلص من اسمه الأصلي وقدم نفسه باسم محمد نواب صفوي. ثم زعم، بعد ذلك، أنه اختار ذلك الاسم لكي يربك «أعداء» لم يحدد ماهيتهم كانوا يطاردونه من عبادان.
حضر نواب عدة دروس دينية مع عدد من آيات الله، بمن في ذلك، عبد الحسين أميني، ومحمد مدني، ومحمد تقي الجعفري. ولكن سرعان ما اتضح أن «الطالب» الجديد، ليس مهتما بتعقيدات العقيدة الشيعية. فقد كان يرغب في أن يصبح رجل ميدان. وزعم مير لوحي، لاحقا، أنه تعلم كل ما يحتاجه حول الدين خلال طفولته، عندما كان يحضر دروس الجمعة بمسجد «خاني آباد» في طهران. وفي واحدة من حالات الاختفاء التي ستتكرر بعد ذلك، اختفى نواب من النجف بعد ستة أشهر.
ولكن إلى أين ذهب؟ يعتقد البعض أنه سافر إلى القدس التي كانت، في ذلك الوقت، تحت الحكم البريطاني، ربما لتوسيع أفقه «الإسلامي»، فيما يعتقد البعض الآخر، أنه ربما يكون قد سافر إلى القاهرة ليقيم علاقات مع الإخوان المسلمين للمرة الأولى. على أي حال، ظهر نواب مرة أخرى في أغسطس (آب) 1941، في طهران، كعضو في حاشية شاه آبادي. وكان يرتدي هذه المرة، زي الملالي وعمامة سوداء تشير إلى أنه ينحدر من نسب النبي. فيتذكر أميني قائلا: «كانت المرة الثانية التي شاهدنا فيها ذلك الولد النحيل الخجول، وقد أصبح رجلا طويلا يتخذ وضعية القادة».
وكانت تلك الوضعية تناسب وضعه الجديد. فسرعان ما أعلن نواب بعد عودته، عن نشأة تنظيمه الجديد «فدائيو الإسلام»، الذي لم يتجاوز عدد أعضائه، في ذلك الوقت، العشرات، الذين كان من بينهم اثنان من المهاجرين القوقاز، هما مدني وتركماني، وكلاهما هرب من الحكم السوفياتي، بالإضافة إلى مهدي آراقي، وهو لاعب كمال أجسام من جنوب طهران، انفصل عن نواب بعد ذلك، واتهمه بخدمة البريطانيين. فقد كتب آراقي في عام 1979: «لقد انفصلت عن الفدائيين لأنهم كانوا يتصلون بالبريطانيين، ويتواصلون مع جماعة الإخوان المسلمين المصرية التي أنشأها البريطانيون قبل عدة سنوات». كما انضم للفدائيين في البداية خليل طاهامبسي، الذي كان يعمل نجارا، ومحمد واحدي، وهو من رجال الدين الشباب.

* تنظيمات موازية
* في البداية، كان على نواب معالجة قضية مهمة تتعلق بما إذا كان سيكرر الازدواجية التي خلقتها جماعة الإخوان المسلمين في مصر أم لا. فقد أسس المسلحون المصريون جناحا عسكريا لاستخدامه في اغتيال الشخصيات العامة وممارسة الضغوط على الخصوم. وفي الوقت نفسه، كانت الكتلة الرئيسة للحركة، تركز على التعليم ونشر التقاليد والأخلاقيات الإسلامية في المجتمع. لكن مصلحة نواب المباشرة، كانت تقتضي تأسيس قوة عسكرية تحرك الأحداث و«تسرع مسار التاريخ»، تاركا مهمة الدعوة للقيم الإسلامية على غرار جماعة الإخوان المسلمين للآخرين، وهو ما بدأ بعد خمسة أعوام، حينما تأسست جماعة فرعية للفدائيين أطلق عليها «مجتمع الإخوة» اختارت سيد حسن إمامي رئيسا لها.
كان نواب يشعر بأن عليه أن يقوم بشيء مبهر لكي يجري التعامل معه بجدية، باعتباره لاعبا رئيسا في السياسات الإيرانية المضطربة والخطرة في ذلك الوقت. فقد أحيا فكرة قتل كسراوي، وتمكن من الحصول على فتوى جديدة من آية الله حسين القمي. وهذه المرة، وفر شاه آبادي نحو 8000 ريال، كانت تعادل في ذلك الوقت، 75 دولارا، لشراء أسلحة لقتل كسراوي. ووفقا لمعظم الروايات، فإن من قام بتوصيل تلك الأموال من شاه آبادي، هو روح الله الخميني، الذي سيؤسس، لاحقا، الجمهورية الإسلامية، وكان في ذلك الوقت، أحد طلاب آبادي. حينذاك، كانت طهران تعج بالأسلحة التي خلفها مئات العملاء الألمان الذين اختفوا قبل وصول القوات الروسية والبريطانية، وقد وفّر مبلغ الـ75 دولارا الذي جلبه الخميني، إمكانية شراء أربعة مسدسات ألمانية من طراز «وغر بارابيلوم». ومع ذلك، فإن محاولة اغتيال كسراوي أمام حزب «باهماد أزاديجان»، أخفقت. وسرعان ما هرب فريق الفدائيين الذي قام بالمحاولة. وبعد ذلك بشهور، تم اغتيال كسراوي بالأسلحة البيضاء داخل المحكمة بطهران.
المدهش، أن السلطات لم تبذل جهودا حثيثة لملاحقة قتلة كسراوي ومعاقبتهم، فقد كانت الاغتيالات السياسية ظاهرة جديدة في السياسة الإيرانية، ما جعل المسؤولين يشعرون بأن الخوف شلهم. فقد كان تنظيم «فدائيو الإسلام» الغامض، يستدعي إلى الأذهان إحدى الجماعات التي ظهرت في العصور الوسطي، وهي جماعة «الحشاشين»، التي كان يقودها حسن صباحي، وكانت تتمركز في أعماق جبال آلموت بشمال غربي طهران. وإدراكا للخوف الذي هيمن على السلطات، أنشأ نواب مركزا للتدريب العسكري في «فاشافويه»، ثم في ضاحية نائية في طهران. وإلى هذا المركز، قام رجال نواب باصطحاب صحافي شاب هو ماجد دوامي، وهو معصوب العينين لزيارتهم. وكان دوامي سيكتب تقريرا عن «المشهد السريالي الذي يتعلم فيه المراهقون والشباب الصغار غير القادرين على حمل السلاح، كيفية التصويب».
وبينما كان نواب يتعلم إطلاق النار، كان عليه أيضا معالجة المشكلة الكبرى المتعلقة بتأسيس إطار سياسي. وقد تمكن من معالجتها عبر الاستعانة بعدد من منشورات جماعة الإخوان المسلمين التي جلبها معه في رحلاته. وبعد أسابيع من كتابة فصول تبدو مفككة، وتتناول قضايا متباينة، أنتج نواب كتيبا تم طباعة نحو 10 آلاف نسخة منه، وتوزيعه مجانا في طهران وغيرها من كبرى المدن الإيرانية. وجاء كتيب نواب تحت عنوان «دليل الحقيقة»، وكان يتكون من ثلاثة أقسام. الأول، يعالج كيف يجب على المسلمين أن يعيشوا في مجتمع متأثر، إلى حد كبير، بالغرب وبعيد عن الإسلام. وعلى نحو مدهش، كشف زعيم الفدائيين، عن موقف معتدل في مواجهة الغرب. فهو لا يرفض الحضارة الغربية على نحو قاطع. كما أنه يستشهد باليابان باعتبارها نموذجا للحضارات غير الغربية القادرة على أن تأخذ من الغرب ما يفيدها وتترك ما لا يفيدها. ومن ثم، فإنه يقبل إرث إيران من الثورة الدستورية، بشرط ألا يمرر البرلمان المنتخب أي قوانين من دون الحصول على موافقة صريحة من رجال الدين الشيعة. في هذا السياق، يشير إلى الشيخ فضل الله النوري، الملا الذي كان يخطب مدافعا عن «الشرعية الدينية» في مواجهة الدستورية العلمانية، في بداية العقد الأول من القرن العشرين. (لاحقا أدين نوري بتهمة إثارة الفتنة وحكم عليه بالإعدام شنقا). ومن الأشياء الأخرى المثيرة للدهشة، أن نواب احتفى بالملكية باعتبارها أفضل نظام لحكم المسلمين حتى يعود «المهدي المنتظر». وقد وصف ملك المسلمين باعتباره «ملك الأمة»، لكنه حذر محمد رضا شاه من «لاعقي الأحذية الخونة» الذين يستغلون سلطاته. ولاحقا، زعم نواب في مذكراته التي نشرتها صحيفة «خواندنيها» الأسبوعية، بأنه في وقت ما من عام 1944، كان يفكر في اغتيال الشاه الصغير ولكنه غير رأيه. هل أقام نواب صلات مع حاشية الشاه؟ ظل هذا السؤال محل جدل عميق في إيران لستة عقود.
وفي كتابه، كان نواب واضحا في التأكيد على أن النساء لا يمكن أن يصبحن مساويات للرجال، وأنهن يجب أن يوفرن طاقتهن وطموحهن للعمل على أن يصبحن أمهات صالحات.

* ضد رجال الدين
* يعالج القسم الثاني من الكتاب، قضية البترول التي كانت من القضايا الساخنة في قلب الجدل الوطني الإيراني. والمثير للاهتمام، هو أن نواب لا يتحدث عن التأميم باعتباره الخيار الأفضل، وهي الفكرة التي تبناها، لاحقا، عدد من السياسيين بمن في ذلك محمد مصدق ومظفر البقاعي.
ويشتمل القسم الثالث من الكتاب، على هجوم عنيف على كبار رجال الدين الشيعة، مستهدفا آية الله العظمى محمد حسين بروجردي الذي كان يعد، في ذلك الوقت، أكبر مرجع تقليد في قم. وعلى الرغم من أن نواب لا يذكر اسم بروجردي، فإن الهجوم الذي شنه عليه لا يترك أي لبس في التعرف على هويته.
وكان لكتيب نواب، تأثيرا عميقا على تلك الأقلية من رجال الدين والمفكرين، ممن كانوا ينظرون إلى الإسلام ليس فقط باعتباره دينا، ولكن باعتباره آيديولوجية سياسية. كما ساهم كتاب نواب، في إلهام الخميني أثناء تأليفه كتاب «الحكومة الإسلامية» الذي سيصبح الأساس النظري للجمهورية الإسلامية لاحقا. وقد احتفى نواب بفرضية لامبتون، التي تفيد بأن الإيرانيين يجب أن يعيشوا في كنف نظام ديني، ولكنه لم يطالب بأن يشارك رجال الدين مباشرة في الحكم. كما اقترب الخميني من موقف لامبتون من خلال الدعوة «لولاية الفقيه» وممارسة رجال الدين للسلطة.
وعلى الرغم من أن كتاب نواب لا يتجاوز، من الناحية النظرية، كونه نشرة سطحية مخصصة لجذب المشاعر أكثر من مخاطبة العقول، فإنه يعد وثيقة مهمة نظرا لتأكيده على ضرورة قيام الأفراد بأفعال مباشرة. وبقبول مفهوم أن «الغاية تبرر الوسيلة»، أصبح الكثير من أجيال الإسلاميين الإيرانيين، المتأثرين بإخوان مصر، يؤمنون بأنهم يستطيعون أن يكذبوا ويغشوا، بل ويقتلوا لخدمة هدف نبيل: وهو تأسيس حكم إسلامي حقيقي. ولم يكن الخميني الشخص الوحيد الذي وقع أسيرا لكاريزما نواب. فلاحقا، ردد علي شريعتي، الكثير من أفكار نواب. ويزعم علي خامنئي، الذي أصبح لاحقا «المرشد الأعلى»، أنه حضر عددا من اللقاءات التي تحدث فيها نواب في طهران في بداية الخمسينات. فقد كتب خامنئي: «انبهرت به، فكان سحر شخصيته قادرا على جذب الجميع».
وعلى المدى القصير، لم يكن تأثير نواب كمنظر للسياسات الإسلامية ذا بال، ولكن دعوته للقيام بفعل مباشر، وجدت رواجا مدهشا. فقد استهل تنظيمه (الفدائيون)، والتنظيمات التابعة له، عصرا من الاغتيالات السياسية لم يكن مسبوقا في إيران، منذ الوقت الذي ظهرت فيه جماعة الحشاشين قبل ذلك بألف عام. وعلى الرغم من فشلها، فإن محاولة اغتيال الشاه استخدمت كحجة لحظر حزب توده، على الرغم من أن الشخص الذي كلّف بعملية الاغتيال، وهو ناصر فخر أرايي، كان صحافيا في صحيفة «شعار الإسلام» ولم يكن شيوعيا. كما تعرّض الكثير من الصحافيين العلمانيين أيضا للاستهداف. فقد قتل كل من محمد مسعود، رئيس تحرير «مرد أمروز» أو «رجل اليوم»، وأحمد دهقان، ناشر صحيفة «مصور طهران» الأسبوعية الذي اشتهر بانتقاداته للإسلاميين.
كما شن الفدائيون أيضا، الكثير من الهجمات الشرسة، فقد اغتالوا وزير الثقافة أحمد زنقانة، ورئيس الوزراء السابق، عبد الحسين هزير. ولاحقا، أخفقت محاولات اغتيال كل من رئيس الوزراء الأسبق حسين علاء، وحسين فاطمي ناشر صحيفة «بختار إمروز» أو «الغرب اليوم».
وجاءت أقوى الهجمات التي شنها الفدائيون في 7 مارس (آذار) 1951، عندما قاموا باغتيال رئيس الوزراء الجنرال علي رازمارا، خلال الصلاة في أحد المساجد الكبرى في طهران. في ذلك الوقت، وفي رسالة إلى نواب نشرت في صحيفة «شعار الإسلام»، هنأ «المرشد الأعلى» للإخوان المسلمين في مصر، حسن إسماعيل الهضيبي، «الإخوة الإيرانيين» بمناسبة «القضاء على عميل الكفر». وفي السنوات اللاحقة، تم التشكيك في نسبة تلك الرسالة إلى الهضيبي، أثناء محاولة المصريين وضع استراتيجية جديدة تستهدف إبعاد جماعة الإخوان عن العنف.ونظرا لرعبها من الفدائيين، لم تحاول السلطات الإيرانية معاقبة القائمين على عمليات الاغتيال، أو حتى إلقاء القبض عليهم. وكان القتلة، بمصاحبة نواب، يقومون بزيارة كبار رجال الدين في طهران، وكان من أبرزهم آية الله أبو القاسم كاشاني، لإبراز حصانتهم في سلسلة من الصور التذكارية. كما جال نواب عددا من المدن لترويج آيديولوجيته بشأن الفعل المباشر واستقطاب فدائيين جدد.
وانتشرت الإشاعات بشأن تمتعه بحماية أشخاص نافذين، بما في ذلك المحكمة الملكية والأوساط الموالية للبريطانيين في طهران. ويزعم المؤرخ محمد أميني، أنه قبل أسبوعين من اغتيال رازمارا، استقبل الشاه نواب في لقاء قصير. وعندما قام الشاه بعزل رئيس الوزراء في عام 1953، أرسل نواب برقية تهنئة إليه. ووفقا لتقارير لم تثبت صحتها، تمت مكافأته بالسماح له بالتحدث إلى جمهور داخل القصر. على أي حال، تم منح نواب، بعد أسبوع من تلك البرقية، جواز سفر و«مساهمة» مالية لكي يتمكن من القيام بجولة في الكثير من الدول العربية، بما في ذلك العراق والأردن ولبنان وفي النهاية مصر.

* لقاء ناصر في القاهرة
* وفي القاهرة، التقى نواب بقيادة الإخوان، كما التقى بالرئيس جمال عبد الناصر، في لقاء تم الترويج له على نحو واسع في إيران. وزعمت زوجة نواب، لاحقا، بأن زوجها نجح في تحويل نصف أعضاء حكومة ناصر إلى المذهب الشيعي. وفي لقاء مع قيادة الإخوان في القاهرة، تم التركيز على اتخاذ إجراءات مشتركة ضد «البدع في الإسلام». وفي القدس، التي كانت جزءا من المملكة الأردنية في تلك الفترة، ألقى نواب بخطة في مؤتمر إسلامي إلى جانب ممثلين عن أفرع جماعة الإخوان الأخرى. والمكان الوحيد الذي لم يلق فيه نواب الترحيب كان قم، قلب المذهب الشيعي الإيراني؛ حيث كان آية الله العظمى بروجردي ينظر إلى الفدائيين باعتبارهم مغامرين، تسيء سلوكياتهم لسمعة الإسلام كدين للتسامح والمنطق. ومن ثم فإنه عندما جاء نواب، بمصاحبة اثنين من كبار معاونيه، وهما محمد واحدي ومحمد ذو القدر إلى قم، لحضور اجتماع للفدائيين، أمر بروجردي طلابه، بقيادة حارسه الشخصي، محمد لور، وهو رجل قوي، بطردهم من المدينة. فقاموا بإلقاء نواب ورفيقه في البحيرة التي تقع على مقربة من ضريح المعصومة، فيما كان حشد من المتفرجين يقهقه بالضحك.
وقد مثلت تلك الحادثة بداية سوء حظ ذلك الفرع الإيراني للإخوان المسلمين. وبعدما أدركوا أنهم أصبحوا معرضين لخطر الاعتقال، اختبأ نواب ورفاقه في سبتمبر (أيلول) 1955. فقد كانوا قد حققوا الغرض الموكل إليهم من قبل تلك القوى الغامضة التي كانت تحميهم لعقد كامل، وأصبحت نهايتهم محتومة. وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، تم إلقاء القبض على نواب ومائة من معاونيه ومحاكمتهم في عدد من التهم، بما في ذلك القتل، وحكم على نواب وثلاثة من مساعديه هم تاهمبسي، الرجل الذي قتل رازمارا، وذو القدر، الرئيس التنظيمي للجماعة، وواحدي، منظر الجماعة، بالإعدام وتم تنفيذ الحكم في 18 يناير (كانون الثاني) 1956. وخلال المحاكمة، أثبت نواب أنه كان أضعفهم، حيث بكى وتوسل للحصول على عفو ملكي من دون جدوى. ولم يكن يعلم أنه بعد ربع قرن من تلك الواقعة، سوف يصبح أتباعه في السلطة في طهران، وأن أحد معجبيه، وهو الخميني، أعلن نفسه «كزعيم لكافة المسلمين في جميع أنحاء العالم».



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي طبيبة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.